نحصل من المعية ما يصدُق عليه الاسم. وهذا غلط عظيم في فهم مراد الربّ تعالى من أوامره؛ فإذا أمرنا بالتقوى والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحو ذلك لم يُرِدْ منا أن نأتي من ذلك بأقلِّ ما يُطلَق عليه الاسم، وهو مطلق الماهية المأمور بها، بحيث نكون ممتثلين لأمره إذا أتينا بذلك. وتمام تقرير هذا الوجه بما تقدَّم في تقرير الأمر بمتابعتهم سواء.
الوجه التاسع: قوله تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أخبر أنه جعلهم أمةً خِيارًا عَدْلًا، هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلُها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونياتهم، وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، والله سبحانه يقبل شهادتهم عليهم، فهم شهداؤه، ولهذا نوَّه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم؛ لأنه سبحانه لما اتخذهم شهداء أَعلَمَ خلْقَه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء، وأمر ملائكته أن تصلِّي عليهم وتدعوَ لهم وتستغفر لهم.
والشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدقٍ، فيخبر بالحق مستندًا إلى علمه به، كما قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86]. فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقًا من غير علمه به، وقد يعلمه ولا يخبر به؛ فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم. فلو كان علمُهم أن يفتي أحدهم بفتوى وتكون خطأ مخالِفةً لحكم الله ورسوله، ولا يفتي غيره بالحق الذي هو حكم الله ورسوله، إما مع اشتهار فتوى الأول أو
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 598)
بدون اشتهارها= كانت هذه الأمة العدلُ الخيارُ قد أصفقَتْ(1) على خلاف الحق، بل انقسموا قسمين: قسمًا(2) أفتى بالباطل، وقسمًا سكت عن الحق، وهذا من المستحيل، فإن الحق لا يعدوهم ويخرج عنهم إلى مَن بعدهم قطعًا، ونحن نقول لِما(3) خالف أقوالهم: لو كان خيرًا ما سبقونا إليه.
الوجه العاشر: أن(4) قوله تبارك وتعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ [178/ب] وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} الآية [الحج: 78]، فأخبر سبحانه أنه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء، وهو افتعال من «اجتبى الشيءَ يجتبيه»(5) إذا ضمَّه إليه وحازَه إلى نفسه، فهم المجتَبَون الذين اجتباهم الله إليه وجعلهم أهله وخاصَّته وصفوتَه من خلقه بعد النبيين والمرسلين، ولهذا أمرهم سبحانه أن يجاهدوا فيه حقَّ جهاده، فيبذلوا له أنفسهم، ويُفرِدوه بالمحبة والعبودية، ويختاروه وحده إلهًا معبودًا محبوبًا على كل ما سواه كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحدَه إلههم ومعبودهم الذي يتقرَّبون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم وإرادتهم(6) ومحبتهم، فيُؤثِرونه في كل حال على ما سواه، كما--------------------------------------------
(1) أي اجتمعت وأطبقت.
(2) ك، ب: «قسم» في الموضعين.
(3) في المطبوع: «لمن» خلاف النسخ.
(4) «أن» ليست في ك.
(5) ك، ب: «جبى الشيء يجبيه».
(6) «وإرادتهم» ليست في ز.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 599)
اتخذهم عبيدَه وأولياءه وأحبابه، وآثرهم بذلك على من سواهم.
ثم أخبرهم سبحانه أنه يسَّر عليهم دينه(1) غايةَ التيسير، ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتةَ لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم، ثم أمرهم بلزوم ملة إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم، وهي إفراده سبحانه وحده بالعبودية والتعظيم والحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام؛ فيكون تعلُّق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره(2).
ثم أخبر سبحانه أنه نوَّه بهم وأثنى عليهم قبل وجودهم، وسمّاهم عباده المسلمين قبل أن يُظهرهم، ثم نوَّه بهم وسمّاهم كذلك بعد أن أوجدهم اعتناءً بهم، ورفعةً لشأنهم، وإعلاءً لقدرهم. ثم أخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على الناس؛ فيكونون مشهودًا لهم بشهادة الرسول شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم، فكان هذا التنويه وإشادة(3) الذكر لهذين الأمرين الجليلين ولهاتين الحكمتين العظيمتين. والمقصود أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده سبحانه فمن المحال أن يَحرِمهم كلَّهم الصوابَ في مسألة، فيفتي فيها بعضهم بالخطأ، ولا يفتي فيها غيره بالصواب، ويَظفر فيها بالهدى مَن بعدهم، والله المستعان.
الوجه الحادي عشر: قوله تبارك وتعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101]، ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه أخبر عن--------------------------------------------
(1) ك، ب: «دينهم».
(2) ز: «بغيرهم».
(3) ز: «وإشارة».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 600)
المعتصمين به أنهم قد هُدوا إلى الحق؛ فنقول: الصحابة معتصمون بالله فهم مهديُّون، فاتباعهم واجب. أما المقدمة الأولى فتقريرها من وجوه، أحدها: قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 78]، ومعلومٌ كمال تولِّي الله سبحانه لهم ونصره إيّاهم أتمَّ نصرة، وهذا يدلُّ على أنهم اعتصموا به أتمَّ اعتصام، فهم مَهديُّون بشهادة الربّ لهم بلا شك، واتباع المهديّ واجب شرعًا وعقلًا وفطرةً بلا شك. وما يَرِد على هذا الوجه من أن المتابعة لا تستلزم المتابعة في جميع أمورهم فقد تقدم جوابه.
الوجه الثاني عشر: قوله تبارك وتعالى عن أصحاب موسى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا [179/أ] وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، فأخبر سبحانه أنه جعلهم أئمةً يأتمُّ بهم مَن بعدهم لصبرهم ويقينهم؛ إذ بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، فإن الداعي إلى الله لا يتمُّ له أمره إلا بتيقُّنهِ للحق الذي يدعو إليه، وبصيرتِه به، وصبرِه على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاقِّ الدعوة، وكفِّ النفس عما يُوهِن عزمَه ويُضعِف إرادته، فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره سبحانه.
ومن المعلوم أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحقُّ وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى، فهم أكمل يقينًا وأعظم صبرًا من جميع الأمم، فهم أولى بمنصب هذه الإمامة. وهذا أمر ثابت لهم بلا شك بشهادة الله لهم وثنائه عليهم، وشهادة الرسول لهم بأنهم(1) خير القرون، وأنهم خِيَرة الله وصفوته. ومن المحال على مَن هذا شأنهم أن يُخطئوا كلهم الحقَّ، ويَظفر به--------------------------------------------
(1) ز: «بأنه».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 601)
المتأخرون، ولو كان هذا ممكنًا لانقلبت الحقائق، وكان المتأخرون أئمةً لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم وأقوالهم، وهذا كما أنه محال حِسًّا وعقلًا فهو محال شرعًا، وبالله التوفيق.
الوجه الثالث عشر: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، وإمام بمعنى قدوة، وهو يصلح للواحد والجمع كالأمَّة والأسوة. وقد قيل: هو جمعُ آمٍّ(1)، كصاحب وصِحاب، وراجل ورِجال، وتاجر وتِجار. وقيل: هو مصدر كقِتال وضِراب، أي ذَوي إمامٍ. والصواب الوجه الأول، فكلُّ من كان من المتقين وجب عليه أن يأتمَّ بهم، والتقوى واجبة، فالائتمام بهم واجب، ومخالفتهم فيما أفتَوا به مخالف للائتمام بهم. وإن قيل: «نحن نأتمُّ بهم في الاستدلال وأصول الدين» فقد تقدَّم مِن جواب هذا ما فيه كفاية.
الوجه الرابع عشر(2): ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح من وجوه متعددة أنه قال: «خيرُ القرون القرنُ الذي بُعِثتُ فيهم، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يَلُونهم»(3). فأخبر صلى الله عليه وسلم أن خير القرون قرنه مطلقًا، وذلك يقتضي--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «آمم» خلاف جميع النسخ التي فيها الكلمة بميم واحدة، وهي مشددة بإدغام الميمين، ولا يجوز فكّها، مثل ضالّ وحاجّ وشابّ وحارّ وغيرها.
(2) عاد المؤلف إلى النقل من «تنبيه الرجل العاقل» بعد ما أضاف ستة أدلة أو وجوه من القرآن، من الوجه الثامن إلى الثالث عشر.
(3) رواه البخاري (2651) ومسلم (2535) من حديث عمران بن حصين، ورواه أيضًا البخاري (2652) ومسلم (2533) من حديث ابن مسعود، ورواه مسلم (2534) من حديث أبي هريرة نحوه.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 602)
تقدُّمَهم(1) في كل باب من أبواب الخير، وإلا لكانوا خيرًا من بعض الوجوه، فلا يكونون خيرَ القرون مطلقًا. فلو جاز أن يُخطئ الرجل منهم في حكمٍ وسائرُهم لم يُفتوا بالصواب، وإنما ظَفِرَ بالصواب مَن بعدهم، وأخطأوه هم لزِم أن يكون ذلك القرن خيرًا منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن.
ثم هذا يتعدَّد في مسائل عدة؛ لأن من يقول «قول الصحابي ليس بحجة» يجوز عنده أن يكون مَن بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها(2) الصحابي قولًا ولم يخالفه صحابيٌّ آخر، وفات هذا الصواب للصحابة(3)، ومعلوم أن هذا يأتي في مسائل كثيرة تفوق العدَّ والإحصاء، فكيف يكونون خيرًا ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم [179/ب] بالصواب فيما يفوق العدَّ والإحصاء مما(4) أخطؤوا فيه؟ ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكملُ الفضائل وأشرفها، فيا سبحان الله! أيُّ وصمةٍ أعظمُ من أن يكون الصدّيق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عُبادة بن الصامت وأضرابهم قد أخبر عن حكم الله أنه كيتَ وكيتَ في مسائل كثيرة، وأخطأ في ذلك(5)، ولم يشتمل قَرنهم على ناطقٍ بالصواب في تلك المسائل، حتى نَبَغَ من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة، وأصابوا الحق--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «تقديمهم» خلاف النسخ و «تنبيه الرجل».
(2) «فيها» ليست في ك.
(3) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «الصحابة».
(4) في النسخ: «ما». والمثبت من «التنبيه».
(5) في النسخ: «فيه ذلك». والمثبت من «التنبيه».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 603)
الذي أخطأه أولئك الأئمة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
الوجه الخامس عشر: ما روى مسلم في «صحيحه»(1) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: صلَّينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلنا: لو جلسنا حتى نصلِّي معه العشاء، فجلسنا، فخرج علينا فقال: «ما زِلْتم هاهنا؟» فقلنا: يا رسول الله، صلَّينا معك المغربَ ثم قلنا: نجلس حتى نصلّي معك العشاء. قال: «أحسنتم وأصبتم»، ورفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجومُ أَمَنةٌ للسماء، فإذا ذهبتِ النجومُ أتى السماءَ ما تُوعد، وأنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعَدون، وأصحابي أَمَنَةٌ لأمتي، فإذا ذهبَ أصحابي أتى أمتي ما يُوعَدون». ووجه الاستدلال بالحديث أنه جعل نسبةَ أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه، وكنسبة النجوم إلى السماء، ومن المعلوم أن هذا التشبيه يُعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم هم بنبيهم صلى الله عليه وسلم، ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم. وأيضًا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنةً لهم وحِرزًا من الشر وأسبابه، فلو جاز أن يُخطئوا فيما أفتوا به ويَظفر به مَن بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنةً للصحابة وحِرزًا لهم، وهذا من المحال.
الوجه السادس عشر: ما رواه أبو عبد الله ابن بطَّة(2) من حديث الحسن--------------------------------------------
(1) رقم (2531).
(2) لم أجد النصّ في «الإبانة» (فضائل الصحابة)، فالمطبوع ناقص. وقد رواه ابن المبارك في «الزهد» (572) والبزار (13/ 219) وأبو يعلى (2762) من طريق إسماعيل عن الحسن به، قال الحافظ في «المطالب» (17/ 88): تفرد به إسماعيل، وليس بالحافظ. وروي عن الحسن مرسلًا كما سيأتي من كلام المصنف.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 604)
عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مَثَلَ أصحابي في أمتي كمَثَلِ الملح في الطعام، لا يصلُح الطعام إلا بالملح». قال الحسن: قد(1) ذهب مِلْحُنا فكيف نَصلُح؟
وروى ابن بطَّة(2) أيضًا بإسنادين إلى عبد الرزاق أخبرنا مَعمر عمن سمع الحسن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثلُ أصحابي في الناس كمَثَلِ الملح في الطعام». ثم يقول الحسن: هيهات! ذهب مِلحُ القوم.
وقال الإمام أحمد(3): حدثنا حُسين بن علي الجعفي عن أبي موسى ــ يعني إسرائيل ــ عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ أصحابي كمَثَلِ الملح في الطعام». قال: يقول الحسن: هل يَطيب الطعامُ إلا بالملح؟ ويقول الحسن: فكيف بقومٍ ذهبَ ملحُهم؟
ووجه الاستدلال أنه شبَّه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم بالملح الذي صلاحُ الطعام به، فلو جاز أن يُفتوا بالخطأ ولا يكون في عصرهم من يفتي بالصواب ويَظفر به مَن بعدهم لكان مَن [180/أ] بعدهم مِلْحًا لهم، وهذا محال. يوضِّحه أن الملح كما أن به صلاحَ الطعام؛ فالصواب به صلاح الأنام، فلو أخطأوا فيما أفتوا به لاحتاج ذلك إلى ملحٍ يُصلِحه، فإذا أفتى مَن بعدهم بالحق كان قد أصلح خطأهم فكان مِلْحًا لهم.--------------------------------------------
(1) ك، ب: «فقد».
(2) ذكره في «الشرح والإبانة» (ص 113) بدون إسناد. وهو في «مصنف عبد الرزاق» (20377).
(3) في «فضائل الصحابة» (1730). ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (33072) بنفس الإسناد نحوه، وهو صحيح.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 605)
الوجه السابع عشر: ما روى البخاري في «صحيحه»(1) من حديث الأعمش قال: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَسُبُّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفقَ مِثلَ أحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه». وفي لفظ(2): «فوالذي نفسي بيده». وهذا خطابٌ منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مُسلِمة الحديبية والفتح، فإذا كان مُدُّ أحد أصحابه ونصيفُه أفضلَ عند الله من مِثلِ أحدٍ ذهبًا من مِثلِ خالد وأضرابه من الصحابة، فكيف يجوز أن يَحرِمَهم الله الصوابَ في الفتاوى ويَظفر به مَن بعدهم؟ هذا من أبينِ المحال.
الوجه الثامن عشر: ما روى الحميدي حدثنا محمد بن طلحة قال: حدثني عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عُوَيم بن ساعدة عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اختارني، واختار لي أصحابًا، فجعل لي منهم وزراءَ وأنصارًا وأصهارًا» الحديث(3). ومن المحال أن يَحرِم الله الصوابَ مَن اختارهم لرسوله وجعلهم وزراءه وأنصاره وأصهاره، ويُعطِيَه مَن بعدهم في شيء من الأشياء.--------------------------------------------
(1) رقم (3673). وأخرجه مسلم (2541) بهذا الطريق نحوه.
(2) عند مسلم (2540) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) رواه ابن ابي عاصم في «السنة» (1000) والطبراني (17/ 439) والحاكم (3/ 632) من طريق محمد بن طلحة التيمي به، وهذا إسناد ضعيف من أجل محمد بن طلحة، وجهالة عبد الرحمن. انظر: «المدخل» للبيهقي (1/ 50) و «مجمع الزوائد» (10/ 17).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 606)
الوجه التاسع عشر: ما روى(1) أبو داود الطيالسي(2) حدثنا المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلبَ محمدٍ خيرَ قلوب العباد، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوبَ أصحابه خيرَ قلوب العباد، فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح.
ومن المحال أن يُخطئ الحقَّ في حكم الله خيرُ قلوب العباد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويَظفَر به مَن بعدهم. وأيضًا فإن ما أفتى به أحدهم وسكت عنه الباقون كلُّهم فإما أن يكونوا قد رأوه حسنًا أو يكونوا رأوه قبيحًا، فإن كانوا رأوه حسنًا فهو حسنٌ عند الله، وإن كانوا رأوه قبيحًا ولم يُنكِروه لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد، وكان مَن أنكره بعدهم خيرًا منهم وأعلمَ، وهذا من أبين المحال.
الوجه العشرون: ما رواه الإمام أحمد(3) وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من كان متأسِّيًا فليتأسَّ بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبرَّ هذه--------------------------------------------
(1) ك: «رواه».
(2) في «مسنده» (243). وأخرجه أيضًا أحمد (3600) والبزار (5/ 212) وإسناده حسن من أجل عاصم، وصححه المصنف في «الفروسية» (ص 299)، وقال ابن تيمية في «منهاج السنة» (2/ 77): إسناده معروف، وحسنه الحافظ في «موافقة الخبر الخبر» (2/ 435) والسخاوي في «المقاصد الحسنة» (435).
(3) لم أجده في «المسند» وغيره من مؤلفاته. وقد أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1808) والهروي في «ذم الكلام» (ص 188) وأبو نعيم (1/ 305) من طرقٍ عن ابن مسعود يقوِّي بعضها بعضًا.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 607)
الأمة قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلُّفًا، وأقومَها هَدْيًا، وأحسَنها حالًا، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامةِ دينه، فاعرِفوا لهم فضلَهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم.
ومن المحال أن يَحرِم الله أبرَّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقَها علمًا، وأقلَّها تكلفًا، وأقومَها هديًا، الصوابَ [180/ب] في أحكامه، ويوفِّق له مَن بعدهم.
الوجه الحادي والعشرون: ما رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن حذيفة بن اليمان أنه قال: يا معشرَ القراء، خُذوا طريقَ من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا(1).
ومن المحال أن يكون الصواب في غير طريق مَن سبقَ إلى كل خير على الإطلاق.
الوجه الثاني والعشرون: ما قاله جُندب بن عبد الله لفرقةٍ دخلت عليه من الخوارج، فقالوا: ندعوك إلى كتاب الله، فقال: أنتم؟ قالوا: نحن، قال: أنتم؟ قالوا: نحن، فقال: يا أخابثَ(2) خلقِ الله، في اتّباعنا تختارون الضلالة أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى؟! اخرجوا عني(3).--------------------------------------------
(1) رواه أبو نعيم في «الحلية» (10/ 280)، ولم أجده من حديث حذيفة عند الطبراني في كتبه، وهو عنده في «الكبير» (9/ 135) من حديث ابن مسعود بنحوه. وأصله في البخاري (7282) من حديث حذيفة بلفظ: «يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، فإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا».
(2) في المطبوع: «أخابيث» خلاف النسخ.
(3) لم أجده إلّا في «تنبيه الرجل العاقل» (ص 548) بدون إسناد.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 608)
ومن المعلوم أن من جوَّز أن تكون الصحابة أخطأوا في فتاويهم فمَن بعدهم، وخالفَهم فيها= فقد اتبع الحقَّ في غير سنتهم، وقد دعاهم إلى كتاب الله؛ فإن كتاب الله إنما يدعو إلى الحق، وكفى ذلك إزراءً على نفوسهم وعلى الصحابة.
الوجه الثالث والعشرون: ما رواه الترمذي(1) من حديث العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغة ذَرَفتْ منها العيون، ووَجِلتْ منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظةُ مودِّع، فماذا تعهَدُ إلينا؟ فقال: «عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبد حبشيٌّ كأنّ رأسَه زبيبة، وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي، تمسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدَثاتِ الأمور، فإن كل محدثة [بدعة، وكل بدعة](2) ضلالة»، وهذا حديث حسن، إسناده لا بأس به.
فقَرَنَ سنة خلفائه بسنته، وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته، وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعضَّ عليها بالنواجذ، وهذا يتناول ما أفْتَوا به وسَنُّوه للأمة، وإن لم يتقدَّم من نبيهم فيه شيء، وإلا كان ذلك سنتَه، ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم لأنه علَّق ذلك بما سنَّه الخلفاء الراشدون، ومعلوم أنهم لم يسنُّوا ذلك وهم خلفاء في آنٍ واحد، فعُلِم أن ما سنَّه كل--------------------------------------------
(1) رقم (2676). ورواه أيضًا أحمد (17144، 17145) وأبو داود (4607) وابن ماجه (42). وإسناده صحيح، صححه البزار كما في «جامع بيان العلم» (2/ 924) والترمذي وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (4/ 399) والذهبي في «تاريخ الإسلام» (30/ 408) والعيني في «نخب الأفكار» (2/ 146).
(2) ما بين المعكوفتين ليس في جميع النسخ، وزيد من مصادر التخريج والنسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 609)
واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين.
ورواه الإمام أحمد في «مسنده»(1) من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضَمْرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلَمي سمع العرباض بن سارية(2)، فذكر نحوه.
الوجه الرابع والعشرون: ما رواه الترمذي(3) من حديث الثوري عن عبد الملك بن عمير عن هلال مولى رِبْعِي بن حِرَاش عن رِبْعِي عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتدُوا باللَّذَينِ من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهَدْي عمَّار، وتمسَّكوا بعهدِ ابن أم عبد». قال الترمذي: هذا حديث حسن. ووجه الاحتجاج به ما تقدم في تقرير المتابعة.
الوجه الخامس والعشرون: ما رواه مسلم في «صحيحه»(4) من حديث عبد الله بن رَباح عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يُطِع القومُ أبا بكر وعمر يَرشُدوا». [181/أ] وهو في حديث الميضأة الطويل، فجعل الرشد معلّقًا--------------------------------------------
(1) رقم (17142).
(2) «بن سارية» ليست في ك.
(3) رقم (3799). وكذلك رواه أحمد (23276، 23419). ورواه بدون واسطة مولى رِبعي: أحمد (23245) والترمذي (3662) وابن ماجه (97) والحاكم (3/ 75) والبيهقي (8/ 153). وله شواهد، انظر: «البدر المنير» (9/ 578) و «التلخيص الحبير» (4/ 460). والحديث ضعفه البزار كما في «التلخيص الحبير» وابن حزم في «الإحكام» (2/ 250)، وحسنه العقيلي (5/ 308) وابن عبد البر في «الجامع» (2/ 312) والذهبي في «التاريخ» (3/ 257)، وصححه ابن حبان والحاكم وابن العربي في «العواصم» (ص 252)، والحديث حسن إن شاء الله.
(4) رقم (681).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 610)
بطاعتهم(1)، فلو أفتَوا بالخطأ في حكمٍ وأصابه مَن بعدهم لكان الرشد في خلافهما(2).
الوجه السادس والعشرون: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر في شأن تأمير القَعْقاع بن حكيم(3) والأقرع بن حابس: «لو اتفقتما على شيء لم أخالِفْكما»(4). فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر أنه لا يخالفهما لو اتفقا، ومن يقول قولهما ليس بحجة يجوِّز مخالفتهما، وبعض غُلاتهم يقول: لا يجوز الأخذُ بقولهما ويجب الأخذ بقول إمامنا الذي قلَّدناه، وذلك موجود في كتبهم.
الوجه السابع والعشرون: أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أبي بكر وعمر فقال: «هذان السمع والبصر»(5). أي هما منّي بمنزلة السمع والبصر، أو هما من--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «بطاعتهما» خلاف النسخ.
(2) ك، ب: «خلافها».
(3) كذا عند المؤلف، والصواب القعقاع بن معبد كما في البخاري، وسيأتي. أما القعقاع بن حكيم فليس صحابيًا، بل هو من ثقات التابعين من رجال مسلم، مترجم في «تهذيب التهذيب» (8/ 383).
(4) ذكره بهذا اللفظ شيخ الإسلام في «منهاج السنة» (6/ 129، 8/ 295) و «جامع الرسائل» (1/ 267). وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (17994) من حديث عبد الرحمن بن غَنْم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما في مشورةٍ ما خالفتكما». وفي إسناده شهر بن حوشب ضعيف. وعبد الرحمن بن غنم له صحبة. أما الخلاف بين أبي بكر وعمر بشأن تأمير القعقاع أو الأقرع، فقد رواه البخاري (4367، 4847)، وليس عنده قول النبي صلى الله عليه وسلم.
(5) رواه أحمد في «الفضائل» (686) والترمذي (3671) والحاكم (3/ 69) من طريق عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن حنطب، وهو مرسل، وله شواهد. وحسنه الذهبي في «تلخيص المستدرك»، وصححه الألباني في «الصحيحة» (814).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 611)
الدين بمنزلة السمع والبصر، ومن المحال أن يُحرَم سمعُ الدين وبصرُه الصوابَ ويَظْفَر به من بعدهما.
الوجه الثامن والعشرون: ما رواه أبو داود وابن ماجه(1) من حديث ابن إسحاق عن مكحول عن غُضَيف بن الحارث عن أبي ذر قال(2): مرَّ فتًى على عمر رضي الله عنه، فقال عمر: نعم الفتى، قال: فتبعه أبو ذر، فقال: يا فتى استغفِرْ لي، فقال: يا أبا ذر، أَستغفر لك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: استغفِرْ لي، قال: لا أو تُخبرنَّ(3)، قال: إنك مررتَ على عمر فقال: نعم الفتى، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله جعلَ الحقَّ على لسانِ عمر وقلبِه». ومن المحال أن يكون الخطأ في مسألةٍ أفتى بها مَن جعلَ الله الحقَّ على لسانِه وقلبِه حظَّه(4)، ولا ينكره عليه أحد من الصحابة، ويكون الصوابُ فيها حظَّ مَن بعده، هذا من أبينِ المحال.--------------------------------------------
(1) عند أبي داود (2962) وابن ماجه (108) الجزء المرفوع بهذا الإسناد دون القصة. ورواه أحمد (21457، 21542) والحاكم (3/ 86 - 87) والبيهقي في «المدخل» (66) بهذا الإسناد مع القصة. وصححه الترمذي والحاكم وابن تيمية في «منهاج السنة» (6/ 63).
(2) كذا في النسخ: «عن أبي ذر قال»، فيوهم أن «مرَّ فتى … » قولُه، والواقع أنه قول غُضَيف، وهو الفتى المذكور كما في مصادر التخريج. والمؤلف روى القصة بالمعنى.
(3) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «تخبرني».
(4) «حظَّه» خبر «يكون».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 612)
الوجه التاسع والعشرون: ما رواه مسلم في «صحيحه»(1) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد كان فيمن خَلا من الأمم أناسٌ مُحدَّثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ فهو عمر». وهو في «المسند» والترمذي(2) وغيرهما من حديث أبي هريرة.
والمحدَّث: هو المكلَّم الذي يُلقي الله في رُوْعِه الصوابَ يحدِّثه به المَلَك عن الله، ومن المحال أن يختلف هذا ومَن بعده في مسألة ويكون الصواب فيها مع المتأخر دونه؛ فإن ذلك يستلزم أن يكون ذلك الغير هو المحدَّث بالنسبة إلى هذا الحكم دون أمير المؤمنين، وهذا وإن أمكن في أقرانه من الصحابة فإنه لا يخلو عصرهم من الحق: إما على لسان عمر، وإما على لسان غيره منهم، وإنما المحال أن يفتي أمير المؤمنين المحدَّث بفتوى أو يحكم بحكم ولا يقول أحد من الصحابة غيره ويكون خطأ، ثم يوفَّق له مَن بعدهم فيصيب الحق ويخطئه الصحابة.
الوجه الثلاثون: ما رواه الترمذي من حديث بكر بن عمرو عن مِشْرَح بن هَاعان عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لو كان بعدي نبيٌّ لكان عمر»(3). وفي لفظ: «لو لم أُبعَثْ فيكم لبُعِثَ فيكم--------------------------------------------
(1) رقم (2398). وأخرجه أيضًا أحمد (24285) والترمذي (3693).
(2) «المسند» (8468). وهو عند الترمذي (3693) من حديث عائشة رضي الله عنها كما سبق. وأخرجه البخاري (3689) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وهو حديث واحد وقع الخلاف فيه من بعض الرواة. انظر: «فتح الباري» (7/ 50) و «العلل» للدارقطني (14/ 311، 312).
(3) رواه أحمد (17405) والترمذي (3686) والطبراني (17/ 298) والحاكم (3/ 85) وهذا إسناد حسن من أجل مشرح، وصححه الحاكم وابن تيمية في «منهاج السنة» (6/ 68)، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (327).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 613)
عمر»(1). قال الترمذي: حديث حسن. ومن المحال أن يختلف مَن هذا شأنه ومن بعده من(2) [181/ب] المتأخرين في حكم من أحكام الدين ويكون حظُّ عمر منه الخطأَ وحظُّ ذلك المتأخر منه الصوابَ.
الوجه الحادي والثلاثون: ما روى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن عليًّا رضي الله عنه قال: ما كنَّا نُبعِد أن السكينة تَنْطِق على لسان عمر(3). ومن المحال أن يكون مَن بعده مِن المتأخرين أسعدَ بالصواب منه في أحكام الله عز وجل. ورواه عمرو بن ميمون وزِرّ(4) عن علي.--------------------------------------------
(1) رواه ابن عدي (4/ 1511) وابن الجوزي في «الموضوعات» (1/ 320) وابن عساكر (44/ 114). وفي إسناده عبد الله بن واقد، وهومتروك، وضعفه ابن عدي وابن الجوزي وابن عساكر.
(2) «من» ليست في ز.
(3) رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على «فضائل الصحابة» (310، 470) وابن أبي شيبة (32637) وأبو نعيم في «الحلية» (4/ 328) بهذا الإسناد، وصححه ابن تيمية في «منهاج السنة» (6/ 57)، وحسَّنه الهيثمي (9/ 70) والشوكاني في «در السحابة» (101).
(4) في النسخ المخطوطة والمطبوعة: «عن زر»، وهو خطأ، والصواب: «وزِرّ»، فكلٌّ منهما يروي هذا عن علي، ورواية عمرو عن علي أخرجها الطبراني في «المعجم الأوسط» (5549) والبيهقي في «دلائل النبوة» (6/ 369، 370). قال البيهقي بعد روايته: «تابعه زرّ بن حبيش والشعبي عن علي». ورواية زرّ عن علي أخرجها عبد الرزاق في «المصنّف» (20380) وعبد الله بن أحمد في زيادات «فضائل الصحابة» (522).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 614)
الوجه الثاني والثلاثون: ما رواه واصل الأحدب عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: ما رأيتُ عمر إلا وكأنَّ بين عينيه ملَكًا يسدِّده(1). ومعلوم قطعًا أن هذا أولى بالصواب ممن ليس بهذه المثابة.
الوجه الثالث والثلاثون: ما رواه الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: والله لو أنّ علْمَ عمر وُضِع في كِفَّة ميزانٍ وجُعِل علم أهل الأرض في كِفَّةٍ لرجَحَ علمُ عمر. فذكرتُ ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: قال عبد الله: والله إني لأحسبُ عمر ذهبَ بتسعة أعشارِ العلم(2). ومن أبعد الأمور أن يكون المخالف لعمر بعد انقراض عصر الصحابة أولى بالصواب منه في شيء من الأشياء.
الوجه الرابع والثلاثون: ما رواه ابن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سئل عن شيء وكان في القرآن أو السنة قال به، وإلا قال بما قال به أبو بكر وعمر، فإن لم يكن قال برأيه(3). فهذا ابن عباس ــ واتباعه للدليل وتحكيمه للحجة معروف، حتى يخالف لِما قام عنده من الدليل أكابرَ الصحابة ــ يجعل قول أبي بكر وعمر حجة يؤخذ بها بعد قول الله ورسوله، ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة.--------------------------------------------
(1) رواه أبو نعيم في «تثبيت الإمامة» (88) والطبراني (8832) والبيهقي في «المدخل» (69)، وإسناده صحيح، صححه ابن تيمية في «منهاج السنة» (6/ 57).
(2) تقدم تخريجه (3/ 159).
(3) رواه الدارمي (168) وابن أبي شيبة (23448) والحاكم (1/ 127) والبيهقي (10/ 115) من طريق ابن عيينة به، وإسناده صحيح.
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 615)
الوجه الخامس والثلاثون: ما رواه منصور عن زيد بن وهب عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رضيتُ لأمتي ما رضيَ لها ابنُ أم عبدٍ»(1). كذا رواه يحيى بن يعلى المحاربي عن زائدة عن منصور، والصواب ما رواه إسرائيل وسفيان عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا(2). ولكن قد روى جعفر بن عون عن المسعودي عن جعفر بن عمرو بن حُريث عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود: «اقْرَأْ»(3) قال: أَقرأُ وعليك أُنزِل؟ قال: «إني أحِبُّ أن أَسمعه من غيري»، فافتتح سورة النساء حتى إذا بلغ {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] فاضَتْ عينَا رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وكفَّ عبد الله، فقال(4) رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكلَّم»(5) فحمد الله في أول كلامه، وأثنى على الله، وصلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد شهادة الحق، وقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، ورضيتُ لكم ما رضي [الله ورسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:--------------------------------------------
(1) أخرجه الحاكم (3/ 317، 318) بهذا الإسناد. وهو معلول، وسيأتي كلام المؤلف عليه.
(2) رواه هكذا أحمد في «فضائل الصحابة» (1536) وابن أبي شيبة (32896) والطبراني في «الكبير» (8458) والحاكم (3/ 318)، ورواه البزار (5/ 354) والطبراني في «الأوسط» (6875) من طريق عمرو بن أبي قيس عن منصور بن المعتمر عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود مرفوعًا. ولكن البزار رجّح الإرسال، وكذا البيهقي في «المدخل» (1/ 99).
(3) بعدها في المطبوع: «عليّ». وليست في النسخ و «المستدرك».
(4) كذا في النسخ و «المستدرك». وفي المطبوع: «فقام».
(5) في النسخ: «وتكلم»، والصواب أنه صيغة أمر بحذف الواو كما في «المستدرك».
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 616)
«رضيتُ لكم ما رضي](1)
لكم ابن أم عبد»(2).
ومن قال: «ليس قوله بحجة، وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز أن يكون الصواب في قول المخالف له» لم يرضَ للأمة ما رضِيَه له(3) ابنُ أم عبد ولا ما رضِيَه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوجه السادس والثلاثون: ما رواه أبو إسحاق عن حارثة بن مُضرِّب قال: كتب عمر إلى أهل الكوفة: «قد بعثتُ إليكم [182/أ] عمار بن ياسر أميرًا، وابن مسعود معلِّمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أهل بدر، فاقتدُوا بهما، واسمعوا قولهما، وقد آثرتُكم بعبد الله على نفسي»(4).
فهذا عمر قد أمر أهل الكوفة أن يقتدوا بعمار وابن مسعود ويسمعوا قولهما، ومن لم يجعل قولهما حجةً يقول: لا يجب الاقتداء بهما ولا سماعُ أقوالهما إلا فيما أجمعتْ عليه الأمة، ومعلومٌ أن ذلك لا اختصاصَ لهما به، بل لا فرقَ فيه بينهما وبين غيرهما من سائر الأمة.
الوجه السابع والثلاثون: ما قاله عُبادة بن الصامت وغيره: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن نقولَ بالحق حيث كنّا، ولا نخافَ في الله لومة لائم(5).--------------------------------------------
(1) زيادة من «المستدرك» ليستقيم السياق، وليست في النسخ المخطوطة والمطبوعة ..
(2) رواه الحاكم (3/ 319) بهذا الطريق وصححه، والمسعودي ضعيف، وأوله في «الصحيحين» انظر: البخاري (4582، 5050، 5055) ومسلم (800).
(3) كذا في النسخ. وفي المطبوع: «لهم».
(4) رواه الحاكم (3/ 388) من طريق سفيان عن أبي إسحاق به، وصححه الحاكم وابن كثير في «مسند الفاروق» (2/ 678).
(5) أخرجه البخاري (7199، 7200) ومسلم (1709).
(খণ্ড: 4) (পৃষ্ঠা: 617)