وأما المقدمة الثانية فكون اللفظ صريحًا أو كنايةً أمر يختلف باختلاف عرف المتكلم والمخاطب [248/أ] والزمان والمكان. فكم من لفظ صريحٌ عند قوم، وليس بصريح عند آخرين، وفي مكان دون مكان، وزمان دون زمان. فلا يلزم من كونه صريحًا في خطاب الشارع أن يكون صريحًا عند كلِّ متكلِّم، وهذا ظاهر.
والمقصود: أن قوله: «الإجارةُ(1) نوعٌ من البيع» إن أراد به البيع الخاصَّ فباطل، وإن أراد به البيع العامَّ فصحيح. ولكن قوله: «إن هذا البيع لا يرد على معدوم» دعوى باطلة، فإن الشارع جوَّز المعاوضة العامَّة على المعدوم. فإن قستم بيع المنافع على بيع الأعيان فهذا قياس في غاية الفساد، فإن المنافع لا يمكن أن يعقد عليها في حال وجودها البتة، بخلاف الأعيان. وقد فرَّق بينها الحسُّ والشرعُ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يؤخَّر العقد على الأعيان التي لم تُخلق إلى أن تخلق، كما نهى عن بيع السنين، وحَبَل الحَبَلة، والثمر قبل أن يبدو صلاحه(2)، والحبِّ حتى يشتدَّ(3)، ونهى عن الملاقيح والمضامين(4)، ونحو ذلك. وهذا يمتنع مثله في المنافع، فإنه لا يمكن أن تباع إلا في حال عدمها.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «إن الإجارة» بزيادة «إن».
(2) سبق تخريج كلِّ ذلك.
(3) رواه أحمد (13314، 13613)، وأبو داود (3371)، والترمذي (1228) ــ وقال: «حسنٌ غريبٌ» ــ، وابن ماجه (2217) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعا. وصححه ابن حبان (1889)، والحاكم (2/ 19)، وابن النحوي في «البدر المنير» (6/ 530، 581). وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (5/ 305 - 307). ويُنظر: «السنن الكبير» للبيهقي (5/ 303)، و «معرفة السنن والآثار» له (4/ 328).
(4) سبق تخريجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 268)
فهاهنا أمران: أحدهما: يمكن إيراد العقد عليه في حال وجوده وحال عدمه، فنهى الشارع عن بيعه حتى يوجد، وجوَّز منه بيعَ ما لم يوجد تبعًا لما وُجِد إذا دعت الحاجة إليه. وبدون الحاجة لم يجوِّزه. والثاني: ما لا يمكن إيراد العقد عليه إلا في حال عدمه كالمنافع، فهذا جوَّز العقد عليه ولم يمنع منه.
فإن قلت: أنا أقيس أحد النوعين على الآخر، وأجعل العلة مجرَّدَ كونه معدومًا.
قيل: هذا قياس فاسد؛ لأنه يتضمن التسوية بين المختلفين، وقولك: «إنّ العلَّة مجرَّدُ كونه معدومًا» دعوى [248/ب] بغير دليل، بل دعوى باطلة. فلم لا يجوز أن تكون العلة في الأصل كونه معدومًا يمكن تأخير بيعه إلى زمن وجوده؟ وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدم خاص، وأنت لم تبيِّن أن العلة في الأصل مجرَّد كونه معدومًا؛ فقياسك فاسد. وهذا كافٍ في بيان فساده بالمطالبة، ونحن نبيِّن بطلانه في نفسه، فنقول: ما ذكرناه علة مطردة، وما ذكرته علة منتقضة. فإنك إذا علَّلت بمجرَّد العدم ورد عليك النقض بالمنافع كلِّها وبكثير من الأعيان، وما علَّلنا به لا ينتقض.
وأيضًا فالقياس المحض وقواعد الشريعة وأصولها ومناسبتها(1) تشهد لهذه العلة، فإنه إذا كان له حال وجود وعدم كان في بيعه حالَ العدم مخاطرة وقمار. وبذلك علَّل النبي صلى الله عليه وسلم المنعَ حيث قال: «أرأيتَ إن منع الله الثمرة، فبمَ يأخذ أحدكم مالَ أخيه بغير حقٍّ؟»(2). وأما ما ليس له إلا حال واحدة(3)--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «ومناسباتها».
(2) أخرجه البخاري (2198) ومسلم (1555) من حديث أنس بن مالك.
(3) في النسخ المطبوعة: «حال واحد».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 269)
والغالب فيه السلامة، فليس العقد عليه مخاطرةً ولا قمارًا. وإن كان فيه مخاطرة يسيرة، فالحاجة داعية إليه. ومن أصول الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قُدِّم أرجحُهما. والغرر إنما نهي عنه لما فيه من الضرر بهما أو بأحدهما، وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضرر أعظم من ضرر المخاطرة، فلا يزيل(1) أدنى الضررين بأعلاهما.
بل قاعدة الشريعة ضد ذلك، وهو دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما. ولهذا لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من ربا أو مخاطرة أباحها لهم في العرايا للحاجة، لأن ضرر المنع من ذلك أشدُّ من ضرر المزابنة. ولمَّا حرَّم عليهم الميتة لما فيها من خبث التغذية أباحها لهم [249/أ] للضرورة. ولما حَرَّم عليهم النظر إلى الأجنبية أباح منه ما تدعو إليه الحاجة(2) للخاطب والمعامل والشاهد والطبيب.
فإن قلت: فهذا كلُّه على خلاف القياس.
قيل: إن أردت أن الفرع اختصَّ بوصف أوجبَ(3) الفرق بينه وبين الأصل، فكلُّ حكم استند إلى هذا الفرق الصحيح فهو على(4) خلاف القياس الفاسد. وإن أردت أن الأصل والفرع استويا في المقتضي والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل قطعًا، ليس في الشريعة منه مسألة واحدة. والشيء إذا شابه غيرَه في وصفٍ وفارقه في وصفٍ كان اختلافهما في--------------------------------------------
(1) يعني: الشرع.
(2) ت، ع: «الحاجة إليه».
(3) ع: «يعجب».
(4) لم يرد «على» في ح، ف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 270)
الحكم باعتبار الفارق مخالفًا لاستوائهما باعتبار الجامع. وهذا هو القياس الصحيح طردًا وعكسًا، وهو التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين.
وأما التسوية بينهما في الحكم مع افتراقهما فيما يقتضي الحكم أو يمنعه فهذا هو القياس الفاسد الذي جاء الشرع دائمًا بإبطاله، كما أبطل قياس الربا على البيع، وقياس الميتة على المذكَّى، وقياس المسيح(1) على الأصنام. وبيَّن الفارق بأنه عبدٌ أنعم عليه بعبوديته ورسالته، فكيف يعذِّبه بعبادة غيره له، مع نهيه عن ذلك وعدم رضاه به؛ بخلاف الأصنام؟ فمن قال: «إن الشريعة تأتي بخلاف القياس الذي هو من هذا الجنس» فقد أصاب، وهو من كمالها واشتمالها على العدل والمصلحة والحكمة. ومن سوَّى بين الشيئين لاشتراكهما في أمر من الأمور يلزمه أن يسوِّي بين كلِّ موجودين لاشتراكهما في مسمَّى الوجود. وهذا من أعظم الغلط، والقياس الفاسد(2) الذي ذمَّه السلف وقالوا: «أولُ من قاس [249/ب] إبليس، وما عُبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس»(3). وهو القياس الذي اعترف أهل النار في النار ببطلانه حيث قالوا: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 97 - 98]. وذمَّ الله أهله بقوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] أي يقيسونه على غيره ويسوُّون بينه وبين غيره في الإلهية والعبودية.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة بعده زيادة «عيسى عليه الصلاة والسلام».
(2) «الفاسد» ساقط من ت.
(3) سبق تخريجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 271)
وكلُّ بدعة ومقالة فاسدة في أديان الرسل، فأصلها من القياس الفاسد. فما أنكرت الجهمية صفات الربِّ وأفعاله وعلوَّه على خلقه واستواءه على عرشه وكلامه وتكليمه لعباده ورؤيته في الدار الآخرة إلا من القياس الفاسد. وما أنكرت القدرية عموم قدرته ومشيئته، وجعلت في ملكه ما لا يشاء وأنه يشاء ما لا يكون، إلا بالقياس الفاسد. وما ضلَّت الرافضة وعادوا خيارَ الخلق وكفَّروا أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم وسبُّوهم إلا بالقياس الفاسد. وما أنكرت الزنادقة والدهرية معاد الأجسام وانشقاق السماوات وطيَّ الدنيا، وقالت بقدم العالم، إلا بالقياس الفاسد. وما فسد ما فسد من أمر العالم وخرب(1) منه إلا بالقياس الفاسد. وأولُ ذنبٍ عصي الله به: القياس الفاسد. وهو الذي جرَّ على آدم وذريته من صاحب هذا القياس ما جرَّ. فأصلُ شرِّ الدنيا والآخرة جميعه من هذا القياس الفاسد. وهذه جملة(2) لا يدريها إلا من له اطلاع على الواجب والواقع، وله فقه في الشرع والقدر.
فصل
وأما المقدمة الثانية ــ وهي أن بيع المعدوم لا يجوز ــ فالكلام عليها من وجهين:
أحدهما: منع صحة [250/أ] هذه المقدمة، إذ ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في كلام أحد من أصحابه(3) أن بيع المعدوم لا يجوز، لا بلفظ عامّ ولا بمعنى عامّ. وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي--------------------------------------------
(1) ع: «وخرب ما خرب». وكذا في النسخ المطبوعة إلا طبعة الشيخ الوكيل.
(2) ت: «حكمة». وكذا في النسخ المطبوعة إلا طبعة الشيخ الوكيل.
(3) في النسخ المطبوعة: «ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في … الصحابة».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 272)
هي معدومة، كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة. فليست العلة في المنع لا العدم ولا الوجود، بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغَرر، وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء كان موجودًا أو معدومًا، كبيع العبد الآبق والبعير الشارد وإن كان موجودًا؛ إذ موجب البيع تسليم المبيع، فإذا كان البائع عاجزًا عن تسليمه فهو غرر ومخاطرة وقمار، فإنه لا يباع إلا بوَكْس. فإن أمكن المشتري تسليمُه(1) كان قد قمَر البائعَ، وإن لم يمكنه ذلك قمَره البائعُ. وهكذا المعدوم الذي هو غرَر، نُهي عنه للغرر، لا للعدم؛ كما إذا باعه ما تحمل هذه الأمة أو هذه الشجرة، فالمبيع لا يُعرَف وجوده ولا قدره ولا صفته. وهذا من الميسر الذي حرَّمه الله ورسوله. ونظير هذا في الإجارة أن يُكريه دابة لا يقدر على تسليمها، سواء كانت موجودة أو معدومة. وكذلك في النكاح إذا زوَّجه أمةً لا يملكها، أو ابنةً لم تولد له. وكذلك سائر عقود المعاوضات، بخلاف الوصية فإنها تبرُّع محض، فلا غرر في تعلُّقها بالموجود والمعدوم، وما يقدر على تسليمه إليه وما لا يقدر. وطردُه الهبة، إذ لا محذور في ذلك فيها. وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم هبة المشاع المجهول في قوله لصاحب كُبَّة الشَّعر حين أخذها من المغنم، وسأله أن يهبها له، فقال: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك»(2).
الوجه الثاني: أن نقول: [250/ب] بل الشرع صحَّح بيعَ المعدوم في--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «تسلُّمه». ويصح ما جاء في النسخ الخطية على أن يكون المصدر في المعنى مجهولًا.
(2) رواه أحمد (6729، 7037)، وأبو داود (2694)، والنسائي (3688) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا .. وحسّنه ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (4/ 214).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 273)
بعض المواضع، فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدوِّ صلاحه، والحبِّ بعد اشتداده. ومعلوم أن العقد إنما ورد على الموجود، والمعدوم الذي لم يُخلَق بعد. والنبيُّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعه قبل بدوِّ صلاحه، وأباحه بعد بدوِّ الصلاح. ومعلوم أنه إذا اشتراه قبل الصلاح بشرط القطع كالحِصْرِم جاز، فإنما نهى عن بيعه إذا كان قصده التبقية إلى الصلاح. ومن جوَّز بيعه قبل الصلاح وبعده بشرط القطع أو مطلقًا، وجعل موجب العقد القطع، وحرَّم بيعه بشرط التبقية أو مطلقًا= لم يكن عنده لظهور الصلاح فائدة. ولم يكن فرَّق بين ما نهى عنه من ذلك وما أذن فيه، فإنه يقول: موجَب العقد: التسليم في الحال، فلا يجوز شرط تأخيره سواء بدا صلاحه أو لم يبدُ. والصواب قول الجمهور الذي دلَّت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقياس الصحيح.
وقوله: «إن موجب العقد التسليم في الحال»، جوابه أن موجب العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان مما يسوغ لهما أن يوجباه. وكلاهما منتفٍ في هذه الدعوى، فلا الشارع أوجب أن يكون كلُّ بيع يستحقُّ به التسليم(1) عقيب العقد، ولا العاقدان التزما ذلك. بل تارةً يعقدان العقد على هذا الوجه، وتارةً يشترطان التأخير إما في الثمن وإما في المثمَّن. وقد يكون للبائع غرض صحيح ومصلحة في تأخير تسليم المبيع(2)، كما كان لجابر غرض صحيح في تأخير تسليم بعيره إلى المدينة. فكيف يمنعه الشارع ما فيه مصلحة له، ولا ضرر على الآخر فيها؟ إذ قد--------------------------------------------
(1) ع: «مستحق التسليم»، وكذا في «مجموع الفتاوى» (20/ 544). وفي النسخ المطبوعة: «كل مبيع مستحق التسليم». ونحوه في نشرة الوكيل بزيادة «به» بعد «مبيع».
(2) في النسخ المطبوعة: «التسليم للمبيع».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 274)
رضي بها، كما رضي النبي صلى الله عليه وسلم بتأخير تسليم [251/أ] البعير(1). ولو لم ترد السنة بهذا لكان محضُ القياس يقتضي جوازه.
ويجوز لكلِّ بائع أن يستثني من منفعة المبيع ما له فيه غرض صحيح، كما إذا باع عقارًا واستثنى سكناه مدةً، أو دابَّة واستثنى ظهرها. ولا يختص ذلك بالبيع، بل لو وهبه واستثنى نفعه مدة، أو أعتق عبده واستثنى خدمته مدة، أو وقف عينًا واستثنى غلَّتها لنفسه مدةَ حياته، أو كاتَب أمةً واستثنى وطئها مدة الكتابة، ونحوه. وهذا كلُّه منصوص أحمد(2). وبعض أصحابه يقول: إذا استثنى منفعة المبيع فلا بد أن يسلِّم العين إلى المشتري، ثم يأخذها ليستوفي المنفعة، بناءً على هذا الأصل الذي قد تبيَّن فساده، وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقيب العقد. وعن هذا الأصل قالوا: إنه(3) لا تصح الإجارة إلا على مدة تلي العقد. وعلى هذا بنوا ما إذا باع العين المؤجَّرة، فمنهم من أبطل البيع لكون المنفعة لا تدخل في البيع، فلا يحصل التسليم. ومنهم من قال: هذا مستثنًى بالشرع، بخلاف المستثنى بالشرط. وقد اتفق الأئمة على صحة بيع الأمة المزوَّجة، وإن كانت منفعة البُضْع للزوج ولم تدخل في البيع. واتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه، كما إذا باع مخزنًا له فيه متاع كثير لا يُنقل في يوم ولا أيام، فلا يجب عليه جمعُ دوابِّ البلد ونقلُه في ساعة واحدة؛ بل قالوا: هذا(4) مستثنى--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) في «مجموع الفتاوى» (20/ 545): «أحمد وغيره».
(3) «إنه» ساقط من ت.
(4) هنا انتهت نسخة أحمد الثالث (ت).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 275)
بالعرف. فيقال: وهذا من أقوى الحجج عليكم، فإن المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعرف، كما أنه أوسع من المستثنى بالشرع. فإنه يثبت بالشرط ما لا يثبت بالشرع، كما أن الواجب بالنذر أوسع من [251/ب] الواجب بالشرع.
وأيضًا فقولكم: «إن موجب العقد استحقاق التسليم عقيبه» أتعنون أن هذا موجب العقد المطلق أو مطلق العقد؟ فإن أردتم الأول فصحيح. وإن أردتم الثاني فممنوع، فإن مطلق العقد ينقسم إلى المطلق والمقيد، وموجَب العقد المقيّد ما قُيِّد به، كما أن موجَب العقد المقيَّد بتأجيل الثمن وثبوت خيار الشرط والرهن والضمين هو ما قُيِّد به، وإن كان موجَبه عند إطلاقه خلاف ذلك. فموجَب العقد المطلق شيء، وموجَب العقد المقيد شيء. والقبض في الأعيان والمنافع كالقبض في الدين. والنبيُّ صلى الله عليه وسلم جوَّز بيع الثمرة بعد بدوِّ الصلاح مستحقّة الإبقاء إلى كمال الصلاح، ولم يجعل موجَبَ العقد القبض في الحال، بل القبض المعتاد عند انتهاء صلاحها. ودخل فيما أذِن فيه بيعُ ما هو معدوم لم يُخلَق بعد، وقبضُ ذلك بمنزلة قبض العين المؤجرة. وهو قبضٌ يبيح التصرف في أصح القولين، وإن كان قبضًا لا يوجب انتقال الضمان، بل إذا تلف المبيع قبل قبضه المعتاد كان من ضمان البائع، كما هو مذهب أهل المدينة وأهل الحديث: أهل بلدته وأهل سنته. وهو مذهب الشافعي قطعًا، فإنه علَّق القول به على صحة الحديث، وقد صحَّ صحةً لا ريب فيها من غير الطريق التي توقَّف فيها الشافعي(1). فلا يسوغ أن يقال: مذهبه عدم وضع الجوائح، وقد قال: إن صحَّ الحديث قلتُ به، ورواه من--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «الشافعي فيها».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 276)
طريقٍ توقَّف في صحتها، ولم تبلغه الطريق الأخرى التي لا علة لها ولا مطعن فيها. وليس مع المنازع دليل شرعي يدل على أن كلَّ قبضٍ [252/أ] جوَّز التصرف ينقل الضمان، وما لم يجوِّز التصرف لا ينقل الضمان. فقبضُ العين المؤجرة يجوِّز التصرف ولا ينقل الضمان، وقبضُ العين المُسْتامة والمستعارة والمغصوبة يوجب(1) الضمان ولا يجوِّز التصرف.
فصل
ومن هذا الباب: بيع المقاثئ والمباطخ والباذنجان. فمن منع بيعه إلا لَقطةً لقطةً قال: لأنه معدوم(2)، فهو كبيع الثمرة قبل ظهورها. ومن جوَّزه كأهل المدينة وبعض أصحاب أحمد، فقولهم أصحّ فإنه لا يمكن بيعها إلا على هذا الوجه، ولا تتميز اللقطة المبيعة عن غيرها، ولا تقوم المصلحة ببيعها كذلك. ولو كُلِّف الناس به لكان أشقَّ شيء عليهم وأعظمه ضررًا، والشريعة لا تأتي به. وقد تقدَّم أن ما لا يباع إلا على وجه واحد لا ينهى الشارع عن بيعه. وإنما نهى الشارع عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها(3) لإمكان تأخير بيعها إلى وقت بدوِّ صلاحها. ونظيرُ ما نهى عنه وأذِن فيه سواءً(4): بيعُ المقاثئ إذا بدا الصلاح فيها. ودخولُ الأجزاء والأعيان التي لم تُخلَق بعدُ كدخول--------------------------------------------
(1) «يوجب» ساقط من ع، وفي حاشيتها: «ينقل»، وفوقه علامة «ظ». بمعنى: أن الظاهر أن الساقط لفظ «ينقل»، ويدلّ عليه السياق.
(2) ع: «بيع معدوم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) ع: «الصلاح» هنا وفيما يأتي. وكذا في النسخ المطبوعة.
(4) أثبتوا في النسخ المطبوعة: «سوى»، ونبَّهوا على أن الكلام غير تام. ولعل الصواب ما أثبت من النسخ الخطية، وانظر ما يأتي في المثال الخامس والستين عن جواز بيع المقاثئ بعد بدوِّ صلاحها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 277)
أجزاء الثمار وما يتلاحق في الشجر منها، ولا فرق بينهما البتة.
فصل
وبنوا على هذا الأصل الذي لم يدلَّ عليه دليل شرعي، بل دلَّ على خلافه ــ وهو بيع المعدوم ــ بطلانَ ضمان الحدائق والبساتين، وقالوا: هو بيعٌ للثمر(1) قبل ظهوره أو قبل بدوِّ صلاحه. ثم منهم من حكى الإجماع على بطلانه، وليس كما ظنوه(2)، فلا النص يتناوله ولا معناه، ولم تُجمع الأمة على بطلانه. فلا نصَّ مع المانعين، ولا قياس، ولا إجماع. ونحن نبيِّن انتفاء هذه الأمور الثلاثة:
أما الإجماع فقد صح عن عمر بن الخطاب أنه ضمَّن حديقة أُسَيد [252/ب] بن حُضَير ثلاث سنين، وتسلَّف الضمان، فقضى به دينًا كان على أُسَيد(3). وهذا بمشهد من الصحابة، ولم ينكره منهم رجل واحد. ومن جعل مثل هذا إجماعًا فقد أجمع الصحابة على جواز ذلك.
وأقلُّ درجاته أن يكون قول صحابي، بل قول الخليفة الراشد، ولم ينكره(4) منكر، وهذا حجة عند جمهور العلماء.--------------------------------------------
(1) ت، ع: «بيع الثمر».
(2) في طبعة الوكيل: «وليس مع المانعين كما ظنوه». وفي غيرها: « … مع المانعين [حجة على ما] ظنُّوه». والصواب ما أثبت من النسخ الخطية. وفي «مجموع الفتاوى» (20/ 548): «وليس كما قال».
(3) رواه أبو العباس السرّاج في «التاريخ» ــ ومن طريقه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (876) ــ من رواية محمد بن المنكدر، ورجاله ثقات، لكنه منقطع. ويُنظر: «مسند الفاروق» لابن كثير (2/ 45).
(4) في النسخ المطبوعة بعده زيادة «منهم».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 278)
وقد جوَّز بعض أصحاب أحمد ضمان البساتين مع الأرض المؤجرة، إذ لا يمكن إفراد أحدهما عن الآخر(1)، اختاره(2) ابن عقيل. وجوَّز بعضُهم ضمان الأشجار مطلقًا مع الأرض وبدونها. اختاره(3) شيخنا وأفرد فيه مصنَّفًا(4). ففي مذهب أحمد ثلاثة أقوال، وجوَّز مالك ذلك تبعًا للأرض في قدر الثلث.
قال شيخنا(5): والصواب ما فعله عمر رضي الله عنه، فإن الفرق بين البيع والضمان هو الفرق بين البيع والإجارة، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحَبِّ حتى يشتدَّ، ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة، مع أن المستأجر مقصوده الحَبُّ بعمله، فيخدُم الأرض ويحرُثها ويسقيها ويقوم عليها. وهو نظير مستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه. والحب نظير الثمر، والشجر نظير الأرض، والعمل نظير العمل؛ فما الذي حرَّم هذا وأحلَّ هذا؟ وهذا بخلاف المشتري، فإنه يشتري ثمرًا، وعلى البائع مؤنةُ الخدمة والسقي والقيام على الشجر؛ فهو بمنزلة الذي يشتري الحبَّ، وعلى البائع مؤنة الزرع والقيام عليه. فقد ظهر انتفاء القياس والنص، كما ظهر انتفاء الإجماع. بل القياس--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «إحداهما عن الأخرى».
(2) في النسخ المطبوعة: «واختاره».
(3) هنا أيضًا في النسخ المطبوعة: «واختاره».
(4) لعل المقصود «مسألة في ضمان البساتين والأرض» المنشورة ضمن «جامع المسائل» (6/ 407 - 423) والظاهر أنها هي المذكورة بعنوان «قاعدة في ضمان البساتين» في «العقود الدرية» (ص 48). وقد نشر طرف منها في «مجموع الفتاوى» (30/ 220 - 240).
(5) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 548).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 279)
الصحيح مع المجوِّزين، كما معهم الإجماع القديم.
فإن قيل: فالثمر أعيان، وعقدُ الإجارة إنما يكون على المنافع. قيل: الأعيان هنا حصلت بعمله [253/أ] في الأصل المستأجر، كما حصل الحبُّ بعمله في الأرض المستأجرة.
فإن قيل: الفرق أن الحبَّ حصل من بذره، والثمر حصل من شجر المؤجِّر. قيل: لا أثر لهذا الفرق في الشرع، بل قد ألغاه الشارع(1) في المساقاة والمزارعة فسوَّى بينهما. والمساقي يستحق جزءً من الثمرة الناشئة من أصل المالك(2)، والمزارع يستحق جزءً من الزرع النابت في أرض المالك، وإن كان البذر منه، كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة وإجماع الصحابة. فإذا لم يؤثِّر هذا الفرق في المساقاة والمزارعة التي يكون النماء فيها مشتركًا لم يؤثِّر في الإجارة بطريق الأولى، لأن إجارة الأرض لم يختلف فيها كالاختلاف في المزارعة. فإذا كانت إجارتها عندكم أجوز(3) من المزارعة، فإجارة الشجر أولى بالجواز من المساقاة عليها. فهذا محض القياس وعمل الصحابة ومصلحة الأمة. وبالله التوفيق.
والذين منعوا ذلك وحرَّموه توصَّلوا إلى جوازه بالحيلة الباطلة شرعًا وعقلًا، فإنهم يؤجِّرونه الأرض وليست مقصودًا(4) له البتة، ويساقونه على--------------------------------------------
(1) ت، ع: «الشرع».
(2) في طبعة الشيخ محمد محيي الدين ومَن تابعه: «الملك». والصواب ما أثبت من النسخ، وكذا في «مجموع الفتاوى» (20/ 549).
(3) ع: «أجود»، تصحيف.
(4) كذا في النسخ الخطية. وفي المطبوعة: «مقصودة».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 280)
الشجر من ألف جزء على جزء مساقاة غير مقصودة وإجارة غير مقصودة. فجعلوا ما لم يُقصَد مقصودًا، وما قُصِد غيرَ مقصود، وحابَوا في المساقاة أعظم محاباة، وذلك حرام باطل في الوقف وبستان المولَّى عليه من يتيم أو سفيه أو مجنون. ومحاباتهم إياه في إجارة الأرض لا تسوِّغ لهم محاباةَ المستأجر في المساقاة. ولا يسوغ اشتراطُ أحد العقدين في الآخر، بل كلُّ عقد مستقلٌّ بحكمه. فأين هذا من فعل أمير المؤمنين وفقهه؟ وأين القياس من [253/ب] القياس، والفقه من الفقه؟ فبينهما في الصحة أبعدُ ممَّا(1) بين المشرقين؟
فصل
فهذا الكلام على المقام الأول، وهو كون الإجارة على خلاف القياس، وقد تبيَّن بطلانه.
وأما المقام الثاني ــ وهو أن الإجارة التي أذِن الله فيها في كتابه، وهي إجارة الظئر على خلاف القياس ــ فبناء منهم على هذا الأصل الفاسد. وهو أن المستحَقَّ بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان، وهذا الأصل لم يدل عليه نصُّ(2) كتاب ولا سنة، ولا إجماع ولا قياس صحيح. بل الذي دلَّت عليه الأصول أن الأعيان التي تحدث شيئًا فشيئًا مع بقاء أصلها، حكمُها حكمُ المنافع، كالثمر في الشجر، واللبن في الحيوان، والماء في البئر. ولهذا سوَّى بين النوعين في الوقف، فإن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الفائدة.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «بُعدما».
(2) «نص» ساقط من النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 281)
فكما يجوز أن تكون فائدة الوقف منفعةً كالسكنى، وأن تكون ثمرةً، وأن تكون لبنًا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها، وكذلك في باب التبرعات كالعارية لمن ينتفع بالمتاع ثم يردُّه، والعريُّة لمن يأكل ثمرة(1) الشجرة ثم يردها، والمنيحة لمن يشرب لبن الشاة ثم يردُّها، والقرض لمن ينتفع بالدراهم ثم يردُّ بدلها القائمَ مقامَ عينها= فكذلك في الإجارة تارةً يكريه العين للمنفعة التي ليست أعيانًا، وتارةً للعين التي تحدث شيئًا من بعد شيء مع بقاء الأصل كلبن الظئر ونفع البئر؛ فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئًا بعد شيء مع بقاء الأصل كانت كالمنفعة. والمسوِّغ للإجارة هو ما بينهما من القدر المشترك، وهو حدوث المقصود بالعقد شيئًا فشيئًا، سواء كان الحادث عينًا أو منفعةً. وكونه(2) جسمًا أو معنًى قائمًا بالجسم لا أثر له في الجواز والمنع مع اشتراكهما(3) في المقتضي للجواز. بل هذا النوع [254/أ] من الأعيان الحادثة شيئًا فشيئًا أحقُّ بالجواز، فإن الأجسام أكمل من صفاتها. وطردُ هذا القياس جواز إجارة الحيوان غير الآدمي لرضاعه، فإن الحاجة تدعو إليه كما تدعو إليه في الظئر من الآدميين بطعامها وكسوتها. ويجوز(4) استئجار الظئر من البهائم بعلَفها.
والماشية إذا عاوض على لبنها، فهو نوعان:
أحدهما: أن يشتري اللبن مدةً، ويكون العلف والخدمة على البائع،--------------------------------------------
(1) ع: «ثمر»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ: «أو»، وهو خطأ.
(3) ح، ف: «من اشتراكهما»، وهو خطأ.
(4) «يجوز» ساقط من ت، ع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 282)
فهذا بيع محض.
والثاني: أن يسلِّمها، ويكون علفها وخدمتها عليه، ولبنها له مدة الإجارة. فهذا إجارة، وهو كضمان البستان سواء، وكالظئر فإن اللبن يستوفى شيئًا فشيئًا مع بقاء الأصل؛ فهو كاستئجار العين ليسقي بها أرضه. وقد نصَّ مالك على جواز إجارة الحيوان مدةً للبنه. ثم من أصحابه من جوَّز ذلك تبعًا لنصِّه، ومنهم من منعه، ومنهم من شرط فيه شروطًا ضيَّقوا بها موردَ النص ولم يدل عليها نصُّه. والصواب الجواز، وهو موجَب القياس المحض؛ فالمجوِّزون أسعد بالنص من المانعين. وبالله التوفيق.
فصل
ومن هذا الباب: قول القائل: حملُ العاقلة الديةَ عن الجاني على خلاف القياس. ولهذا لا تحمل العمد ولا العبد ولا الصلح ولا الاعتراف ولا ما دون الثلث، ولا تحمل جناية الأموال. ولو كانت على وفق القياس لحملت ذلك كلَّه.
والجواب أن يقال: لا ريب أن من أتلف مضمونًا كان ضمانه عليه، {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164]، ولا تؤخذ نفسٌ بجريرة غيرها؛ وبهذا جاء شرع الله [254/ب] سبحانه وجزاؤه. وحملُ العاقلة الدية غير مناقض لشيء من هذا كما سنبيِّنه. والناس متنازعون في العقل: هل تحمله العاقلة ابتداءً أو تحمُّلًا؟ على قولين، كما تنازعوا في صدقة الفطر التي يجب أداؤها عن الغير كالزوجة والولد، هل تجب ابتداءً أو تحمُّلًا؟ على قولين. وعلى ذلك ينبني ما لو أخرجها من تحمَّلت عنه عن نفسه بغير إذن المتحمل لها؛ فمن قال هي واجبة على الغير تحمُّلًا قال: يجزئ في هذه الصورة. ومن
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 283)
قال: هي واجبة عليه ابتداءً قال: لا تجزئ، بل هي كأداء الزكاة عن الغير. وكذلك القاتل إذا لم تكن له عاقلة، هل تجب الدية في ذمة القاتل أو لا؟ على قولين، بناءً على هذا الأصل.
والعقلُ فارق غيرَه من الحقوق في أسباب اقتضت اختصاصه بالحكم، وذلك أن دية المقتول مال كثير، والعاقلة إنما تحمل الخطأ، ولا تحمل العمد بالاتفاق، ولا شِبْهَه على الصحيح، والخطأ يُعذَر فيه الإنسان. فإيجابُ الدية في ماله فيه ضرر عظيم عليه من غير ذنبٍ تعمَّده، وإهدارُ دم المقتول من غير ضمان بالكلية فيه إضرارٌ بأولاده وورثته، فلا بد من إيجاب بدله. فكان من محاسن الشريعة وقيامها بمصالح العباد أن أوجب بدله على من عليهم موالاة القاتل ونصرته، فأوجب عليهم إعانته على ذلك.
وهذا كإيجاب النفقات على الأقارب وكسوتهم، وكذا مسكنهم وإعفافهم إذا طلبوا النكاح، وكإيجاب فكاك الأسير من بلد العدو؛ فإن هذا أسيرٌ بالدية التي لم يتعمَّد سببَ وجوبها ولا وجبت باختيار مستحِقِّها كالقرض والبيع. وليست قليلة، [255/أ] فالقاتل في الغالب لا يقدر على حملها. وهذا بخلاف العمد، فإن الجاني ظالم مستحقٌّ للعقوبة ليس أهلًا أن يحمَل عنه بدل القتيل(1). وبخلاف شبه العمد، لأنه قاصد للجناية متعمِّد لها، فهو آثم معتدٍ. وبخلاف بدل المتلف من الأموال، فإنه قليل في الغالب لا يكاد المتلِف يعجز عن حمله. وشأن النفوس غير شأن الأموال، ولهذا لا تحمل العاقلة ما دون الثلث عند أحمد ومالك لقِلَّته واحتمال الجاني لحمله. وعند أبي حنيفة لا تحمل ما دون أقلِّ المقدَّر كأرش الموضِحة،--------------------------------------------
(1) ع: «القتل»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 284)
وتحمل ما فوقه. وعند الشافعي تحمل القليل والكثير طردًا للقياس. وظهر بهذا كونها لا تحمل العبد، فإنه سلعة من السلع ومال من الأموال. فلو حملت بدله لحملت بدل الحيوان والمتاع.
وأما الصلح والاعتراف فعارض هذه الحكمةَ فيهما(1) معنى آخر، وهو أن المدعي والمدعى عليه قد يتواطآن على الإقرار بالجناية، ويشتركان فيما تحمله العاقلة، ويتصالحان على تغريم العاقلة، فلا يسري إقراره ولا صلحه(2) في حقِّ العاقلة، ولا يُقبَل قوله فيما يجب عليها من الغرامة. وهذا هو القياس الصحيح، فإن الصلح والاعتراف يتضمن إقراره ودعواه على العاقلة بوجوب المال عليهم، فلا يُقبَل ذلك في حقِّهم، ويُقبَل بالنسبة إلى المعترف كنظائره. فتبيَّن أن إيجاب الدية على العاقلة من جنس ما أوجبه الشارع من الإحسان إلى المحتاجين كأبناء السبيل والفقراء والمساكين.
وهذا من تمام الحكمة التي بها قيام مصلحة العالم. فإن الله سبحانه قسم خلقَه إلى غني [255/ب] وفقير، ولا تتم مصالحهم إلا بسدِّ خَلَّةِ الفقير، فأوجب سبحانه في فضول أموال الأغنياء ما يسُدُّ(3) خلَّةَ الفقراء، وحرَّم الربا الذي يُضِرُّ بالمحتاج، فكان أمرُه بالصدقة ونهيُه عن الربا أخوين شقيقين. ولهذا جمع(4) بينهما في قوله: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}--------------------------------------------
(1) في النسخ: «فيها».
(2) بعده في النسخ المطبوعة: «فلا يجوز إقراره». ولم يرد في شيء من النسخ التي بين يديَّ.
(3) في النسخ المطبوعة: «يسدُّ به»، ولعل الزيادة من بعض الناشرين.
(4) زيد في النسخ المطبوعة بعده لفظ الجلالة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 285)
[البقرة: 276]، وقوله: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39]. وذكر الله سبحانه أحكام الناس في الأموال في آخر سورة البقرة، وهي ثلاثة: عدل، وظلم، وفضل. فالعدل البيع، والظلم الربا، والفضل الصدقة. فمدَح المتصدِّقين وذكر ثوابهم، وذمَّ المرابين وذكر عقابهم، وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمًّى.
والمقصود أن حمل الدية من جنس ما أوجبه من الحقوق لبعض العباد على بعض، كحقِّ المملوك والزوجة والأقارب والضيف، ليست من باب عقوبة الإنسان بجناية غيره، فهذه(1) لون، وذاك لون، والله الموفق.
فصل
ومما قيل فيه إنه على خلاف القياس: حديث المصرَّاة(2). قالوا: وهو يخالف القياس من وجوه:
منها: أنه تضمَّن ردَّ البيع بلا عيب ولا خُلْف في صفة.
ومنها: أن الخراج بالضمان، فاللبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه، وقد ضمنه إياه.
ومنها: أن اللبن من ذوات الأمثال، وقد ضمنه إياه بغير مثله.
ومنها: أنه إذا انتقل من التضمين بالمثل فإنما ينتقل إلى القيمة، والتمر لا قيمة ولا مثل.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «فهذا».
(2) أخرجه البخاري (2148) ومسلم (1524) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 286)
ومنها: أن المال المضمون إنما يُضمَن بقدره في القلة والكثرة، وقد قُدر هاهنا الضمان [256/أ] بصاع.
قال أنصار الحديث: كلُّ ما ذكرتموه خطأ، والحديث موافق لأصول الشريعة وقواعدها. ولو خالفها لكان أصلًا بنفسه، كما أن غيره أصل بنفسه. وأصول الشرع لا يُضرب بعضُها ببعض، كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يُضرَب كتابُ الله بعضه ببعض(1)، بل يجب اتباعها كلِّها. ويقَرُّ كلٌّ منها على أصله وموضعه؛ فإنها كلَّها من عند الله الذي أتقن شرعه وخلقه، وما عدا هذا فهو الخطأ الصريح. فاسمعوا الآن هدم الأصول الفاسدة التي يعترض بها على النصوص الصحيحة:
أما قولكم: «إنه تضمَّن الرد من غير عيب ولا فوات صفة»، فأين في أصول الشريعة المتلقَّاة عن صاحب الشرع ما يدل على انحصار الردِّ بهذين الأمرين؟ وتكفينا هذه المطالبة، ولن تجدوا إلى إقامة الدليل على الحصر سبيلًا. ثم نقول: بل أصول الشرع(2) توجب الردَّ بغير ما ذكرتم، وهو الردُّ بالتدليس والغِشّ، فإنه هو والخُلف في الصفة من باب واحد. بل الرد بالتدليس أولى من الرد بالعيب، فإن البائع يُظهر صفة المبيع تارةً بقوله وتارةً بفعله. فإذا أظهر للمشتري أنه على صفةٍ، فبان بخلافها، كان قد غشَّه ودلَّس عليه، فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ. ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محض القياس وموجَب العدل، فإن المشتري إنما بذل ماله في المبيع بناء على الصفة التي أظهرها له البائع، ولو علم أنه على خلافها لم يبذل له--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه.
(2) في النسخ المطبوعة: «الشريعة».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 287)