عليه؛ لأن الثواب لا يكون إلا بالنية، فكانت النية شرطًا في كون هذا الترك عبادة. ولا يختص ذلك بالصوم، بل كلُّ تركٍ لا يكون عبادة ولا يثاب عليه إلا بالنية، ومع ذلك فلو فعله ناسيًا لم يأثم به. فإذا نوى تركَها لله، ثم فعَلَها ناسيًا لم يقدح نسيانه في أجره، بل يثاب على قصدِ تركها لله، ولا يأثم بفعلها ناسيًا. وكذلك الصوم.
وأيضًا فإن فعل الناسي غير مضاف إليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أكل أو شرب ناسيًا فَلْيُتِمَّ صومَه، فإنما أطعمه الله وسقاه»(1). فأضاف فعله ناسيًا إلى الله، لكونه لم يُرِده ولم يتعمَّده. وما يكون مضافًا إلى الله لم يدخل تحت قدرة العبد، ولم(2) يكلَّف به؛ فإنه إنما يكلَّف بفعله، لا بما يفعل فيه. ففعلُ الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير.
وكذلك لو احتلم الصائم [264/ب] في منامه، أو ذَرَعه القيءُ في اليقظة، لم يفطر. ولو استدعى ذلك أفطر به. فلو كان ما يوجد بغير قصده، كما يوجد بقصده، لأفطر بهذا وهذا.
فإن قيل: فأنتم تفطِّرون المخطئ، كمن أكل يظنُّه ليلًا فبانَ نهارًا.
قيل: هذا فيه نزاع معروف بين السلف والخلف، والذين فرَّقوا بينهما قالوا: فعلُ المخطئ يمكن الاحتراز منه، بخلاف الناسي. ونُقِل عن بعض السلف أنه يفطر في مسألة الغروب، دون مسألة الطلوع كما لو استمر الشك.
قال شيخنا(3): وحجة من قال: لا يفطر في الجميع أقوى، ودلالة--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1933) ومسلم (1155) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) في النسخ المطبوعة: «فلم».
(3) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 572)، ولفظه فيه: «والذين قالوا لا يفطر في الجميع قالوا: حجتنا أقوى، ودلالة الكتاب والسنة على قولنا أظهر».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 308)
الكتاب والسنة على قولهم أظهر؛ فإن الله سبحانه سوَّى بين الخطإ والنسيان في عدم المؤاخذة، ولأن فعل محظورات الحج يستوي فيه المخطئ والناسي، ولأن كلَّ واحد منهما غير قاصد للمخالفة. وقد ثبت في الصحيح أنهم أفطروا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس. ولم يثبت في الحديث أنهم أُمِروا بالقضاء، ولكن هشام بن عروة سئل عن ذلك، فقال: أَوَ بدٌّ من القضاء(1)؟ وأبوه عروة أعلم منه، وكان يقول: لا قضاء عليهم(2).
وثبت في «الصحيحين»(3) أن بعض الصحابة أكلوا حتى ظهر لهم الحبل(4) الأسود من الأبيض، ولم يأمر أحدًا منهم بقضاء وكانوا مخطئين.
وثبت عن عمر بن الخطاب أنه أفطر، ثم تبيَّن النهار، فقال: لا نقضي، فإنَّا(5) لم نتجانف لإثم(6).--------------------------------------------
(1) رواه البخاري (1959). وقوله: «أَوَ بدٌّ من القضاء» كذا في ح مع تنوين همزة «القضاء»، فأخشى أن يكون بعضهم زاد لام التعريف في «القضاء». وفي ت، ع: «وبُدّ من قضاء». في رواية أبي ذر: «لابدَّ من القضاء»، وفي غيرها: «بُدٌّ من قضاء» وتقديره: هل بدٌّ من قضاء. انظر: «فتح الباري» (4/ 200) و «عمدة القاري» (11/ 68).
(2) يُوازَنُ بما في «المصنف» لعبد الرزاق (7390 - 7389).
(3) البخاري (1917) ومسلم (1091) من حديث سهل بن سعد.
(4) في النسخ المطبوعة: «الخيط».
(5) في النسخ المطبوعة: «لأنا».
(6) رواه عبد الرزاق (7395)، وابن أبي شيبة (9145، 9143)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (2/ 765). ويُنظر: «المعرفة والتاريخ» (2/ 768)! و «السنن الكبير» للبيهقي (4/ 217).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 309)
وروي [265/أ] عنه أنه قال: نقضي(1). وإسناد الأول أثبت. وصحَّ عنه أنه قال: الخطب يسير(2). فتأوَّلَ ذلك من تأوَّله على أنه أراد خفة أمر القضاء. واللفظ لا يدل على ذلك.
قال شيخنا(3): وبالجملة فهذا القول أقوى أثرًا ونظرًا، وأشبه بدلالة الكتاب والسنة والقياس.
قلت له: فالنبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على رجل يحتجم، فقال: «أفطَر الحاجمُ والمحجوم»(4). ولم يكونا عالمين بأن الحجامة تفطِّر، ولم يبلغهما قبل ذلك قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم». ولعل الحكم إنما شُرِع ذلك اليومَ.--------------------------------------------
(1) رواه عبد الرزاق (7393، 7394)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (2/ 766 - 767). ويُنظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (9138 - 9140).
(2) رواه مالك (1071) ــ وعنه الشافعي في «الأم» (3/ 238 - 239) ــ، وعبد الرزاق (7392)، وابن أبي شيبة (9149)، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (2/ 767 - 768، 768).
(3) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 573)، والكلام متصل بما سبق.
(4) رواه أحمد (17112)، وأبو داود (2368، 2369)، وابن ماجه (1681)، والنسائي في «السنن الكبرى» (3126، 3127، 3129 - 3143) من حديث شدّاد بن أوس مرفوعا. وصححه غير واحد؛ منهم: علي ابن المديني، وإسحاق الحنظلي، وأحمد ابن حنبل، والبخاري، وعثمان الدارمي، وابن حبان، والحاكم. ويُنظر: «الجامع» للترمذي (774)، و «ترتيب العلل الكبير للترمذي» (208 - 212)، و «السنن الكبرى» للنسائي (3120 - 3183، 3195 - 3199)، و «المختصر» لابن خزيمة (1962 - 1965، 1983، 1984)، و «المسند الصحيح» لابن حبان (6908 - 6911)، و «المستدرك» للحاكم (1/ 427 - 430)، و «السنن الكبير» للبيهقي (4/ 264 - 268)، و «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (3/ 253 - 271).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 310)
فأجابني بما مضمونه أن الحديث اقتضى أن ذلك الفعل مفطر، وهذا كما لو رأى إنسانًا يأكل أو يشرب فقال: أفطرَ الآكل والشارب. فهذا فيه بيان السبب المقتضي للفطر، ولا تعرض فيه للمانع. وقد عُلِم أن النسيان مانع من الفطر بدليل خارج، فكذلك الخطأ والجهل. والله أعلم(1).
فصل(2)
ومما يُظَنّ(3) أنه على خلاف القياس ما حكم به الخلفاء الراشدون في امرأة المفقود. فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أجَّلَ امرأته أربع سنين، وأمرها أن تتزوج. فقدِم المفقود بعد ذلك، فخيَّره عمُر بين امرأته وبين مهرها(4).
فذهب الإمام أحمد إلى ذلك. وقال: ما أدري مَن ذهب إلى غير ذلك، إلى أيِّ شيء يذهب؟(5) وقال أبو داود في «مسائله»(6): سمعت أحمد ــ وقيل له: في نفسك شيء من المفقود؟ ــ فقال: ما في نفسي [265/ب] منه--------------------------------------------
(1) وانظر: «تهذيب السنن» (2/ 26 - 31).
(2) انظر هذا الفصل في «مجموع الفتاوى» (20/ 576 - 582) باختلاف يسير.
(3) ت، ع: «ظن». وكذا في النسخ المطبوعة.
(4) رواه عبد الرزاق (12322)، وسعيد بن منصور (1755).
ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (12317 - 12324)، و «السنن» لسعيد بن منصور (1752 - 1754)، و «المصنف» لابن أبي شيبة (16985، 16987 - 16989)، و «مسند الفاروق» لابن كثير (2/ 240).
(5) انظر نحوه في «المغني» (11/ 248).
(6) انظر: نشرة طارق بن عوض الله (ص 244).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 311)
شيء. هذا خمسةٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمروها أن تتربَّص. قال أحمد: هذا من ضيق علم الرجل أن لا يتكلَّم في امرأة المفقود(1).
وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: إن مذهب عمر في المفقود يخالف القياس. والقياس أنها زوجة القادم بكلِّ حال، إلا أن نقول: الفرقة تنفذ ظاهرًا وباطنًا، فتكون زوجة الثاني بكلِّ حال. وغلا بعض المخالفين لعمر في ذلك، فقالوا: لو حكَم حاكم بقول عمر في ذلك لنُقِضَ حكمُه، لبعده عن القياس.
وطائفة ثالثة: أخذت ببعض قول عمر، وتركوا بعضه، فقالوا: إذا تزوجت ودخل بها الثاني فهي زوجته، ولا تُرَدُّ إلى الأول. وإن لم يدخل بها رُدَّت إلى الأول.
قال شيخنا(2): من خالف عمر(3) لم يهتد إلى ما اهتدى إليه عمر، ولم يكن له من الخبرة بالقياس الصحيح مثل خبرة عمر. وهذا إنما يتبيَّن بأصل، وهو وقفُ العقود إذا تصرَّف الرجلُ في حقِّ الغير بغير إذنه، هل يقع تصرفه مردودًا أو موقوفًا على إجازته؟ على قولين مشهورين، هما روايتان عن أحمد: إحداهما أنها تقف على الإجازة، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك. والثانية أنها لا تقف، وهو أشهر قولي الشافعي، وهذا في النكاح والبيع والإجارة.--------------------------------------------
(1) لم ترد أقوال أحمد في «مجموع الفتاوى» في هذا الفصل.
(2) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 576).
(3) ع: «قول عمر»، بزيادة «قول» ولم ترد في غيرها ولا «مجموع الفتاوى».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 312)
وظاهر مذهب أحمد التفصيل. وهو أن المتصرف إذا كان معذورًا لعدم تمكُّنه من الاستئذان وكان به حاجة إلى [266/أ] التصرُّف وقف العقدُ على الإجازة بلا نزاع عنده. وإن أمكنه الاستئذان أو لم تكن به حاجة إلى التصرُّفُ ففيه النزاع. فالأول مثل من عنده أموال لا يعرف أصحابها كالغصوب والعواري ونحوها، فإذا تعذَّر عليه معرفةُ أرباب الأموال ويئس منها، فإن مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد أنه يتصدَّق بها عنهم. فإن ظهروا بعد ذلك كانوا مخيَّرين بين الإمضاء وبين التضمين.
وهذا مما جاءت به السنة في اللقطة، فإن الملتقط يأخذها بعد التعريف ويتصرَّف فيها، ثم إن جاء صاحبها كان مخيَّرًا بين إمضاء تصرُّفه وبين المطالبة بها. فهو تصرُّف موقوف لما تعذَّر الاستئذان ودعت الحاجة إلى التصرُّف. وكذلك الموصي بما زاد على الثلث، وصيتُه موقوفة على الإجازة عند الأكثرين، وإنما يخيَّرون بعد الموت.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 313)
فالمفقود المنقطع خبره، إن قيل: إن امرأته تبقى إلى أن يُعلمَ خبرُه= بقيَتْ لا أيِّمًا ولا ذات زوج إلى أن تبقى من القواعد أو تموت. والشريعة لا تأتي بمثل هذا. فلما أُجِّلت أربع سنين ولم يُكشفَ خبرُه حُكِم بموته ظاهرًا.
فإن قيل: يسوغ للإمام أن يفرِّق بينهما للحاجة، فإنما ذلك بعد اعتقاد موته، وإلا فلو علمت حياته لم يكن مفقودًا. وهذا كما ساغ التصرُّفُ في الأموال التي تعذَّر معرفةُ أصحابها، فإذا قدِم الرجل تبيَّنَّا أنه كان حيًّا، كما إذا ظهر صاحب المال، والإمام قد تصرَّف في زوجته [266/ب] بالتفريق، فيبقى هذا التفريق موقوفًا على إجازته. فإن شاء أجاز ما فعله الإمام، وإن شاء ردَّه. وإذا أجازه صار كالتفريق المأذون فيه. ولو أذن للإمام أن يفرِّق بينهما ففرَّق وقعت الفرقة بلا ريب، وحينئذ فيكون نكاح الثاني صحيحًا. وإن لم يُجِزْ ما فعله الإمام كان التفريق باطلًا، فكانت باقية على نكاحه فتكون زوجته؛ فكان القادم مخيَّرًا بين إجازة ما فعله الإمام وردِّه. وإذا أجاز فقد أخرج البُضْع عن ملكه.
وخروجُ البضع من ملك الزوج متقوِّم عند الأكثرين كمالك والشافعي وأحمد في أنَصِّ الروايتين. والشافعي يقول: هو مضمون بمهر المثل. والنزاع بينهم فيما إذا شهد شاهدان أنه طلَّق امرأته، ثم رجعا عن الشهادة. فقيل: لا شيء عليهما، بناء على أن خروج البضع من ملك الزوج ليس بمتقوِّم. وهذا قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين اختارها متأخرو أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه. وقيل: عليهما مهر المثل. وهو قول الشافعي، وهو وجه في مذهب أحمد. وقيل: عليهما المسمَّى، وهو مذهب مالك. وهو أشهر في نصِّ أحمد(1)، وقد نصَّ على ذلك فيما إذا أفسد نكاح امرأته برضاع أنه يرجع بالمسمَّى. والكتاب والسنة يدلان على هذا القول، فإن الله تعالى قال: {وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ [267/أ] حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا} [الممتحنة: 10 - 11]. وهذا هو المسمَّى دون مهر المثل. وكذلك(2) أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم زوج المختلعة أن يأخذ ما أعطاها دون مهر المثل(3). وهو سبحانه إنما يأمر في--------------------------------------------
(1) ع: «مذهب أحمد». وفي «مجموع الفتاوى» (20/ 579): «نصوص أحمد».
(2) ت: «ولذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) رواه أحمد (27444)، وأبو داود (2227)، والنسائي (3462) من حديث حبيبة بنت سهل مرفوعا. وصححه ابن حبان (1393).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 314)
المعاوضات المطلقة بالعدل. فحكمُ أمير المؤمنين في المفقود ينبني على هذا الأصل.
والقول بوقف العقود عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة. ثبت ذلك عنهم في قضايا متعددة، ولم يُعلَم أن أحدًا منهم أنكر ذلك، مثل قضية ابن مسعود في تصدُّقه عن سيد الجارية التي ابتاعها بالثمن الذي كان له عليه في الذمة لما تعذَّرت عليه معرفته(1)، وكتصدُّق الغالِّ بالمال المغلول من الغنيمة لما تعذَّر قَسْمُه بين الجيش، وإقرار معاوية(2) على ذلك وتصويبه له(3)، وغير ذلك من القضايا؛ مع أن القول بوقف العقود مطلقًا هو الأظهر في الحجة، وهو قول الجمهور. وليس في ذلك ضرر أصلًا، بل هو صلاح بلا فساد(4)؛ فإن الرجل قد يرى أن يشتري لغيره، أو يبيع له، أو يستأجر له،--------------------------------------------
(1) رواه عبد الرزاق (18631)، وسعيد بن منصور ــ كما في «تغليق التعليق» لابن حجر (4/ 469) ــ والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 139)، وفي «بيان المشكل» (12/ 127)، والطبراني (9721) من طرق عن عامر بن شقيق، عن شقيق بن سلمة.
وعامر فيه لينٌ، لكن الظن به ألا يخطئ في رواية مثل هذه القصّة، وليس عامرٌ ابنًا لشقيق، خلافًا لما ظنّه الإمام الشافعي في «الأم» (8/ 452)، وفات البيهقيَّ تعقّبُه في «السنن الكبير» (6/ 187)، وفي «معرفة السنن والآثار» له (5/ 30).
(2) في النسخ المطبوعة بعده: «له»، ولا وجود له في النسخ ولا في «مجموع الفتاوى» (20/ 580).
(3) رواه أبو إسحاق الفزاري في «السِّيَر» (422) ــ ومن طريقه ابن عساكر (29/ 138 - 139) ــ، وسعيد بن منصور (2732) من رواية حوشب بن سيف به، وقد وثّقه العجلي.
(4) ع: «إصلاح بلا إفساد»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «مجموع الفتاوى» كما أثبتنا من النسخ الأخرى.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 315)
أو يؤجر(1) له؛ ثم يشاوره، فإن رضي وإلا لم يحصل له ما يضرُّه. وكذلك في تزويج وليّته ونحو ذلك، وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه.
فمسألة المفقود هي مما يوقف فيها تفريق الإمام على إذن الزوج [267/ب] إذا جاء، كما يقف تصرُّفُ الملتقط على إذن المالك إذا جاء.
والقولُ بردِّ المهر إليه لخروج(2) بُضْع امرأته عن ملكه، ولكن تنازعوا في المهر الذي يرجع به: هل هو ما أعطاها هو، أو ما أعطاها الثاني؟ وفيه روايتان عن أحمد: إحداهما يرجع بما مهرها الثاني، لأنها هي التي أخذته. والصواب أنه إنما يرجع بما مهرها هو، فإنه الذي يستحقه. وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حقَّ له فيه.
وإذا ضمن الثاني للأول المهرَ، فهل يرجع به عليها؟ فيه روايتان(3):
إحداهما: يرجع، لأنها هي التي أخذته، والثاني قد أعطاها المهر الذي عليه، فلا يضمن مهرين. بخلاف المرأة فإنها لما اختارت فراق الأول(4) ونكاح الثاني، فعليها أن تردَّ المهر؛ لأن الفرقة جاءت من جهتها.
والثانية: لا يرجع، لأن المرأة تستحقُّ المهر بما استحلَّ من فرجها. والأول يستحق المهر بخروج البُضْع عن ملكه، فكان على الثاني.--------------------------------------------
(1) «أو يؤجر له» ساقط من ع. وفي النسخ المطبوعة: «يؤجر له أو يستأجر له».
(2) ع: «المهر إلى الخروج». وفي النسخ المطبوعة: «إلى الزوج بخروج». والصواب ما أثبت، وكذا في «مجموع الفتاوى».
(3) في النسخ المطبوعة زيادة: «عن أحمد» خلافًا للنسخ و «مجموع الفتاوى».
(4) في النسخ المطبوعة: «الزوج الأول»، خلافًا للنسخ الخطية و «مجموع الفتاوى».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 316)
وهذا المأثور عن عمر في مسألة المفقود. وهو عند طائفة من الفقهاء من أبعد الأقوال عن القياس، حتى قال بعض الأئمة: لو حكَم به حاكمٌ نُقِضَ حكمُه. وهو مع هذا أصحُّ الأقوال وأجراها(1) في القياس، وكلُّ قول قيل سواه فهو خطأ. فمن قال: إنها تعاد إلى الأول بكلِّ حال، أو تكون مع الثاني بكلِّ حال= فكلا القولين خطأ، إذ كيف تعاد إلى الأول، وهو لا يختارها ولا يريدها، [268/أ] وقد فُرِّق بينه وبينها تفريقًا سائغًا في الشرع، وأجاز هو ذلك التفريق؟ فإنه وإن تبيَّن للإمام أن الأمر بخلاف ما اعتقده، فالحقُّ في ذلك للزوج. فإذا أجاز ما فعله الإمام زال المحذور.
وأما كونها زوجةَ الثاني بكلِّ حال مع ظهورِ زوجها وتبيُّنِ أن الأمر بخلاف ما فعل الإمام، فهو خطأ أيضًا، فإنه مسلمٌ لم يفارق امرأته، وإنما فُرِّق بينهما بسببٍ ظهر أنه لم يكن كذلك، وهو يطلب امرأته، فكيف يُحال بينه وبينها؟ وهو لو طلب ماله أو بدله رُدَّ إليه فكيف لا تُردُّ إليه امرأته، وأهلُه أعزُّ عليه من ماله؟
وإن قيل: حقُّ الثاني تعلَّق بها. قيل: حقُّه سابق على حقِّ الثاني، وقد ظهر انتقاض السبب الذي به استحقَّ الثاني أن تكون زوجة له. وما الموجب لمراعاة حقِّ الثاني دون الأول؟
فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولهذا تعجَّب أحمد ممن خالفه. وإذا(2) ظهر صحةُ ما قاله الصحابة وصوابُه في مثل هذه المشكلات التي خالفهم فيها مثلُ أبي حنيفة ومالك والشافعي،--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «أحراها» بالحاء المهملة، وهو تصحيف.
(2) ع: «فإذا» بإهمال الفاء. وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 317)
فلَأن يكون الصوابُ معهم فيما وافقهم هؤلاء بطريق الأولى.
قال شيخنا(1): وقد تأمّلتُ من هذا الباب ما شاء الله، فرأيتُ الصحابة أفقهَ الأمة وأعلمَها. اعتبِرْ هذا بمسائل الأيمان والنذور والعتق وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط. فالمنقول فيها عن الصحابة [268/ب] هو أصح الأقوال، وعليه يدل الكتاب والسنة والقياس الجلي، وكل قول سوى ذلك فمخالف للنصوص مناقض للقياس. وكذلك في مسائل غير هذه مثل مسألة ابن الملاعنة، ومسألة ميراث المرتد، وما شاء الله من المسائل، لم أجد أجودَ الأقوال فيها إلا أقوال الصحابة. وإلى ساعتي هذه ما علمتُ قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه، لكن العلم بصحيح القياس وفاسده من أجَلِّ العلوم. وإنما يعرف ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد، وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل التام. والله أعلم. انتهى(2).
فصل
ومما أشكل على كثير من الفقهاء من قضايا الصحابة وجعلوه من أبعد الأشياء عن القياس: مسألة التزاحم، وسقوط المتزاحمين في البئر، وتسمَّى «مسألة الزُّبْيَة».--------------------------------------------
(1) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 582)، والكلام موصول بالسابق واللاحق.
(2) يعني: كلام شيخ الإسلام. انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 583) وقد بدأ النقل منه في (ص 233) من نشرتنا هذه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 318)
وأصلها أن قومًا من أهل اليمن حفروا زبيةً للأسد، فاجتمع الناس على رأسها، فهوَى فيها واحد، فجذب ثانيًا، فجذب الثاني ثالثًا، فجذب الثالثُ رابعًا، فقتلهم الأسد. فرُفِع ذلك إلى علي بن أبي طالب(1) وهو على اليمن، فقضى للأول بربع الدية، وللثاني بثلثها، وللثالث بنصفها، وللرابع بكمالها، وقال: أجعل الدية على مَن حضَر رأس [269/أ] البئر. فرُفِع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هو كما قال». رواه سعيد بن منصور في «سننه»، ثنا أبو عوانة وأبو الأحوص، عن سِماك بن حرب، عن حَنَش الصنعاني(2) عن علي(3). فقال أبو الخطاب وغيره: ذهب أحمد إلى هذا توقيفًا على خلاف القياس(4).
والصواب أنه مقتضى القياس والعدل. وهذا يتبيَّن بأصل، وهو أن الجناية إذا حصلت من فعل مضمونٍ ومهدَرٍ سقط ما يقابل المهدر، واعتُبِر ما يقابل المضمون؛ كما لو قتل عبدًا مشتركًا بينه وبين غيره، أو أتلف مالًا مشتركًا، أو حيوانًا= سقط ما يقابل حقَّه، ووجب عليه ما يقابل حقَّ شريكه. وكذلك لو اشترك اثنان في إتلافِ مال أحدهما أو قتلِ عبده أو حيوانه سقط--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في الجنة».
(2) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وكذا في «المغني» لابن قدامة (12/ 87 - 88) ومنه ينقل المصنف.
(3) رواه ابن أبي شيبة (28451، 29706) عن أبي الأحوص، عن سماك، عن حَنَشِ بن المعتمر الكناني به. ورواه أحمد (573، 574، 1063، 1310) من طريقيْن آخريْن عن سماك، عن حنش … وقد تكلّموا في حنشٍ، وفي حديثه هذا. ويُنظر: «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (6/ 249 - 250).
(4) انظر: «الهداية» لأبي الخطاب (ص 515).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 319)
عن المشارك ما يقابل فعله، ووجب على الآخر من الضمان بقسطه. وكذلك لو اشترك هو وأجنبيٌّ في قتل نفسه كان على الأجنبي نصف الضمان. وكذلك لو رمى ثلاثةً بالمنجنيق فأصاب الحجرُ أحدهم فقتَله، فالصحيح أن ما قابل فعل المقتول ساقط، ويجب ثلثا ديته على عاقلة الآخرين. هذا مذهب الشافعي، واختيار صاحب «المغني»، والقاضي أبي يعلى في «المجرَّد»(1).
وهو الذي قضى به عليٌّ في مسألة القارصة والواقصة. قال الشعبي: وذلك أنَّ ثلاثَ جوارٍ اجتمعن، فركبت إحداهن على عنق الأخرى، فقرَصت الثالثةُ المركوبةَ، فقمَصَت(2)، فسقطت الراكبة [269/ب] فوقَصت(3) عنقها، فماتت. فرُفِع ذلك إلى عليٍّ، فقضى بالدية أثلاثًا على عواقلهن، وألغى الثلث الذي قابل فعل الواقصة، لأنها أعانت على قتل نفسها(4).
وإذا ثبت هذا فلو ماتوا بسقوط بعضهم فوق بعض كان الأول قد هلك بسبب مركَّب من أربعة أشياء: سقوطه، وسقوط الثاني، والثالث، والرابع. وسقوطُ الثلاثة فوقه مِن فعله. وجنايتهُ على نفسه تُسقِط(5) ما يقابله وهو--------------------------------------------
(1) انظر: «المغني» (12/ 83) والمصنف صادر عنه. ومنه نقل قول الشعبي الآتي.
(2) أي نفرت.
(3) في النسخ المطبوعة بعده: «أي كسرت».
(4) رواه الشافعي في «الأم» (8/ 446)، وأبو عبيد في «غريب الحديث» (3/ 77) ــ ومن طريقه الزجاجي في «الأخبار = الأمالي الوسطى» (ص 208)، والبيهقي (8/ 112) ــ من حديث مجالد، عن الشعبي به، ومجالد (وهو ابن سعيد) فيه لِينٌ.
ويُوازَنُ السند المُثْبَتُ في «الأم» بما في «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (6/ 250).
(5) كذا في النسخ بإهمال حرف المضارع. وفي النسخ المطبوعة: «فسقط».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 320)
ثلاثة أرباع الدية. وبقي الربع الآخر لم يتولَّد من فعله وإنما تولَّد من التزاحم فلم يُهدَر. وأما الثاني فلأن هلاكه كان من ثلاثة أشياء: جذبِ مَن قبله له، وجذبه هو لثالث، ورابع. فسقط ما يقابل جذبَه، وهو ثلثا الدية، واعتُبِر ما لا صنع له فيه، وهو الثلث الباقي. وأما الثالث فحصل تلفه بشيئين: جذبِ مَن قبله له، وجذبِه هو للرابع، فسقط فعلُه دون السبب الآخر، فكان لورثته النصف. وأما الرابع فليس منه فعل البتة، وإنما هو مجذوب محض، فكان لورثته كمال الدية. وقضى بها على عواقل الذين حضروا البئر لتدافعهم وتزاحمهم.
فإن قيل: على هذا سؤالان: أحدهما أنكم لم توجبوا على عاقلة الجاذب شيئًا مع أنه مباشر، وأوجبتم على عاقلة من حضر البئر ولم يباشر، وهذا خلاف القياس. الثاني: أنَّ هذا هَبْ أنه يتأتى(1) لكم فيما إذا ماتوا بسقوط بعضهم على بعض، فكيف يتأتَّى لكم [270/أ] في مسألة الزُّبية، وإنما ماتوا بقتل الأسد، فهو كما لو تجاذبوا، فغرقوا في البئر؟
قيل: هذان سؤالان قويَّان. وجواب الأول أن الجاذب لم يباشر الإهلاك، وإنما تسبَّب إليه. والحاضرون تسبَّبوا بالتزاحم، وكان تسبُّبهم أقوى من تسبُّب الجاذب؛ لأنه ألجئ إلى الجذب. فهو كما لو ألقى إنسانٌ إنسانًا على آخر، فنفَضه عنه لئلا يقتله، فمات، فالقاتل هو الملقي.
وأما السؤال الثاني، فجوابه أن المباشر للتلف كالأسد والماء والنار، لما لم يمكن الإحالة عليه أُلغي فعله، وصار الحكم للسبب. ففي مسألة--------------------------------------------
(1) ت: «هب أن هذا يتأنّى». وأخشى أن يكون إصلاحًا للنص.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 321)
الزبية ليس للرابع فعلٌ البتة، وإنما هو مفعول به محض، فله كمال الدية. والثالث فاعل ومفعول به، فأُلغي ما يقابل فعلَه واعتُبر فعلُ الغير به، فكان قسطه نصف الدية. والثاني كذلك إلا أنه جاذب لواحد، والمجذوبُ جاذبٌ لآخر؛ فكان الذي حصل عليه من تأثير الغير فيه ثلثُ السبب، وهو جذبُ الأول له، فله ثلث الدية. وأما الأول فثلاثة أرباع السبب من فعله، وهو سقوط الثلاثة الذين سقطوا بجذبه مباشرةً وتسبُّبًا، وربعُه من وقوعه بتزاحم الحاضرين، فكان حظُّه ربع الدية.
وهذا أولى من تحميل عاقلة القتيل ما يقابل فعله، ويكون لورثته. وهذا هو خلاف القياس، لأن الدية شُرِعت مواساةً وجبرًا، فإذا كان الرجل هو القاتلَ لنفسه أو مشاركًا في قتله لم يكن فعلُه بنفسه مضمونًا، كما [270/ب] لو قطَع طرفَ نفسه أو أتلفَ مال نفسه. فقضاءُ عليٍّ أقرب إلى القياس من هذا بكثير.
وهو أولى أيضًا من أن يُحمَل فعلُ المقتول على عواقل الآخرين، كما قاله أبو الخطاب في مسألة المنجنيق: أنه يلغى فعلُ المقتول في نفسه، وتجب ديته بكمالها على عاقلة الآخرين نصفين. وهذا أبعد عن القياس مما قبله، إذ كيف تتحمل العاقلة والأجانب جناية الإنسان على نفسه، ولو تحملتها العاقلة لكانت عاقلته أولى بتحمُّلها. وكلا القولين يخالف القياس، فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين رضي الله عنه.
وهو أحسن أيضًا(1) من تحميل دية الرابع لعاقلة الثالث، وتحميل دية الثالث لعاقلة الثاني، وتحميل دية الثاني لعاقلة الأول، وإهدار دية الأول--------------------------------------------
(1) ع: «أيضًا أحسن»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 322)
بالكلية. فإن هذا القول وإن كان له حظٌّ من القياس، فإن الأول لم يَجْنِ عليه أحد، وهو الجاني على الثاني فديته على عاقلته، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع، والرابعُ لم يَجْنِ على أحد فلا شيء عليه. فهذا قد تُوُهِّمَ(1) أنه في ظاهر القياس أصحُّ من قضاء أمير المؤمنين، ولهذا ذهب إليه كثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم؛ إلا أن ما قضى به عليٌّ أفقه، فإن الحاضرين ألجؤوا الواقفين بمزاحمتهم لهم، فعواقلهم أولى بحمل الدية من عواقل الهالكين، وأقرب إلى العدل من أن يجمع عليهم بين هلاك أوليائهم وحمل دياتهم، فتتضاعف عليهم المصيبة، ويُكسَروا [271/أ] من حيث ينبغي جبرُهم. ومحاسن الشريعة تأبى ذلك، وقد جعل الله سبحانه لكلِّ مصاب حظًّا من الجبر، وهذا أصلُ شرعِ حملِ العاقلة الدية جبرًا للمصاب وإعانةً له.
وأيضًا فالثاني والثالث كما هما مجنيٌّ عليهما، فهما جانيان على أنفسهما وعلى من جذَباه، فحصل هلاكهم بفعل بعضهم ببعض، فألغى ما قابل فعلَ كلِّ واحد بنفسه، واعتبر جناية الغير عليه.
وهو أيضًا أحسن من تحميل دية الرابع لعواقل الثلاثة، ودية الثالث لعاقلة الثاني والأول، ودية الثاني لعاقلة الأول خاصة؛ وإن كان له أيضًا حظٌّ من قياس تنزيلًا لسبب السبب منزلة السبب. وقد اشترك في هلاك(2) الرابع الثلاثة الذين قبله، وفي هلاك الثالث الاثنان، وانفرد بهلاك الثاني الأول. ولكن قول عليٍّ أدقُّ وأفقَهُ.--------------------------------------------
(1) لم يعجم حرف المضارعة في ح. وفي المطبوع: «يوهم».
(2) ما عدا ع: «هذا».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 323)
فصل
ومما يُظَن أنه يخالف القياس: ما رواه عليُّ بن رباح اللَّخْمي أن رجلًا كان يقود أعمى، فوقعا في بئر، فخرَّ البصير، ووقع الأعمى فوقه، فقتله. فقضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعقل البصير على الأعمى. فكان الأعمى يدور في الموسم، ويُنشد:
يا أيها الناس لقيتُ منكَرا
هل يعقِل الأعمى الصحيحَ المُبْصِرا
خرَّا معًا كلاهما تكسَّرا(1)
وقد اختلف الناس في هذه المسألة، فذهب إلى قضاء عمر هذا عبد الله بن الزبير، وشريح، وإبراهيم النخعي، والشافعي، وإسحاق، وأحمد.
وقال بعض الفقهاء: القياس [271/ب] أنه ليس على الأعمى(2) ضمان البصير، لأنه الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه، وكان سبب وقوعه عليه.--------------------------------------------
(1) رواه الدارقطني (3154) ــ ومن طريقه البيهقي (8/ 112) ــ، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» (15/ 310 - 311). ورواه ابن أبي شيبة (28457) لكن الخبر عنده مختصَرٌ معتصَرٌ جدًّا، بيد أن وكيعًا تداركه بالشرح والإيضاح! خلافًا لأبي صالح وابن الحُباب ساقا الحكاية مُجوَّدةً على نَسَقٍ. وقد حسّن ابنُ كثيرٍ سندَ القصّة في «مسند الفاروق» (2/ 274)، مع أنّ السندَ منقطعٌ. وللقصّة طريق أخرى رواها ابن وهب عن الليث بن سعد، لكنها معضلةٌ ظاهرةُ الإعضالِ. ويُنظر: «المحلى» لابن حزم (10/ 506)، و «التلخيص الحبير» لابن حجر (4/ 69).
(2) في «المغني» (12/ 85) ــ وهو مصدر النقل ــ: «ولو قال قائل: ليس على الأعمى».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 324)
ولذلك(1) لو فعله قصدًا(2) لم يضمنه بغير خلاف، وكان عليه ضمان الأعمى. ولو لم يكن سببًا لم يلزمه ضمانٌ بقصده. قال أبو محمد المقدسي في «المغني»(3): لو قيل هذا لكان له وجه، إلا أن يكون مجمعًا عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع.
والقياسُ حكمُ عمر، لوجوه(4):
أحدها: أن قوده له مأذون فيه من جهة الأعمى، وما تولَّد من مأذون فيه لم يضمن كنظائره.
الثاني: أنه(5) قد يكون قوده له مستحبًّا أو واجبًا. ومَن فعَلَ ما وجب عليه أو نُدِب إليه لم يلزمه ضمانُ ما تولَّد منه.
الثالث: أنه قد اجتمع على ذلك الإذنان: إذن الشارع، وإذن الأعمى. فهو محسِن بامتثال أمر الشارع، محسِن إلى الأعمى بقوده له، وما على المحسنين من سبيل. وأما الأعمى فإنه سقط على البصير، فقتله، فوجب عليه ضمانه؛ كما لو سقط إنسان من سطح على آخر، فقتله. فهذا هو القياس.
وقولهم: «هو الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه»، فهذا لا يوجب--------------------------------------------
(1) ع: «وكذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «المغني» كما أثبت.
(2) في النسخ المطبوعة بعده: «منه». ولم يرد في «المغني» ولا النسخ الخطية.
(3) انظر: (12/ 84 - 85) والكلام متصل. وبدايته من قوله: «علي بن رباح اللخمي أن رجلًا … ».
(4) الوجهان الأولان مأخوذان من «المغني».
(5) «أنه» ساقط من النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 325)
الضمان(1)؛ لأن قوده مأذون فيه من جهته ومن جهة الشارع. وقولهم: «ولذلك(2) لو فعله قصدًا لم يضمنه»، فصحيحٌ لأنه مسيء وغير مأذون له في ذلك، لا من جهة الأعمى ولا من جهة الشارع.
فالقياس المحض قول عمر. وبالله التوفيق.
فصل
ومما(3) أشكل على جمهور الفقهاء [272/أ] وظنوه في غاية البعد عن القياس: الحكم الذي حكم به عليُّ بن أبي طالب في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طهر واحد، ثم تنازعوا الولد، فأقرَعَ بينهم فيه(4).
ونحن نذكر هذه الحكومة، ونبيِّن مطابقتها للقياس. فذكر أبو داود والنسائي(5)
من حديث عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم قال: كنت--------------------------------------------
(1) يعني: على البصير.
(2) في النسخ المطبوعة: «وكذلك»، والصواب ما أثبت كما سبق.
(3) ح، ف: «وما».
(4) وانظر: «زاد المعاد» (5/ 384 - 387) و «تهذيب السنن» (1/ 561 - 564) و «الطرق الحكمية» (2/ 614 - 620).
(5) رواه أحمد (19342، 19344)، وأبو داود (2269)، والنسائي (3489، 3490)، وفي «السنن الكبرى» (5653، 5995) من طرق عن الأجلح، عن الشعبي، عن عبد الله بن (أبي) الخليل، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه. وعبد الله هذا مجهول الحال، والأجلح هو ابن عبد الله الكندي، وهو صدوقٌ، فيه لِينٌ، وقد اختُلف عليه في سنده، فرواه على هذا الوجه، ورُوي أيضًا عنه، عن الشعبي، عن عبد خير، عن زيد بن أرقم، كذا رواه أحمد (19329). وقد خالفه الثقة الثبت المُتقِن سلمة (وهو ابنُ كُهَيْلٍ)، فرواه عن الشعبي، عن (أبي) الخليل ــ أو ابن (أبي) خليل ــ فذكره موقوفا، ولم يرفعه، ولا أسنده عن زيد بن أرقم، ولا ذكر (اليمن)، ولا قوله: «طِيبَا بالولد». كذا رواه أبو داود (2271)، والنسائي (3492)، وفي «السنن الكبرى» (5656) من طريق شعبة (وهو ابن الحجّاج)، عن سلمة به. وقال النسائي: «وسلمة بن كُهيل أثبتُهم، وحديثُه أولى بالصواب، والله أعلم». وكذا رجّح هذا أبو حاتم الرازي [كما في «العلل» لابنه عبد الرحمن (1204)]، والبيهقي (10/ 267). ونقل ابن عبد الهادي في المحرر (1081) قول الإمام أحمد: «هو حديث منكر». أما الحاكم، فصحّحه (2/ 207).
ويُنظر: «الضعفاء» للعقيلي (1/ 357، 358، 3/ 302 - 303)، و «العلل» لابن أبي حاتم (2317)، و «العلل» للدارقطني (3/ 117 - 119)، و «السنن الكبير» للبيهقي (10/ 267 - 268).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 326)
جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من أهل اليمن، فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولد، قد وقعوا على امرأة في طهر واحد. فقال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلَبا(1). ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فغلَبا ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، فقالا: لا. فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مُقرع بينكم، فمن قرَع فله الولد، وعليه لصاحبيه ثلثا الدية. فأقرع بينهم، فجعله لمن قرَع. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أضراسه أو نواجذه.
وفي إسناده يحيى بن عبد الله الكندي الأجلح، ولا يحتج بحديثه.
لكن رواه أبو داود والنسائي بإسناد كلُّهم ثقات إلى عبد خير عن زيد بن أرقم، قال: أُتي عليٌّ بثلاثة ــ وهو باليمن ــ وقعوا على امرأة في طهر واحد،--------------------------------------------
(1) كذا في النسخ الخطية هنا وفيما بعد. وكذا في بعض نسخ «سنن أبي داود» كما في «عون المعبود» (6/ 257). واللفظ المشهور: «فغلَيا» من الغليان. وفي النسخ المطبوعة: «فقالا: لا»، والظاهر أنه تصرف من بعض النساخ أو الناشرين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 327)