Arabic source text

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

📘 أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم (ابن القيم - ت 751 هـ)

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وُجِدا أوجبنا تحريم التفاضل، وإن اختلف المبيعان(1) من وجوه أُخَر، كالجِصِّ(2) وهو مكيل فحكمُه حكمُ البُرّ من حيث كونه مكيلًا، وإن خالفه من وجوه أخر؛ وكالرصاص وهو موزون، فحكمُه حكمُ(3) الذهب في تحريم التفاضل وإن خالفه في أوصاف [281/أ] أُخَر. فمتى عُقِل المعنى الذي به تعلَّق الحكمُ، وجُعِل علامةً له، وجب اعتباره حيث وُجِد؛ كما رجم ماعزًا لزناه، وحكَم بإلقاء الفأرة وما حولها لما ماتت في السمن، فعقَلنا عمومَ المعنى لكلِّ زانٍ، وعمومَ المعنى لكلِّ مائع جاور النجاسة؛ إلا أن المعنى تارةً يكون جليًّا ظاهرًا، وتارةً يكون خفيًّا غامضًا، فيستدل عليه بالدلائل التي نصبها الله عليه».
وأجاب عنه القاضي أبو يعلى بأن قال(4): «العقل إنما يمنع أن يُجمَع بين الشيئين المختلفين من حيث اختلفا في الصفات النفسية كالسواد والبياض، وأن يفرَّق بين المثلين(5) فيما تماثلا(6) فيه من صفات النفس كالسوادين والبياضين وما يجري مجرى ذلك. وأما ما عدا ذلك، فإنه لا يمتنع أن يُجمَع بين المختلفين في الحكم الواحد. ألا ترى أن السواد--------------------------------------------
(1) في النسخ الخطية والطبعات القديمة: «اختلفت المبيعات»، والظاهر أنه تصحيف ما أثبت من «الفصول».
(2) في النسخ الخطية والطبعات القديمة: «كالحمص»، وهو أيضًا تصحيف ما أثبت من «الفصول».
(3) في النسخ المطبوعة: «كحكم».
(4) في «العدَّة» (4/ 1288).
(5) ح، ف: «المتماثلين». وما أثبت من ت، ع موافق لما في مصدر النقل.
(6) في «العدَّة»: «تقابلا».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 348)

والبياض قد اجتمعا في منافاة الحمرة وما يجري مجراها من الألوان، وأن(1) القعود في الموضع الواحد قد يكون حسنًا إذا كان فيه نفع لا ضرر فيه، وقد يكون قبيحًا إذا كان فيه ضرر من غير نفع يوفي عليه، وإن كان القعود(2) في ذلك الموضع متيقَّنًا(3). وقد يكون القعود في مكانين مجتمعين في الحسن بأن يكون في كلٍّ منهما نفع لا ضرر فيه، وإن كانا مختلفين؛ على أن ذلك يؤكِّد صحة القياس وذلك أن المثلين في العقليات إنما وجب تساوي حكمهما، لأن كلَّ واحد منهما قد ساوى الآخرَ فيما لأجله قد وجب [281/ب] له الحكم؛ إما لذاته كالسوادين، أو لعلَّةٍ أوجبت ذلك كالأسودين. وهكذا القول في المختلفين. وعلى هذه الطريقة بعينها يجري القياس، لأنا إنما نحكم للفرع بحكم الأصل إذا شاركه في علة الحكم، كما أن الله تعالى إنما نصَّ على حكم واحد في الشيئين إذا اشتركا فيما أوجب الحكم فيهما. فقد بان بذلك صحة ما ذكرناه».
وأجاب عنه القاضي عبد الوهاب المالكي بأن قال: «دعواكم بأن هذه الصور التي اختلفت أحكامها متماثلةٌ في نفسها دعوى! والأمثلة لا تشهد لها. ألا ترى أنه لا يمتنع أن يتفق الصوم والصلاة في امتناع أدائها من الحائض، ويفترقان في وجوب القضاء؛ والتماثل في العقليات لا يوجب التساوي في الأحكام الشرعيات. وأيضًا فهذا يوجب منع القياس في العقليات. وأيضًا فإن القياس جائز على العلة المنصوص عليها مع وجود--------------------------------------------
(1) ح، ت، ف: «فإن»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «العدّة» كما أثبت من ع.
(2) في النسخ المطبوعة بعده زيادة «المقصود».
(3) ت: «منتفيًا». وفي «العدة»: «متفقًا».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 349)

المعنى الذي ذكره».
فهذه أجوبة النظار. ونحن بعون الله وتوفيقه نفرد كلَّ مسألة منها بجواب مفصل، وهو المسلك الثاني الذي وعدنا به.
أما المسألة الأولى وهي إيجاب الشارع الغسلَ من المني دون البول؛ فهذا من أعظم محاسن الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة؛ فإن المني يخرج من جميع البدن، ولهذا سمَّاه الله سبحانه: {سُلَالَةٍ}، لأنه يُسَلُّ(1) من جميع البدن. وأما البول [282/أ] فإنما هو فضلة الطعام والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة، فتأثُّرُ البدن بخروج المني أعظم من تأثره بخروج البول.
وأيضًا فإن الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبدن والقلب والروح. بل جميع الأرواح القائمة بالبدن، فإنها تقوى بالاغتسال. والغسل يُخْلِف عليه ما تحلَّل منه بخروج المني، وهذا أمر يُعلَم(2) بالحس. وأيضًا فإن الجنابة توجب ثقلًا وكسلًا، والغسلُ يُحدِث له نشاطًا وخفّةً. ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة: كأنما ألقيتُ عنِّي جبلًا(3).
وبالجملة فهذا أمر يدركه كلُّ ذي حسٍّ سليم وفطرة صحيحة، ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب، مع ما تُحدثه الجنابة من بُعدِ القلب والروح عن الأرواح--------------------------------------------
(1) ت: «يسيل»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف. وفي ع: «يخرج».
(2) في النسخ المطبوعة: «يعرف».
(3) تقدم تخريجه.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 350)

الطيبة، فإذا اغتسل زال ذلك البعد. ولهذا قال غير واحد من الصحابة: إن العبد إذا نام عرجت روحه. فإن كان طاهرًا أُذِن لها بالسجود، وإن كان جنبًا لم يؤذن لها(1)، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجنب إذا نام أن يتوضأ(2).
وقد صرَّح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته، ويُخلف عليه ما تحلَّل منه، وأنه من أنفع شيء للبدن والروح، وتركُه مُضِرّ. ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه، وبالله التوفيق. على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول لكان في ذلك أعظمُ حرج ومشقة [282/ب] على الأمة، تمنعه حكمةُ الله ورحمتُه وإحسانُه إلى خلقه.
فصل
وأما غسلُ الثوب من بول الصبية، ونضحُه من بول الصبي، إذا لم يطعما؛ فهذا للفقهاء فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهما يُغسلان جميعًا.
والثاني: يُنْضَحان.
والثالث: التفرقة. وهو الذي جاءت به السنة(3). وهذا من محاسن الشريعة وتمام حكمتها ومصلحتها.--------------------------------------------
(1) رواه ابن المبارك في «الزهد» (1245) من كلام أبي الدرداء. وفي سنده عثمان بن نعيم الرعيني مجهول، لم يَرْوِ عنه غير ابن لهيعة. وفيه أبو عثمان الأصبحي، مستور الحال، ولا يُعلم له سماع من أبي الدرداء.
(2) أخرجه البخاري (287) ومسلم (306) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(3) سبق تخريجها.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 351)

والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه:
أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكر، فتعُمُّ البلوى ببوله، فيشُقُّ غسلُه.
الثاني(1): أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرِّقًا هاهنا وهاهنا، فيشقُّ غسلُ ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى.
الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر. وسببه حرارة الذكر ورطوبة الأنثى، فالحرارة تخفِّف من نتن البول، وتُذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة. وهذه معانٍ مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق.
فصل
وأما نقصُه الشطرَ من صلاة المسافر الرُّباعية دون الثلاثية والثنائية، ففي غاية المناسبة؛ فإن الرباعية تحتمل الحذف لطولها، بخلاف الثنائية، فلو حذف شطرَها لأجحَفَ بها، ولزالت حكمة الوتر الذي شُرِع خاتمةَ العمل. وأما الثلاثية فلا يمكن شطرُها(2). وحذفُ ثلثيها مخِلٌّ بها، وحذفُ ثلثها يُخرجها عن حكمة شرعها وترًا، فإنها شُرعت ثلاثًا لتكون وتر النهار، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المغرب وتر النهار، فأوتِروا صلاةَ الليل»(3).--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «والثاني».
(2) ت: «تشطرها». وفي غيرها والطبعات القديمة ما أثبت. يعني: تنصيفها. وفي المطبوع: «حذف شطرها» بزيادة كلمة «حذف».
(3) رواه أحمد (4847، 4992، 5549)، والنسائي في «السنن الكبرى» (1386) من حديث ابن عمر مرفوعا. ويُنظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (6775 - 6778)، و «السنن الكبرى» للنسائي (1387)، و «الكنى» للدولابي (1/ 244)، و «العلل» للدارقطني (13/ 190)، و «حلية الأولياء» لأبي نعيم (6/ 348)، و «فتح الباري» لابن رجب (9/ 168 - 169).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 352)

[283/أ] فصل
وأما إيجاب الصوم على الحائض دون الصلاة، فمن تمام محاسن الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح المكلَّفين. فإن الحيض لما كان منافيًا للعبادة لم يُشرَع فيه فعلُها، وكان في صلاتها أيام الطهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض؛ فيحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطهر، لتكرُّرها كلَّ يوم؛ بخلاف الصوم، فإنه لا يتكرر، وهو شهر واحد في العام، فلو سقط عنها فعلُه بالحيض لم يكن لها سبيل إلى تدارك نظيره، وفاتت عليها مصلحته. فوجب(1) عليها أن تصوم شهرًا في طهرها، لتحصل مصلحة الصوم التي هي من تمام رحمة الله بعبده وإحسانه إليه بشرعه. وبالله التوفيق.
فصل
وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرَّة الشوهاء القبيحة، وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال؛ فكذِبٌ على الشارع. فأين حرَّم الله هذا، وأباح هذا؟ والله سبحانه إنما قال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظرَ إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حُرِّم عليه بلا ريب.
وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام--------------------------------------------
(1) ع: «مصلحة الصوم ووجب».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 353)

والابتذال. وأما إماءُ التسرِّي اللاتي جرت العادة بصَونهن وحجبهن، فأين أباح الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في [283/ب] الأسواق والطرقات ومجامع الناس، وأذِنَ للرجال بالتمتُّع(1) بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض على الشريعة. وأكَّد هذا الغلطَ أن بعض الفقهاء سمع قولهم: إن الحرة كلَّها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالبًا كالبطن والظهر والساق؛ فظنَّ أن ما يظهر غالبًا حكمُه حكمُ وجه الرجل. وهذا إنما هو في الصلاة، لا في النظر؛ فإن العورة عورتان: عورة في الصلاة، وعورة في النظر(2)، فالحرَّةُ لها أن تصلِّي مكشوفةَ الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس(3) كذلك. والله أعلم.
فصل
وأما قطعُ يد السارق في ثلاثة دراهم، وتركُ قطع المختلس والمنتهب والغاصب؛ فمن تمام حكمة الشارع أيضًا. فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه ينقُب الدورَ، ويهتِك الحِرزَ، ويكسر القفل؛ ولا يمكن صاحبَ المتاع الاحترازُ بأكثر من ذلك. فلو لم يُشَرع قطعُه لسرَق الناس بعضُهم بعضًا، وعظم الضرر، واشتدَّت المحنة بالسُرَّاق؛ بخلاف المنتهب والمختلس، فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرةً بمرأًى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يديه، ويخلِّصوا حقَّ المظلوم، أو يشهدوا له عند الحاكم. وأما المختلِس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلةٍ من مالكه--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «في التمتع».
(2) في النسخ المطبوعة: «في النظر وعورة في الصلاة».
(3) ت: «الرجال».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 354)

وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط تمكَّن به المختلسُ من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس. فليس كالسارق، بل هو بالخائن [284/أ] أشبه.
وأيضًا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حِرز مثلِه غالبًا، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخلِّيك عنه وغفلتك عن حفظه. وهذا يمكن الاحتراز منه غالبًا، فهو كالمنتهب.
وأما الغاصب، فالأمر فيه ظاهر. وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ كفُّ عدوان هؤلاء بالضرب والنَّكال، والسجن الطويل، والعقوبة بأخذ المال، كما سيأتي.
فإن قيل: فقد وردت السنة بقطع جاحد العاريَّة، وغايته أنه خائن. والمعيرُ سلَّطَه على قبض ماله. والاحتراز منه ممكن بأن لا يدفع إليه المال، فبطَلَ ما ذكرتم من الفرق.
قيل: لعمرُ الله لقد صحَّ الحديث بأن امرأةً كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقُطِعت يدها(1). فاختلف الفقهاء في سبب القطع: هل كان سرقتها؟ وعرَّفها الراوي بصفتها، لا أنَّ(2) المذكور سبب القطع كما يقوله الشافعي وأبو حنيفة ومالك، أو كان السبب المذكور هو سبب القطع كما يقوله أحمد ومَن وافقه؟ ونحن في هذا المقام لا ننتصر لمذهب معين البتة، فإن كان الصحيح قول الجمهور اندفع السؤال. وإن كان--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (1688) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) في المطبوع: «لأن»، وهو خطأ.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 355)

الصحيح هو القول الآخر، فموافقته للقياس والحكمة والمصلحة ظاهرٌ جدًّا، فإن العاريَّة من مصالح بني آدم التي لا بد لهم منها، ولا غنى لهم عنها. وهي واجبة عند حاجة المستعير وضرورته إليها إما بأجرة أو مجانًا. ولا يمكن المعيرَ كلَّ وقت أن [284/ب] يُشْهِد على العارية، ولا يمكن الاحتراز بمنع العارية شرعًا وعادةً وعرفًا. ولا فرق في المعنى بين من توصَّل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة، وبين من توصَّل إليه بالعارية وجحدها. وهذا بخلاف جاحد الوديعة، فإن صاحب المتاع فرَّط حيث ائتمنه.
فصل
وأما قطعُ اليد في ربع دينار، وجعلُ ديتها خمسمائة دينار؛ فمن أعظم المصالح والحكمة، فإنه احتاط(1) في الموضعين للأموال والأطراف. فقطَعَها في ربع دينار حفظًا للأموال، وجعَلَ ديتها خمسمائة دينار حفظًا لها وصيانةً. وقد أورد بعضُ الزنادقة هذا السؤال، وضمَّنه بيتين، فقال(2):
يدٌ بخمس مِئٍ من عسجدٍ وُدِيت … ما بالُها قُطِعت في ربع دينار(3)
تناقضٌ ما لنا إلا السكوت له … ونستجير بمولانا من العار(4)

فأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «احتياط».
(2) ينسب البيتان إلى أبي العلاء. انظر: «شرح اللزوميات» (2/ 203).
(3) هذا البيت في «شرح اللزوميات» متأخر على تاليه. ومِئٌ: جمع مائة. وفي الشرح: «بخمس مئينٍ عسجد».
(4) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. وفي الشرح: «من النار»، وهو المشهور.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 356)

هانت(1). وضمَّنه الناظم(2) قوله:
يدٌ بخمس مِئٍ من عسجد وُديت … لكنها قُطعت في ربع دينار
حمايةُ الدم أغلاها، وأرخصها … صيانةُ المال فانظر حكمة الباري(3)

فصل
وأما تخصيص القطع بهذا القدر، فلأنه لا بد من مقدار يُجعَل ضابطًا لوجوب القطع؛ إذ لا يمكن أن يقال: يقطع بسرقة فَلْسٍ أو حبَّةِ حنطة أو تمرة، ولا تأتي شريعة(4) بهذا، وتُنزَّه حكمة الله ورحمته وإحسانه عن ذلك.--------------------------------------------
(1) نسبه ابن كثير في «تفسيره» (3/ 110) إلى القاضي عبد الوهاب المالكي. وذكر البيجوري في «حاشيته على شرح ابن القاسم» (2/ 449) أنه من كلام ابن الجوزي.
(2) نسب في «الوافي بالوفيات» (7/ 110) إلى علم الدين السخاوي، وفي «النور السافر» (ص 366) للشريف الرضي. والمشهور أنه للقاضي عبد الوهاب المالكي، والبيت يروى بألفاظ مختلفة. انظر: «فتح الباري» (12/ 98) و «فيض القدير» للمناوي» (1/ 231).
(3) بعد هذا البيت في النسخ المطبوعة زيادة لم ترد في المخطوطات، والظاهر أنها حاشية لبعض القراء دخلت في المتن وهي:
وروي أن الشافعي ' أجاب بقوله:
هناك مظلومة غالت بقيمتها

وهاهنا ظلمت هانت على الباري

وأجاب شمس الدين الكردي بقوله:
قل للمعرِّيِّ عارٌ أيما عارِ
لا تقدحَنَّ زناد الشعر عن حِكَمٍ
فقيمة اليد نصف الألف من ذهب

جهلُ الفتى وهو عن ثوب التُقى عارِ
شعائرُ الشرع لم تُقدَح بأشعار
فإن تعدَّت فلا تَسْوَى بدينار
(4) في النسخ المطبوعة: «الشريعة».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 357)

فلا بدَّ من ضابط، وكانت الثلاثةُ دراهمَ أول مراتب الجمع، [285/أ] وهي مقدار ربع دينار. وقال إبراهيم النخعي أو غيره(1) من التابعين(2): «كانوا لا يقطعون في الشيء التافه»؛ فإن عادة الناس التسامحُ في الشيء الحقير من أموالهم، إذ لا يلحقهم ضررٌ بفقده. وفي التقدير بثلاثة دراهم حكمة ظاهرة، فإنها كفاية المقتصد في يومه له ولمن يمُونه غالبًا. وقوت اليوم للرجل وأهله له خطرٌ عند غالب الناس. وفي الأثر المعروف: «من أصبح آمنًا في سِرْبه، معافًى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها»(3).
فصل
وأما إيجاب حد الفرية على من قذف غيره بالزنا دون الكفر، ففي غاية--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «وغيره».
(2) رواه ابن أبي شيبة (28693)، وإسحاق بن راهويه (738، 739)، والبيهقي (8/ 255، 256) من كلام عروة بن الزبير. ورواه ابن أبي شيبة (28697)، وأبو عوانة (6221) من طريق أخرى عن عروة، عن عائشة. والمحفوظ أنه من كلام عروة.
(3) رواه الترمذي (2346) ــ وقال: «حديثٌ حسنٌ غريبٌ» ــ، وابن ماجه (4141) من حديث سلمة بن عبيدالله بن محصن، عن أبيه مرفوعا. وسلمة هذا مجهول، وابنُ أبي شميلةَ الراوي عنه مستورُ الحالِ، بادِيَ الرأيِ، على أنّ العقيليَّ أغرب جدًّا، فاستظهر في «الضعفاء» (2/ 552 - 553) أنه محمدُ بن سعيدٍ التالفُ المصلوبُ في الزندقة! وللحديثِ شواهدُ واهيةٌ، أشهرُها ما صحّحه ابن حبان (4578) من حديث أبي الدرداء مرفوعا، وآفتُه عبد الله بن هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلة، وهو تالف، صاحب بواطيل.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 358)

المناسبة؛ فإن القاذف غيره بالزنا لا سبيل للناس إلى العلم بكذبه، فجُعِل حدُّ الفرية تكذيبًا له، وتبرئةً لعرض المقذوف، وتعظيمًا لشأن هذه الفاحشة التي يُجلَد من رمى بها مسلمًا. وأما من رمى غيره بالكفر، فإنَّ شاهدَ حال المسلم واطلاع المسلمين عليها كافٍ في تكذيبه، ولا يلحقه من العار بكذبه(1) عليه في ذلك ما يلحقه بكذبه عليه في الرمي بالفاحشة؛ ولا سيما إن كان المقذوف امرأة، فإنَّ العار والمعرَّة التي تلحقها بقذفِه بين أهلها، وتشعُّبِ ظنون الناس وكونِهم بين مصدِّق ومكذِّب= لا يلحق مثله بالرمي بالكفر.
فصل
وأما اكتفاؤه في القتل بشاهدين دون الزنا، ففي غاية الحكمة والمصلحة؛ فإن الشارع احتاط للقصاص [285/ب] والدماء، واحتاط لحدِّ الزنا. فلو لم يقبل في القتل إلا أربعةً لضاعت الدماء، وتواثب العادون، وتجرؤوا على القتل. وأما الزنا فإنه بالغَ في سَتْره كما قدَّر الله سترَه، فاجتمع على ستره شرعُ الله وقدرُه، فلم يقبل فيه إلا أربعة يصفون الفعل وصف مشاهدة ينتفي معها الاحتمال. وكذلك في الإقرار، لم يكتف بأقلَّ من أربع مرات حرصًا على ستر ما قدَّر الله سترَه، وكرِه إظهارَه، والتكلُّمَ به، وتواعَدَ(2) مَن يُحِبُّ إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «في كذبه».
(2) كذا في النسخ الخطية، وسيأتي مرة أخرى (4/ 292). وقد استعمله المصنف بمعنى توعَّد في «طريق الهجرتين» (1/ 630) و «الداء والدواء» (ص 486) أيضًا. وفي النسخ المطبوعة: «وتوعَّد»، ولعله من تصرف الناشرين.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 359)

فصل
وأما حدُّ(1) قاذف الحر دون العبد، فتفريقٌ لشرعه بين ما فرَّق الله بينهما بقدره. فما جعل الله سبحانه العبد كالحرِّ من كلِّ وجه لا قدرًا ولا شرعًا. وقد ضرب الله سبحانه لعباده الأمثال التي أخبر فيها بالتفاوت بين الحر والعبد، وأنهم لا يرضون أن تساويهم عبيدهم في أرزاقهم. فالله سبحانه وتعالى فضَّل بعضَ خلقه على بعض، وفضَّلَ الأحرار على العبيد في الملك وأسبابه والقدرة على التصرف، وجعل العبد مملوكًا والحُرَّ مالكًا، ولا يستوي المالك والمملوك.
وأما التسوية بينهما في أحكام الثواب والعقاب، فذلك موجب العدل والإحسان؛ فإنه يومَ الجزاء لا يبقى هناك عبد وحرّ، ولا مالك ومملوك.
فصل
وأما تفريقه في العدَّة بين الموت والطلاق، وعدَّة الحرة وعدَّة الأمة، [286/أ] وبين الاستبراء والعدّة، مع أن المقصود: العلمُ ببراءة الرحم في ذلك كلِّه. فهذا إنما يتبيَّن وجهُه إذا عُرفت الحكمة التي لأجلها شُرعت العدَّة، وعُرِف أجناسُ العِدَد وأنواعُها.
فأما المقام الأول، ففي شرع العِدَّة عدَّة حِكَم:
منها: العلم ببراءة الرحم، وأن لا يجتمع ماء الواطئين فأكثر في رحم واحد، فتختلط الأنساب وتفسد. وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة.--------------------------------------------
(1) ت، ع: «جلد»، وكذا سبق في سرد المسائل.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 360)

ومنها: تعظيم خطر هذا العقد، ورفع قدره، وإظهار شرفه.
ومنها: تطويل زمان الرجعة للمطلق، إذ لعله أن يندم ويفيء، فيصادف زمنًا يتمكَّن فيه من الرجعة.
ومنها: قضاء حقِّ الزوج، وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل. ولذلك شُرِع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الوالد والولد.
ومنها: الاحتياط لحقِّ الزوج، ومصلحة الزوجة، وحقِّ الولد، والقيام بحق الله الذي أوجبه. ففي العدَّة أربعة حقوق. وقد أقام الشارع الموتَ مقام الدخول في استيفاء المعقود عليه، فإن النكاح مدته العمر. ولهذا أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق، وفي تحريم الربيبة، عند جماعة من الصحابة ومن بعدهم كما هو مذهب زيد بن ثابت(1) وأحمد في إحدى الروايتين عنه(2). فليس المقصود من العدة مجرد براءة الرحم، بل ذلك من بعض مقاصدها وحِكَمها.
المقام الثاني في أجناسها. وهي أربعة في كتاب الله، وخامس بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الجنس الأول: أمُّ باب العدّة(3) {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4].--------------------------------------------
(1) رواه ابن أبي شيبة (16530).
(2) انظر: «الروايتين والوجهين» (2/ 99).
(3) كذا في ح، ف، ع والطبعات القديمة. يعني: أصل الباب. وقد سقطت كلمة «أم» من ت. وفي حاشية ع: «لعله أرباب أو أبواب». وأثبت في المطبوع: «أرباب العدة»، ولا معنى له.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 361)

الثاني: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].
الثالث: {فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ} [البقرة: 228].
الرابع: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4].
الخامس: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائلٌ حتى تُستبرأ بحَيضة»(1).
ومقدَّمُ هذه الأجناس(2) الحاكمُ عليها كلِّها: وضعُ الحمل. فإذا وُجِد فالحكم له، ولا التفات إلى غيره. وقد كان بين السلف نزاع في المتوفَّى--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (11228، 11596، 11823)، وأبو داود (2157) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا. وفي سنده شريك النخغي، وهو ضعيف، وأغرب الحاكم، فصحح حديثَه هذا (2/ 195) قاطعًا أنه على شرط مسلم! لكن للحديث شواهد كثيرة تدلّ على ثبوت معناه، منها: حديث أبي الدرداء مرفوعا، رواه مسلم (1441).

وحديث رُويفع بن ثابت، وسيأتي تخريجُه قريبًا. وحديث العرباض بن سارية مرفوعا، رواه الترمذي (1564)، واستغربه، أما الحاكم، فصححه (2/ 135). وحديث أبي هريرة مرفوعا، رواه أحمد (8814)، وله طريق أخرى عنه ذكرها البخاري في «التاريخ الكبير» (5/ 239). وحديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعا، صححه ابن حبان (2067). وحديث ابن عباس مرفوعا، رواه الدارقطني (3640)، وله طريقان آخران صححهما الحاكم (2/ 56، 137)، أحدهما عند النسائي (4645).
(2) بعده في ت زيادة «كلها»، وكذا في النسخ المطبوعة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 362)

عنها أنها تتربَّص أبعدَ الأجلين، ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل. وأما عدة الوفاة فتجب بالموت، سواء دخل بها أو لم يدخل، كما دلَّ عليه عمومُ القرآن، والسنةُ الصحيحة(1)، واتفاق الناس. فإن الموت لما كان انتهاءَ العقد وانقضاءَه استقرَّت به الأحكام من التوارث، واستحقاق المهر. وليس المقصود بالعدة هاهنا مجرد استبراء الرحم كما ظنه بعض الفقهاء، لوجوبها قبل الدخول، ولحصول الاستبراء بحَيضة واحدة، ولاستواء الصغيرة والآيسة وذوات القروء في مدتها. فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة: هي تعبُّد محض لا يُعقَل معناه. وهذا باطل لوجوه:
منها: أنه [287/أ] ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة، يعقله مَن عقَله، ويخفى على من خفي عليه.
ومنها: أن العِدَد ليست من باب العبادات المحضة، فإنها تجب في حقِّ الصغيرة والكبيرة والعاقلة والمجنونة والمسلمة والذمية، ولا تفتقر إلى نية.
ومنها: أن رعاية حقِّ الزوجين والولد والزوج الثاني ظاهر فيها.
فالصواب(2) أن يقال: هي حريم(3) لانقضاء النكاح لما كمل. ولهذا تجد فيها رعايةً لحق الزوج وحرمة له. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من احترامه ورعايةِ حقوقه تحريمُ نسائه بعده. ولما كان(4) نساؤه في الدنيا هن نساؤه في الآخرة قطعًا، لم يحِلَّ لأحد أن يتزوج بهن بعده؛ بخلاف غيره، فإن هذا ليس--------------------------------------------
(1) سبق تخريجُ حديثِ الفريعةِ بنتِ مالكٍ الدالِّ على ذلك.
(2) ت، ع: «والصواب».
(3) يعني أنها تابعة له. وفي ت: «تحريم»، وفي حاشية ع أنه كان كذا في أصلها.
(4) في النسخ المطبوعة: «كانت» خلافًا للخطية.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 363)

معلومًا في حقِّه. فلو حُرِّمت المرأة على غيره لتضرَّرت ضررًا محقَّقًا بغير نفع معلوم، ولكن لو تأيَّمت على أولادها كانت محمودة على ذلك.
وقد كانوا في الجاهلية يبالغون في احترام حقِّ الزوج وتعظيم حريم هذا العقد غايةَ المبالغة، من تربُّص سنةٍ في شرِّ ثيابها وحِفْشِ(1) بيتها، فخفَّف الله ذلك عنهم(2) بشريعته التي جعلها رحمة وحكمة ومصلحة ونعمة. بل هي من أجلِّ نعمه عليهم على الإطلاق، فله الحمد كما هو أهله.
وكانت أربعة أشهر وعشرًا على وفق الحكمة والمصلحة، إذ لا بد من مدة مضروبة لها. وأولى المُدَد بذلك: المدّة التي يُعلَم فيها وجودُ حملِ(3) الولد وعدمه، فإنه يكون أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين علقة، ثم أربعين [287/ب] مضغة. فهذه أربعة أشهر. ثم يُنفَخ فيه الروح في الطور الرابع، فقُدِّر بعشرة أيام لتظهر حياته بالحركة إن كان ثم حمل.
فصل
وأما عدَّة الطلاق، فلا يمكن تعليلها بذلك، لأنها إنما تجب بعد المسيس بالاتفاق؛ ولا ببراءة الرحم، لأنه يحصل بحيضة كالاستبراء، وإن كان براءة الرحم بعض مقاصدها.
ولا يقال: «هي تعبُّد»، لما تقدَّم. وإنما يتبيَّن حكمُها إذا عُرِف ما فيها من الحقوق ففيها حقُّ الله، وهو امتثال أمره وطلب مرضاته؛ وحقٌّ للزوج--------------------------------------------
(1) الحِفش: البيت الصغير من بيوت الأعراب.
(2) في النسخ المطبوعة: «عنهم ذلك».
(3) لفظ «حمل» ساقط من ت، ع. وفي المطبوع: «بوجود حمل».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 364)

المطلق، وهو اتساع زمن الرجعة له؛ وحقٌّ للزوجة، وهو استحقاقها النفقة والسكنى ما دامت في العدة؛ وحقٌّ للولد، وهو الاحتياط في ثبوت نسبه وأن لا يختلط بغيره؛ وحقٌّ للزوج الثاني، وهو أن لا يسقي ماءه زرع غيره. ورتَّب الشارعُ على كلِّ واحد من هذه الحقوق ما يناسبه من الأحكام. فرتَّب على رعاية حقِّه هو لزومَ المنزل وأنها لا تَخْرُج ولا تُخْرَج، هذا موجَب القرآن ومنصوصُ إمام أهل الحديث وإمام أهل الرأي. ورتَّب على حقِّ المطلِّق تمكينَه من الرجعة ما دامت في العدة، وعلى حقِّها استحقاقَ النفقة والسكنى، وعلى حقِّ الولد ثبوتَ نسبه وإلحاقه بأبيه دون غيره، وعلى حقِّ الزوج الثاني دخوله على بصيرة ورحم بريء غير مشغول بولد لغيره. فكان في جعلها ثلاثةَ قروء رعايةٌ لهذه الحقوق، وتكميلٌ(1) لها.
وقد دلَّ القرآن على أن العدة حقٌّ للزوج [288/أ] عليها بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49]. فهذا دليل على أن العدَّة للرجل على المرأة بعد المسيس. وقال تعالى: {الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ}(2) [البقرة: 228]، فجعل الزوجَ أحقَّ بردِّها في العدة. فإذا كانت العدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر طالت مدة التربُّص لينظر في أمرها: هل يُمسكها بمعروف، أو يُسَرِّحها بإحسان؛ كما جعل الله سبحانه للمُؤْلي تربُّصَ أربعة أشهر لينظر في أمره: هل يفيء أو يطلِّق؛ وكما جعل مدة تسيير الكفار أربعة أشهر لينظروا في--------------------------------------------
(1) في النسخ الخطية كلها: «وتكميلًا».
(2) زيد في النسخ المطبوعة: {اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي}.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 365)

أمرهم ويختاروا لأنفسهم(1).
فإن قيل: هذه العلة باطلة، فإن المختلعة، والمفسوخَ نكاحُها بسبب من الأسباب، والمطلَّقةَ ثلاثًا، والموطوءةَ بشبهة، والمزنيَّ بها= تعتدُّ بثلاثة أقراء، ولا رجعة هناك. فقد وُجِد الحكم بدون علته، وهذا يُبطِل كونها علَّةً.

قيل: شرطُ النقض أن يكون الحكم في صورة ثابتًا بنص أو إجماع. وأما كونه قولًا لبعض العلماء، فلا يكفي في النقض به. وقد اختلف الناس في‌‌ عدَّة المختلعة، فذهب إسحاق وأحمد في أصحِّ الروايتين عنه دليلًا أنها تعتدُّ بحَيضة واحدة(2). وهو مذهب عثمان بن عفان(3)، وعبد الله بن عباس(4). وقد حُكي إجماعُ الصحابة، ولا يعلم لهما مخالف. وقد دلَّت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة دلالةً صريحةً. وعذرُ من خالفها أنها لم تبلغه، [288/ب] أو لم تصح عنده، أو ظنَّ الإجماعَ على خلاف موجَبها.
وهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر(5). أما رجحانه أثرًا، فإن النبي--------------------------------------------
(1) يشير إلى قوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ} [التوبة: 2].
(2) انظر: «مسائل الكوسج» (4/ 1601 - 1603) و (4/ 1694 - 1695)، و «الإشراف» لابن المنذر (5/ 360)، و «المغني» (11/ 195).
(3) رواه ابن ماجه (2058)، والنسائي (3498). ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (11859)، و «المصنف» لابن أبي شيبة (18776، 18778).
(4) رواه ابن أبي شيبة (18780).
(5) وانظر: «مجموع الفتاوى» (32/ 110، 290، 328) و (33/ 10) و «زاد المعاد» (5/ 601).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 366)

- صلى الله عليه وسلم لم يأمر المختلعة قطُّ أن تعتدَّ بثلاث حِيَض، بل قد روى أهل السنن عنه من حديث الربيِّع بنت معوِّذ أن ثابت بن قيس ضرب امرأته، فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أُبَيّ(1). فأتى أخوها يشتكيه(2) إلى رسول الله. فأرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت، فقال: «خُذ الذي لها عليك، وخَلِّ سبيلها». قال: نعم. فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتربَّص حيضةً واحدةً، وتلحق بأهلها(3).
وذكر أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم، أو أُمِرَتْ أن تعتدَّ بحَيضة(4). قال الترمذي: «الصحيح أنها أُمِرت أن تعتدَّ بحَيضة».
وهذه الأحاديث لها طرقٌ يصدِّق بعضُها بعضًا. وأُعِلَّ الحديثُ بعلَّتين. إحداهما: إرساله، والثانية(5): أن الصحيح فيه «أُمِرت» بحذف الفاعل. والعلَّتان غير مؤثِّرتين، فإنه قد روي من وجوه متصلة، ولا تعارُضَ بين «أُمِرَتْ» و «أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم»، إذ من المحال أن يكون الآمر لها بذلك غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته. وإذا كان الحديث قد روي بلفظ محتمل، ولفظ صريح يفسِّر المحتملَ ويبيِّنه، فكيف يُجعَل المحتملُ معارضًا للمفسِّر، بل مقدَّمًا [289/أ] عليه؟--------------------------------------------
(1) في المطبوع زيادة بعده: «بن سلول».
(2) ع: «يشتكي»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) رواه النسائي (3497). ويُنظر: «السنن» لأبي داود (2228).
(4) رواه أبو داود (2229)، والترمذي عَقِبَ الحديث (1185)، وقال: «حسنٌ غريبٌ». وصححه الحاكم (2/ 206). ويُنظر: «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (4/ 415 - 416).
(5) ح: «والثاني».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 367)