Arabic source text

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

📘 أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم (ابن القيم - ت 751 هـ)

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فصل
وأما قوله: «وجعل الحرَّةَ القبيحةَ الشوهاءَ تُحْصِن الرجلَ، والأَمةَ البارعةَ الجمال لا تُحْصنه»، فتعبير سيِّئ عن معنى صحيح؛ فإن حكمة الشارع اقتضت وجوب حدِّ الزنا على من كملت عليه نعمة الله بالحلال، فتخطَّاه إلى الحرام. ولهذا لم يوجب كمال الحدِّ على من لم يحصن، واعتبر للإحصان أكمل أحواله، وهو أن يتزوج بالحرة التي يرغب الناس في مثلها، دون الأمة التي لم يُبِح الله نكاحها إلا عند الضرورة، فالنعمة بها ليست كاملة؛ ودون التسرِّي الذي هو في الرتبة دون النكاح، فإن الأمة ــ ولو كانت ما عسى أن تكون ــ لا تبلغ رتبةَ الزوجة، لا شرعًا ولا عرفًا ولا عادةً، بل قد جعل الله لكلٍّ منهما رتبةً. والأمة لا تراد لما تراد له الزوجة، ولهذا كان له أن يملك من لا يجوز له نكاحها(1)، ولا قَسْم عليه في ملك يمينه. فأمته تجري في الابتذال والامتهان والاستخدام مجرى دابته وغلامه، بخلاف الحرائر. وكان من محاسن الشريعة أن اعتبرت في كمال النعمة على من يجب عليه الحدُّ أن يكون قد عقَد على حُرَّةٍ ودخل بها، إذ بذلك يقضي كمال وطره، ويعطي شهوته حقَّها، ويضعها مواضعها. هذا هو [297/ب] الأصل ومنشأ الحكمة.
ولا يعتبر ذلك في كلِّ فردٍ فردٍ من أفراد المحصنين. ولا يضرُّ تخلُّفه في كثير من المواضع، إذ شأن الشرائع الكلية أن تراعي الأمور العامة المنضبطة، ولا ينقضها تخلُّفُ(2) الحكمة في أفراد الصور، كما هذا شأن الخلق. فهو موجَب حكمة الله في خلقه وأمره في قضائه وشرعه. وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) في النسخ الخطية: «نكاحه»، والمثبت من النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ الخطية: «بتخلف»، والمثبت من النسخ المطبوعة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 388)

فصل
وأما قوله: «ونقض الوضوء بمسِّ الذكر دون سائر الأعضاء، ودون مسِّ العذِرة والبول»، فلا ريب أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمرُ بالوضوء من مسِّ الذكر(1)، وروي عنه خلافه، وأنه سئل عنه، فقال للسائل: «هل هو إلا بضعة منك»(2).
وقد قيل: إن هذا الخبر لم يصح. وقيل: بل هو منسوخ. وقيل: بل هو محكم دالٌّ على عدم الوجوب. وحديث الأمر دالٌّ على الاستحباب. فهذه ثلاثة مسالك للناس في ذلك.
وسؤال السائل ينبني على صحة حديث الأمر بالوضوء وأنه للوجوب. ونحن نجيبه على هذا التقدير، فنقول: هذا من كمال الشريعة وتمام محاسنها. فإن مسَّ الذكر مُذَكِّر بالوطء، وهو في مظنة الانتشار غالبًا، والانتشار الصادر عن المسِّ في مظنة خروج المذي ولا يشعر به. فأقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة لخفائها وكثرة وجودها، كما أقيم النوم مقام--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (27293)، وأبو داود (181)، والترمذي (82، 83، 84) وصححه، وابن ماجه (479)، والنسائي (163، 164) من حديث بُسرة بنت صفوان مرفوعا.
وصححه أيضًا جماعة من الحفاظ؛ منهم: الإمام أحمد، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وابن خزيمة (33)، وابن حبان (988 - 993)، والحاكم (1/ 136، 138). ويُنظر: «مسائل أبي داود الإمامَ أحمد» (1966)، و «مسائل الكوسج» عن أحمد وإسحاق (53، 109)، و «العلل» للدارقطني (15/ 313 - 356)، و «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (1/ 268 - 274)، و «التلخيص الحبير» لابن حجر (1/ 213 - 221).
(2) سبق تخريجه.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 389)

الحدث، وكما أقيم لمسُ المرأة لشهوةٍ(1) مقام الحدَث.
وأيضًا فإن مسَّ الذكر يوجب [298/أ] انتشار حرارة الشهوة وثورانها في البدن، والوضوء يطفئ تلك الحرارة، وهذا مشاهَد بالحسِّ. ولم يكن الوضوء من مسِّه لكونه نجسًا، ولا لكونه مجرى النجاسة حتى يورد السائل مسَّ العَذِرة والبول. ودعواه بمساواة مسِّ الذكر للأنف من أكذب الدعاوي وأبطل القياس. وبالله التوفيق.
فصل
وأما قوله: «أوجب الحدَّ في القطرة الواحدة من الخمر دون الأرطال الكثيرة من البول»، فهذا أيضًا من كمال هذه الشريعة، ومطابقتها للعقول والفطر، وقيامها بالمصالح. فإن ما جعل الله سبحانه في طباع الخلق النفرةَ(2) عنه ومجانبتَه اكتفى بذلك عن الوازع عنه بالحدِّ، لأن الوازعَ الطَّبْعيَّ(3) كافٍ في المنع منه.
وأما ما يشتدُّ تقاضي الطباع له فإنه غلَّظ العقوبة عليه بحسب شدة تقاضي الطبع له، وسدَّ الذريعة إليه من قرب وبعد، وجعل ما حوله حِمًى، ومنع من قربانه. ولهذا عاقب في الزنا بأشنع القتلات، وفي السرقة بإبانة اليد، وفي الخمر بتوسيع الجلد ضربًا بالسوط، ومنع(4) قليل الخمر وإن--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «بشهوة».
(2) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة بدلًا من «من النفرة».
(3) في النسخ المطبوعة: «الطبيعي».
(4) زاد بعده في المطبوع: «من».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 390)

كان لا يُسكِر، إذ قليلُه داعٍ إلى كثيره. ولهذا كان من أباح من نبيذ التمر المسكِر القدرَ الذي لا يُسكِر خارجًا عن محض القياس والحكمة وموجب النصوص.
وأيضًا فالمفسدةُ التي في شُربِ الخمر والضررُ المختصُّ والمتعدِّي أضعافُ الضرر والمفسدة التي في شرب [298/ب] البول وأكل القاذورات، فإن ضررها مختصُّ بمتناوِلها.
فصل
وأما قوله: «وقصَر عددَ المنكوحات على أربع، وأباح ملك اليمين بغير حصر»، فهذا من تمام نعمته وكمال شريعته، وموافقتها للحكمة والرحمة والمصلحة. فإن النكاح يراد للوطء وقضاء الوطر، ثم من الناس من يغلب عليه سلطان هذه الشهوة فلا تندفع حاجته بواحدة، فأطلق له ثانية وثالثة ورابعة. وكان هذا العدد موافقًا لعدد طباعه وأركانه، وعدد فصول سنته، ولرجوعه إلى الواحدة بعد صبر ثلاث عنها. والثلاث أول مراتب الجمع، وقد علَّق الشارع بها عدَّة أحكام، ورخَّص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه(1) ثلاثًا(2)، وأباح للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثًا(3)، وجعل حدَّ--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «بمكة».
(2) أخرجه البخاري (3933) ومسلم (1353) من حديث العلاء بن الحضرمي.
(3) رواه أحمد (18091، 18093 - 18095، 18097)، والترمذي (96) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (478)، والنسائي (126، 127) من حديث صفوان بن عسّال مرفوعًا.
وصححه أيضًا ابن خزيمة (17، 193، 196)، وابن حبان (1267، 1268، 3926، 5593)، واختاره الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (8/ 31 - 42).
وله شواهد كثيرة جدًّا، منها حديث علي مرفوعا، رواه مسلم (276)، وابن ماجه (552)، والنسائي (128، 129). ومنها حديث أبي بكرة الثقفي مرفوعا، رواه ابن ماجه (556)، وصححه ابن خزيمة (192).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 391)

الضيافة المستحبة أو الواجبة(1) ثلاثًا(2)، وأباح للمرأة أن تُحِدَّ على غير زوجها ثلاثًا(3). فرحم الضرَّةَ بأن جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثًا، ثم يعود. فهذا محض الحكمة والرحمة(4) والمصلحة.
وأما الإماء فلما كنَّ بمنزلة سائر الأموال من الخيل والعبيد وغيرها لم يكن لقصر المالك على أربعة منهن أو غيرها من العدد معنًى. فكما ليس في حكمة الله ورحمته أن يقصر السيد على أربعة عبيد أو أربع(5) دوابّ وثياب ونحوها، فليس في حكمته أن يقصره على أربع(6) إماء.
وأيضًا فللزوجة حقٌّ على الزوج اقتضاه عقدُ النكاح، يجب على الزوج القيام [299/أ] به؛ فإن شاركها غيرُها وجب عليه العدل بينهما. فقصَر الأزواج على عدد يكون العدل فيه أقرب مما زاد عليه، ومع هذا فلا يستطيعون العدل ولو حرصوا عليه. ولا حقَّ لإمائه عليه في ذلك، ولهذا لا يجب لهن قَسْمٌ. ولهذا قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 3]. والله أعلم.--------------------------------------------
(1) ع: «الموجبة». وفي ت: «المستحقة أو المستحبة».
(2) أخرجه البخاري (6019) ومسلم (48) من حديث أبي شريح العدوي.
(3) أخرجه البخاري (1281) من حديث أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
(4) في النسخ المطبوعة: «الرحمة والحكمة».
(5) في النسخ الخطية: «أربعة»، والمثبت من النسخ المطبوعة.
(6) ما عدا ع: «أربعة».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 392)

فصل
وأما قوله: «وإنه أباح للرجل أن يتزوج بأربع زوجات، ولم يُبِح للمرأة أن تتزوج بأكثر من زوج واحد»، فذلك من كمال حكمة الرب تعالى وإحسانه ورحمته بخلقه ورعاية مصالحهم. ويتعالى سبحانه عن خلاف ذلك، وينزَّه شرعه أن يأتي بغير هذا. ولو أبيح للمرأة أن تكون عند زوجين فأكثرَ لفسَد العالم، وضاعت الأنساب، وقتل الأزواج بعضهم بعضًا، وعظمت البلية، واشتدت الفتنة، وقامت سوق الحرب على ساق. وكيف يستقيم حال امرأة فيها شركاء متشاكسون؟ وكيف يستقيم حال الشركاء فيها؟ فمجيء الشريعة بما جاءت به من خلاف هذا من أعظم الأدلة على حكمة الشارع ورحمته وعنايته بخلقه.
فإن قيل: فكيف رُوعي جانبُ الرجل، وأُطلِق له أن يُسِيمَ طرفه ويقضي وطره، وينتقل من واحدة إلى واحدة بحسب شهوته وحاجته؛ وداعي المرأة داعيه، وشهوتها شهوته؟
قيل: لما كانت المرأة من عادتها أن تكون مخبَّأةً وراء(1) الخدور(2)، محجوبة في كِسْرِ(3) بيتها، [299/ب] وكان مزاجها أبرد من مزاج الرجل، وحركتها الظاهرة والباطنة أقلَّ من حركته؛ وكان الرجل قد أعطي من القوة والحرارة التي هي سلطان الشهوة أكثرَ مما أعطيته المرأة، وبُلِي بما لم تُبْلَ--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «من وراء» بزيادة «من».
(2) في المطبوع: «الخُدُر» بضم الخاء والدال!
(3) كِسْر البيت: جانبه. وفي ع: «كِنّ»، وكذا في النسخ المطبوعة مع زيادة الواو قبل «محجوبة».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 393)

به = أُطلِق له من عدد المنكوحات ما لم يُطلَق للمرأة. وهذا مما خصَّ الله به الرجال، وفضَّلهم به على النساء، كما فضَّلهم عليهن بالرسالة والنبوة والخلافة والملك والإمارة وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك. وجعل الرجال قوَّامين على النساء ساعين في مصالحهن، يدأبون في أسباب معيشتهن، ويركبون الأخطار، يجوبون القفار، ويعرِّضون أنفسهم لكلِّ بلية ومحنة في مصالح الزوجات. والربُّ تعالى شكور حليم، فشكر لهم ذلك، وجبَرهم بأن مكَّنهم مما لم يمكِّن منه الزوجات. وأنت إذا قايستَ بين تعب الرجال وشقائهم وكدِّهم ونَصَبهم في مصالح النساء وبين ما ابتلي به النساء من الغيرة وجدتَ حظَّ الرجال من تحمُّل ذلك التعب والنصب والدأب أكثرَ من حظِّ النساء من تحمُّل الغيرة. فهذا من كمال عدل الله وحكمته ورحمته، فله الحمد كما هو أهله.
وأما قول القائل: «إن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل»، فليس كما قال. والشهوة منبعها الحرارة، وأين حرارة الأنثى من حرارة الذكر؟ ولكن المرأة ــ لفراغها وبطالتها وعدم معاناتها لما يشغلها عن أمر شهوتها [300/أ] وقضاء وطرها ــ يغمُرها سلطانُ الشهوة، ويستولي عليها، ولا يجد(1) عندها ما يعارضه، بل يصادف قلبًا فارغًا ونفسًا خاليةً، فيتمكَّن منها كلَّ التمكُّن، فيظن الظانُّ أن شهوتها أضعاف شهوة الرجل، وليس كذلك. ومما يدل عليه(2) أن الرجل إذا جامع امرأةً(3) أمكنه أن يجامع غيرها في الحال. وكان--------------------------------------------
(1) في النسخ الخطية: «ولم يجد»، والمثبت من النسخ المطبوعة.
(2) ح، ف: «على». وفي ع: «على ذلك». وفي النسخ المطبوعة: «على هذا».
(3) في النسخ المطبوعة: «امرأته».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 394)

النبي صلى الله عليه وسلم يطوف على نسائه في الليلة الواحدة(1). وطاف سليمان على تسعين امرأة في ليلة(2)، ومعلوم أن له عند كلِّ امرأة شهوةً وحرارةً باعثةً على الوطء. والمرأة إذا قضى الرجل وطره فترت شهوتها، وانكسرت نفسها، ولم تطلب قضاءها من غيره في ذلك الحين. فتطابقت حكمة الشرع والقدر(3) والخلق والأمر. ولله الحمد.
فصل
وأما قوله: «أباح للرجل أن يستمتع من أَمته بملك اليمين بالوطء وغيره، ولم يبح للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره»، فهذا أيضًا من كمال هذه الشريعة وحكمتها. فإنَّ السيِّد قاهر لمملوكه، حاكم عليه، مالك له. والزوج قاهر لزوجته حاكم عليها، وهي تحت سلطانه وحكمه، تُشبه الأسير. ولهذا مُنِع العبدُ من نكاح سيدته، للتنافي بين كونه مملوكها وبعلها، وبين كونها سيدته وموطوءته. وهذا أمر مشهود بالفطرة والعقول قبحُه، وشريعة أحكم الحاكمين منزَّهة عن أن تأتي به.
فصل
وأما قوله: «فرَّق(4) بين الطلقات، فجعل بعضها محرِّمًا للزوجة--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (268) ومسلم (309) من حديث أنس رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري (6639) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
، وفيه: «على مائة امرأة أو تسع وتسعين». وفيه (3424): «على سبعين امرأة». وفيه (7469) أنه «كان له ستون امرأة، فقال: لأطوفن … ».
(3) ع: «القدر والشرع».
(4) ع: «وفرَّق»، وكذا في النسخ المطبوعة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 395)

وبعضها غير [300/ب] محرِّم»، فقد تقدَّم من بيان حكمة ذلك ومصلحته ما فيه كفاية.
فصل
وأما قوله: «وفرَّق(1) بين لحم الإبل وغيره من اللحوم في الوضوء»، فقد تقدَّم في الفصل الذي قبل هذا جواب هذا السؤال، وأنه على وَفْق الحكمة ورعاية المصلحة.
فصل
وأما قوله: «وفرَّق بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة»، فهذا سؤال أورده عبد الله بن الصامت على أبي ذر، وأورده أبو ذر على النبي صلى الله عليه وسلم، وأجاب عنه بالفرق المبين(2)، فقال: «الكلب الأسود شيطان»(3). وهذا إن أريد به أن الشيطان يظهر في صورة الكلب الأسود كثيرًا كما هو الواقع فظاهر. وليس بمستنكر(4) أن يكون مرورُ عدوِّ الله بين يدي المصلي قاطعًا لصلاته، ويكون مروره قد جعل تلك الصلاةَ بغيضةً إلى الله مكروهةً له، فيؤمر المصلِّي بأن يستأنفها. وإن كان المراد به أن الكلب الأسود شيطان الكلاب، فإنَّ كلَّ جنس من أجناس الحيوانات فيها شياطين، وهي ما عتَا منها وتمرَّد، كما أن شياطين الإنس عُتاتهم ومتمرِّدوهم، والإبل شياطين--------------------------------------------
(1) ت: «فرَّق».
(2) في النسخ المطبوعة: «البيّن».
(3) أخرجه مسلم (510) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
(4) ت: «بمستكثر».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 396)

الأنعام، وعلى ذروة كلِّ بعير شيطان(1) = فيكون مرورُ هذا النوع من الكلاب ــ وهو من أخبثها وشرِّها ــ مبغِّضًا لتلك الصلاة إلى الله، فيجب على المصلي أن يستأنفها. وكيف يُستبعد أن يقطع مرورُ العدوِّ [301/أ] بين الإنسان وبين وليِّه حكمَ مناجاته له، كما قطعها كلمةٌ من كلام الآدميين أو قهقهة أو ريح، أو ألقى عليه الغيرُ نجاسةً، أو نوَّمه الشيطان فيها؟
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن شيطانًا تفلَّت عليَّ البارحةَ ليقطع عليَّ صلاتي»(2).
وبالجملة، فللشارع في أحكام العبادات أسرارٌ لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل، وإن أدركتها جملةً.
فصل
وأما قوله: «وفرَّق بين الريح الخارجة من الدبر وبين الجَشْوة، فأوجب الوضوء من هذه دون هذه»، فهذا أيضًا من محاسن هذه الشريعة وكمالها، كما فرَّق بين البلغم الخارج من الفم وبين العَذِرة في ذلك. ومن سوَّى بين الريح والجشاء فهو كمن سوَّى بين البلغم والعَذِرة. والجشاءُ من جنس العطاس الذي هو ريح تحتبس في الدماغ، ثم تطلب لها منفذًا، فتخرج من الخياشيم، فيحدث العطاس. وكذلك الجشاء ريح تحتبس فوق المعدة فتطلب الصعود، بخلاف الريح التي تحتبس تحت المعدة. ومن سوَّى بين الجشوة والضرطة في الوصف والحكم فهو فاسد العقل والحِسّ.--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه البخاري (461) ومسلم (541) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 397)

فصل
وأما قوله: «أوجب الزكاة في خمس من الإبل، وأسقطها عن آلاف من الخيل»؛ فلعَمْرُ الله، إنه أوجب الزكاة في هذا الجنس دون هذا، كما في «سنن أبي داود»(1) من حديث عاصم بن ضمرة، عن علي قال: قال [301/ب] رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد عفوتُ عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة(2): من كلِّ أربعين درهمًا درهم. وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم».
ورواه سفيان عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي(3).
وقال بقية: حدثني أبو معاذ الأنصاري، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة يرفعه: «عفوتُ لكم عن صدقة الجَبْهة، والكُسْعَة، والنُّخَّة»(4). قال بقية: الجبهة: الخيل. والكُسْعة: البغال والحمير. والنُّخَّة:--------------------------------------------
(1) برقم (1574). ورواه أحمد (711، 913)، والترمذي (620)، والنسائي (2477، 2478). وصححه ابن خزيمة (2284)، وحسنه البغوي في «شرح السنة» (6/ 47)، واختاره الضياء المقدسي (2/ 140 - 141).
(2) هي الورِق، يعني: الفضة.
(3) رواه أحمد (1097)، وابن ماجه (1790) من طريق سفيان الثوري به. ورواه ابن ماجه (1813) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي إسحاق به. ورواه ابن وهب في «الجامع» (191) عن السفيانَيْن معًا، ومن طريقه رواه البيهقي (4/ 118). ويُنظر: «العلل» للدارقطني (3/ 157 - 161).
(4) رواه البيهقي (4/ 118) من طريق بقية به، وقال: «كذا رواه بقية بن الوليد عن أبي معاذ، وهو سليمان بن أرقم، متروك الحديث، لا يُحتجّ به، وقد اختُلِف عليه في إسناده؛ فقيل: هكذا. وقيل: عنه، عن الحسن، عن عبد الرحمن بن سمرة». ثمّ خرّجه، وكذا ابن عدي في «الكامل» (4/ 235)، ومحمد بن إبراهيم الجرجاني في «الأمالي» (307)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (4/ 1817) من طريق أبي عمرو الحراني، عن سليمان بن أرقم كذلك. ورواه أبو داود في «المراسيل» (114، 115) من طريقين عن كثير بن زياد، عن الحسن مرسلا. ورواه أبو عبيد في «غريب الحديث» (1/ 122 - 123) من طريق حماد بن زيد، عن كثير بن زياد معضلا. ويُنظر ما في «غريب الحديث» لأبي عبيد (1/ 124). وقد قال البيهقي (4/ 118): «أسانيد هذا الحديثِ ضعيفةٌ».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 398)

المربَّيات(1) في البيوت.
وفي كتاب عمرو بن حزم: «لا صدقة في الجبهة والكُسْعة. والكسعة الحمير، والجبهة: الخيل»(2).
وفي «الصحيحين»(3) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة».
والفرق بين الخيل والإبل أن الخيل تراد لغير ما تراد له الإبل، فإن الإبل تراد للدَّرِّ والنسل والأكل وحمل الأثقال والمتاجر والانتقال عليها من بلد إلى بلد. وأما الخيل فإنما خُلقت للكَرِّ والفَرِّ والطلب والهرب، وإقامة--------------------------------------------
(1) ح، ف: «المزينات»، تصحيف.
(2) كذا، ولعلّ نظر المصنف انتقل من لفظٍ إلى آخر أثناء النقل، فدخل عليه حديثٌ في حديثٍ. وقد كان البيهقي علّقه في «السنن الكبير» (4/ 118) بلفظ: «وإنه ليس في عبد مسلمٍ ولا في فرسِه شيءٌ»، ثمّ أسنده من حديث عمرو بن حزم، ثم أعقبه بالحديث الذي سبق قبل هذا. ويَحْسُنُ تدبُّرُ ما في «السنن الكبير» للبيهقي (4/ 89 - 90)، و «نصب الراية» للزيلعي (2/ 357)، و «الدراية» لابن حجر (ص 255).
(3) البخاري (1463) ومسلم (982).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 399)

الدين، وجهاد أعدائه. وللشارع قصد أكيد في اقتنائها وحفظها والقيام عليها، وترغيب النفوس في ذلك بكلِّ طريق. ولهذا(1) عفا عن أخذ الصدقة منها، ليكون ذلك أرغب للنفوس فيما يحبه الله ورسوله من اقتنائها ورباطها. وقد قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60].
فرباط [302/أ] الخيل من جنس آلات السلاح والحرب. فلو كان عند الرجل منها ما عسى(2) أن يكون، ولم يكن للتجارة= لم يكن عليه فيه زكاة؛ بخلاف ما أعد للنفقة، فإن الرجل إذا ملك منه نصابًا ففيه الزكاة. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بعينه في قوله: «عفوتُ(3) لكم عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقَة»(4). أفلا تراه كيف فرَّق بين ما أُعِدَّ للإنفاق، وما(5) أُعِدَّ لإعلاء كلمة الله ونصر دينه وجهاد أعدائه، فهو من جنس السيوف والرماح والسهام؟ وإسقاط الزكاة في هذا الجنس من محاسن الشريعة وكمالها.
فصل
وأما قوله: «أوجب في الذهب والفضة والتجارة ربعَ العُشر، وفي الزروع والثمار نصفَ العُشر أو العُشرَ، وفي المعدن الخُمْس»، فهذا أيضًا من كمال شريعته ومراعاتها للمصالح. فإن الشارع أوجب الزكاة مواساةً--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «ولذلك».
(2) ت، ع: «عساه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) في النسخ المطبوعة: «قد عفوت».
(4) تقدَّم في أول الفصل.
(5) في النسخ المطبوعة: «وبين ما».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 400)

للفقراء، وطُهْرةً للمال، وعبوديةً للرب، وتقرُّبًا إليه، بإخراج محبوب العبد له وإيثار مرضاته.
ثم فرضها على أكمل الوجوه، وأنفعها للمساكين، وأرفقها بأرباب الأموال. ولم يفرضها في كلِّ مال، بل فرضها في الأموال التي تحتمل المواساة، ويكثر فيها الرِّبح والدَّرّ والنسل. ولم يفرضها فيما يحتاج العبد إليه من ماله ولا غنى له عنه، كعبيده وإمائه ومركوبه وداره وثيابه وسلاحه، بل فرضها في أربعة أجناس من المال: المواشي، والزروع [302/ب] والثمار، والذهب والفضة، وعروض التجارة؛ فإن هذه أكثر أموال الناس الدائرة بينهم، وعامةُ تصرُّفهم فيها، وهي التي تحتمل المواساة، دون ما أسقط الزكاة فيه.
ثم قسم كلَّ جنس من هذه الأجناس بحسب حاله وإعداده للنماء إلى ما فيه الزكاة، وإلى ما لا زكاة فيه. فقسم المواشي إلى قسمين: سائمة ترعى بغير كلفة ولا مشقَّة ولا خسارة، فالنعمة فيها كاملة، والمنَّة بها وافرة، والكلفة فيها يسيرة، والنماء فيها كثير؛ فخصَّ هذا النوع بالزكاة. وإلى معلوفة بالثمن أو عاملة في مصالح أربابها في دواليبهم وحروثهم وحمل أمتعتهم، فلم يجعل في ذلك زكاة، لكلفة المعلوفة وحاجة المالكين إلى العوامل، فهي كثيابهم وعبيدهم وإمائهم وأمتعتهم.
ثم قسم الزروع والثمار إلى قسمين: قسم يجري مجرى السائمة من بهيمة الأنعام في سقيه من ماء السماء بغير كلفة ولا مشقة، فأوجب فيه العشر. وقسم يسقى بكلفة ومشقة، ولكن كلفته دون كلفة المعلوفة(1) بكثير،--------------------------------------------
(1) أثبت في المطبوع: «العلوفة»!

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 401)

إذ تلك تحتاج إلى العلف كلَّ يوم، فكان مرتبةً(1) بين مرتبة السائمة والمعلوفة، فلم يوجب فيه زكاةَ ما شرب بنفسه، ولم يُسقط زكاته جملةً(2)، فأوجب فيه نصف العشر.
ثم قسم الذهب والفضة إلى قسمين: أحدهما ما هو مُعَدٌّ للثمنية(3) والتجارة به والتكسُّب، ففيه الزكاة كالنقدين والسبائك ونحوها. وإلى ما هو مُعَدٌّ للانتفاع دون الربح والتجارة [303/أ] كحلية(4) المرأة وآلات السلاح التي يجوز استعمال مثلها، فلا زكاة فيه.
ثم قسم العروض إلى قسمين: قسم أُعِدَّ للتجارة، ففيه الزكاة؛ وقسم أُعِدَّ للقِنية والاستعمال، فهو مصروف عن جهة النماء، فلا زكاة فيه.
ثم لما كان حصول النماء والربح بالتجارة من أشقِّ الأشياء وأكثرِها معاناةً وعملًا خفَّفها بأن جعل فيها ربع العشر. ولما كان الربح والنماء بالزروع والثمار التي تُسقَى بالكلفة أقلَّ كلفةً، والعمل أيسَرُ، ولا يكون في كلِّ السنة= جعله ضِعْفَه، وهو نصف العشر. ولما كان التعب والعمل فيما يشرب بنفسه أقلَّ والمُؤنةُ أيسرَ جعله ضِعْفَ ذلك، وهو العشر، واكتفى فيه بزكاة عامَّة خاصَّة. فلو أقام عنده بعد ذلك عدة أحوال لغير التجارة لم يكن فيه زكاة، لأنه قد انقطع نماؤه وزيادته؛ بخلاف الماشية، وبخلاف ما لو أُعِدَّ--------------------------------------------
(1) في حاشية ع: «مرتبته» مع علامة «ظ» فوقها.
(2) ع: «جملة واحدة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) في حاشية ع: «للتنمية» مع علامة «ظ» فوقها. وفي المطبوع: «لتنميته».
(4) في المطبوع: «كحلي».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 402)

للتجارة، فإنه(1) غرضُه النَّماءُ(2).
ثم لما كان الرِّكاز مالًا مجموعًا محصَّلًا، وكلفةُ تحصيله أقلُّ من غيره، ولم يحتج إلى أكثر من استخراجه= كان الواجب فيه ضِعف ذلك، وهو الخُمْس.
فانظر إلى تناسب هذه الشريعة الكاملة التي بهَر العقولَ حسنُها وكمالُها، وشهدت الفِطَر بحكمتها، وأنه لم يطرق العالمَ شريعةٌ أفضلُ منها. ولو اجتمعت عقولُ العقلاء وفِطَرُ الألباء واقترحت شيئًا يكون أحسنَ مقترَحٍ(3) لم يصل اقتراحها إلى ما جاءت به.
ولما لم يكن كلُّ مال يحتمل المواساة [303/ب] قدَّر الشارعُ لما يحتمل المواساة نُصُبًا مقدَّرةً لا تجب الزكاة في أقلَّ منها. ثم لما كانت تلك النُّصُب تنقسم إلى ما لا يُجْحِف المواساةُ ببعضه أوجب الزكاة منها، وإلى ما يُجْحِف المواساةُ ببعضه، فجعل الواجبَ من غيره كما دون الخمس والعشرين من الإبل. ثم لما كانت المواساة لا تحتمل كلَّ يوم ولا كلَّ شهر، إذ فيه إجحافٌ بأرباب الأموال، جعلها كلَّ عام مرةً، كما جعل الصيام كذلك. ولما كانت الصلاة لا يشق فعلُها كلَّ يوم وظَّفها(4) كلَّ يوم وليلة، ولما كان الحجُّ يشقُّ تكرُّرُ وجوبه كلَّ عام جعَله وظيفةَ العمر.--------------------------------------------
(1) ع: «فإن».
(2) في النسخ المطبوعة: «عرضة للنماء».
(3) في المطبوع: «أحسنُ مقترحًا»!
(4) ح: «وضعها»، والظاهر أنه مغيَّر. وكذا في ف.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 403)

وإذا تأمل العقلُ(1) مقدار ما أوجبه الشارع في الزكاة(2) مما لا يضرُّ المُخرِجَ فقدُه، وينفع الفقيرَ أخذُه= رآه(3) قد راعى فيه حالَ صاحب المال وجانبَه حقَّ الرعاية، ونفعَ الآخذِ به(4). وقصَد إلى كلِّ جنس من أجناس الأموال، فأوجب الزكاة في أعلاه وأشرفه. فأوجب زكاةَ العين في الذهب والورِق دون الحديد والرصاص والنحاس ونحوها، وأوجب زكاة السائمة في الإبل والبقر والغنم، دون الخيل والبغال والحمير، ودون ما يقِلُّ اقتناؤه كالصيود على اختلاف أنواعها، ودون الطير كلِّه. وأوجب زكاة الخارج من الأرض في أشرفه، وهو الحبوب والثمار، دون البقول والفواكه والمقاثئ والمباطخ والأنوار.
وغيرُ خافٍ تميُّز ما أوجب فيه الزكاةَ عمَّا لم يوجبها فيه، في [304/أ] جنسه، ووصفه، ونفعه، وشدة الحاجة إليه، وكثرة وجوده؛ وأنه جارٍ مجرى الأموال لما عداه من أجناس الأموال، بحيث لو فُقِد لأضرَّ فقدُه بالناس، وتعطَّل عليهم كثيرٌ من مصالحهم؛ بخلاف ما لم يوجب فيه الزكاةَ فإنه جارٍ مجرى الفضلات والتَّتِمَّات التي لو فُقدت لم يعظُم الضرر بفقدها.
وكذلك راعى في المستحقين لها أمرَين مهمَّين. أحدهما: حاجة الآخذ. والثاني: نفعه. فجعل المستحقين لها نوعين: نوعًا يأخذ لحاجته، ونوعًا يأخذ لنفعه. وحرَّمها على من عداهما.--------------------------------------------
(1) ع: «العاقل»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) زيد بعده في النسخ المطبوعة: «وجده» ليكون جواب «إذا». وظهر لي أن جوابه فيما يأتي: «رآه».
(3) في النسخ الخطية: «ورآه»، وأرى الواو مقحمة.
(4) ح، ف: «للأخذ به». وأثبت في المطبوع: «آخذيه».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 404)

فصل
وأما قوله: «وقطَع يدَ السارق التي باشر بها الجناية، ولم يقطع فرج الزاني وقد باشر به الجناية، ولا لسان القاذف وقد باشر به القذف»، فجوابه أن هذا من أدلِّ الدلائل على أن هذه الشريعة منزَّلة من عند أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين.
ونحن نذكر فصلًا نافعًا في الحدود ومقاديرها، وكمال ترتيبها على أسبابها، واقتضاء كلِّ جنايةٍ لما رُتِّب عليها دون غيرها، وأنه ليس وراء ذلك للعقول اقتراح. ونورد أسوِلةً لم يوردها هذا السائل، وننفصل عنها بحول الله وقوته أحسنَ انفصال. والله المستعان، وعليه التكلان.
إن الله جل ثناؤه وتقدَّست أسماؤه لما خلق العباد وخلق الموت والحياة، وجعل ما على الأرض زينةً لها، ليبلوَ عباده [304/ب] ويختبرهم أيُّهم أحسَنُ عملًا= لم يكن في حكمته بدٌّ من تهيئة أسباب الابتلاء في أنفسهم وخارجًا عنها، فجعل في أنفسهم العقول(1) والأسماع والأبصار، والإرادات والشهوات، والقوى والطبائع، والحب والبغض، والميل والنفور، والأخلاق المتضادة المقتضية لآثارها اقتضاءَ السبب لمسبِّبه، والتي في الخارج الأسبابُ التي تطلب النفوسُ حصولَها، فتَنافَسُ فيه؛ وتكره حصوله، فتدفعه عنها. ثم أكَّد أسبابَ هذا الابتلاء بأن وكَّل بها قُرَناءَ من الأرواح الشريرة الظالمة الخبيثة، وقُرَناءَ من الأرواح الخيرة العادلة الطيبة. وجعل دواعي القلب وميوله مترددةً بينهما، فهو إلى داعي الخير مرةً،--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة زيادة: «الصحيحة».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 405)

وإلى داعي الشرِّ مرةً، ليتم الابتلاء في دار الامتحان، وتظهر حكمة الثواب والعقاب في دار الجزاء. وكلاهما من الحقِّ الذي خلق الله السماوات والأرض به ومن أجله، وهما مقتضى ملكِ الربِّ وحمدِه، فلا بد أن يظهر ملكُه وحمدُه فيهما، كما ظهر في خلق السماوات والأرض وما بينهما. وأوجب ذلك في حكمته ورحمته وعدله، بحكم إيجابه على نفسه، أن أرسل رُسُلَه، وأنزل كتبَه، وشرَع شرائعه، ليتمَّ ما اقتضته حكمته في خلقه وأمره. وأقام سوقَ الجهاد لما حصل من المعاداة والمنافرة بين هذه الأخلاق والأعمال والإرادات، كما حصل بين من قامت به.
فلم يكن بدٌّ من حصول مقتضى الطباع البشرية وما قارنها(1) من [305/أ] الأسباب، من التنافس، والتحاسد، والانقياد لدواعي الشهوة والغضب، وتعدِّي ما حُدَّ له، والتقصير عن كثير مما تُعُبِّدَ به. وسهَّل ذلك عليها اغترارُها بموارد المعصية مع الإعراض من مصادرها، وإيثارُها ما تتعجَّلُه من يسير اللذة في دنياها على ما تتأجَّله من عظيم اللذة في أخراها، ونزولُها على الحاضر(2) المشاهَد، وتجافيها عن الغائب الموعود. وذلك موجَب ما جُبِلت عليه من جهلها وظلمها. فاقتضت أسماءُ الربِّ الحسنى وصفاته العُلَى(3)، وحكمته البالغة، ونعمته السابغة، ورحمته الشاملة، وجوده الواسع= أن لا يضرب عن عباده الذكر صفحًا، وأن لا يتركهم سُدًى، ولا يخلِّيهم ودواعيَ نفوسهم وطبائعهم؛ بل ركَّب في فِطَرهم وعقولهم معرفةَ الخير والشر، والنافع والضارِّ،--------------------------------------------
(1) ح: «قاربها»، تصحيف.
(2) ح، ف: «الخاطر»، تصحيف.
(3) ت: «العليا»، وكذا في النسخ المطبوعة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 406)

والألم واللذة؛ ومعرفة أسبابها. ولم يكتف بمجرَّد ذلك حتَّى عرَّفهم به مفصَّلًا على ألسنة رسله، وقطع معاذيرهم بأن أقام على صدقهم من الأدلة والبراهين ما لا يبقى معه لهم عليه حجة {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42].
وصرَّف لهم طُرقَ الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، وضرب لهم الأمثال، وأزال عنهم كلَّ إشكال، ومكَّنهم من القيام بما أمرهم به وتركِ ما نهاهم عنه غايةَ التمكين، وأعانهم عليه بكلِّ سبب، وسلَّطهم على قهر طباعهم بما يجُرُّهم إلى إيثار العواقب على المبادي، ورفض اليسير [305/ب] الفاني من اللذة إلى العظيم الباقي منها. وأرشدهم إلى التفكُّر والتدبر، وإيثار ما تقضي به عقولهم وأخلاقهم من هذين الأمرين.
وأكمل لهم دينهم، وأتمَّ عليهم نعمته بما أوصله إليهم على ألسنة رسله من أسباب العقوبة والمثوبة، والبشارة والنذارة، والرغبة والرهبة؛ وتحقيق ذلك بالتعجيل لبعضه في دار المحنة ليكون عَلَمًا وأمارةً لتحقيق ما أخَّره عنهم في دار الجزاء والمثوبة، ويكون العاجلُ مذكِّرًا بالآجل، والقليلُ المنقطعُ بالكثير المتصل، والحاضرُ الفائتُ مُؤْذِنًا بالغائب الدائم.
فتبارك الله رب العالمين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وسبحانه وتعالى عما يظنُّه به من لم يقدُره حقَّ قدره ممن أنكر أسماءه وصفاته، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده؛ وظنَّ به ظنَّ السَّوء، فأرداه ظنُّه، فأصبح من الخاسرين.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 407)