ثم إن للزاني حالتين. إحداهما: أن يكون محصنًا قد [314/ب] تزوَّج، فعلم ما يقع به العفافُ(1) عن الفروج المحرَّمة، واستغنى به عنها، وأحرز نفسه عن التعرُّض لحدِّ الزنا= فزال عذرُه من جميع الوجوه في تخطِّي ذلك إلى مواقعة الحرام.
والثانية: أن يكون بِكرًا، لم يعلم ما علِمه المحصنُ، ولا عمِل ما عَمِله؛ فحصل له من العذر بعضُ ما أوجب له التخفيف، فحُقِن دمُه، وزُجِرَ بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجَلْد ردعًا عن المعاودة للاستمتاع بالحرام، وبعثًا له على القَنَعِ بما رزقه الله من الحلال. وهذا في غاية الحكمة والمصلحة، جامع للتخفيف في موضعه والتغليظ في موضعه. وأين هذا من قطع لسان الشاتم والقاذف وما فيه من الإسراف والعدوان؟
ثم إنَّ قطعَ فرج الزاني فيه من تعطيلِ النسل وقطعِه عكسَ مقصودِ الربِّ تعالى من تكثير الذرية وذريتهم فيما جعل لهم من أزواجهم. وفيه من المفاسد أضعافُ ما يتوهَّم فيه من مصلحة الزجر. وفيه إخلاءُ جميع البدن من العقوبة، وقد حصلت جريمة الزنا بجميع أجزائه، فكان من العدل أن تعُمَّه العقوبة. ثم إنه غير متصوَّر في حقِّ المرأة، وكلاهما زانٍ؛ فلا بد أن يستويا في العقوبة. فكان شرعُ الله سبحانه أكملَ من اقتراح المقترحين(2).
وتأمَّلْ كيف جاء إتلافُ النفوس في مقابلة أكبر الكبائر، وأعظمها ضررًا، وأشدِّها فسادًا للعالم؛ وهي الكفر الأصلي والطارئ، والقتل وزنا المحصن. وإذا تأمَّلَ العاقلُ فسادَ الوجود رآه من هذه الجهات [315/أ]--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «من العفاف»، وزيادة «من» هنا خطأ مفسد للمعنى.
(2) وانظر: «الداء والدواء» (ص 260).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 428)
الثلاث. وهذه هي الثلاث التي أجاب النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود بها حيث قال له: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا، وهو خلَقَك». قال: قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: «أن تقتل ولدَك خشيةَ أن يطعَمَ معك». قال: قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: «أن تُزانيَ بحليلة جارك»(1). فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} الآية [الفرقان: 68].
ثم لما كان سرقة الأموال تلي ذلك في الضرر، وهو دونه، جعل عقوبته قطعَ الطَّرَف. ثم لما كان القذف دون سرقة المال في المفسدة جعل عقوبته دون ذلك، وهو الجلد. ثم لما كان شربُ المسكِر أقلَّ مفسدةً من ذلك جعل حدَّه دون حدِّ هذه الجنايات كلِّها. ثم لما كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوتةً غيرَ منضبطةٍ في الشدة والضعف والقلة والكثرة ــ وهي ما بين النظرة إلى الخلوة(2) والمعانقة ــ جُعِلت عقوباتُها راجعةً إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور، بحسب المصلحة في كلِّ زمان ومكان، وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم.
فمن سوَّى بين الناس في ذلك وبين الأزمنة والأمكنة والأحوال لم يفقه حكمةَ الشرع، واختلفت عليه أقوالُ الصحابة وسيرةُ الخلفاء الراشدين وكثيرٌ من النصوص، ورأى عمر قد زاد في حدِّ الخمر على أربعين والنبيُّ صلى الله عليه وسلم إنما جلَد أربعين، وعزَّر بأمور لم يعزِّر بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، [315/ب] وأنفذ على الناس--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (4477) ومسلم (86).
(2) في النسخ المطبوعة: «والخلوة».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 429)
أشياءَ عفا عنها النبيُّ صلى الله عليه وسلم= فيظنُّ ذلك تعارضًا وتناقضًا، وإنما أُتِيَ من قصور علمه وفهمه(1). وبالله التوفيق.
فصل
وأما قوله: «وجعل حدَّ الرقيق على النصف من حدِّ الحُرِّ، وحاجتُهما إلى الزجر واحدة»، فلا ريب أن الشارع فرَّق بين الحُرِّ والعبد في أحكام، وسوَّى بينهما في أحكام. فسوَّى بينهما في الإيمان والإسلام ووجوب العبادات البدنية(2) كالطهارة والصلاة والصوم، لاستوائهما في سببها(3). وفرَّق بينهما في العبادات المالية كالحج والزكاة والتكفير بالمال، لافتراقهما في سببها.
وأما الحدود، فلما كان وقوع المعصية من الحر أقبحَ من وقوعها من العبد من جهة كمال نعمة الله عليه بالحرية، وأن جعله مالكًا لا مملوكًا، ولم يجعله تحت قهر غيره وتصرُّفه فيه، ومن جهة تمكُّنه بأسباب القدرة من الاستغناء عن المعصية بما عوَّض الله عنها من المباحات، فقابل النعمة التامة بضدِّها، واستعمل القدرة في المعصية= فاستحقَّ من العقوبة أكثر مما يستحقُّه مَن هو أخفَضُ(4) منه رتبةً وأنقَصُ منزلةً. فإن الرجل كلما كانت نعمة الله عليه أتمَّ كانت عقوبته إذا ارتكب الجرائم أتمَّ. ولهذا قال تعالى في حقِّ مَن أتمَّ نعمته عليهن من النساء: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ--------------------------------------------
(1) ح، ف: «فهمه وعلمه».
(2) ما عدا ع: «الثلاثة»، وكذا في المطبوع، والظاهر أنه تحريف.
(3) في النسخ المطبوعة: «سببهما» هنا وفيما يأتي.
(4) ع: «أحطُّ».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 430)
مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ [316/أ] وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [الأحزاب: 30 - 31].
وهذا على وفق قضايا العقول ومستحسناتها. فإن العبد كلما كملت نعمة الله عليه انبغى(1) له أن تكون طاعته له أكملَ، وشكره له أتمَّ، ومعصيته له أقبحَ، وشدة العقوبة تابعة(2) لقبح المعصية. ولهذا كان أشدُّ الناس عذابًا يومَ القيامة عالمًا لم ينفعه الله بعلمه(3)، فإن نعمة الله عليه بالعلم أعظم من نعمته على الجاهل، وصدورَ المعصية منه أقبحُ من صدورها من الجاهل. ولا يستوي عند الملوك والرؤساء مَن عصاهم من خواصِّهم وحَشَمِهم ومن هو قريبٌ منهم، ومن عصاهم من الأطراف والبعداء. فجعل حدَّ العبد أخفَّ من حدِّ الحُرِّ جمعًا بين حكمة الزجر وحكمة نقصه. ولهذا كان على النصف منه في النكاح والطلاق والعِدَّة إظهارًا لشرف الحرية وخطرها، وإعطاءً لكلِّ مرتبة حقَّها من الأمر، كما أعطاها حقَّها من القدر. ولا تنتقض هذه الحكمة--------------------------------------------
(1) ع: «ينبغي»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ الخطية: «تابع».
(3) هذا لفظُ حديثٍ رواه ابن وهب في «المسند» (114) ــ ومن طريقه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1079) وسقط من سنده يحيى بن سلام!، والطبراني في «المعجم الصغير» (507)، والآجري في «أخلاق العلماء» (60، 61)، وابن عدي في «الكامل» (3/ 474، 6/ 269)، والبيهقي في «الجامع لشعب الإيمان» (1642)، من حديث أبي هريرة مرفوعا، وآفتُه: عثمانُ بن مقسم البري، وهو واهٍ جدًّا. وركّب له إسماعيل بن محمد بن يوسف الثقفي الجبريني (التالف الهالك) متابعة مزعومة، ومن طريقه رواها ابن المُقرئ في «المعجم» (77).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 431)
بإعطاء العبد في الآخرة أجرين، بل هذا محضُ الحكمة، فإنه كان عليه(1) في الدنيا حقَّان: حقٌّ لله، وحقٌّ لسيده، فأعطي بإزاء قيامه بكلِّ حقٍّ أجرًا. فاتفقت حكمة الشرع والقدر والجزاء، والحمد لله رب العالمين.
فصل
وأما قوله: «وجعَل للقاذف إسقاطَ الحدِّ باللِّعان في الزوجة دون الأجنبية، وكلاهما(2) قد ألحق بها(3) العار»، فهذا من أعظم محاسن الشريعة. فإن قاذف الأجنبية مستغنٍ عن قذفها، لا حاجة له إليه البتة؛ فإن زناها لا يضرُّه [316/ب] شيئًا، ولا يُفسِد عليه فراشَه، ولا يعلِّق عليه أولادًا من غيره؛ فقذفُها(4) عدوان محض، وأذى لمحصنة غافلة مؤمنة، فترتَّب عليه الحدُّ زجرًا له وعقوبةً. وأما الزوجة فإنه يلحقه بزناها من العار والمسبَّة، وإفساد الفراش وإلحاق ولد غيره به، وانصراف قلبها عنه إلى غيره؛ فهو محتاج إلى قذفها، ونفي النسب الفاسد عنه، وتخلُّصه من المسبَّة والعار لكونه زوجَ بغيٍّ فاجرة، ولا يمكن إقامة البينة على زناها في الغالب، وهي لا تُقِرُّ به، وقولُ الزوج عليها غير مقبول= فلم يبقَ سوى تحالفهما بأغلظ الإيمان، وتأكيدها بدعائه على نفسه باللعنة ودعائها على نفسها بالغضب إن كانا كاذبين. ثم يفسخ النكاح بينهما، إذ لا يمكن أحدهما أن يصفو للآخر أبدًا.--------------------------------------------
(1) ع: «فإن العبد عليه». وفي النسخ المطبوعة: «فإن العبد كان عليه».
(2) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة في موضع «وكلتاهما».
(3) ع: «بهما»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(4) ع: «وقذفها»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 432)
فهذا أحسنُ حكم يُفصَل به بينهما في الدنيا، وليس بعده أعدل منه، ولا أحكم، ولا أصلح. ولو جُمِعت عقولُ العالمين لم يهتدوا إليه، فتبارك من أبان ربوبيته ووحدانيته وحكمته وعلمه في شرعه وخلقه.
فصل
وأما قوله: «وجوَّز للمسافر المترفِّه في سفره رخصةَ الفطر والقصر، دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة»، فلا ريب أن الفطر والقصر يختص بالمسافر، ولا يفطر المقيم إلا لمرض. وهذا من كمال حكمة الشارع، فإن السفر(1) قطعة من العذاب(2)، وهو في نفسه مشقة وجهد. ولو كان المسافر من أرفَهِ الناس، فإنه في مشقة وجهد بحسبه. [317/أ] فكان من رحمة الله بعباده وبرِّه بهم أن خفَّف عنهم شطر الصلاة، واكتفى منهم بالشطر. وخفَّف عنهم أداء فرض الصوم في السفر، واكتفى منهم بأدائه في الحضر؛ كما شرَع مثل ذلك في حقِّ المريض والحائض. فلم يفوِّت عليهم مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملةً، ولم يُلزِمهم بها في السفر كإلزامهم في الحضر.
وأما الإقامة فلا مُوجِبَ لإسقاط بعض الواجب فيها ولا تأخيره، وما يعرض فيها من المشقة والشغل فأمرٌ لا ينضبط ولا ينحصر. فلو جاز لكلِّ مشغول وكلِّ مشقوق عليه الترخُّصُ ضاع الواجبُ واضمحلَّ بالكلية. وإن جُوِّز للبعض دون البعض لم ينضبط، فإنه لا وصفَ يضبِط ما تجوز معه الرخصة وما لا تجوز، بخلاف السفر؛ على أن المشقة قد عُلِّق بها من--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «في نفسه».
(2) كما جاء في حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري (1804) ومسلم (1927).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 433)
التخفيف ما يناسبها. فإن كانت مشقة مرض وألم يضرُّ به جاز معها الفطر والصلاة قاعدًا أو على جنب، وذلك نظير قصر العدد. وإن كانت مشقة تعب فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له، بل على قدر التعب تكون الراحة. فتناسبت الشريعة في أحكامها ومصالحها بحمد الله ومنِّه.
فصل
وأما قوله: «وأوجب على من نذَر لله طاعةً الوفاءَ بها، وجوَّز لمن حلف عليها أن يتركها ويكفِّر يمينه، وكلاهما قد التزم فعلَها لله»، فهذا السؤال يورَد على وجهين:
أحدهما: أن يحلف لَيفعلنَّها، نحو أن يقول: والله لأصومنَّ الاثنين والخميس، ولأتصدَّقَنَّ، [317/ب] كما يقول: لله عليَّ أن أفعل ذلك.
والثاني: أن يحلف بها، كما يقول: إن كلمتُ فلانًا فلله عليَّ صومُ سنةٍ وصدقةُ ألفٍ.
فإن أورد على الوجه الأول، فجوابه أن الملتزم الطاعة لله لا يخرج التزامه لله عن أربعة أقسام:
أحدها: التزامٌ بيمين مجرَّدة.
الثاني: التزام بنذر مجرَّد.
الثالث: التزام بيمين مؤكَّدة بنذر.
الرابع: التزام بنذر مؤكَّد بيمين.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 434)
فالأول نحو قوله: «والله لأتصدقن». والثاني نحو: «لله عليَّ أن أتصدَّق». والثالث نحو: «والله إن شفى الله مريضي فعليَّ صدقةُ كذا». والرابع نحو: «إن شفى الله مريضي فوالله لأتصدَّقنَّ». وهذا كقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} [التوبة: 75]. فهذا نذرٌ مؤكَّد بيمين، وإن لم يقل فيه «فعليَّ»، إذ ليس ذلك من شرط النذر. بل إذا قال: إن سلَّمني الله تصدقتُ، أو لأتصدَّقَنَّ، فهو وعد وعده الله، فعليه أن يفي به، وإلا دخل في قوله: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: 77].
فوعدُ العبد ربَّه نذرٌ يجب عليه أن يفي له به، فإنه جعله جزاءً وشكرًا له على نعمته عليه، فجرى مجرى عقود المعاوضات لا عقود التبرعات، وهو أولى باللزوم من أن يقول ابتداءً: «لله عليَّ كذا»، فإن هذا التزام منه لنفسه أن يفعل ذلك، والأول تعليقٌ بشرط، وقد وُجِد، فيجب فعلُ المشروط عنده لالتزامه له بوعده. [318/أ] فإن الالتزام تارةً يكون بصريح الإيجاب، وتارةً يكون بالوعد، وتارةً يكون بالشروع كشروعه في الجهاد والحج والعمرة. والالتزامُ بالوعد آكدُ من الالتزام بالشروع، وآكدُ من الالتزام بصريح الإيجاب؛ فإن الله سبحانه ذمَّ من خالف ما التزمه(1) له بالوعد، وعاقبه بالنفاق في قلبه، ومدَح مَن وفى بما نذره له، وأمرَ بإتمام ما شرع فيه له(2) من الحج والعمرة. فجاء الالتزام بالوعد آكد الأقسام الثلاثة، وإخلافه يُعقِب النفاقَ في القلب.--------------------------------------------
(1) ف: «التزم».
(2) ف: «له فيه». و «له» ساقط من ت.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 435)
وأما إذا حلف يمينًا مجرَّدةً لَيفعلنَّ كذا، فهذا حضٌّ منه لنفسه، وحثٌّ على فعله باليمين، وليس إيجابًا عليها. فإن اليمين لا توجب شيئًا ولا تحرِّمه، ولكن الحالف عقَد اليمين بالله لَيفعلنَّه، فأباح الله سبحانه له حلَّ ما عقَده بالكفارة، ولهذا سمَّاها(1) «تحِلَّة»، فإنها تَحُلُّ عقدَ اليمين، وليست رافعةً لإثم الحنث، كما يتوهَّمه بعض الفقهاء، فإن الحنث قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا، فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب. وإن كان مباحًا، فالشارع لا يبيح(2) سببَ الإثم، وإنما شرعها الله حلًّا لعقد اليمين، كما شرع(3) الاستثناء مانعًا من عقدها.
فظهر الفرق بين ما التزم لله، وبين ما التزم بالله. فالأول ليس فيه إلا الوفاء، والثاني يخيَّر فيه بين الوفاء وبين الكفارة حيث يسوغ ذلك.
وسرُّ هذا أن ما التزم له آكد مما التزم به؛ فإن الأول متعلِّق بإلهيته، والثاني بربوبيته. فالأول من أحكام {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}، والثاني من أحكام {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} قسيم(4) الله من هاتين الكلمتين، و {إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قسيم العبد، كما في الحديث الصحيح الإلهي: «هذه بيني وبين عبدي نصفين»(5). وبهذا يخرج الجواب عن إيراد هذا السؤال على--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة زيد بعده لفظ الجلالة.
(2) في النسخ المطبوعة: «لم يبح».
(3) زيد بعده لفظ الجلالة في النسخ المطبوعة.
(4) القسيم: الحظ والنصيب. وفي ت، ع: «قسم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(5) أخرجه مسلم (395) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 436)
الوجه الثاني، وهو(1) أنَّ ما نذرَه لله من هذه الطاعات يجب الوفاء به، وما أخرجه مخرج اليمين يخيَّر بين الوفاء به وبين التكفير؛ لأن الأول متعلِّق بإلهيته، والثاني بربوبيته؛ فوجب الوفاء بالقسم الأول، ويخيَّر الحالف في القسم الثاني. وهذا من أسرار الشريعة، وكمالها وعظمتها.
ويزيد ذلك وضوحًا: أن الحالف بالتزام هذه الواجبات قصدُه أن لا تكون. ولكراهيته(2) للزومها له حلَف بها، فقصدُه أن لا يكون الشرط فيها ولا الجزاء، ولذلك يسمَّى نذرَ اللَّجاج والغضب. فلم يُلزمه الشارعُ به إذا كان غير مريد له ولا متقرِّب به إلى الله. فلم يعقدِه لله، وإنما عقَده به، فهو يمين محضة. فإلحاقُه بنذر القربة إلحاقٌ له بغير شِبْهِه، وقطعٌ له عن الإلحاق بنظيره. وعذرُ من ألحقه بنذر القربة شَبَهُه به في اللفظ والصورة، ولكن الملحقون له باليمين أفقه وأرعى لجانب المعاني. وقد اتفق الناس على أنه لو قال: «إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني»، فحنَث أنه لا يكفر بذلك(3)؛ لأنَّ قَصْدَ اليمين منَعَ من الكفر.
وبهذا وغيره احتجَّ شيخُ الإسلام ابن تيمية على أن [319/أ] الحلف بالعتاق والطلاق(4) كنذر اللَّجاج والغضب، وكالحلف بقوله: «إن فعلتُ فأنا يهودي أو نصراني»(5)، وحكاه إجماعَ الصحابة في العتق، وحكاه غيرُه--------------------------------------------
(1) «هو» ساقط من النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ المطبوعة: «ولكراهته».
(3) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «إن قصد اليمين».
(4) في النسخ المطبوعة: «بالطلاق والعتاق».
(5) انظر: «مجموع الفتاوى» (33/ 141).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 437)
إجماعًا لهم في الحلف بالطلاق أنه لا يلزم.
قال: لأنه قد صحَّ عن علي بن أبي طالب ولا يُعرَف له في الصحابة مخالف، ذكره ابن بَزيزة في «شرح أحكام عبد الحق الإشبيلي»(1). فاجتهد خصومه(2) في الردِّ عليه بكلِّ ممكن، وكان حاصل ما ردُّوا به قوله أربعة أشياء:
أحدها ــ وهو عمدة القوم ــ: أنه خلافُ مرسومِ السلطان.
الثاني(3): أنه خلاف الأئمة الأربعة.
الثالث: أنه خلاف القياس على الشرط والجزاء المقصودين كقوله: «إن أبرأتني فأنت طالق»، ففعلت.
الرابع: أن العمل قد استمرَّ على خلاف هذا القول، فلا يُلتفت إليه.
فنقض حججهم، وأقام نحوًا من ثلاثين دليلًا على صحة هذا القول. وصنَّف في المسألة قريبًا من ألف ورقة(4)، ثم مضى لسبيله راجيًا من الله أجرًا أو أجرَين، وهو ومنازعوه يوم القيامة عند ربهم يختصمون.--------------------------------------------
(1) وهو «مصالح الأفهام في شرح كتاب الأحكام»، وقد نقل المصنف كلام ابن بزيزة فيما تقدم.
(2) يعني: خصوم شيخ الإسلام.
(3) زيد في النسخ المطبوعة واو العطف قبل «الثاني» و «الثالث» و «الرابع».
(4) وسيأتي قول المصنف: «وصنَّف في المسألة ما بين مطول ومتوسط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة. وبلغت الوجوه التي استدل بها عليها … زهاءَ أربعين دليلًا … ». وانظر مقدمة التحقيق لكتاب «الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق» (ص 52).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 438)
فصل
وأما قوله(1): «وحرَّم كلَّ ذي ناب من السباع، وأباح الضبع ولها ناب»، فلا ريب أنه حرَّم كلَّ ذي ناب من السباع، وإن كان بعضُ العلماء خفي عليه تحريمه، فقال بمبلغ علمه. وأما الضبع فرُوي عنه فيها حديثٌ صحَّحه كثيرٌ من أهل العلم بالحديث، فذهبوا إليه، وجعلوه مخصِّصًا لعموم أحاديث التحريم، [319/ب] كما خُصَّت العرايا لأحاديث المزابنة. وطائفة لم تصحِّحه، وحرَّموا الضبع لأنها من جملة ذات الأنياب. قالوا: وقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن أكلِ كلِّ ذي ناب من السباع، وصحَّت صحةً لا مطعن فيها من حديث علي(2)، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخُشَني(3).
قالوا: وأما حديث الضبع، فتفرَّد به عبد الرحمن بن أبي عمارة، وأحاديثُ تحريم ذوات الأنياب كلُّها تخالفه.
قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جابرٌ رفع الأكلَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكون إنما رفَع إليه كونَها صيدًا فقط، ولا يلزم من كونها صيدًا جوازُ أكلها، فظنَّ جابرٌ أن كونَها صيدًا يدل على أكلها، فأفتى به من--------------------------------------------
(1) ع، ت: «قولهم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) رواه عبد الرزاق (218، 219)، وعبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على «المسند» لأبيه (1254)، وأبو يعلى في «المسند» (357)، والطحاوي في «بيان المشكل» (9/ 99)، وسنده ضعيف. ويُغني عنه الأحاديث الصحيحة التالية.
(3) رواه مسلم (1934، 1933، 1932) ولاءً عن هؤلاء الثلاثة، ورواه أيضًا البخاري (5530) عن أبي ثعلبة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 439)
قوله، ورفَع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما سمعه من كونها صيدًا.
ونحن نذكر لفظ الحديث ليتبيَّن ما ذكرناه. فروى الترمذي في «جامعه»(1) من حديث [عبد الله بن](2) عبيد بن عمير الليثي، عن عبد الرحمن بن أبي عمار أنه قال: قلت لجابر بن عبد الله: آكلُ الضبعَ؟ قال: نعم. قلت: أصيدٌ هي؟ قال: نعم. قلت: أسمعتَ ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال الترمذي(3): سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح.
وهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونُها صيدًا. ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال: عن [عبد الله بن] عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الضبع، فقال: «هي صيد، وفيها كبش»(4).--------------------------------------------
(1) برقمي (851، 1791) وصححه. ورواه أحمد (14425، 14449)، وابن ماجه (3236)، والنسائي (2836، 4323). … وصححه أيضًا ابن خزيمة (2645)، وابن حبان (4459)، وجوّده البيهقي (5/ 183)، وحسنه الجوزقاني في «الأباطيل» (2/ 266). ويُوازَنُ بما في «بيان المشكل» للطحاوي (9/ 95 - 99)، و «العلل» للدارقطني (2/ 97)، و «مسند الفاروق» لابن كثير (1/ 485 - 486).
(2) ما بين الحاصرتين زيادة من مصادر التخريج، وهو ساقط من النسخ هنا وفيما يأتي أيضًا.
(3) في «العلل الكبير» (551 - ترتيبه).
(4) رواه أبو داود (3801)، وابن ماجه (3085). وصححه ابن خزيمة (2646)، وابن حبان (4458)، والحاكم (1/ 452).
ويُوازَنُ بما في «الكامل» لابن عدي (2/ 344).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 440)
قالوا: [320/أ] وكذلك حديث إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر يرفعه: «الضبع صيد، فإذا أصابه المُحرِم ففيه جزاء كبش مُسِنّ، ويؤكل»(1). قال الحاكم: حديث صحيح.
وقوله: «ويؤكل» يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم تعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم.
قالوا: ولو كان حديث جابر صريحًا في الإباحة لكان فردًا، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة، ادعى الطحاويُّ(2) وغيرُه تواترَها، فلا يقدَّم حديثُ جابر عليها.
قالوا: والضبع من أخبَثِ الحيوان وأشرَهِه، وهو مغرًى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم، ويأكل الجيف، ويكسِر بنابه.
قالوا: والله سبحانه قد حرَّم علينا الخبائث، وحرَّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذوات الأنياب، والضبع لا يخرج عن هذا وهذا.
وقالوا: وغاية حديث جابر يدل على أنها صيدٌ يُفدَى في الإحرام، ولا يلزم من ذلك أكلُها.--------------------------------------------
(1) رواه ابن خزيمة (2648)، والطحاوي في «بيان المشكل» (9/ 97)، وفي «شرح المعاني» (2/ 164)، وابن عدي (3/ 256، 4/ 57)، والدارقطني (2539)، والحاكم (1/ 453)، والبيهقي في «الكبرى» (5/ 183، 9/ 319) وفي «معرفة السنن والآثار» (7/ 255).
(2) في «شرح معاني الآثار» (4/ 190).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 441)
وقد قال بكر بن محمد: سئل أبو عبد الله ــ يعني الإمام أحمد ــ عن مُحْرِم قتل ثعلبًا، فقال: عليه الجزاء، هي صيد، ولكن لا يؤكل(1).
وقال جعفر بن محمد: سمعتُ أبا عبد الله سئل عن الثعلب، فقال: الثعلب سَبُع؛ فقد نصَّ على أنه سَبُع، وأنه يُفدَى في الإحرام.
ولما جعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الضبع كبشًا ظنَّ جابر أنه يؤكل، فأفتى به.
والذين صححوا الحديث جعلوه مخصِّصًا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما، حتى قالوا: ويحرُم أكلُ كلِّ ذي ناب(2) من [320/ب] السباع إلا الضبع. وهذا لا يقع مثلُه في الشريعة أن يخصص مِثلًا على مِثلٍ من كلِّ وجه من غير فرقان بينهما. وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك، أعني: شريعة التنزيل، لا شريعة التأويل.
ومن تأمل ألفاظه صلى الله عليه وسلم الكريمة تبيَّن له اندفاع هذا السؤال، فإنه إنما حرَّم ما اشتمل على الوصفين: أن يكون له ناب، وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد. وأما الضبع فإنما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية. ولا ريب أن السِّباع أخصُّ من ذوات الأنياب. والسبعُ إنما حرِّم لما فيه من القوة السبعية التي تُورث المغتذيَ بها شبهَها؛ فإن الغاذي شبيه بالمغتذى. ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية--------------------------------------------
(1) لم أقف على هذه الرواية ولا التي تليها، ولكن رواية عبد الله في معناها. انظر: «مسائله» (ص 270). وانظر: «الروايتين والوجهين» (1/ 301) و (3/ 28) و «رؤوس المسائل الخلافية» للعكبري (2/ 1686).
(2) «من غير فرق … ذي ناب» ساقط من ح، ف لانتقال النظر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 442)
بينهما في التحريم. ولا تُعَدُّ الضبعُ من السباع لغةً ولا عرفًا. والله أعلم.
فصل
وأما قوله: «وجعل شهادةَ خزيمة بن ثابت بشهادتين، دون غيره ممن هو أفضل منه»، فلا ريب أن هذا من خصائصه، ولو شهد عنده صلى الله عليه وسلم أو عند غيره لكان بمنزلة شاهدين اثنين. وهذا التخصيص إنما كان لمخصِّص اقتضاه، وهو مبادرته دون من حضر من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بايع الأعرابي. وكان [321/أ] فرض على كلِّ من سمع هذه القصة أن يشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بايع الأعرابي، وذلك من لوازم الإيمان والشهادة بتصديقه صلى الله عليه وسلم، وهذا مستقِرٌّ عند كلِّ مسلم، ولكن خزيمة تفطَّن لدخول هذه القضية المعيَّنة تحت عموم الشهادة بصدقه(1) في كلِّ ما يخبر به؛ فلا فرق بين ما يُخبِر به عن الله وبين ما يُخبِر به عن غيره في صدقه في هذا وهذا، ولا يتمُّ الإيمان إلا بتصديقه في هذا وهذا. فلما تفطَّن خزيمة دون من حضر لذلك استحقَّ أن تُجعل شهادتُه بشهادتين.
فصل
وأما تخصيصه أبا بُردة بن نِيار بإجزاء التضحية بالعَناق، دون من بَعده، فلموجِب أيضًا. وهو أنه ذبح قبل الصلاة متأولًا غيرَ عالمٍ بعدم الإجزاء، فلما أخبره النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن تلك ليست بأُضحية، وإنما هي شاةُ لحم، أراد إعادة الأضحية، فلم يكن عنده إلا عَناقٌ هي أحبُّ إليه من شاتَي لحم، فرخَّص له في التضحية بها لكونه معذورًا، وقد تقدَّم منه ذبحٌ تأوَّلَ فيه، وكان معذورًا--------------------------------------------
(1) ع: «لصدقه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 443)
بتأويله. وذلك كلُّه قبل استقرار الحكم، فلما استقرَّ الحكم لم يكن بعد ذلك يجزئ إلا ما وافق الشرع المستقر. وبالله التوفيق.
فصل
وأما التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار في الجهر والإسرار، ففي غاية المناسبة والحكمة. فإنَّ الليل مظنّةُ هدوء الأصوات، وسكون الحركات، وفراغ القلوب، واجتماع الهمم المشتَّتة [321/ب] بالنهار. فالنهارُ محلُّ السَّبح الطويل بالقلب والبدن، والليلُ محلُّ مواطأةِ القلب للسان، ومواطأةِ اللسان للأذن.
ولهذا كانت السنة تطويل قراءة الفجر على سائر الصلوات. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بالستِّين إلى المائة(1)، وكان الصدِّيق يقرأ فيها بالبقرة(2)، وعمر بالنحل وهود وبني إسرائيل ويونس ونحوها من السور(3)؛ لأن القلب أفرغ ما يكون من الشواغل حين انتباهه من النوم، فإذا كان أولَ ما--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (541) ومسلم (461) من حديث أبي برزة.
(2) رواه مالك (270)، وعنه الشافعي في «الأم» (8/ 566) ــ ومن طريقهما البيهقي (2/ 389) ــ، وعبد الرزاق (2711، 2713)، وابن أبي شيبة (3565)، والطحاوي في شرح «معاني الآثار» (1/ 182). ويُنظر: «الإمام» لابن دقيق العيد (4/ 54 - 58).
(3) يُنظر: «الموطأ» لمالك (271)، و «المصنف» لعبد الرزاق (2709، 2710، 2715، 2716، 2718، 2724)، و «المصنف» لابن أبي شيبة (3566 - 3569)، و «صحيح البخاري»، كتاب الصلاة، باب الجمع بين السورتين في الركعة، و «شرح معاني الآثار» للطحاوي (1/ 180 - 181)، و «فضائل القرآن» للمستغفري (718)، و «السنن الكبير» للبيهقي (2/ 389).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 444)
يقرع سمعَه كلامُ الله الذي فيه الخير كلُّه بحذافيره صادفه خاليًا من الشواغل، فتمكَّن فيه من غير مزاحم.
وأما النهار فلما كان بضدِّ ذلك كانت قراءة صلاته سرِّيَّة، إلا إذا عارض ذلك(1) معارضٌ أرجَحُ منه، كالمجامع العظام في العيدين والجمعة والاستسقاء والكسوف، فإن الجهر حينئذ أحسن وأبلغ في تحصيل المقصود، وأنفع للجمع، وفيه من قراءة كلام الله عليهم وتبليغه في المجامع العظام ما هو من أعظم مقاصد الرسالة. والله أعلم.
فصل
وأما قوله: «وورَّث ابنَ ابنِ العَمِّ وإن بعدت درجته، دون الخالة التي هي شقيقة للأم»، فنعم، وهذا من كمال الشريعة وجلالتها. فإن ابن العم من عصبته القائمين بنصرته وموالاته، والذَّبِّ عنه، وحَملِ العقل عنه؛ فبنو أبيه هم أولياؤه وعصبته والمحامون دونه. فأما(2) قرابة الأم فإنهم بمنزلة الأجانب، وإنما ينتسبون إلى آبائهم، [322/أ] فهم بمنزلة أقارب البنات، كما قال القائل:
بنونا بنو أبنائنا، وبناتُنا … بنوهنَّ أبناءُ الرجالِ الأباعدِ(3)--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «في ذلك».
(2) في النسخ المطبوعة: «وأما».
(3) قال العيني في «شرح الشواهد» (1/ 502): «لم أر أحدًا منهم عزاه إلى قائله». ونسبه الكرماني في «شواهد شرح الكافية للخبيصي» إلى الفرزدق، نقله عنه البغدادي في «الخزانة» (1/ 445)، ولم يرد في «ديوان الفرزدق». والبيت في «الحيوان» (1/ 346) وغيره.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 445)
فمن كمال حكمة الشارع أن جعل الميراث لأقارب الأب، وقدَّمهم على أقارب الأم. وإنما ورَّث معهم من أقارب الأم مَن ركض الميتُ معهم في بطن الأم، وهم إخوته أو من قربت قرابته جدًّا، وهن جدَّاته لقوة إيلادهن وقرب أولاد أمه(1) منه. فإذا عدمت قرابة الأب انتقل الميراث إلى قرابة الأم، وكانوا أولى من الأجانب. فهذا الذي جاءت به الشريعة هو(2) أكمَلُ شيء، وأعدلُه، وأحسنهُ.
فصل
وأما قوله: «وحرَّم أخذَ مال الغير إلا بطيب نفسٍ منه، ثم سلَّطه على أخذ عقاره وأرضه بالشفعة، ثم شرع الشفعةَ فيما يمكن التخلُّص من ضرر الشركة فيه بالقسمة، دون ما لا يمكن قسمته كالجوهرة والحيوان»؛ فهذا السؤال قد أورده على وجهين:
أحدهما على أصل الشفعة وأن الاستحقاق بها منافٍ لتحريم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه.
والثاني: أنه خصَّ بعضَ المبيع بالشفعة دون بعض، مع قيام السبب الموجب للشفعة، وهو ضرر الشركة.
ونحن بحمد الله وعونه نجيب عن الأمرين، فنقول: من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد: ورودُها بالشفعة. ولا يليق بها غير ذلك، فإن حكمة الشارع اقتضت رفعَ الضرر عن المكلَّفين ما أمكن،--------------------------------------------
(1) كذا في النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «أولادهن».
(2) «هو» ساقط من النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 446)
[322/ب] فإن لم يمكن رفعُه إلا بضرر أعظم منه بقَّاه على حاله، وإن أمكن رفعُه بالتزام ضررٍ دونه رفَعه به. ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثُر فيهم بغيُ بعضهم على بعض شرَع الله سبحانه رفعَ هذا الضرر بالقسمة تارةً وانفراد كلٍّ من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارةً وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضررٌ في ذلك. فإذا أراد بيعَ نصيبِه وأخذَ عوضِه كان شريكُه أحقَّ به من الأجنبي، وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيِّهما كان، فكان الشريكُ أحقَّ بدفع العوض من الأجنبي، فيزول عنه ضررُ الشركة؛ ولا يتضرَّر البائع، لأنه يصل إلى حقِّه من الثمن. وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفِطَر ومصالح العباد. ومن هنا يُعلَم أن التحيُّل لإسقاط الشفعة مناقضٌ لهذا المعنى الذي قصده الشارع ومضادٌّ له.
ثم اختلفت أفهام العلماء في الضرر الذي قصد الشارع رفعَه بالشفعة. فقالت طائفة: هو الضرر اللاحق بالقسمة، لأنَّ كلَّ واحد من الشريكين إذا طالب شريكه بالقسمة كان عليه في ذلك من المؤنة والكلفة والغرامة والضيق في مرافق المنزل ما هو معلوم. فإنه قبل القسمة ربما ارتفق بالدار والأرض كلِّها، وبأي موضع شاء منها؛ فإذا وقعت الحدود ضاقت به الدار، وقُصِر على موضع منها، وفي ذلك من الضرر عليه ما لا خفاء به. فمكَّنه [323/أ] الشارع بحكمته ورحمته من رفع هذه المضرَّة عن نفسه، بأن يكون أحقَّ بالمبيع من الأجنبي الذي يريد الدخول عليه. وحرَّم الشارع على الشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذن شريكه، فإن باع ولم يُؤذِنه فهو أحقُّ به. وإن أذِن في البيع، وقال: لا غرض لي فيه، لم يكن له الطلب بعد البيع. هذا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 447)