Arabic source text

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

📘 أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم (ابن القيم - ت 751 هـ)

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته: أن شرَع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس بعضهم(1) على بعض، في الرؤوس والأبدان والأعراض والأموال، كالقتل والجراح(2) والقذف والسرقة. فأحكم سبحانه وجوهَ الزجر الرادعةَ عن هذه الجنايات غاية الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمِّنة لمصلحة الردع والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه الجاني من الردع. فلم يشرع في الكذب قطع اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السرقة إعدام [306/أ] النفس. وإنما شرَع لهم في ذلك ما هو موجَب أسمائه وصفاته، من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدله، لتزول النوائب، وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان، ويقتنع كلُّ إنسان بما آتاه مالكه وخالقه، فلا يطمع في استلاب غيره حقَّه.
ومعلوم أن لهذه الجنايات الأربع مراتب متباينة في القلة والكثرة، ودرجات متفاوتة في شدة الضرر وخفته، كتفاوت سائر المعاصي في الكبر والصغر وما بين ذلك. ومن المعلوم أن النظرة المحرَّمة لا يصلح إلحاقها في العقوبة بعقوبة مرتكب الفاحشة، ولا الخدشة بالعود بالضربة بالسيف، ولا الشتم الخفيف بالقذف بالزنا والقدح في الأنساب، ولا سرقة اللقمة والفَلْس بسرقة المال الخطير العظيم. فلما تفاوتت مراتب الجنايات لم يكن بد من تفاوت مراتب العقوبات. وكان من المعلوم أن الناس لو وُكِلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كلِّ عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسًا--------------------------------------------
(1) أثبت في المطبوع: «من بعضهم» بزيادة «من»!
(2) أثبت في المطبوع: «الجرح».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 408)

ووصفًا وقدرًا لذهبت بهم الآراء كلَّ مذهب، وتشعبت بهم الطرقُ كلَّ مشعَب، ولعظم الاختلاف واشتدَّ الخطب. فكفاهم أحكم الحاكمين وأرحمُ الراحمين(1) مؤنةَ ذلك، وأزال عنهم كلفته، وتولَّى بحكمته وعلمه ورحمته تقديرَه نوعًا وقدرًا، ورتَّب على كلِّ جنايةٍ ما يناسبها من العقوبة ويليق بها من النَّكال.
ثم بلغ من سعة رحمته وجُوده أن جعل تلك [306/ب] العقوباتِ كفاراتٍ لأهلها، وطُهْرَةً تزيل عنهم المؤاخذة بالجنايات إذا قدِموا عليه، ولا سيما إذا كان منهم بعدها التوبة النصوح والإنابة. فرحمهم بهذه العقوبات أنواعًا من الرحمة في الدنيا والآخرة، وجعل هذه العقوبات دائرةً على ستة أصول: قتل، وقطع، وجلد، ونفي، وتغريم مال، وتعزير.
فأما القتل، فجعله عقوبة أعظم الجنايات، كالجناية على الأنفس، وكانت(2) عقوبته من جنسه؛ وكالجناية على الدين بالطعن فيه والارتداد عنه، وهذه الجنايةُ أولى بالقتل وكفِّ عدوان الجاني عليه من كلِّ عقوبة، إذ بقاؤه بين أظهُر عباده مفسدة لهم، ولا خير يرجى في بقائه ولا مصلحة. فإذا حبَس شرَّه، وأمسك لسانه، وكفَّ أذاه، والتزم الذل والصغارَ وجريانَ أحكام الله ورسوله عليه وأداءَ الجزية= لم يكن في بقائه بين أظهُرِ المسلمين ضررٌ عليهم، والدنيا بلاغ ومتاع إلى حين. وجعله أيضًا عقوبة الجناية على الفروج المحرَّمة، لما فيها من المفاسد العظيمة، واختلاط الأنساب، والفساد العامّ.--------------------------------------------
(1) ع: «أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ المطبوعة: «فكانت».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 409)

وأما القطع، فجعله عقوبةَ مثله عدلًا، وعقوبةَ السارق، فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد. ولم تبلغ جنايتُه حدَّ العقوبة بالقتل، فكان أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلةً إلى أذى الناس، وأخذ أموالهم. ولما كان ضررُ المحارب أشدَّ من ضرر [307/أ] السارق، وعدوانُه أعظمَ= ضَمَّ إلى قطع يده قطعَ رجله، ليكفَّ عدوانه، وشرَّ يده التي بطش بها، ورجلِه التي سعى بها، وشرَع أن يكون ذلك من خلافٍ، لئلا يفوِّت عليه منفعةَ الشِّقِّ بكماله. فكفَّ ضرره وعدوانه، ورحِمَه بأن أبقى له يدًا من شِقٍّ، ورجلًا من شِقٍّ.
وأما الجَلد، فجعله عقوبة الجناية على الأعراض، وعلى العقول، وعلى الأبضاع. ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغًا يُوجِب القتل ولا إبانة طرف؛ إلا الجناية على الأبضاع فإن مفسدتها قد انتهضت سببًا لأشنع القتلات، ولكن عارضها في البِكْر شدةُ الداعي وعدمُ المعوَّض(1)، فانتهض ذلك المعارض سببًا لإسقاط القتل. ولم يكن الجلد وحده كافيًا في الزجر، فغلَّظ بالنفي والتغريب، ليذوق من ألم الغربة ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخلطاء ما يزجُره عن المعاودة.
وأما الجناية على العقول بالسكر، فكانت مفسدتها لا تتعدَّى السكران غالبًا. ولهذا لم يحرَّم السكرُ في أول الإسلام، كما حُرِّمت الفواحش والظلم والعدوان في كلِّ ملة وعلى لسان كلِّ نبي. وكانت عقوبة هذه الجناية غير مقدَّرة من الشارع، بل ضرَب فيها بالأيدي والنعال وأطراف الثياب والجريد، وضرَب فيها--------------------------------------------
(1) أثبت في المطبوع: «العوض».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 410)

أربعين(1). فلما استخفَّ الناسُ بأمرها وتتابعوا(2) في ارتكابها غلَّظها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي أُمِرنا باتباع سنته، وسنتُه من سنة [307/ب] رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فجعلها ثمانين بالسوط(3)، ونفَى فيها، وحلَق الرأس(4).
وهذا كلُّه من فقه السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الشارب في المرة الرابعة(5)، ولم ينسخ--------------------------------------------
(1) روى البخاري (6773، 6776) ومسلم (1706) من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، وعند مسلم: جلد النبي صلى الله عليه وسلم بجريدتين نحو أربعين، وفعله أبو بكر. ورواه البخاري (3872) ومسلم (1707) أيضًا من حديث عثمان بن عفان في قصة جلد الوليد بن عقبة أنه ضربه أربعين، وقال في رواية مسلم: «جلد النبي صلى الله عليه وسلم اربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌّ سنة، وهذا أحب إليّ (أي ضرب أربعين). وانظر: «فتح الباري» (7/ 57).
(2) كذا بالباء الموحدة في النسخ الخطية والمطبوعة. وكذا ضبط ابن أبي جعفر في حديث مسلم (1472). والجمهور ضبطوه بالياء المثناة من تحت. انظر: «مشارق الأنوار» (1/ 119).
(3) قد غلّظها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد استشارة كبار الصحابة، ففي «صحيح مسلم» (1706) أن من أشار إليه أن تُجعل أخف الحدود وهو ضرب ثمانين: عبد الرحمن بن عوف، وكذلك في «الترمذي» (1443). وأما في «الموطأ» (2/ 842) أنه علي بن أبي طالب وعلله بقوله: «إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. قال ابن عبد البر في «الاستذكار- ط التركي»: هذا حديث منقطع من رواية مالك، وقد روي متصلًا من حديث ابن عباس، ذكره الطحاوي في «أحكام القرآن». وانظر: «شرح مشكل الآثار» (11/ 274 - 275).
(4) سبق تخريجه.
(5) رواه أحمد (7762، 7911، 10729)، وأبو داود (4484)، وابن ماجه (2572)، والنسائي (5662) وفي «السنن الكبرى» (5277) من حديث أبي هريرة مرفوعا، وصححه ابن حبان (2455)، والحاكم (4/ 371). ورواه أحمد (16847)، وأبو داود (4482)، والترمذي (1444)، وابن ماجه (2573)، والنسائي في «السنن الكبرى» (5278، 5279، 5280) من حديث معاوية مرفوعا، وصححه ابن حبان (1446). ويُنظر: «المسند» لأحمد (6197، 7003، 19460، 23130)، و «السنن» لأبي داود (4483، 4485)، و «السنن الكبرى» للنسائي (5281 - 5284)، و «المجتبى» له (5661)، و «المسند الصحيح» لابن حبان (1445)، و «المستدرك» للحاكم (4/ 371 - 373).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 411)

ذلك(1)، ولم يجعله حدًّا لا بدَّ منه؛ فهو عقوبة ترجع إلى اجتهاد الإمام في المصلحة. فزيادة أربعين والنفي والحلق أسهل من القتل.
فصل

وأما‌‌ تغريم المال ــ وهو العقوبة المالية ــ فشرعها في مواضع. منها: تحريق متاع الغالِّ من الغنيمة(2). ومنها: حرمان سهمه. ومنها: إضعاف الغُرم على سارق الثمار المعلَّقة. ومنها: إضعافه على كاتم الضالَّة الملتقَطة. ومنها: أخذُ شطر مال مانع الزكاة. ومنها: عزمه على تحريق دُورِ من لا يصلي في الجماعة لو لا ما منَعه من إنفاذه ما عزَم عليه، من كون الذرية والنساء فيها(3)، فتتعدَّى--------------------------------------------
(1) في حاشية ح نقل بعض القراء كلام شيخ الإسلام على الحديث المذكور، وهو في «مجموع الفتاوى» (34/ 219) ومنه قوله: «وهو ثابت عند أهل الحديث، لكن أكثر العلماء يقولون: هو منسوخ. وتنازعوا في ناسخه على عدة أقاويل. ومنهم من يقول: بل حكمه باقٍ. وقيل: بل الوجوب منسوخ والجواز باقٍ». ثم بيَّن المحشِّي قول ابن القيم، غير أن آخر حاشيته لم يتضح في الصورة.
(2) سبق تخريجه وتخريج ما بعده.
(3) أخرجه البخاري (644) ومسلم (651) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
من غير ذكر الذرية والنساء. وورد ذكرهم في حديثه الذي أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» (8796).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 412)

العقوبة إلى غير الجاني، وذلك لا يجوز كما لا يجوز عقوبة الحامل. ومنها: عقوبة من أساء على الأمير في الغزو بحرمان سلَب القتيل لمن قتله، حيث شفع فيه هذا المسيء، وأمر الأمير بإعطائه، فحرم المشفوع له عقوبةً للشافع الآمر(1).
وهذا الجنس من العقوبات نوعان: نوع مضبوط، ونوع غير مضبوط. فالمضبوط ما قابل المتلَفَ، إما لحقِّ الله كإتلاف الصيد في الإحرام، أو لحقِّ الآدمي كإتلاف ماله. وقد نبَّه الله سبحانه على أن تضمين الصيد متضمِّن للعقوبة بقوله: {{لِيَذُوقَ وَبَالَ [308/أ] أَمْرِهِ}. ومنه: مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان، كعقوبة القاتل لمُورِثه(2) بحرمان ميراثه، وعقوبة المدبَّر إذا قتَل سيِّدَه ببطلان تدبيره، وعقوبة الموصَى له ببطلان وصيته. ومن هذا الباب: عقوبة الزوجة الناشز(3) بسقوط نفقتها وكسوتها.
وأما النوع الثاني غير المقدَّر، فهو الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح. ولذلك لم تأت فيه الشريعة بأمرٍ عامٍّ وقدرٍ لا يزاد فيه ولا ينقص كالحدود. ولهذا اختلف الفقهاء فيه: هل حكمه منسوخ أو ثابت؟ والصواب أنه يختلف باختلاف المصالح، ويرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة في كلِّ زمان ومكان بحسب المصلحة، إذ لا دليل على النسخ، وقد فعله الخلفاء الراشدون ومَن بعدهم من الأئمة.--------------------------------------------
(1) يشير إلى قصة عوف بن مالك وخالد بن الوليد. أخرجها مسلم (1753) من حديث عوف.
(2) ما عدا ع: «لموروثه».
(3) ع: «الناشزة»، وكذا في الطبعات القديمة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 413)

وأما التعزير، ففي كلِّ معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة. فإن المعاصي ثلاثة أنواع(1): نوع فيه الحدُّ، ولا كفارة فيه. ونوع فيه الكفارة، ولا حدَّ فيه. ونوع لا حدَّ فيه ولا كفارة. فالأول كالسرقة والشرب والزنا والقذف. والثاني كالوطء في نهار رمضان، والوطء في الإحرام. والثالث كوطء الأمة المشتركة بينه وبين غيره، وقبلة الأجنبية والخلوة بها، ودخول الحمام بغير مئزر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، ونحو ذلك.
فأما النوع الأول فالحدُّ فيه مُغْنٍ عن التعزير. وأما الثاني(2) فهل يجب مع الكفارة فيه تعزير أم لا؟ على قولين [308/ب] وهما في مذهب أحمد(3). وأما الثالث، ففيه التعزير قولًا واحدًا. ولكن هل هو كالحد، فلا يجوز للإمام تركه، أو هو راجع إلى اجتهاد الإمام في إقامته وتركه، كما يرجع إلى اجتهاده في قدره؟ على قولين للعلماء، الثاني قول الشافعي، والأول قول الجمهور.
وما كان من المعاصي محرَّمَ الجنس كالظلم والفواحش، فإن الشارع لم يشرع له كفارة. ولهذا لا كفارة في الزنا وشرب الخمر وقذف المحصنات والسرقة. وطردُ هذا أنه لا كفارة في قتل العمد ولا في اليمين الغموس كما يقوله أحمد وأبو حنيفة ومن وافقهما. وليس ذلك تخفيفًا عن مرتكبهما، بل لأن الكفارة لا تعمل في هذا الجنس من المعاصي، وإنما عملُها فيها(4) فيما--------------------------------------------
(1) انظر: «الطرق الحكمية» (1/ 281) و «زاد المعاد» (5/ 18) و «الداء والدواء» (ص 113).
(2) في النسخ المطبوعة: «النوع الثاني»، وكذا «النوع الثالث» فيما يأتي.
(3) كذا في «الزاد» (5/ 19) أيضًا. وفي «الطرق الحكمية» (1/ 281): «وهما لأصحاب أحمد وغيرهم».
(4) «فيها» ساقط من ع.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 414)

كان مباحًا في الأصل وحُرِّم لعارض كالوطء في الصيام والإحرام. وطردُ هذا ــ وهو الصحيح ــ وجوبُ الكفارة في وطء الحائض. وهو موجَب القياس لو لم تأت الشريعة به(1)، فكيف وقد جاءت به مرفوعة وموقوفة؟(2)
وعكسُ هذا: الوطء في الدبر، لا(3) كفارة فيه. ولا يصح قياسه على الوطء في الحيض، لأن هذا الجنس لم يُبَح قط، ولا تعمل فيه الكفارة. ولو وجبت فيه الكفارة لوجبت في الزنا واللواط بطريق الأولى. فهذه قاعدة الشارع في الكفارات، وهي في غاية المطابقة للحكمة والمصلحة.
فصل
وكان من تمام حكمته ورحمته أنه لم يأخذ الجناة بغير حجة، كما لم يعذِّبهم في الآخرة إلا بعد إقامة [309/أ] الحجة عليهم. وجعل الحجة التي يأخذهم بها إما منهم وهي الإقرار، أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال، وهو أبلغ وأصدق من إقرار اللسان؛ فإن من قامت عليه شواهد الحال بالجناية،--------------------------------------------
(1) «به» من ع.
(2) رواه أحمد (3473)، وأبو داود (264، 2168) والترمذي (136، 137)، وابن ماجه (640، 650)، والنسائي في «السنن الكبرى» (278، 9050 - 9053، 9055، 9056، 9058، 9059، 9060، 9064، 9065، 9068) من حديث ابن عباس مرفوعا، وفي سنده ومتنه اختلافٌ كثيرٌ منتشرٌ. ويُنظر: «السنن الكبرى» للنسائي (9054، 9057، 9061، 9062، 9063، 9066، 9067، 9068)، و «السنن الكبير» للبيهقي (1/ 314 - 318)، و «شرح السنة» لأبي محمد البغوي (2/ 128)، و «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (1/ 395 - 399)، و «تعليقته على العلل» لابن أبي حاتم (ص 108 - 119).
(3) في النسخ المطبوعة: «ولا».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 415)

كرائحة الخمر وقيئها، وحبَل من لا زوج لها ولا سيِّد، ووجود المسروق في دار السارق وتحت ثيابه= أولى بالعقوبة ممن قامت عليه شهادةُ إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب. وهذا متفق عليه بين الصحابة، وإن نازع فيه بعض الفقهاء. وإما أن تكون الحجة من خارجٍ عنهم، وهي البينة. واشترط فيها العدالة وعدم التهمة، فلا أحسن في العقول والفِطَر من ذلك، ولو طُلِب منها الاقتراح لم تقترح أحسنَ من ذلك ولا أوفقَ منه للمصلحة.
فإن قيل: كيف تدَّعون أن هذه العقوبات لاصقة بالعقول موافقة للمصالح، وأنتم تعلمون أنه لا شيء بعد الكفر بالله أفظع ولا أقبح من سفك الدماء، فكيف تردعون عن سفك الدم بسفكه؟ وهل مثال ذلك إلا إزالة نجاسة بنجاسة؟ ثم لو كان ذلك مستحسنًا لكان أولى أن يُحرَّقَ ثوبُ مَن حرَّق(1) ثوبَ غيره، وأن يُذبَح حيوانُ مَن ذبَح حيوانَ غيره، وأن تُخرَّب دارُ مَن خرَّب دارَ غيره، وأن تُجوِّزوا لمن شُتِم أن يشتُم شاتمَه. وما الفرق في صريح العقل بين هذا وبين قتلِ مَن قتلَ غيره أو قطعِ من قطَعه؟ وإذا كان إراقة الدم الأول(2) مفسدةً وقطعُ الطَّرَف كذلك، فكيف زالت [309/ب] تلك المفسدة بإراقة الدم الثاني وقطع الطرف الثاني؟ وهل هذا إلا مضاعفة للمفسدة وتكثير لها؟ ولو كانت المفسدة الأولى تزول بهذه المفسدة الثانية لكان فيه ما فيه، إذ كيف تُزال مفسدةٌ بمفسدة نظيرها من كلِّ وجه؟ فكيف والأُولى لا سبيل إلى إزالتها؟ وتقرير ذلك بما ذكرناه من عدم إزالة مفسدة تحريق الثياب وذبح المواشي وخراب الدور وقطع الأشجار بمثلها. ثم كيف--------------------------------------------
(1) ح، ف: «يخرَّق … خرَّق» بالخاء المعجمة.
(2) ح، ف: «الاقل»، تصحيف.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 416)

حَسُن أن يعاقَب السارق بقطع يده التي اكتسب بها السرقة، ولم تحسُن عقوبة الزاني بقطع فرجه الذي اكتسب به الزنا، ولا القاذفِ بقطع لسانه الذي اكتسب به القذف، ولا المزوِّرِ على الإمام والمسلمين بقطع أنامله التي اكتسب بها التزوير، ولا الناظرِ إلى ما لا يحلُّ له بقلع عينه التي اكتسب بها الحرام؟ فعُلِمَ أن الأمر في هذه العقوبات جنسًا وقدرًا وسببًا ليس بقياس، وإنما هو محض المشيئة، ولله التصرُّف في خلقه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
فالجواب ــ وبالله التوفيق والتأييد ــ من طريقين: مجمل، ومفصل.
أما المجمل، فهو أنَّ مَن شرَع هذه العقوبات ورتَّبها على أسبابها جنسًا وقدرًا فهو عالم الغيب والشهادة، وأحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، ومن أحاط بكلِّ شيء علمًا، وعلِمَ ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وأحاط علمُه بوجوه المصالح دقيقها وجليلها خفيِّها(1) وظاهرها، ما يمكن [310/أ] اطلاعُ البشر عليه وما لا يمكنهم. وليست هذه التخصيصات والتقديرات خارجةً عن وجوه الحِكَم(2) والغايات المحمودة، كما أن التخصيصات والتقديرات الواقعة في خلقه كذلك. فهذا في خلقه، وذاك في أمره. ومصدرهما جميعًا عن كمال علمه وحكمته ووضعِه كلَّ شيء في موضعه الذي لا يليق به سواه ولا يتقاضى إلا إياه؛ كما وضع قوةَ البصر والنور الباصر(3) في العين، وقوةَ السمع في الأذن، وقوةَ الشَّمِّ في الأنف،--------------------------------------------
(1) ع: «وخفيِّها».
(2) ح، ف: «الحكمين». ع: «الحكمة».
(3) في النسخ المطبوعة: «للباصر».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 417)

وقوةَ النطق في اللسان والشفتين، وقوةَ البطش في اليد، وقوةَ المشي في الرجل. وخصَّ كلَّ حيوان وغيره بما يليق به ويحسن أن يعطاه من أعضائه وهيئاته وصفاته وقدره. فشَمِل إتقانُه وإحكامُه لكلِّ ما شَمِله خلقُه، كما قال تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88]. وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان، وأحكمه غاية الإحكام، فلَأن يكون أمرُه على غاية من الإتقان والإحكام أولى وأحرى. ومن لم يعرف ذلك مفصَّلًا لم يسعه أن ينكره مجملًا، ولا يكون جهلُه بحكمة الله في خلقه وأمره وإتقانه كذلك وصدورِه عن محض العلم والحكمة مسوِّغًا له إنكارَه في نفس الأمر.
وسبحان الله! ما أعظم ظلم الإنسان وجهله! فإنه لو اعترض على أيِّ صاحب صناعة كانت مما تقصر عنها معرفته وإدراكه على ذلك، وسأله عما اختصَّت به صناعته من الأسباب والآلات والأفعال والمقادير، وكيف كان كلُّ شيء من ذلك على الوجه الذي هو عليه، لا أكبر ولا أصغر ولا [310/ب] على شكل غير ذلك= لَسَخِرَ منه، ولهزِئَ(1) به، وعجِبَ من سُخْفِ عقله وقلةِ معرفته. هذا مع تهيُّئِه لمشاركتِه له في صناعته، ووصولِه فيها إلى ما وصل إليه، والزيادة عليه والاستدراك عليه فيها. هذا مع أن صاحبَ تلك الصناعة غيرُ مدفوع عن العجز والقصور وعدم الإحاطة والجهل، بل ذلك عنده عتيد حاضر؛ ثم لا يسعه إلا التسليم له، والاعتراف بحكمته، وإقراره بجهله، وعجزه عما وصل إليه من ذلك. فهلَّا وسِعَه ذلك مع أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، ومَن أتقن كلَّ شيء، فأحكمَه وأوقعَه على وَفْقِ الحكمة والمصلحة؟--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «يسخر منه ويهزأ»، تصحيف.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 418)

وقد كان هذا الوجه وحده كافيًا في دفع كلِّ شبهة وجواب كلِّ سؤال. وهذا غير الطريق التي سلكها نفاة الحِكَم والتعليل، ولكن مع هذا فنتصدَّى للجواب المفصَّل، بحسب الاستعداد، وما يناسب علومنا الناقصة، وأفهامنا الجامدة، وعقولنا الضعيفة، وعباراتنا القاصرة. فنقول وبالله التوفيق:
أما قوله: «كيف تردعون عن سفك الدم بسفكه، وإن ذلك كإزالة النجاسة بالنجاسة»، سؤالٌ في غاية الوهن والفساد، وأول ما يقال لسائله: هل ترى ردعَ المفسدين والجناة عن فسادهم وجناياتهم وكفَّ عدوانهم مستحسنًا في العقول موافقًا لمصالح العباد، أو لا تراه كذلك؟ فإن قال: «لا أراه كذلك» كفانا مؤنة جوابه بإقراره على نفسه بمخالفة جميع طوائف بني آدم، على اختلاف مللهم ونِحَلهم [311/أ] ودياناتهم وآرائهم. ولولا عقوبة الجناة والمفسدين لأهلك الناسُ بعضُهم بعضًا، وفسد نظام العالم، وصارت حالُ الدواب والأنعام والوحوش أحسنَ من حال بني آدم.
وإن قال(1): «بل لا تتمُّ المصلحة إلا بذلك» قيل له: من المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتم إلا بمؤلمٍ يردعهم، ويجعل الجاني نكالًا وعظةً لمن يريد أن يفعل مثل فعله. وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة. ومن المعلوم ببدائه العقول أن التسوية في العقوبات مع تفاوت الجرائم غير مستحسن، بل منافٍ للحكمة والمصلحة. فإنه إن ساوى بينها في أدنى العقوبات لم تحصل مصلحة الزجر، وإن ساوى بينها في أعظمها كان خلاف الرحمة والحكمة؛--------------------------------------------
(1) زاد بعده في المطبوع: «قائل»!

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 419)

إذ لا يليق أن يَقتُل بالنظرة والقبلة(1) ويقطعَ بسرقة الحبة والدينار.
وكذلك التفاوت بين العقوبات مع استواء الجرائم قبيح في الفِطَر والعقول، وكلاهما تأباه حكمةُ الربِّ تعالى وعدله وإحسانه إلى خلقه. فأوقع العقوبة تارةً بإتلاف النفس إذا انتهت الجناية في عظمها إلى غاية القبح، كالجناية على النفس أو الدين، أو الجناية التي ضررها عامٌّ. فالمفسدة التي في هذه العقوبة خاصَّة، والمصلحة الحاصلة بها أضعاف أضعاف تلك المفسدة، كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]. فلو لا القصاص لفسد العالم، [311/ب] وأهلك الناسُ بعضُهم بعضًا ابتداءً واستيفاءً؛ فكان في القصاص دفعٌ(2) لمفسدة التجرِّي(3) على الدماء بالجناية وبالاستيفاء. وقد قالت العرب في جاهليتها: «القتل أنفى للقتل»(4). وبسفك الدماء تُحقَن الدماء. فلم تُغسل النجاسة بالنجاسة، بل الجناية نجاسة، والقصاص طُهْرة. وإذا لم يكن بدٌّ من موت القاتل ومن استحقَّ القتل فموته بالسيف أنفع له في عاجلته وآجلته، والموت به أسرع الموتات وأوحاها(5) وأقلُّها ألمًا. فموته به--------------------------------------------
(1) في النسخ الخطية: «الفعل»، والمثبت من النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ الخطية: «دفعًا»، وجعل في النسخ المطبوعة اسمًا لكأنَّ. ولا معنى هنا لكأنَّ، ويبدو لي أن «دفعًا» خطأ من النساخ إن لم يكن سهوًا من المؤلف. وقد سبق هذا الخطأ، وهو نصب اسم «كان» إذا كان خبرها المقدم شبه جملة. وهو من الأخطاء الشائعة الآن.
(3) يعني: التجرُّؤ.
(4) انظر مقال الرافعي في توثيق هذه الكلمة وتحليلها في «وحي القلم» (2/ 70 - 87).
(5) أي أسرعها.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 420)

مصلحة له، ولأولياء القتيل، ولعموم الناس. وجرى ذلك مجرى إتلاف الحيوان بذبحه لمصلحة الآدمي، فإنه حسنٌ. وإن كان في ذبحه إضرار بالحيوان، فالمصالح المترتِّبة على ذبحه أضعاف أضعاف مفسدة إتلافه(1).
ثم هذا السؤال الفاسد يظهر بطلانه وفساده(2) بالموت الذي حتَمه الله(3) على عباده، وساوى فيه بين جميعهم. ولولاه لما هنأ العيش، ولا وسِعَهم(4) الأرزاق، ولضاقت عليهم المساكن والمدن والأسواق والطرقات. وفي مفارقة البغيض من اللذة والراحة ما في مواصلة الحبيب، والموتُ مخلِّص للحي والميِّت(5)، مريحٌ لكلٍّ منهما من صاحبه، مخرج من دار الابتلاء والامتحان، بابٌ(6) للدخول في دار الحيَوان.
جزى الله عنَّا الموتَ خيرًا فإنه … أبرُّ بنا من كلِّ بَرٍّ وأعطَفُ(7)
يعجِّل تخليصَ النفوس من الأذى … ويُدني إلى الدار التي هي أشرَفُ(8)

[312/أ] فكم لله سبحانه على عباده الأحياء والأموات في الموت من--------------------------------------------
(1) ما عدا ع: «إيلامه»، ولعله تصحيف.
(2) ع: «فساده وبطلانه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) أي قدَّره وجعله حتمًا.
(4) في النسخ المطبوعة: «وسعتهم».
(5) في النسخ المطبوعة: «والموت»، وهو غلط مفسد للسياق.
(6) في النسخ المطبوعة: «ومخرج … وباب» بزيادة واو العطف خلافًا للنسخ والسياق.
(7) أثبت في المطبوع: «ألطف»، وكذا في «مدارج السالكين» (3/ 257).
(8) البيتان دون عزو في «المحاسن والأضداد» (ص 255) و «التمثيل والمحاضرة» (ص 406). وفي «الدر الفريد» (3/ 199) أنهما يرويان لعلي بن أبي طالب.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 421)

نعمة لا تحصى! فكيف إذا كان فيه طُهْرَة للمقتول، وحياةٌ للنوع الإنساني، وتشفٍّ للمظلوم، وعدلٌ بين القاتل والمقتول. فسبحان من تنزهت شريعته عن خلاف ما شرعها عليه من اقتراح العقول الفاسدة والآراء الضالَّة الجائرة!
وأما قوله: «لو كان ذلك مستحسنًا في العقول لاستُحْسِنَ في تحريق ثوبه وتخريب داره وذبح حيوانه مقابلتُه(1) بمثله».
فالجواب عن هذا أن مفسدة تلك الجنايات تندفع بتغريمه نظيرَ ما أتلفه عليه، فإن المثل يسُدُّ مسَدَّ المثل من كلِّ وجه، فتصير المقابلة مفسدة محضة؛ كما ليس له أن يقتل ابنه أو غلامه مقابلةً لقتله هو ابنه أو غلامه، فإن هذا شرعُ الظالمين المعتدين الذي تُنزَّه عنه شريعةُ أحكم الحاكمين؛ على أن للمقابلة في إتلاف المال بمثل فعله مساغًا في الاجتهاد، وقد ذهب إليه بعضُ أهلِ العلم كما تقدَّم الإشارة إليه في عقوبة الكفار بإفساد أموالهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا، أو كان يغيظهم. وهذا بخلاف قتلِ عبده إذا قتَل عبدَه أو عقرِ فرسِه إذا عقَر فرسَه، فإن ذلك ظلم لغير مستحِقٍّ. ولكن السنَّة اقتضت التضمين بالمثل، لا إتلاف النظير، كما غرَّم النبيُّ صلى الله عليه وسلم إحدى زوجتيه التي كسرت إناء صاحبتها إناءً بدلَه، وقال: «إناء بإناء»(2). ولا ريب أن هذا أقلُّ فسادًا، وأصلح للجهتين(3)؛ [312/ب] لأن المتلَفَ مالُه إذا أخذ نظيره صار كمن لم يفُت عليه شيء، وانتفع بما أخذه عوضَ ماله؛ فإذا مكَّنَّاه من إتلافه--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «بمقابلته»، وهو خطأ.
(2) تقدَّم تخريجه.
(3) ح، ف: «للمجتهدين»، تحريف.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 422)

كان زيادةً في إضاعة المال. وما يراد من التشفِّي وإذاقة الجاني ألمَ الإتلاف فحاصلٌ بالغرم غالبًا، ولا التفاتَ إلى الصور النادرة التي لا يتضرَّر الجاني فيها بالغُرم. ولا شك أن هذا أليق بالعقل، وأبلغ في الصلاح، وأوفق للحكمة.
وأيضًا فإنه لو شرع القصاص في الأموال ردعًا للجاني لبقي جانبُ المجني عليه غيرَ مُراعًى، بل يبقى متألّمًا موتورًا غيرَ مجبور، والشريعة إنما جاءت بجبر هذا وردع هذا.
فإن قيل: فخيِّروا المجنيَّ عليه بين أن يغرِّم الجاني أو يُتلف عليه نظيرَ ما أتلفه هو، كما خيَّرتموه في الجناية على طرفه، وخيَّرتم أولياء القتيل بين إتلاف الجاني النظير وبين أخذ الدية.
قيل: لا مصلحة في ذلك للجاني ولا للمجني عليه ولا لسائر الناس. وإنما هو زيادة فساد، لا مصلحة فيه، لمجرَّد(1) التشفِّي، ويكفي تغريمه وتعزيره في التشفِّي. والفرق بين الأموال والدماء في ذلك ظاهر، فإن الجناية على النفوس والأعضاء تُدخل من الغيظ والحنق والعداوة على المجنيِّ عليه وأوليائه ما لا تُدخله جنايةُ المال، وتُدخل(2) عليهم من الغضاضة والعار واحتمال الضيم والحميَّة والتحرُّق(3) لأخذ الثأر ما لا يجبُره المال أبدًا، حتى إن أولادهم وأعقابهم لَيعيَّرون بذلك. ولأولياء القتيل من القصد في--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «بمجرد»، تصحيف.
(2) أهمل حرف المضارع فيما عدا ف. وفي النسخ المطبوعة: «ويدخل».
(3) في المطبوع: «التحزُّق» بالزاي، تصحيف.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 423)

[313/أ] القصاص وإذاقة الجاني وأوليائه ما أذاقه للمجنيِّ عليه وأوليائه ما ليس لمن حُرِّق ثوبُه أو عُقرت فرسُه. والمجنيُّ عليه موتور هو وأولياؤه، فإن لم يوتَر الجاني وأولياؤه ويجرَّعوا من الألم والغيظ ما تجرَّعه(1) الأول لم يكن عدلًا.
وقد كانت العرب في جاهليتها تعيب على من يأخذ الدية ويرضى بها من درك ثأره وشفاء غيظه، كقول قائلهم(2) يهجو مَن أخذ الدية من الإبل:
وإنَّ الذي أصبحتُمُ تحلُبونه … دمٌ غيرَ أنَّ اللونَ ليس بأشقرا(3)

وقال جرير يعيِّر مَن أخذ الدية، فاشترى بها نخلًا:
ألا أبلغ بني حُجْرِ بن وهبٍ … بأنَّ التمرَ حلوٌ في الشتاء(4)

وقال آخر(5):--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «يجرعه»، تصحيف.
(2) هو خالد بن علقمة ابن الطَّيفان، حليف بني عبد الله بن دارم، من شعراء الدولة الأموية. انظر خبره مع سويد بن كراع العكلي في «الأغاني» (12/ 345).
(3) من أربعة أبيات في «الحيوان» (3/ 105) و «الوحشيات» (ص 81). والصواب في قافيته: «بأحمرا»، أما القافية المذكورة هنا فقد جاءت في بيت آخر من هذه الأبيات:
إذا سكبوا في القعب من ذي إنائهم … رأوا لونه في القعب وردًا وأشقرا
(4) مع بيت آخر في «أنساب الأشراف» (12/ 221) و «الأغاني» (8/ 21) ومنهما في «ديوان جرير» (2/ 1019). والبيت مع تفسيره في «المعاني الكبير» لابن قتيبة (2/ 1019) وروايته: « … بني وهب رسولًا».
(5) هو جرير أيضًا والبيت من ثلاثة أبيات في ديوانه (2/ 796) و «الوحشيات» (ص 115). وهو دون عزو في «المعاني الكبير» (2/ 1019).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 424)

إذا صُبَّ ما في الوَطْبِ فاعلم بأنه … دمُ الشيخ فاشرَبْ من دم الشيخ أو دعا(1)

وقال آخر(2):
خليلان مختلفٌ شكلُنا … أريد العلاءَ ويبغي السِّمَنْ
أريد دماء بني مالك … ورأيُ المعلَّى بياضُ اللَّبَنْ(3)
وهذا وإن كانت الشريعة قد أبطلته، وجاءت بما هو خير منه وأصلح في المعاش والمعاد من تخيير الأولياء بين إدراك الثأر ونيل التشفِّي وبين أخذ الدية؛ فإن القصد به أن العرب لم تكن تعيِّر مَن أخذ بدلَ ماله، ولم تعُدَّه ضعفًا ولا عجزًا البتة، بخلاف من أخذ بدلَ دمِ وليِّه. فما سوَّى الله بين الأمرين في طبع، [313/ب] ولا عقل، ولا شرع. والإنسان قد يُحرق ثوبه عند الغيظ، ويذبح ماشيته، ويتلف ماله، فلا يلحقه في ذلك من المشقة والغيظ والإزراء(4) به ما يلحق من قتل نفسه أو جدع أنفه أو قلع عينه.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «دع»، وهو خطأ. والمثبت أصله بالنون الخفيفة: «دَعَنْ». والوطب: سقاء اللبن.
(2) هو الأسعر بن أبي حُمران الجعفي. و «المعلَّى» المذكور في شعره: فرسه. وانظر قصة الشعر في «أنساب الخيل» للكلبي (ص 61 - 62). وهو فيه وفي «الوحشيات» (ص 46) ثلاثة أبيات. والبيتان في «العقد» (3/ 394) وغيره. ونسبهما ابن دريد في «الاشتقاق» (ص 412) إلى الأفوه الأودي، وهو غلط. انظر تعليق الميمني على «الوحشيات».
(3) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. والرواية «دماء بني مازن»، و «راقَ المعلَّى». ولا يبعد أن يكون ما هنا تحريفًا في النسخ.
(4) في النسخ المطبوعة: «الازدراء»!

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 425)

فصل
وأما معاقبةُ السارق بقطع يده وتركُ معاقبة الزاني بقطع فرجه، ففي غاية الحكمة والمصلحة. وليس في حكمة الله ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن يُتلف على كلِّ جانٍ كلَّ عضو عصاه به، فيشرع قلعَ عينِ مَن نظر إلى المحرَّم، وقطعَ أذنِ مَن استمع إليه، ولسانِ من تكلَّم به، ويدِ من لطَم غيرَه عدوانًا. ولا خفاء بما في هذا من الإسراف والتجاوز في العقوبة وقلبِ مراتبها، وأسماءُ الربِّ الحسنى وصفاته العُلى(1) وأفعاله الحميدة تأبى ذلك. وليس مقصود الحدِّ مجرَّد الأمن من المعاودة، ليس إلا؛ ولو أريد هذا لكان قتَل صاحبَ الجريمة فقط. وإنما المقصود الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كفِّ عدوانه أقرب، وأن يَعتبِر به غيرُه، وأن يُحدِث له ما يذوقه من الألم توبةً نصوحًا، وأن يذكِّره ذلك بعقوبة الآخرة، إلى غير ذلك من الحِكَم والمصالح.
ثم إنَّ في حدِّ السرقة معنى آخر، وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سرًّا كما يقتضيه اسمُها. ولهذا يقولون: «فلان ينظر إلى فلان مسارقةً» إذا كان ينظر إليه نظرًا خفيًّا لا يريد أن يفطِن له. فالعازمُ(2) على السرقة مختفٍ مكاتِمٌ(3) [314/أ] خائفٌ أن يُشعَر بمكانه، فيؤخذ(4). ثم هو مستعدٌّ للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيءَ. واليدان للإنسان كالجناحين للطائر في--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «العليا».
(2) في النسخ المطبوعة: «والعازم».
(3) في النسخ المطبوعة: «كاتم».
(4) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «به».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 426)

إعانته على الطيران. ولهذا يقال: «وصلت جناحَ فلان» إذا رأيتَه يسير منفردًا، فانضممتَ إليه لتصحبه(1). فعوقب السارق بقطع اليد قصًّا لجناحه، وتسهيلًا لأخذه إن عاود السرقة. فإذا فُعِل به هذا في أول مرة بقي مقصوصَ أحد الجناحين ضعيفَ العَدْو(2). ثم يقطع في الثانية رجلَه، فيزداد ضعفًا في عَدْوه، فلا يكاد يفوت الطالب. ثم تُقطع يدُه الأخرى في الثالثة، ورجلُه الأخرى في الرابعة، فيبقى لحمًا على وضَمٍ(3)، فيستريح ويُريح.
وأما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه، والتلذُّذُ بقضاء شهوته يعُمُّ البدن، والغالب من فعله وقوعه برضا المزنيِّ بها، فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب= فعُوقب بما يعُمُّ بدنه من الجَلْدِ مرةً والقتل بالحجارة مرةً. ولما كان الزنا من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي لما فيه من اختلاط الأنساب الذي يبطُل معه التعارفُ والتناصرُ على إحياء الدين، وفي هذا إهلاكُ(4) الحرث والنسل= فشاكَلَ في معانيه أو في أكثرها القتلَ الذي فيه هلاك ذلك، فزُجِر عنه بالقصاص ليرتدع عن مثل فعله مَن يُهمُّ به، فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم المُوصِل إلى إقامة العبادات المُوصِلة إلى نعيم الآخرة.--------------------------------------------
(1) منه قول الحريري في المقامة الكوفية: «فوصلتُ جناحَه حتى سنَّيت نجاحه». قال الشريشي في شرح مقاماته (1/ 217): «أي مشيتُ معه ويدي في يده. وجناح الرجل: يده».
(2) في النسخ المطبوعة: «ضعيفًا في العدو».
(3) الوَضَم ما وُقي به اللحم من الأرض من خشب أو حصيرٍ أو نحو ذلك. ويضرب المثل باللحم على الوضم للذليل الضعيف.
(4) في النسخ المطبوعة: «هلاك».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 427)