Arabic source text

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

📘 أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم (ابن القيم - ت 751 هـ)

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ثم يكفي في ذلك فتاوى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو جعفر النحاس في كتاب «الناسخ والمنسوخ»(1): هو إجماع من الصحابة.
وأما اقتضاء النظر له، فإن المختلعة لم تبق لزوجها عليها عدَّة، وقد ملكت نفسَها، وصارت أحقَّ ببُضْعها. فلها أن تتزوج بعد براءة رحمها، فصارت العدَّة في حقِّها بمجرد براءة الرحم. وقد رأينا الشريعة جاءت في هذا النوع بحيضة واحدة، كما جاءت بذلك في المسبيَّة، والمملوكة بعقد معاوضة أو تبرُّع، والمهاجرة من دار الحرب. ولا ريب أنها جاءت بثلاثة أقراء في الرجعية. والمختلعة فرعٌ متردِّدٌ بين هذين الأصلين، فينبغي إلحاقها بأشبههما بها. فنظرنا، فإذا هي بذوات الحيضة أشبه.
ومما يبيِّن حكمة الشريعة في ذلك أن الشارع قسم النساء إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: المفارقة قبل الدخول، فلا عدَّة عليها ولا رجعة لزوجها فيها.
الثاني: المفارقة بعد الدخول إذا كان لزوجها عليها رجعة، فجعل عدّتها ثلاثة قروء. ولم يذكر سبحانه العدة بثلاثة قروء إلا في هذا القسم، كما هو مصرَّح به في القرآن في قوله تعالى: {فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي} [البقرة: 228]. وكذا في سورة الطلاق لما ذكر الاعتداد بالأشهر الثلاثة في حقِّ من إذا [289/ب] بلغت أجلَها خُيِّر--------------------------------------------
(1) (ص 229) ولفظه: «ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه». وقد أحال المصنف في «الزاد» (5/ 594) أيضًا على كتاب أبي جعفر.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 368)

زوجها بين إمساكها(1) بمعروف أو مفارقتها بإحسان، وهي الرجعيَّة قطعًا. فلم يذكر الأقراء وبدلها في حقِّ بائنٍ البتة.
القسم الثالث: من بانت عن زوجها، وانقطع حقُّه عنها بسبي، أو هجرة، أو خلع؛ فجعل عدَّتها حيضةً للاستبراء. ولم يجعلها ثلاثًا، إذ لا رجعة للزوج. وهذا في غاية الظهور والمناسبة.
وأما الزانية والموطوءة بشبهة، فموجَب الدليل أنها تستبرأ بحَيضةٍ فقط. ونصَّ عليه أحمد في الزانية(2). واختاره شيخنا في الموطوءة بشبهة(3)، وهو الراجح. وقياسهما على المطلَّقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده.
فإن قيل: فهَبْ أن هذا قد سلِم لكم فيما ذكرتم من الصور، فإنه لا يسلَم معكم في المطلَّقة ثلاثًا؛ فإن الإجماع منعقد على اعتدادها بثلاثة قروء مع انقطاع حقِّ زوجها من الرجعة، والقصدُ مجرَّدُ استبراء رحمها.
قيل: نعم، هذا سؤال وارد. وجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه قد اختلف في عدتها: هل هي بثلاثة قروء أو بقرء واحد؟ فالجمهور ــ بل الذي لا يعرف الناس سواه ــ أنها ثلاثة قروء. وعلى هذا فيكون وجهه أن الطلقة الثالثة لما كانت من جنس الأوليين(4) أعطيت حكمهما، ليكون باب الطلاق كلُّه بابًا واحدًا، فلا يختلف حكمه. والشارع إذا--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «إمساك».
(2) فيما حكاه ابن أبي موسى. وعنه رواية أخرى: أن عدَّتها عدة المطلقة. انظر: «الهداية» (ص 485) و «المغني» (9/ 564).
(3) انظر: «مجموع الفتاوى» (32/ 111، 340).
(4) ت: «الأولتين». وفي ح، ع بالإهمال. وفي ف بالتاء والياء معًا.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 369)

علَّق الحكمَ بوصف لمصلحة عامة لم يكن تخلُّفُ تلك المصلحة والحكمة في بعض الصور مانعًا من ترتُّب الحكم، [290/أ] بل هذه قاعدة الشريعة وتصرُّفها في مصادرها ومواردها.
الوجه الثاني: أن الشارع حرَّمها عليه حتى تنكح زوجًا غيره، عقوبةً له؛ ولعن المحلِّل والمحلَّل له لمناقضتهما ما قصده الله سبحانه من عقوبته. وكان من تمام هذه العقوبة أن طوَّل مدةَ تحريمها عليه، فكان ذلك أبلغ فيما قصده الشارع من العقوبة. فإنه إذا علِم أنها لا تحِلُّ له حتى تعتدَّ بثلاثة قروء، ثم يتزوجها آخرُ نكاحَ رغبةٍ مقصودٍ(1)، لا تحليلٍ موجِبٍ للعنة، ويفارقها، وتعتدُّ من فراقه ثلاثة قروء أُخَر= طال عليه الانتظار، وعِيلَ صبرُه، فأمسك عن الطلاق الثلاث. وهذا واقع على وفق الحكمة والمصلحة والزجر، فكان التربُّص بثلاثة قروء في الرجعية نظرًا للزوج ومراعاةً لمصلحته لما لم يوقع الثالثة المحرِّمة لها، وهاهنا كان تربُّصُها عقوبةً له وزجرًا لما أوقع الطلاق المحرِّم لما أحلَّ الله له. وأُكِّدت هذه العقوبة بتحريمها عليه إلا بعد زوج وإصابة وتربُّص ثان.
وقيل: بل عدَّتها حيضة واحدة، وهي اختيار أبي الحسين بن اللبَّان(2).--------------------------------------------
(1) كذا في النسخ الخطية، فإن صح كان «مقصودٍ» مجرورًا بالجوار. وفي النسخ المطبوعة أصلحت العبارة بإدخال الباء على «نكاح»: «بنكاحِ رغبةٍ مقصودٍ».
(2) ذكره عنه ابن أبي يعلى. انظر: «زاد المعاد» (5/ 597). وهو محمد بن عبد الله بن الحسن البصري (ت 402). قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (3/ 507): «انتهى إليه عِلْمُ الفرائض وقسمة المواريث». وله في الفرائض مؤلفات منها «الإيجاز في علم الفرائض»، وقد حقِّق في الجامعة الإسلامية سنة 1433.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 370)

فإن كان مسبوقًا بالإجماع، فالصواب اتباع الإجماع، وأن لا يُلتفت إلى قوله. وإن لم يكن في المسألة إجماعٌ، فقوله قوي ظاهر. والله أعلم.
فإن قيل: فقد جاءت السنة بأن المخيَّرة تعتدُّ ثلاثَ حِيض، كما رواه ابن ماجه من حديث عائشة قالت: أُمِرت بريرةُ أن تعتدَّ ثلاثَ حِيَض(1).
قيل: ما أصرحه من حديثٍ لو ثبت! ولكنه حديث منكر بإسناد مشهور. وكيف يكون عند أم المؤمنين هذا الحديث وهي تقول: الأقراء: الأطهار؟ فإن صحَّ الحديث وجب القول به، ولم تَسُغْ(2) مخالفته، ويكون حكمه حكم المطلقة ثلاثًا في اعتدادها بثلاثة قروء، ولا رجعة لزوجها عليها؛ فإن الشارع يخصِّص بعض الأعيان والأفعال والأزمان والأماكن ببعض الأحكام، وإن لم يظهر لنا موجب التخصيص. فكيف وهو ظاهر في مسألة المخيَّرة، فإنها لو جُعلت عدَّتُها حيضةً واحدةً لبادرت إلى التزوج بعدها، وأيس منها زوجها؟ فإذا جُعِلت ثلاث حيض طال زمن انتظارها وحبسها عن--------------------------------------------
(1) رواه ابن ماجه (2077)، وجوّد سنده ابن التركماني في «الجوهر النقي» (7/ 426)، وصححه البوصيري في «مصباح الزجاجة» (2/ 130). وأغرب ابن حجر في «فتح الباري» (9/ 405)، فقطع أنه على شرط الشيخين! بل قال: «هو في أعلى درجات الصحة»! مع قوله في «بلوغ المرام» (1115): «ورواتُه ثقات، لكنه معلول». وأُراه تبع الحافظ النقّاد ابنَ عبد الهادي القائلَ في «المُحرَّر» (1084): «رواته ثقات، وقد أُعِلَّ». وكأنه يُشِير إلى إعلال شيخه ابن تيمية إياه، وله في ذلك بيانٌ متينٌ؛ فليُنظر في «مجموع فتاويه» (32/ 111 - 112)، وقد أفاد منه المصنِّف هنا في إعلال هذا الخبر. ويُنظر أيضًا: «تهذيب السنن» للمصنف (1/ 545).
(2) كذا في ع، والمطبوع. وفي النسخ الخطية والطبعات الأخرى: «ولم تَسَعْ» بإهمال العين، وهو أيضًا صحيح.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 371)

الأزواج. ولعلها تتذكر زوجها فيها، وترغب في رجعته، ويزول ما عندها من الوحشة. ولو قيل: «إن اعتداد المختلعة بثلاث حِيَض لهذا المعنى بعينه» لكان حسنًا على وفق حكمة الشارع. ولكن هذا مفقود في المسبيَّة والمهاجِرة والزانية والموطوءة بشبهة.
فإن قيل: فَهبْ أن هذا كلَّه قد سلِم لكم، فكيف يسلَم لكم في الآيسة والصغيرة التي لا يوطأ مثلها؟
قيل: هذا إنما يرِد على من جعَل علةَ العدَّة مجرد براءة الرحم فقط. ولهذا أجابوا عن هذا السؤال بأن العدة هاهنا شُرعت تعبدًا محضًا غيرَ معقول المعنى. وأما مَن جعل هذا بعض مقاصد العدَّة، وأن [291/أ] لها مقاصد أُخَر من تكميل شأن هذا العقد، واحترامه وإظهار خطره وشرفه= فجُعِل له(1) حريمٌ بعد انقطاعه بموت أو فرقة. فلا فرق في ذلك بين الآيسة وغيرها، ولا بين الصغيرة والكبيرة؛ مع أن المعنى الذي طُوِّلت له العدَّةُ في الحائض في الرجعية والمطلقة ثلاثًا موجودٌ بعينه في حقِّ الآيسة والصغيرة. وكان مقتضى الحكمة التي تضمَّنت النظر في مصلحة الزوج في الطلاق الرجعي، وعقوبته وزجره في الطلاق المحرَّم التسويةَ بين النساء في ذلك. هذا ظاهرٌ جدًّا، وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) يعني: «للعقد». في النسخ المطبوعة: «لهم»، وكأنَّ من غيَّر «له» أراد إصلاح السياق بإعادة الضمير إلى «من جعل»، وكون الفاء في «فجعل» داخلة على جواب «أمَّا». والحق أنه زاد السياق اختلالًا. ويبدو لي ــ والله أعلم ــ أن «وأن» في قوله: «وأن لها مقاصد أخر» تصحيف «قال». فيكون السياق هكذا: «وأما من جعل هذا بعض مقاصد العدَّة قال: لها مقاصد أخر … ».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 372)

فصل
وأما تحريم المرأة على الزوج بعد الطلاق الثلاث وإباحتها له بعد نكاحها للثاني، فلا يعرف حكمته إلا من له معرفة بأسرار الشريعة وما اشتملت عليه من الحِكم والمصالح الكلِّيّة. فنقول وبالله التوفيق:
لما كان إباحة فرج المرأة للرجل بعد تحريمه عليه ومنعه منه من أعظم نِعَم الله عليه وإحسانه إليه كان جديرًا بشكر هذه النعمة ومراعاتها، والقيام بحقوقها وعدم تعرُّضها(1) للزوال. وتنوَّعت الشرائع في ذلك بحسب المصالح التي علِمَها الله في كلِّ زمان ولكلِّ أمة. فجاءت شريعة التوراة بإباحتها له بعد الطلاق ما لم تتزوج. فإذا تزوجت حَرُمت عليه، ولم يبق له سبيل إليها. وفي ذلك من الحكمة والمصلحة ما لا يخفى. فإن الزوج إذا علِم أنه إذا طلَّق المرأةَ وصار(2) أمرها [291/ب] بيدها، وأن لها أن تنكح غيره، وأنها إذا نكحت غيره حَرُمت عليه أبدًا= كان تمسُّكُه بها أشدَّ، وحذرُه من مفارقتها أعظم. وشريعة التوراة جاءت بحسب الأمة الموسوية، فيها من الشدة والإصر ما يناسب حالهم. ثم جاءت شريعة الإنجيل بالمنع من الطلاق بعد التزوج البتة، فإذا تزوج بامرأة فليس له أن يطلِّقها.
ثم جاءت الشريعة الكاملة الفاضلة المحمدية، التي هي أكملُ شريعة نزلت من السماء على الإطلاق وأجلُّها وأفضلها وأعلاها وأقوَمها بمصالح العباد في المعاش والمعاد، بأحسن من ذلك كلِّه وأكملِه وأوفقِه للعقل--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «تعريضها».
(2) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة. والظاهر أن الواو قبل «صار» مقحمة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 373)

والمصلحة؛ فإن الله سبحانه أكمل لهذه الأمة دينها، وأتمَّ عليها نعمته، وأباح لها من الطيبات ما لم يُبِحه لأمة غيرها. فأباح للرجل أن ينكح من أطايب النساء أربعًا، وأن يتسرَّى من الإماء بما شاء، وليس التسرِّي في شريعة أخرى غيرها. ثم أكمل لعبده شرعَه، وأتمَّ عليه نعمته، بأن ملَّكه أن يفارق امرأته ويأخذ غيرها، إذ لعل الأولى لا تصلح له ولا توافقه، فلم يجعلها غُلًّا في عنقه، وقيدًا في رِجله، وإصرًا على ظهره. وشرع له فراقها على أكمل الوجوه لها وله، بأن يفارقها واحدةً، ثم تتربَّص ثلاثةَ قروء، والغالب أنها في ثلاثة أشهر. فإن تاقت نفسه إليها، وكان له فيها رغبة، وصرَف مقلبُ القلوب قلبَه إلى محبتها= وجد السبيلَ إلى ردِّها ممكنًا، والبابَ مفتوحًا، فراجع حبيبته(1)، [292/أ] واستقبل أمره، وعاد إلى يده ما أخرجته يدُ الغضب ونزغات الشيطان منها. ثم لا تؤمن غلَباتُ الطباع ونزَغاتُ الشيطان من المعاودة، فمُكِّن من ذلك أيضًا مرة ثانية. ولعلها أن تذوق من مرارة الطلاق وخراب البيت ما يمنعها من معاودة ما يُغضبه، ويذوق هو من ألم فراقها ما يمنعه من التسرُّع إلى الطلاق. فإذا جاءت الثالثة جاء ما لا مردَّ له من أمر الله، وقيل له: قد اندفعت حاجتك بالمرة الأولى والثانية، ولم يبق لك عليها بعد الثالثة سبيل. فإذا علم أن الثالثة فراقُ بينه وبينها وأنها القاضية أمسك عن إيقاعها.
فإنه إذا علم أنها بعد الثالثة لا تحِلُّ له إلا بعد تربُّص ثلاثة قروء، وتزوُّجٍ بزوجٍ راغبٍ في نكاحها وإمساكها، وأن الأول لا سبيل له إليها حتى يدخل بها الثاني دخولًا كاملًا يذوق فيه كلُّ واحد منهما عُسَيلةَ صاحبه بحيث يمنعهما ذلك من تعجيل الفراق، ثم يفارقها بموت أو طلاق أو خلع،--------------------------------------------
(1) ح: «حبيبه».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 374)

ثم تعتدُّ من ذلك عدّةً كاملةً= تبيَّن له حينئذ يأسُه بهذا الطلاق الذي هو من أبغض الحلال إلى الله، وعلِمَ كلُّ واحد منهما أنه لا سبيل له إلى العود بعد الثالثة، لا باختياره ولا باختيارها. وأكَّد هذا المقصود بأن لعن الزوج الثاني إذا لم ينكِح نكاحَ رغبةٍ يقصد فيه الإمساك، بل نكَح نكاحَ تحليل؛ ولعن الزوجَ الأول إذا ردَّها بهذا النكاح. بل ينكحها الثاني كما نكحها الأول، ويطلِّقها كما [292/ب] طلَّقها الأول. وحينئذ فتباح للأول، كما تباح لغيره من الأزواج.
وأنت إذا وازنت بين هذا وبين الشريعتين المنسوختين، ووازنت بينه وبين الشريعة المبدَّلة المبيحة ما لعنَ اللهُ ورسولُه فاعلَه= تبيَّن لك عظمة هذه الشريعة وجلالتها، وهيمنتها على سائر الشرائع، وأنها جاءت على أكمل الوجوه وأتمِّها وأحسنها وأنفعها للخلق، وأن الشريعتين المنسوختين خير من الشريعة المبدَّلة، فإن الله سبحانه شرعهما في وقت، ولم يشرع المبدَّلة أصلًا.
وهذه الدقائق ونحوها مما يختصُّ الله سبحانه بفهمه من شاءَ(1)؛ فمن وصل إليها فليحمد الله، ومن لم يصل إليها فليسلِّم لأحكم الحاكمين وأعلم العالمين، وليعلم أن شريعته فوقَ عقول العقلاء، ووَفْقَ(2) فِطَرِ الألبَّاء(3).
وقل للعيون الرُّمْدِ لا تتقدَّمي … إلى الشمس واستغشِي ظلامَ اللياليا--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «يشاء».
(2) في المطبوع: «وفوق» متابعةً لنشرة الشيخ عبد الرحمن الوكيل. والواو قبل «وفق» ساقطة من نشرة الشيخ محمد محيي الدين.
(3) ع: «الأولياء»، تحريف.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 375)

وسامِحْ ولا تنكِرْ عليها وخَلِّها … وإن أنكرت حقًّا فقُلْ خَلِّ ذا ليا(1)

غيره(2):
عاب التفقُّهَ قومٌ لا عقول لهم … وما عليه إذا عابوه من ضَرَرِ
ما ضرَّ شمسَ الضحى والشمسُ طالعةٌ … أن لا يرى ضوءَها مَن ليس ذا بَصَرِ(3)

فصل
وأما إيجابه لغسل المواضع التي لم تخرج منها الريح، وإسقاطه غسل الموضع الذي خرجت منه، فما أوفقه للحكمة، وما أشدَّه مطابقةً للفطرة! فإن حاصل السؤال: لم كان الوضوء في هذه الأعضاء الظاهرة دون باطن المقعدة، [293/أ] مع أن باطن المقعدة أولى بالوضوء من الوجه واليدين والرجلين؟ وهذا سؤال معكوس، من قلب منكوس(4)؛ فإن من محاسن الشريعة أن كان الوضوء في الأعضاء الظاهرة المكشوفة، وكان أحقُّها به إمامَها ومقدَّمَها في الذكر والفعل، وهو الوجه الذي نظافته ووضاءته عنوان على نظافة القلب. وبعده اليدان، وهما آلة البطش والتناول والأخذ، فهما أحقُّ الأعضاء بالنظافة والنزاهة بعد الوجه. ولما كان الرأسُ مجمعَ الحواسِّ وأعلى البدن وأشرفَه كان أحقَّ بالنظافة، لكن لو شَرَع غسلَه في الوضوء--------------------------------------------
(1) البيتان مع خلاف في اللفظ من قصيدة في «مدارج السالكين» (3/ 33) يبدو أنها للمؤلف نفسه. والبيت الأول في «زاد المعاد» (3/ 37) أيضًا.
(2) «غيره» من ت وحدها.
(3) البيتان لمنصور الفقيه في «شعره» (ص 103).
(4) «من قلب منكوس» ساقط من ع.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 376)

لعظمت المشقة، واشتدَّت البلية، فشرَع مسحَ جميعه، وأقامه مقامَ غسله تخفيفًا ورحمةً، كما أقام المسحَ على الخفين مقام غسل الرجلين.
ولعل قائلًا يقول: وما يجزئ(1) مسح الرأس والرجلين من الغسل والنظافة؟ ولم يعلم هذا القائل أن إمساس العضو بالماء امتثالًا لأمر الله وطاعةً له وتعبُّدًا يؤثِّر في نظافته وطهارته ما لا يؤثِّر غسلُه بالماء والسِّدر بدون هذه النية، والتحاكمُ في هذا إلى الذوق السليم والطبع المستقيم؛ كما أنَّ مَعْكَ الوجهِ بالتراب امتثالًا للأمر وطاعةً وعبوديةً تُكْسِبه وضاءةً ونظافةً وبهجةً تبدو على صفحاته للناظرين. ولما كانت الرجلان تمسُّ الأرض غالبًا، وتباشر من الأدناس ما لا تباشره بقيةُ الأعضاء= كانت أحقَّ بالغسل. ولم يوفَّق للفهم عن الله ورسوله مَن اجتزأ بمسحهما [293/ب] من غير حائل.
فهذا وجه اختصاص هذه الأعضاء بالوضوء من بين سائرها من حيث المحسوس. وأما من حيث المعنى فهذه الأعضاء هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يريد فعله، وبها يُعصَى الله سبحانه ويطاع. فاليد تبطش، والرِّجل تمشي، والعين تنظر، والأذن تسمع، واللسان يتكلم. فكان في غسل هذه الأعضاء امتثالًا لأمر الله، وإقامةً لعبوديته ما يقتضي إزالةَ ما لحقها من دَرَن المعصية ووسخها.
وقد أشار صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه إلى هذا المعنى بعينه حيث قال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه»(2) عن عمرو بن عَبَسة قال: قلت: يا رسول الله حدِّثني عن الوضوء. قال: «ما--------------------------------------------
(1) ح، ف: «يجدي» بالدال.
(2) برقم (832).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 377)

منكم من رجل يقرِّب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر [إلا خرَّت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثم إذا غسَل وجهه كما أمره الله](1) إلا خرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرَّت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح برأسه إلا خرَّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرَّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء. فإن هو قام، فصلَّى، فحمِد الله وأثنى عليه ومجَّده بالذي هو له أهل(2) وفرَّغ قلبه لله= إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمُّه».
وفي «صحيح مسلم»(3) أيضًا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأ العبد المسلم ــ أو المؤمن ــ فغسَلَ وجهَه خرج من وجهه كلُّ خطيئة نظَر [294/أ] إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخرِ قَطْرِ الماء. فإذا غسل يديه خرج من يديه كلُّ خطيئة كان بطشَتْها يداه مع الماء أو مع آخر قَطْرِ الماء. فإذا غسل رجليه خرجت كلُّ خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قَطْرِ الماء؛ حتى يخرج نقيًّا من الذنوب».
وفي «مسند الإمام أحمد»(4) عن عقبة بن عامر قال: سمعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور، وعليه عُقَد. فيتوضأ، فإذا وضَّأ يديه انحلَّت عقدة، وإذا وضَّأ وجهَه انحلَّت عقدة، وإذا مسحَ رأسه انحلَّت عقدة، وإذا وضَّأ رجليه انحلَّت عقدة. فيقول--------------------------------------------
(1) الظاهر أن ما بين الحاصرتين ساقط من النسخ لانتقال النظر.
(2) ت: «بالذي هو أهله». وفي النسخ المطبوعة: «بالذي هو أهله أو هو له أهل»!
(3) برقم (244).
(4) برقمي (17458، 17791)، وصححه ابن حبان (193).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 378)

الربُّ عز وجل للذي(1) وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا، يعالج نفسَه. ما سألني عبدي هذا فهو له».
وفيه(2) أيضًا عن أبي أمامة يرفعه: «أيُّما رجلٍ قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفَّيه نزلت خطيئته من كفَّيه مع أول قطرة. فإذا مضمض(3) واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة. فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرة. فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلِمَ من كلِّ ذنب هو له ومن كلِّ خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه. فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالمًا».
وفيه أن مقصود المضمضة كمقصود غسل الوجه واليدين سواء، وأن(4) حاجة [294/ب] اللسان والشفتين إلى الغسل كحاجة بقية الأعضاء. فمَن أنكَسُ قلبًا وأفسَدُ فطرةً وأبطَلُ قياسًا ممن يقول: إن غسل باطن المقعدة أولى من غسل هذه الأعضاء، وإن الشارع فرَّق بين المتماثلين؟ هذا إلى ما في غسل هذه الأعضاء المقارن لنية التعبُّد لله من انشراح القلب وقوته، واتساع الصدر، وفرح النفس، ونشاط الأعضاء؛ فتميزت عن سائر الأعضاء بما أوجب غسلَها دون غيرها. وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، و «صحيح ابن حبان» (1052، 2555). وفي «مسند أحمد»: «الذين»، وكذا في «موارد الظمآن» (168).
(2) برقم (22267)، وفي سنده شهر بن حوشب، وفيه لِينٌ. ويُنظر: «السنن الكبرى» للنسائي (10575).
(3) في النسخ المطبوعة: «تمضمض».
(4) ضبطت في ح بكسر الهمزة: «إن».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 379)

فصل
وأما اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه، دون غيره؛ فيقال: أين في نصوص الشارع هذا التفريق؟ بل نصُّه على اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه، إما من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره بطريق الأولى؛ فإنه إذا دفَعت توبتُه عنه حدَّ حِرابه(1) مع شدة ضررها وتعدِّيه، فلأن تدفع التوبةُ ما دون حدِّ الحِراب بطريق الأولى والأحرى. وقد قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»(2). والله تعالى جعل الحدودَ عقوبةً لأرباب الجرائم، ورفَع العقوبةَ عن التائب شرعًا وقدرًا، فليس في شرع الله ولا قدره عقوبةُ تائب البتة.
وفي «الصحيحين»(3) من حديث أنس قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ، قال: ولم يسأله عنه. فحضرت [295/أ] الصلاة، فصلَّى مع النبي صلى الله عليه وسلم. فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قام إليه الرجل، فأعاد قوله. قال: «أليس قد صلَّيتَ معنا؟». قال: نعم. قال: «فإن الله عز وجل قد غفر لك ذنبك». فهذا لما جاء تائبًا بنفسه من غير أن يُطلَب غفَر الله له، ولم يُقَمْ عليه الحدُّ الذي اعترف به. وهذا(4) أحد القولين--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: «دُفعت توبته عند حد حرابه»، وهو خطأ.
(2) سبق تخريجه.
(3) البخاري (6823) ومسلم (2764).
(4) في النسخ المطبوعة: «وهو».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 380)

في المسألة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب(1).
فإن قيل: فماعزٌ جاء تائبًا والغامديةُ جاءت تائبةً، وأقام عليهما الحد.
قيل: لا ريب أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحدَّ أقيم عليهما، وبهذا احتجَّ أصحاب القول الآخر. وسألتُ شيخنا عن ذلك، فأجاب بما مضمونه أنَّ الحدَّ مطهِّر، والتوبة(2) مطهِّرة، وهما اختارا التطهير بالحدِّ على التطهير بمجرد التوبة، وأبَيا إلا أن يطهَّرا بالحدّ. فأجابهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحدِّ، فقال في حقِّ ماعز: «هلا تركتموه يتوب، فيتوب الله عليه»(3). ولو تعيَّن الحدُّ بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مخيَّر بين أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به: «اذهَبْ، فقد غفر الله لك» وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته وأبَيَا إلا التطهير به. ولذلك ردَّهما النبيُّ صلى الله عليه وسلم مرارًا، وهما يأبيان--------------------------------------------
(1) انظر: «الروايتين والوجهين» (2/ 304) و «مجموع الفتاوى» (16/ 31). وستأتي المسألة مرة أخرى في كتابنا هذا.
(2) في النسخ المطبوعة: «بأن الحد مطهر وأن التوبة».
(3) رواه أحمد (21890، 21892)، وأبو داود (4419)، والنسائي في «السنن الكبرى» (7234) من طرق عن يزيد بن نعيم الأسلمي، عن أبيه به. وصححه الحاكم (4/ 363)، وحسنه ابن حجر في «التلخيص الحبير» (4/ 107).
ويُنظر: «المسند» لأحمد (15555، 21891)، و «التاريخ» لابن أبي خيثمة (2491 - السِّفْر الثاني)، و «السنن» لأبي داود (4420)، و «الجامع» للترمذي (1428)، و «السنن الكبرى» للنسائي (7235 - 7240)، و «معجم الصحابة» لابن قانع (3/ 150، 208)، و «معرفة الصحابة» لأبي نعيم (6390، 6572، 6573)، و «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (4/ 535 - 536).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 381)

إلا إقامته عليهما. وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة، وبين مسلك من يقول: لا أثر للتوبة في [295/ب] إسقاطه البتة. وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط، والله أعلم.
فصل
وأما قوله: «وقبل شهادة العبد عليه صلى الله عليه وسلم بأنه قال: كذا وكذا، ولم يقبل شهادته على واحد من الناس بأنه قال: كذا وكذا». فمضمون السؤال أن رواية العبد مقبولة دون شهادته.
والجواب: أنه لا يلزم الشارعَ قولُ فقيه معيَّن(1) ولا مذهب معيَّن. وهذا المقام لا يُنتصَر(2) فيه إلا لله(3) ورسوله فقط. وهذا السؤال كذِبٌ على الشارع، فإنه لم يأت عنه حرف واحد أنه قال: لا تقبلوا شهادة العبد، بل رُدُّوها، ولو كان عالمًا مفتيًا(4) من أولياء الله، ومن أصدق الناس لهجة؟ بل الذي دلَّ عليه كتابُ الله، وسنةُ رسوله، وإجماعُ الصحابة، والميزانُ العادلُ= قبولُ شهادة العبد فيما تقبل فيه شهادةُ الحُرِّ، فإنه من رجال المؤمنين، فيدخل في قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] كما دخل في قوله: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} [الأحزاب: 40]. وهو عدلٌ بالنص والإجماع، فيدخل في قوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «بعينه»!
(2) ح، ف: «ينصر».
(3) في المطبوع: «لا يَقضِ فيه إلا الله»!
(4) في ع زيادة: «فقيهًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 382)

[الطلاق: 2] كما دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه»(1). ويدخل في قوله: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 2] وفي قوله: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} [البقرة: 283] وفي قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} الآية [النساء: 135]، كما دخل في جميع ما فيها من [296/أ] الأوامر. ويدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: «فإن شهد ذوا عدلٍ فصُوموا وأفطروا»(2).
وقال أنس بن مالك: ما علمتُ أحدًا رَدَّ شهادةَ العبد. رواه الإمام أحمد عنه(3). وهذا أصحُّ من غالب الإجماعات التي يدعيها المتأخرون.
فالشهادة على الشارع بأنه أبطَلَ شهادةَ العبد وردَّها شهادةٌ بلا علم. ولم يأمر الله بردِّ شهادة صادقٍ أبدًا، وإنما أمرَ بالتثبُّت في شهادة الفاسق.
فصل
وأما إيجاب الشارع الصدقةَ في السائمة وإسقاطها عن العوامل، فقد اختُلِفَ في هذه المسألة للاختلاف في الحديث الوارد فيها. وفي الباب حديثان:--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) رواه ابن أبي شيبة في «المسند» (960)، والدارقطني في «السنن» (2193) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن بعض الصحابة مرفوعا. وهو عند أحمد (18895)، والنسائي (2116) بمعناه. ويُنظر: «السنن» للدارقطني (2191، 2192)، و «تحفة الأشراف» للمزي (11/ 178)، و «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (3/ 216)، و «بغية الباحث» للهيثمي (316).
(3) سبق تخريجه.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 383)

أحدهما: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه يرفعه: «ليس في الإبل العوامل صدقة». رواه الدارقطني(1) من حديث غالب بن عبيد الله عن عمرو.
والثاني: حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا: «ليس في البقر العوامل شيء». رواه أبو داود(2): حدثنا النُفَيلي، ثنا زُهَير، ثنا أبو إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة وعن الحارث عن علي، قال زهير: أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على العوامل شيء». قال أبو داود: وروى حديث النفيلي شعبة وسفيان(3) وغيرهما عن أبي إسحاق، عن عاصم(4)، عن علي، لم يرفعوه.
ورواه نُعَيم بن حماد: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي موقوفًا: ليس في الإبل العوامل، ولا في البقر--------------------------------------------
(1) برقم (1938)، ورواه أيضًا ابن عدي في «الكامل» (7/ 111 - 112) ــ ومن طريقه البيهقي (4/ 116) ــ. ووقع عندهم: (غالب القطان)، فقال الدارقطني: «كذا قال: (غالب القطان)، وهو عندي: (غالب بن عبيدالله)، والله أعلم».وغالب بن عبيد الله هذا تالف هالك. ويُنظر: مقدمة «المسند الصحيح» لمسلم (1/ 18)، و «البدر المنير» (5/ 460 - 461)، و «إتحاف المهرة» (9/ 480)، و «التلخيص الحبير» (2/ 307).
(2) في «السنن» (1572)، وصححه ابن خزيمة (2270) وابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (5/ 285). ويُنظر: «الأموال» لابن زنجويه (1473، 1475)، و «العلل» للدارقطني (4/ 73 - 75)، و «السنن» له (1941)، و «السنن الكبير» للبيهقي (4/ 116)، و «معرفة السنن والآثار» له (3/ 260)، و «الأحاديث المختارة» للضياء المقدسي (2/ 152 - 154)، و «التلخيص الحبير» لابن حجر (2/ 307).
(3) رواه عبد الرزاق (6829) عن معمر والثوري، عن أبي إسحاق به موقوفًا.
(4) زِيد بعده في النسخ المطبوعة: «بن ضمرة».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 384)

العوامل صدقة(1).
ورواه الدارقطني(2) من [296/ب] حديث صقر بن حبيب: سمعتُ أبا رجاء، عن ابن عباس، عن عليٍّ مرفوعًا(3).
قال ابن حبان(4): ليس هو من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما يُعرَف بإسناد منقطع فقلبه(5) الصقر(6) على أبي رجاء(7)، وهو يأتي بالمقلوبات.--------------------------------------------
(1) رواه البيهقي (4/ 116)، وفي «معرفة السنن والآثار» (3/ 260) من طريق نُعيم به.
وتابع نُعيمًا على طرفه الثاني: أبو عبيد في «الأموال» (969)، وابن أبي شيبة (10046)، والحسين بن أبي زيد (منصور الدبّاغ) عند الدارقطني (1941).
(2) في «السنن» (1907)، وفي «المؤتلف والمختلف» (3/ 1182 - 1183) ــ ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» (954، 964) وفي «العلل المتناهية» (822) ــ، وفي سنده أحمد بن الحارث الغساني الغنوي البصري، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (2/ 2): «فيه بعض النظر». وقال أبو حاتم كما في «الجرح والتعديل» (2/ 47): «متروك». وشيخُه ابن حبيب، قال ابن حبان: «يُخالف الثقات في الروايات، ويأتي بالمقلوبات عن الأثبات». ويُنظر: «معرفة المجروحين» لابن حبان (1/ 375)، و «تعليقات الدارقطني عليه» (ص 136)، و «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (3/ 426 - 427)، و «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (3/ 41 - 42).
(3) ع: «موقوفًا»، وكذا في الطبعات القديمة، وهو خطأ.
(4) في «معرفة المجروحين» (1/ 375)، ولكن المؤلف صادر هنا عن كتاب «التحقيق» لابن الجوزي (2/ 34).
(5) ع: «نقله»، وكذا في الطبعات القديمة. وفي غيرها: «يقلبه»، وكذا في المطبوع. وهو تصحيف ما أثبتّه من مصدر النقل. وفي «المجروحين»: «فقلب هذا الشيخ على أبي رجاء».
(6) كذا، وإنما سمّاه ابن حبان في «معرفة المجروحين» (1/ 375) الصعق، فقال الدارقطني في «تعليقاته عليه» (ص 136): «هو الصقر بن حبيب».
(7) ع: «عن أبي رجاء». وكذا في النسخ المطبوعة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 385)

وروي من حديث جابر(1)، وابن عباس(2) مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أشبه.
وبعدُ، فللعلماء في المسألة قولان: فقال مالك في «موطئه»(3): النواضح والبقر السواني وبقر الحرث، إني أرى أن يؤخذ من ذلك كلِّه الزكاة إذا وجبت فيه الصدقة. قال ابن عبد البر(4): «وهذا قول الليث بن سعد، ولا أعلم أحدًا قال به من فقهاء الأمصار غيرَهما. وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأصحابه(5) والأوزاعي وأبو ثور وأحمد وأبو عبيد وإسحاق وداود: لا زكاة في البقر العوامل، ولا الإبل العوامل(6)، وإنما الزكاة في السائمة منها. وروي قولهم ذلك عن طائفة من الصحابة، منهم--------------------------------------------
(1) رواه الدارقطني (1944) ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» (960). ورفعُه منكر ظاهر النكارة، والمحفوظ بذاك السندِ نفسِه: موقوفٌ. وقال البيهقي (4/ 116): «وفي إسناده ضعفٌ، والصحيحُ: موقوفٌ». وسيأتي تخريجه بعد حديثين.
(2) رواه الطبراني (10974)، وابن عدي (4/ 534)، والدارقطني (1939) ــ ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» (959) ــ من رواية سوار بن مصعب، عن ليث، عن مجاهد وطاوس، عن ابن عباس مرفوعا! وآفتُه سوار بن مصعب، وهو متروك، والمحفوظ عن ليث روايتُه إيّاه عن طاوس مقطوعا، وعن طاوس عن معاذ موقوفا منقطعا. على أن ليثًا (وهو ابن أبي سُليم) ضعيفٌ صاحبُ تخليط، لكن البليّة في رفع هذا الحديث من سوار.
(3) طبعة محمد فؤاد عبد الباقي (1/ 262).
(4) في «الاستذكار» (3/ 193).
(5) لم يرد «وأصحابه» في مطبوعة «الاستذكار».
(6) «ولا الإبل العوامل» لم يرد في مطبوعة «الاستذكار».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 386)

علي(1) وجابر(2) ومعاذ بن جبل(3). وكتب عمر بن عبد العزيز أنه ليس في البقر العوامل صدقة(4)»(5).
وحجة هؤلاء مع الأثر النظر، فإنَّ ما كان من المال مُعَدًّا(6) لنفع صاحبه به، كثياب بِذلته، وعَبيد خدمته، وداره التي يسكنها، ودابته التي يركبها، وكتبه التي ينتفع بها وينفَع(7) = فليس فيها زكاة. ولهذا لم يكن في حُلِيِّ المرأة التي تلبسه وتعيره زكاة. فطردُ هذا أنه لا زكاة في بقر حرثه وإبله التي يعمل فيها [297/أ] بالدولاب وغيره. فهذا محض القياس، كما أنه موجب النصوص. والفرق بينها وبين السائمة ظاهر، فإن هذه مصروفة عن جهة النماء إلى العمل، فهي كالثياب والعبيد والدار. والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
(1) رواه عبد الرزاق (6829)، وأبو عبيد في «الأموال» (969)، وابن أبي شيبة (10046)، وابن زنجويه في «الأموال» (1473، 1475)، والدارقطني في «السنن» (1941)، والبيهقي في «السنن الكبير «» (4/ 116) وفي «معرفة السنن والآثار» (3/ 260).
(2) رواه عبد الرزاق (6828)، وأبو عبيد في «الأموال» (975، 976)، وابن أبي شيبة (10055)، وابن زنجويه في «الأموال» (1447، 1448، 1476)، والدارقطني (1942)، والبيهقي (4/ 116، 117) موقوفًا، وصححه ابن خزيمة (2271)، والبيهقي (4/ 116، 117) وفي «معرفة السنن والآثار» (3/ 261).
(3) رواه عبد الرزاق (6830)، وابن أبي شيبة (10047)، وابن زنجويه في «الأموال» (1474).
(4) رواه أبو عبيد في «الأموال» (972، 973)، وابن أبي شيبة (10049)، وابن زنجويه في «الأموال» (1450، 1483).
(5) هنا انتهى النقل من «الاستذكار».
(6) في المطبوع: «معدٌّ»، وهو غلط.
(7) «وينفع» ساقط من ع. وفي النسخ المطبوعة: «وينفع غيره» بزيادة «غيره».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 387)