Arabic source text

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

📘 أعلام الموقعين عن رب العالمين - ط عطاءات العلم (ابن القيم - ت 751 هـ)

📘 ইলামুল মুওয়াক্কিঈনা আন রাব্বিল আলামীন - ত্বা আতাআতিল ইলম (ইবনুল কাইয়্যিম - মৃত্যু 751 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وأيضًا فإنه إنما أثبت له على البائع حقَّ العرض عليه إذا أراد [329/ب] البيع، فأين حق الانتزاع(1) من المشتري؟ ولا يلزم من ثبوت هذا الحقِّ ثبوتُ حقِّ الانتزاع.
فهذا منتهى إقدام الطائفتين في هذه المسألة.
والصواب: القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه، وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث، أنه إن كان بين الجارين حقٌّ مشترَك من حقوق الأملاك من طريق أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة، وإن لم يكن بينهما حقٌّ مشتركٌ البتةَ، بل كلُّ واحد متميِّزٌ(2) ملكُه وحقوقُ ملكه= فلا شفعة، وهذا الذي نصَّ عليه أحمد في رواية أبي طالب(3)، فإنه سأله عن الشفعة: لمن هي؟ فقال: إذا كان طريقُهما واحدًا. فإذا صُرِّفت الطرق وعُرفت الحدود فلا شفعة.
وهذا قول عمر بن عبد العزيز(4)، وقول القاضيين سوَّار بن عبد الله، وعبيد الله بن الحسن العنبري.
وقال أحمد في رواية ابن مُشَيش: أهل البصرة يقولون: إذا كان الطريق واحدًا كان بينهم الشفعة مثل دارنا هذه، على معنى حديث جابر الذي يحدِّثه عبد الملك، انتهى.--------------------------------------------
(1) ع: «ثبوت حق الانتزاع». وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ المطبوعة: «بل كان كلُّ واحد منهما متميزًا».
(3) نقلها ابن مفلح في «الفروع» (7/ 270). وانظر: «مسائل ابن هانئ» (ص 299).
(4) رواه عبد الرزاق (14394، 14395)، وابن أبي شيبة (23194).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 468)

فأهلُ الكوفة يُثبِتون شفعةَ الجوار مع تميز الطرق والحقوق. وأهلُ المدينة يُسقِطونها مع الاشتراك في الطريق والحقوق. وأهلُ البصرة يوافقون أهلَ المدينة إذا صُرِّفت الطرق ولم يكن هناك اشتراكٌ في حقٍّ من حقوق الأملاك، ويوافقون أهلَ الكوفة إذا اشترك الجاران في حقٍّ من حقوق الأملاك كالطريق وغيرها. وهذا [330/أ] هو الصواب، وهو أعدَلُ الأقوال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية(1).
وحديث جابر الذي أنكره من أنكره على عبد الملك صريح فيه، فإنه قال: «الجار أحَقُّ بسَقَبه، يُنتظر به وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا»، فأثبت الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق. ونفاها به مع اختلاف الطريق بقوله: «فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة». فمفهوم حديث عبد الملك هو بعينه منطوق حديث أبي سَلَمة، فأحدُهما يصدِّق الآخر ويوافقه، لا يعارضه ويناقضه، وجابرٌ روى اللفظين. فالذي دلَّ عليه حديثُ أبي سلمة عنه من إسقاط الشفعة عند تصريف الطرق وتمييز الحدود هو بعينه الذي دلَّ عليه حديثُ عبد الملك عن عطاء عنه بمفهومه. والذي دلَّ عليه حديثُ عبد الملك بمنطوقه هو الذي دلَّت عليه سائر أحاديث جابر بمفهومها. فتوافقت السنن وائتلفت بحمد الله(2)، وزال عنها ما يظَنُّ بها من التعارض. وحديثُ أبي رافع الذي رواه البخاري يدلُّ على مثل ما دلَّ عليه حديثُ عبد الملك، فإنه دلَّ على الأخذ بالجوار حالة الشركة في الطريق،--------------------------------------------
(1) انظر: «اختيارات البعلي» (ص 167) و «تهذيب السنن» (2/ 540 - 541). وسيأتي الكلام مرة أخرى في فصل الحيل.
(2) في النسخ المطبوعة: «بحمد الله وائتلفت».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 469)

فإن البيتين كانا في نفس دار سعد، والطريق واحد بلا ريب.
والقياس الصحيح يقتضي هذا القول، فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك، والضرر الحاصل بالشركة فيها نظير الضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه، ورفعه [330/ب] مصلحة الشريك(1) من غير مضرَّة على البائع ولا على المشتري. فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه.
فهذا المذهب أوسط المذاهب، وأجمعها للأدلة، وأقربها إلى العدل. وعليه يحمل الاختلاف عن عمر رضي الله عنه. فحيث قال: «لا شفعة»(2) ففيما إذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق، وحيث أثبتها ففيما إذا لم تصرَّف الطرق؛ فإنه قد روي عنه هذا وهذا(3). وكذلك ما روي عن علي، فإنه قال: «إذا حُدَّت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة»(4).
ومن تأمل أحاديث شفعة الجوار رآها صريحة في ذلك، وتبيَّن له بطلانُ--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «للشريك».
(2) سبق تخريجه.
(3) رواه النسائي في «السنن الكبرى» [كما في «تحفة الأشراف» للمزي 8/ 29)] من طريق شريح بن الحارث، عنه. وقال ابن كثير في «مسند الفاروق» (2/ 36): إسنادٌ صحيحٌ.
(4) لم أره عن علي رضي الله عنه، وإنما وجدتُ نحوَه من كلام عمر وعثمان رضي الله عنهما، وقد أشار إلى قولهما الترمذي في «الجامع» عَقِبَ الحديث (1370)، ولم يذكر معهما عليًّا ويُنظر: «الموطأ» لمالك (2650)، و «المصنَّف» لعبد الرزاق (14392، 14393، 14426)، و «المصنّف» لابن أبي شيبة (23191، 23192، 23195)، وما تقدّم (ص 991 - 993).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 470)

حملها على الشريك وعلى حق الجوار غير الشفعة، وبالله التوفيق.
فإن قيل: بقي عليكم أن في حديث جابر وأبي هريرة: «فإذا وقعت الحدود فلا شفعة»، فأسقط الشفعة بمجرَّد وقوع الحدود، وعند أرباب هذا القول إذا حصل الاشتراك في الطريق فالشفعة ثابتة، وإن وقعت الحدود؛ وهذا خلاف الحديث.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن من الرواة من اختصر أحد اللفظين، ومنهم من جوَّد الحديث فذكَرهما، ولا يكون إسقاط من أسقط أحد اللفظين(1) مبطلًا لحكم اللفظ الآخر.
الثاني: أن تصريف الطرق داخل في وقوع الحدود، فإن الطريق إذا كانت مشتركة لم تكن الحدود كلُّها واقعة، بل بعضها حاصل، وبعضها منتفٍ. فوقوع [331/أ] الحدود من كلِّ وجه يستلزم أو يتضمَّن تصريف الطرق. والله أعلم.
فصل
وأما قوله: «وحرَّم صومَ أول يومٍ من شوال، وفرَضَ صومَ آخر يوم من رمضان مع تساويهما»، فالمقدمة الأولى صحيحة، والثانية كاذبة. فليس اليومان متساويين، وإن اشتركا في طلوع الشمس وغروبها. فهذا يومٌ من شهر الصيام الذي فرضه الله على عباده، وهذا يومُ عيدِهم وسرورِهم الذي جعله الله تعالى شكرانَ صومهم وإتمامَه، فهم فيه أضيافه سبحانه. والجواد--------------------------------------------
(1) ت: «اللفظتين». ح، ف: «إحدى اللفظتين».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 471)

الكريم يحبُّ من ضيفه أن يقبل قِراه، ويكره أن يمتنع من قبول ضيافته بصوم أو غيره، ويكره للضيف أن يصوم إلا بإذن صاحب المنزل. فمن أعظم محاسن الشريعة فرضُ صوم آخرِ يوم من رمضان، فإنه إتمامٌ لما أمرَ الله به وخاتمةُ العمل؛ وتحريمُ صومِ أولِ يومٍ من شوال، فإنه يومٌ يكون فيه المسلمون أضيافَ ربِّهم تبارك وتعالى، وهم في شكرانِ نعمته عليهم. فأيُّ شيء أبلغ وأحسن من هذا الإيجاب والتحريم؟
فصل
وأما قوله: «وحرَّم عليه نكاحَ بنتِ أخيه وأخته، وأباح له نكاح بنت أخي أبيه وأختِ أمه(1)، وهما سواء»، فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية كاذبة. فليستا سواءً في نفس الأمر، ولا في العُرف، ولا في العقول، ولا في الشريعة. وقد فرَّق الله سبحانه بين القريب والبعيد شرعًا وقدرًا وعقلًا وفطرةً. ولو تساوت القرابة لم يكن فرقٌ بين البنت وبنت [331/ب] الخالة وبنت العمة، وهذا من أفسد الأمور. والقرابة البعيدة بمنزلة الأجانب، فليس من الحكمة والمصلحة أن تُعطَى حكمَ القرابة القريبة. وهذا مما فطَر الله عليه العقلاء، وما خالف شرعَه في ذلك فهو إما مجوسيةٌ تتضمَّن التسوية بين البنت والأم وبنات الأعمام والخالات في نكاح الجميع، وإما حرجٌ عظيمٌ على العباد في تحريم نكاح بنات أعمامهم وعمَّاتهم وأخوالهم وخالاتهم؛ فإن الناس ــ ولا سيما العرب ــ أكثرهم بنو عمٍّ بعضُهم لبعض،--------------------------------------------
(1) يعني: «وبنت أخت أمه»، كما عنى من قبل «وبنت أخته». وأثبتوا في النسخ المطبوعة: «وبنت أخت أمه»، زادوا كلمة «بنت» هنا وتركوها في الجملة السابقة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 472)

إما بنوّةُ عمٍّ دانية وإما قاصية. فلو مُنعوا من ذلك لكان عليهم فيه حرج(1) وضيق. فكان ما جاءت به الشريعة أحسنَ الأمور وألصقَها بالعقول السليمة والفِطَر المستقيمة. والحمد لله رب العالمين.
فصل
وأما قوله: «وحمَّل العاقلةَ جنايةَ الخطأ على النفوس دون الأموال»، فقد تقدَّم أن هذا من محاسن الشريعة، وذكرنا [من](2) الفرق بين الأموال والنفوس ما أغنى عن إعادته.
فصل
وأما قوله: «وحرَّم وطءَ الحائض لأجل الأذى، وأباح وطءَ المستحاضة مع وجود الأذى، وهما متساويان»، فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية فيها إجمال. فإن أريد أن أذى الاستحاضة مساوٍ لأذى الحيض كذبت المقدمة، وإن أريد أنه نوع آخر من الأذى لم يكن التفريق بينهما تفريقًا بين المتساويين، فبطل سؤاله على كلا التقديرين.
ومن حكمة [332/أ] الشارع تفريقه بينهما، فإن أذى الحيض أعظم وأدوَم وأضَرّ من أذى الاستحاضة. ودمُ الاستحاضة عِرق، وهو في الفرج بمنزله الرعاف في الأنف، وخروجه مضر، وانقطاعه دليل على الصحة؛ ودمُ الحيض عكس ذلك، فلا يستوي(3) الدمان حقيقةً ولا عرفًا ولا حكمًا ولا--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «عظيم».
(2) ما بين الحاصرتين من النسخ المطبوعة.
(3) ع: «ولا يستوي»، وكذا في النسخ المطبوعة.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 473)

سببًا. فمن كمال الشريعة تفريقها بين الدمين في الحكم، كما افترقا في الحقيقة. وبالله التوفيق.
فصل(1)
وأما قوله: «وحرَّم بيعَ مُدِّ حنطة بمُدٍّ وحُفنة، وجوَّز بيعه بقَفيز شعير»، فهذا من محاسن شريعته(2) التي لا يهتدي إليها إلا أولو العقول الوافرة. ونحن نشير إلى حكمة ذلك إشارةً بحسب عقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة، وشرعُ الرب تعالى وحكمته فوق عقولنا وعباراتنا، فنقول:
الربا نوعان: جلي وخفي. فالجليُّ حُرِّم لما فيه من الضرر العظيم(3). والخفيُّ حُرِّم، لأنه ذريعة إلى الجلي. فتحريم الأول قصدًا، وتحريم الثاني وسيلةً.
فأما الجليُّ فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل أن يؤخِّر دينه ويزيده في المال، وكلما أخَّره زاد في المال، حتى تصير المائة عنده آلافًا مؤلفةً. وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدِم محتاج. فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادةٍ يبذلها له تكلَّفَ بذلَها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتدُّ ضررُه، وتعظمُ مصيبتُه، ويعلوه الدَّينُ حتى يستغرق جميع موجوده. فيربو [332/ب] المالُ على المحتاج من غير نفعٍ يحصل له، ويزيد مالُ المرابي من غير نفعٍ يحصل--------------------------------------------
(1) هذا الفصل وما يليه مأخوذ من تفسير شيخ الإسلام لآية الربا، وهو منشور ضمن «جامع المسائل» (8/ 271 - 330) و «تفسير آيات أشكلت» (2/ 574 - 703).
(2) ع: «الشريعة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) في «جامع المسائل» (8/ 281): «من الضرر والظلم».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 474)

منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر. فمن رحمة أرحمِ الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرَّم الربا، ولعن آكلَه ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وآذَنَ من لم يدَعْه بحربه وحرب رسوله. ولم يجئ مثلُ هذا الوعيد في كبيرة غيره، ولهذا كان من أكبر الكبائر.
وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شكَّ فيه فقال: هو أن يكون له دين، فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقضِه زاده في المال، وزاده هذا في الأجل(1).
وقد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة، فالمرابي ضد المتصدِّق. قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276]. وقال: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39]، وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 130 - 131]. ثم ذكر الجنة التي أعدت للذين(2) ينفقون في السرَّاء والضرَّاء، وهؤلاء ضد المُرابين. فنهى سبحانه عن الربا الذي هو ظلم للناس، وأمر بالصدقة التي هي إحسان إليهم.
وفي «الصحيحين»(3) من حديث ابن عباس عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الربا في النسيئة». ومثل هذا [333/أ] يراد به حصرُ الكمال وأن--------------------------------------------
(1) «جامع المسائل» (8/ 281، 304).
(2) في النسخ المطبوعة: «للمتقين الذين».
(3) البخاري (2178) ومسلم (1596).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 475)

الربا الكامل إنما هو في النسيئة، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} إلى قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 2 - 4]، وكقول ابن مسعود: «إنما العالم الذي يخشى الله»(1).
فصل

وأما‌‌ ربا الفضل، فتحريمه من باب سدّ الذرائع، كما صرِّح به في حديث أبي سعيد الخدري(2) عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، فإني أخاف عليكم الرَّماءَ»(3). والرَّماء هو الربا.--------------------------------------------
(1) لم أره عنه مسندًا، وعلّق ابن عبد البر عنه نحوَه في «جامع بيان العلم» (1221)، وورد هذا عن غير واحد، منهم: مجاهد بن جبر، أسنده عنه حمزة السهمي في «تاريخ جرجان» (ص 474). وجاء نحوه من كلام الحسن البصري عند الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (2/ 341) بسندٍ واهٍ، والمحفوظ عنه بلفظٍ آخرَ مشهورٍ، ليس هذا موضعَ ذكرِه.

ويُنظر: «الفوائد» لتمّامٍ الرازي (764)، و «حلية الأولياء» لأبي نعيم (3/ 67)، و «ما رواه الأكابر عن مالك» لمحمد بن مخلد (46)، و «المسند الصحيح» لابن حبان (4879).
(2) وقع في «جامع المسائل» (8/ 282): «في «المسند» مرفوعًا … من حديث سعد».
(3) الطرف الأول من الحديث ثابتٌ معناه من حديث أبي سعيد وغيره، في الصحيحين وغيرهما، لكن طرفه الثاني لا يصح مرفوعًا. وقد رواه سعيد بن منصور ــ ومن طريقه الخطيب في «الفصل للوصل المدرج في النقل» (1/ 225 ط. دار ابن الجوزي) ــ (بمعناه) عن أبي معشر، عن نافع، عن أبي سعيد مرفوعًا! وقد غلط أبو معشر (نجيحٌ السندي)؛ فأدرج الموقوف في الحديث المرفوع. وتابعه ليث بن أبي سُليم (وهو ضعيفٌ مُخَلِّطٌ)، ومن طريقه رواه ابن جرير في «تهذيب الآثار» (1074 - مسند عمر). وليُنظر ما دبّجتْه يراعةُ الخطيب في «الفصل للوصل المدرج في النقل» (1/ 225 - 239)؛ فإنه فائقٌ رائقٌ.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 476)

فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة. وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين، ولا يُفعَل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين ــ إما في الجودة، وإما في السِّكَّة(1)، وإما في الثقل والخفَّة، وغير ذلك ــ تذرَّعُوا بالربح المعجَّل فيها إلى الربح المؤخَّر، وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جدًّا. فمن حكمة الشارع أن سدَّ عليهم هذه الذريعة، ومنَعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا ونسيئةً. فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول، وهي تسُدُّ عليهم باب المفسدة.
فإذا تبيَّن هذا فنقول: الشارع نصَّ على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان، وهي: الذهب، والفضة، والبُرّ، والشعير، والتمر، والملح. فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، وتنازعوا فيما عداها. فطائفة قصَرت [333/ب] التحريمَ عليها، وأقدَمُ مَن يُروى عنه هذا قتادة، وهو مذهب أهل الظاهر، واختيار ابن عقيل في آخر مصنَّفاته مع قوله بالقياس، قال: لأن علل القيَّاسين(2) في مسألة الربا علل ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس.
وطائفة حرَّمته في كلِّ مكيل وموزون بجنسه. وهذا مذهب عمار(3)--------------------------------------------
(1) يعني: في صفة الصياغة وطريقتها.
(2) في النسخ المطبوعة: «القياسيين»، وقد سبق له نظائر. وفي «جامع المسائل» (8/ 285): «القياس».
(3) رواه ابن أبي شيبة (20800)، والطحاوي في «بيان المشكل» (3/ 338) من طريق رِيَاحِ بن الحارث عنه، وسندُه جيِّدٌ.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 477)

وأحمد في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة(1).
وطائفة خصَّته بالطعام وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا. وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد:
وطائفة خصَّته بالطعام إذا كان مكيلًا أو موزونًا. وهو قول سعيد بن المسيِّب(2) ورواية عن أحمد وقول للشافعي.
وطائفة خصَّته بالقوت وما يُصلحه، وهو قول مالك(3). وهو أرجح هذه الأقوال، كما ستراه.
وأما الدراهم والدنانير، فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين. وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه، ومذهب أبي حنيفة. وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية، وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى. وهذا هو الصحيح، بل الصواب، فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما. فلو كان النحاس والحديد ربويَّين لم يجُز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدًا، فإن ما يجري فيه الربا--------------------------------------------
(1) في «جامع المسائل» (8/ 285): «وبه أخذ أحمد بن حنبل في المشهور عنه، وهو قول أبي حنيفة وغيره».
(2) رواه مالك (2340) ــ وعنه عبد الرزاق (14139) ــ عن أبي الزناد، عن ابن المسيب، وسندُه صحيحٌ غاية. ومن طريق مالكٍ رواه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (4/ 298). وغلط المبارك بن مجاهد، فرواه عن مالك، عن أبي الزناد، عن ابن المسيب مرسلا! رواه من طريقه الدارقطنيُّ في «السنن» (2834)، ووهّمَه في رفعِه.
(3) قارن بسياق شيخ الإسلام في «جامع المسائل» (8/ 285).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 478)

إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النَّساء، والعلَّة إذا انتقضت من غير فرق مؤثِّر دلَّ على بطلانها.
وأيضًا فالتعليل بالوزن ليس [334/أ] فيه مناسبة، فهو طرد محض، بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يُعرَف تقويمُ الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمنٌ نعتبر به المبيعاتِ، بل الجميعُ سِلَع. وحاجةُ الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تُعرَف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوَّم به الأشياء، ويستمرُّ على حالة واحدة. ولا يقوَّم هو بغيره، إذ يصير سلعةً ترتفع وتنخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتدُّ الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتُّخِذت(1) الفلوسُ سلعةً تُعَدُّ للربح، فعمَّ الضرر وحصَل الظلم. ولو جُعِلت ثمنًا واحدًا لا يزداد ولا ينقص بل تقوَّم به الأشياء ولا تقوَّم هي بغيرها لصلَح أمرُ الناس. فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير ــ مثل أن يعطي صحاحًا ويأخذ مكسَّرةً، أو خفافًا ويأخذ ثقالًا أكثر منها ــ لصارت متجرًا، وجَرَّ ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بدَّ. فالأثمانُ لا تُقصَد لأعيانها، بل يُقصَد التوسُّلُ بها إلى السِّلع. فإذا صارت في أنفسها سِلَعًا تُقْصَد لأعيانها فسَد أمرُ الناس. وهذا معنى معقول(2) يختصُّ بالنقود لا يتعدَّى إلى سائر الموزونات.--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «اتخذوا».
(2) في المطبوع: «وهذا قول»!

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 479)

فصل
وأما الأصناف الأربعة المطعومة، [334/ب] فحاجةُ الناس إليها أعظمُ من حاجتهم إلى غيرها؛ لأنها أقوات العالم، وما يُصلحها. فمن رعاية مصالح العباد أن مُنِعوا من بيع بعضها ببعض إلى أجل، سواء اتحد الجنس أو اختلف، ومُنِعوا من بيع بعضها ببعض حالًا متفاضلًا وإن اختلفت صفاتها، وجُوِّز لهم التفاضل فيها مع اختلاف أجناسها.
وسرُّ ذلك ــ والله أعلم ــ أنه لو جُوِّز بيعُ بعضها ببعض نَساءً لم يفعل ذلك أحد إلا إذا ربح، وحينئذ تشِحُّ نفسُه ببيعها حالَّةً، لطمعه في الربح، فيعزُّ الطعام على المحتاج، ويشتدُّ ضررُه. وعامة أهل الأرض ليس عندهم دراهم ولا دنانير، ولا سيما أهل العمود والبوادي، وإنما يتناقلون الطعام بالطعام. فكان من رحمة الشارع بهم وحكمته أن منعهم من ربا النَّساء فيها، كما منَعهم من ربا النساء في الأثمان؛ إذ لو جُوِّز لهم النَّساء فيها لدخلها: «إما أن تَقضي وإما أن تُربي»(1)، فيصير الصاع الواحد(2) قُفْزانًا كثيرةً، ففُطِموا عن النَّساء، ثم فُطِموا عن بيعها متفاضلًا يدًا بيدٍ، إذ تجرُّهم حلاوةُ الربح وظفرُ الكسب إلى التجارة فيها نَساءً، وهو عين المفسدة.
وهذا بخلاف الجنسين المتباينين، فإن حقائقهما وصفاتهما ومقاصدهما مختلفة، ففي إلزامهم المساواةَ في بيعها إضرارٌ بهم، ولا يفعلونه. وفي تجويز النَّساء بينها ذريعةٌ إلى: «إما أن تَقضي وإما أن تُربي»، فكان من تمام رعاية مصالحهم أن قصَرهم على بيعها يدًا بيد كيف شاؤوا،--------------------------------------------
(1) يُنظر: «الموطأ» لمالك، عقب الفقرة (2482).
(2) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «لو أخذ».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 480)

فحصلت لهم مصلحة المناقلة، [335/أ] واندفعت عنهم مفسدة: «إما أن تقضي وإما أن تربي».
وهذا بخلاف ما إذا بيعت بالدراهم أو غيرها من الموزونات نَساءً، فإن الحاجة داعية إلى ذلك، فلو مُنعوا منه لأضرَّ بهم، ولامتنع السَّلَمُ الذي هو من مصالحهم فيما هم محتاجون إليه أكثر من غيره، والشريعة لا تأتي بهذا. وليس بهم حاجة في بيع هذه الأصناف بعضها ببعض نَساءً، وهو ذريعة قريبة إلى مفسدة الربا، فأبيح لهم في جميع ذلك ما تدعو حاجتهم إليه(1) وليس بذريعة إلى مفسدة راجحة، ومُنِعوا مما لا تدعو الحاجة إليه ويُتذَرَّع به غالبًا إلى مفسدة راجحة.
يوضِّح ذلك: أنَّ مَن عنده صنفٌ من هذه الأصناف، وهو محتاج إلى الصنف الآخر، فإنه يحتاج إلى بيعه بالدراهم ليشتري الصنف الآخر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جَنيبًا»(2) أو يبيعه بذلك الصنف نفسَه بما يساوي. وعلى كلا التقديرين يحتاج إلى بيعه حالًّا، بخلاف ما لو مُكِّن من النَّساء، فإنه حينئذ يبيعه بفضل، ويحتاج أن يشتري الصنف الآخر بفضل؛ لأن صاحب ذلك الصنف يُربي عليه كما أربى هو على غيره، فينشأ من النَّساء تضرُّرٌ بكلِّ واحد منهما. والنَّساء هاهنا في صنفين، وفي النوع الأول في صنف واحد، وكلاهما منشأ الضرر والفساد.--------------------------------------------
(1) «إليه» ساقط من ع. وفي النسخ المطبوعة: «إليه حاجتهم».
(2) أخرجه البخاري (2201) ومسلم (1593) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. والجمع: كل لون من النخيل لا يعرف اسمه. وقيل: تمر مختلط من أنواع متفرقة. والجنيب: نوع جيد معروف من أنواع التمر. انظر: «النهاية» (1/ 304).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 481)

وإذا تأملتَ ما حُرِّم فيه النساء رأيته إما صنفًا واحدًا أو صنفين مقصودهما واحد أو [335/ب] متقارب، كالدراهم والدنانير، والبُرِّ والشعير، والتمر والزبيب. فإذا تباعدت المقاصد لم يحرَّم النَّساء كالبُرِّ والثياب والحديد والزيت.
يوضِّح ذلك: أنه لو مُكِّن من بيع مُدِّ حنطةٍ بمُدَّين كان ذلك تجارة حاضرة، فتطلب النفوس التجارة المؤخرة للذة الكسب وحلاوته؛ فمُنِعوا من ذلك حتى مُنِعوا من التفرُّق قبل القبض إتمامًا لهذه الحكمة، ورعايةً لهذه المصلحة؛ فإن المتعاقدين قد يتعاقدان على الحلول، والعادة جارية بصبر أحدهما على الآخر، وكما يفعل أرباب الحيل: يطلقون العقدَ وقد تواطؤوا على أمر آخر، كما يطلقون عقدَ النكاح وقد اتفقوا على التحليل، ويطلقون بيعَ السِّلعة إلى أجل وقد اتفقوا على أنه يعيدها إليه بدون ذلك الثمن. فلو جُوِّز لهم التفرقُ قبل القبض لأطلقوا البيع حالًّا وأخَّروا الطلب لأجل الربح، فيقعوا في نفس المحذور.
وسرُّ المسألة: أنهم مُنِعوا من التجارة في الأثمان بجنسها، لأن ذلك يُفسِد عليهم مقصود الأثمان؛ ومُنعوا من التجارة في الأقوات بجنسها، لأن ذلك يُفسِد عليهم مقصودَ الأقوات. وهذا المعنى بعينه موجود في بيع التبر والعين، لأن التِّبر ليس فيه صنعة يُقصَد لأجلها، فهو بمنزلة الدراهم التي قصد الشارع ألا يفاضَل بينها، ولهذا قال: «تِبرُها وعينُها سواء»(1).--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (3349)، والنسائي (4564) من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا.
وأصلُ الحديثِ عند مسلم (1587) دُونَ محلِّ الشاهدِ.
ويُنظر: «المجتبى» للنسائي (4560 - 4563)، و «السنن الكبرى» له (6107 - 6112)، و «السنن الكبير» للبيهقي (5/ 276 - 277)، و «المتفق والمفترق» للخطيب (3/ 1910 - 1915)، و «تحفة الأشراف» للمزي (4/ 249).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 482)

فظهرت حكمة تحريم ربا النَّساء في الجنس والجنسين، وربا الفضل في الجنس [336/أ] الواحد، وأنَّ تحريمَ هذا تحريمُ المقاصد وتحريمَ الآخر تحريمُ الوسائل وسَدِّ الذرائع، ولهذا لم يُبَح شيء من ربا النسيئة.
فصل
وأما ربا الفضل، فأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة كالعرايا، فإنَّ ما حُرِّم سدًّا للذريعة أخفُّ مما حرِّم تحريمَ المقاصد. وعلى هذا فالمصوغ والحلية إن كانت صياغةً(1) محرَّمةً كالآنية حُرِّم بيعُه بجنسه وغير جنسه. وبيعُ هذا هو الذي أنكره عبادةُ على معاوية(2)، فإنه يتضمَّن مقابلة الصياغة المحرَّمة بالأثمان، وهذا لا يجوز كآلات الملاهي.
وأما إن كانت الصياغة مباحة ــ كخاتم الفضة وحلية النساء وما أبيح من حلية السلاح وغيرها ــ فالعاقل لا يبيع هذه بوزنها من جنسها، فإنه سفه وإضاعة للصنعة.
والشارع أحكَمُ من أن يُلزِم الأمة بذلك، فالشريعة لا تأتي به، ولا تأتي بالمنع من بيع ذلك وشرائه لحاجة الناس إليه. فلم يبق إلا أن يقال: لا يجوز بيعها بجنسها البتةَ، بل يبيعها بجنس آخر. وفي هذا من الحرج والعسر--------------------------------------------
(1) كذا بتنوين النصب في ت مع عدم تحرير الكلمة، ونحوه في «جامع المسائل» (8/ 291). وفي غير ت: «صناعته»، وفي النسخ المطبوعة: «صياغته».
(2) انظر حديث عبادة في «صحيح مسلم» (1587).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 483)

والمشقة ما تنفيه(1) الشريعة، فإن أكثر الناس ليس عندهم ذهب يشترون به ما يحتاجون إليه من ذلك، والبائعُ لا يسمح ببيعه ببُرٍّ وشعير وثياب، وتكليفُ الاستصناع(2) لكلِّ من احتاج إليه إما متعذِّر أو متعسِّر، والحيل باطلة في الشرع. وقد جوَّز الشارعُ بيعَ الرطب بالتمر لشهوة الرطب(3)، وأين هذا من الحاجة إلى بيع المصوغ الذي تدعو الحاجة إلى بيعه وشرائه؟ فلم [336/ب] يبق إلا جواز بيعه كما تباع السلع. فلو لم يجُز بيعُه بالدراهم فسدت مصالح الناس.
والنصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها ما هو صريح في المنع، وغايتها أن تكون عامّة أو مطلقة، ولا يُنكَر تخصيصُ العامِّ وتقييدُ المطلق بالقياس الجلي. وهي بمنزلة نصوص وجوب الزكاة في الذهب والفضة، والجمهور يقولون: لم تدخل في ذلك الحلية، ولا سيَّما فإن لفظ النصوص في الموضعين قد ذكر تارةً بلفظ الدراهم والدنانير كقوله: «الدرهم بالدرهم والدينار بالدينار»(4)، وفي الزكاة قوله: «في الرِّقَة ربعُ العشر»(5) والرِّقة: هي الوَرِق، وهي الدراهم المضروبة، وتارةً بلفظ الذهب والفضة. فإن حُمِل المطلَق على المقيَّد كان نهيًا عن الربا في النقدين وإيجابًا للزكاة فيهما، ولا يقتضي ذلك نفيَ الحكم عن جملة ما عداهما. بل فيه تفصيل، فتجب الزكاة--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «تتقيه».
(2) ف، ع: «الاستصياغ»، تصحيف.
(3) يعني الترخيص في العرايا، وقد سبق تخريج حديث العرايا.
(4) أخرجه مسلم (1588) من حديث أبي هريرة.
(5) تقدَّم تخريجه.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 484)

ويجري الربا في بعض صوره، لا في كلِّها. وفي هذا توفيةُ الأدلَّة حقَّها، وليس فيه مخالفة(1) لدليل منها.
يوضِّحه: أن الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسِّلَع، لا من جنس الأثمان. ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع، وإن كانت من غير جنسها؛ فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان، وأُعِدَّت للتجارة، فلا محذور في بيعها بجنسها. ولا يدخلها: «إما أن تقضي وإما أن تُربي» إلا كما يدخل في سائر السِّلَع [337/أ] إذا بيعت بالثمن المؤجَّل. ولا ريب أن هذا قد يقع فيها، لكن لو سُدَّ على الناس ذلك لَسُدَّ عليهم بابُ الدين، وتضرَّروا بذلك غاية الضرر.
يوضِّحه: أن الناس على عهد نبيِّهم صلى الله عليه وسلم كانوا يتخذون الحلية، وكان النساء يلبسنها، وكنَّ يتصدَّقن بها في الأعياد وغيرها(2). ومن المعلوم بالضرورة أنه كان يعطيها المحاويج(3)، ويعلم أنهم يبيعونها. ومعلومٌ قطعًا أنها لا تباع بوزنها فإنه سَفَه، ومعلومٌ أن مثل الحلقة والخاتم والفَتْخَة(4) لا تساوي دينارًا، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها، وهم كانوا أتقى لله،--------------------------------------------
(1) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «بشيء»!
(2) انظر حديث ابن عباس في «صحيح البخاري» (98) و «صحيح مسلم» (884).
(3) في النسخ المطبوعة: «للمحاويج».
(4) جمعها الفَتَخَ. في «صحيح البخاري» (979) عن عبد الرزاق قال: «الفَتَخ: الخواتيم العظام كانت في الجاهلية». وفي «غريب الحديث» للحربي (3/ 1047) عن الأصمعي أنها «خواتيمُ حَلَقٍ لا فصوص لها».

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 485)

وأفقه في دينه، وأعلمَ بمقاصد رسوله، من أن يرتكبوا الحيل أو يعلِّموها الناس.
يوضِّحه: أنه لا يُعرَف عن أحد من الصحابة أنه نهَى أن يباع الحلي إلا بغير جنسه أو بوزنه، والمنقول عنهم إنما هو في الصَّرْف.
يوضِّحه: أن تحريم ربا الفضل إنما كان سدًّا للذريعة كما تقدَّم بيانه، وما حُرِّم سدًّا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرَّم. وكذلك تحريمُ الذهب والحرير على الرجال، حُرِّم لسدِّ ذريعةِ التشبُّه بالنساء الملعونِ فاعلُه، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة. وكذلك ينبغي أن يباح بيعُ الحلية المصوغة صياغةً مباحةً بأكثر من وزنها، لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، [337/ب] وتحريمُ التفاضل إنما كان سدًّا للذريعة، فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع، ولا تتمُّ مصلحة الناس إلا به أو بالحيل، والحيل باطلة في الشرع. وغايةُ ما في ذلك جعلُ(1) الزيادة في مقابلة الصياغة(2) المباحة المتقوِّمة بالأثمان في الغصوب وغيرها. وإذا كان أربابُ الحيل يجوِّزون بيعَ عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوي فلسًا، ويقولون: الخمسة في مقابلة الخرقة؛ فكيف ينكرون بيعَ الحلية بوزنها وزيادةٍ تساوي الصياغة؟ وكيف تأتي الشريعة الكاملة الفاضلة التي بهرت العقول حكمةً وعدلًا ورحمةً وجلالةً بإباحة هذا وتحريم ذاك، وهل هذا إلا عكس للمعقول والفطر والمصلحة؟--------------------------------------------
(1) في النسخ الخطية: «فعل»، والمثبت من النسخ المطبوعة.
(2) ما عدا ع: «الصناعة» هنا وفيما يأتي بعد سطرين.

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 486)

والذي يُقضَى منه العجب مبالغتُهم في ربا الفضل أعظم مبالغة، حتى منعوا بيعَ رطل زيت برطل زيت، وحرَّموا بيعَ الكُسْب(1) بالسِّمسم، وبيعَ النَّشا بالحنطة، وبيعَ الخلِّ بالزبيب، ونحو ذلك؛ وحرَّموا بيعَ مدِّ حنطة ودرهم بمُدٍّ ودرهم وجاؤوا إلى ربا النسيئة، ففتحوا للتحيُّل عليه كلَّ باب، فتارةً بالعِينة، وتارةً بالمحلِّل، وتارة بالشرط المتقدِّم المتواطأ عليه، ثم يطلقون العقد من غير اشتراط، وقد علِم الله والكرام الكاتبون والمتعاقدان ومَن حضر أنه عقدُ ربا، مقصودُه وروحُه بيعُ خمسة عشر مؤجَّلةً بعشرة نقدًا ليس إلا، ودخول السلعة كخروجها حرفٌ جاء لمعنى في غيره، فهلَّا فعلوا هاهنا كما فعلوا في مسألة «مُدُّ عَجْوة ودرهم بمُدٍّ ودرهم»!
[338/أ] وقالوا: قد يُجعَل وسيلةً إلى ربا الفضل بأن يكون المُدُّ في أحد الجانبين يساوي بعض المُدِّ في الجانب الآخر، فيقع التفاضل. فيا لله العجب! كيف حُرِّمت هذه الذريعةُ إلى ربا الفضل، وأبيحت تلك الذرائع القريبة الموصلة إلى ربا النسيئة بحتًا خالصًا؟ وأين مفسدةُ بيع الحلية--------------------------------------------
(1) غُيِّر في المطبوع إلى «الكشك» دون مسوِّغ. والذي في النسخ الخطية والمطبوعة صحيح. في «تهذيب اللغة» (10/ 79) عن الليث أن «الكُسْب: الكُنجارَق» وأن «بعض السواديين يسمونه الكُسْبج». قال الأزهري: «الكُسْبَج معرَّب، وأصله بالفارسية كُشْب، فقلبت الشين سينًا». قلت: إن كان الأزهري سمعه بالشين في بلده، فيكون لغة فيه كالكُزْب بالزاي. وهو بالفارسية الحديثة: كُسْبه، وأصله بالفهلوية: كُسْبَك، بالكاف الفارسية، ومنه عُرّب بالجيم. والكنجارَق بالفارسية الحديثة كنجاره. وكلاهما بمعنى ثُفْل الدهن. انظر: «برهان قاطع» (3/ 1642، 1702) و «المعرب» للجواليقي (ص 543 - 544).

(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 487)