فيها ما بذل. فإلزامه للمبيع مع التدليس والغِشِّ من أعظم الظلم الذي تُنزَّه عنه الشريعة(1). وقد أثبت النبيُّ صلى الله عليه وسلم الخيار للركبان [256/ب] إذا تُلُقُّوا واشتُرِيَ منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السعر(2)، وليس هاهنا عيب ولا خُلف في صفة، ولكن فيه نوع تدليس وغِشّ.
فصل
وأما قولكم: «الخراج بالضمان»(3). فهذا الحديث وإن كان قد روي، فحديثُ المصرَّاة أصحُّ منه باتفاق أهل الحديث قاطبة، فكيف يعارَض به؟ مع أنه لا تعارض بينهما بحمد الله، فإن الخراج اسم للغَلَّة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك، وأما اللبن والولد(4) فلا يسمَّى خراجًا. وغاية ما في الباب قياسه عليه بجامع كونهما من الفوائد، وهو من أفسد القياس، فإن الكسب الحادث والغلَّة لم يكن موجودًا حال البيع، وإنما--------------------------------------------
(1) النسخ المطبوعة: «تتنزَّه الشريعة عنه».
(2) أخرجه البخاري (2150) ومسلم (1515) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) رواه أحمد (24224، 25999)، وأبو داود (3508 - 3510)، والترمذي (1285، 1286) ــ وصحّحه ــ، وابن ماجه (2242، 2243) والنسائي (4490) من حديث عائشة مرفوعا. وصحّحه أيضًا ابن حبان (4107، 7156)، والحاكم (2/ 14 - 15)، وابن القطان الفاسي في «بيان الوهم والإيهام» (5/ 211 - 212). وحسنه البغوي في «شرح السنة» (8/ 163). وذكر الطحاوي في «شرح المعاني» (4/ 21) أن العلماء تلقَّوْا هذا الخبر بالقبول! ويُنظر: «ترتيب العلل الكبير للترمذي» (337، 338)، و «الضعفاء» للعقيلي (6/ 90 - 91)، و «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (8/ 347).
(4) في النسخ المطبوعة: «الولد واللبن».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 288)
حدث بعد القبض. وأما اللبن هاهنا فإنه كان موجودًا حال العقد، فهو جزء من المعقود عليه. والشارع لم يجعل الصاع عوضًا عن اللبن الحادث، وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضرع، فضمانه هو محض العدل والقياس.
وأما تضمينه بغير جنسه، ففي غاية العدل، فإنه لا يمكن تضمينه بمثله البتة؛ فإن اللبن في الضرع محفوظ غير معرَّض للفساد، فإذا حُلِب صار عرضةً لحمضه وفساده. فلو ضمن اللبن الذي كان في الضرع بلبن محلوب في الإناء كان ظلمًا تنزَّه الشريعة عنه.
وأيضًا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط باللبن الموجود وقت العقد، فلم يُعرَف مقداره حتى يوجَب نظيره على المشتري، وقد يكون أقلَّ منه أو أكثر، فيفضي إلى الربا، لأن أقلَّ الأقسام أن تُجهَل [257/أ] المساواة.
وأيضًا فلو وكلناه إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لكثُر النزاع والخصام بينهما، ففصَل الشارع ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ النزاعَ وقدَّره بحدٍّ لا يتعدَّيانه قطعًا للخصومة، وفصلًا للمنازعة. وكان تقديره بالتمر أقرب الأشياء إلى اللبن، فإنه قوت أهل المدينة، كما كان اللبن قوتًا لهم. وهو مكيل كما أن اللبن مكيل، فكلاهما مطعوم مُقتات مكيل.
وأيضًا فكلاهما يقتات به بلا صنعة ولا علاج، بخلاف الحنطة والشعير والأرز. فالتمر أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن.
فإن قيل: فأنتم توجبون صاع التمر في كلِّ مكان، سواء كان قوتًا لهم أو لم يكن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 289)
قيل: هذا من مسائل النزاع، وموارد الاجتهاد. فمن الناس من يوجب ذلك، ومنهم من يوجب في كلِّ بلد صاعًا من قوتهم. ونظير هذا تعيينه(1) صلى الله عليه وسلم الأصناف الخمسة في زكاة الفطر، وأنَّ كلَّ بلد(2) يُخرجون من قوتهم مقدار الصاع(3). وهذا أرجح وأقرب إلى قواعد الشرع، وإلا فكيف يكلَّف مَن قوتُهم السمك مثلًا أو الأرزّ أو الدُّخْن إلى التمر(4). وليس هذا بأول تخصيص قام الدليل عليه. وبالله التوفيق.
فصل
ومن ذلك: ظنُّ بعض الناس أن أمره صلى الله عليه وسلم لمن صلَّى فذًّا خلف الصف بالإعادة على خلاف القياس، فإن الإمام والمرأة فذَّان(5)، وصلاتهما صحيحة. وهذا من أفسد القياس وأبطله، فإن الإمام [257/ب] يُسَنُّ في حقِّه التقدّم، وأن يكون وحده، والمأمومون يُسَنُّ في حقِّهم الاصطفاف، فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس. والفرق بينهما أن الإمام إنما جُعِل ليؤتمَّ به وتُشاهَد أفعالُه وانتقالاتُه، فإذا كان قُدَّامهم حصل مقصود الإمامة، وإذا كان في الصفِّ لم يشاهده إلا من يليه. ولهذا جاءت السنة بالتقدُّم، ولو--------------------------------------------
(1) ع: «تبيينه».
(2) في المطبوع: «أهل كل بلد»، فزاد كلمة «أهل».
(3) أخرجه البخاري (1506) ومسلم (985) من حديث أبي سعيد الخدري.
(4) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة إلا طبعة دار ابن الجوزي، فقد حذف فيها «أو» قبل «الدخن» وذكر في الحاشية أن في (ق): «والدخن». والظاهر أن في العبارة تصحيفًا، وقد يكون «إلى التمر» صوابه «إخراج التمر».
(5) في النسخ الخطية: «فذَّين».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 290)
كانوا ثلاثة، محافظةً على المقصود بالائتمام. وأما المرأة، فإن السنة وقوفها فذَّةً إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها، لأنها منهيَّة عن مصافَّة الرجال. فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذّةً، وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف. فقياس أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده، وهو قياس المشروع على غير المشروع.
فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحَّت صلاتها.
قيل: هذا غير مسلَّم، بل إذا كان صفُّ نساءٍ فحكمُ المرأة بالنسبة إليه في كونها فذّةً كحكم الرجل بالنسبة إلى صفِّ الرجال. لكن موقف المرأة وحدها خلف صفِّ الرجال يدل على شيئين: أحدهما أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه، وتعذَّر عليه الدخول في الصفِّ، ووقف(1) فذًّا= صحَّت صلاته للحاجة. وهذا هو القياس المحض، فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها. الثاني ــ وهو طرد هذا القياس ــ إذا لم يمكنه أن يصلِّي مع الجماعة إلا قدَّامَ الإمام فإنه يصلي قدَّامَه وتصحُّ صلاته. وكلاهما [258/أ] وجهٌ في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخنا رحمه الله(2).
وبالجملة فليست المصافَّة أوجب من غيرها. فإذا سقط ما هو أوجب منها للعذر، فهي أولى بالسقوط. ومن قواعد الشرع الكلية أنه «لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة».--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «معه».
(2) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 559). و «اختيارات البعلي» (ص 71).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 291)
فصل
ومن ذلك: قول بعضهم: إن الحديث الصحيح ــ وهو قوله: «الرهن مركوب ومحلوب، وعلى الذي يركب ويحلُب النفقة»(1) ــ على خلاف القياس، فإنه جوَّز لغير المالك أن يركب الدابة وأن يحلُبها، وضمَّنه ذلك بالنفقة لا بالقيمة، فهو مخالف للقياس من وجهين.
والصواب ما دلَّ عليه الحديث، وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه؛ فإن الرهن إذا كان حيوانًا فهو محترم في نفسه لحقِّ الله سبحانه، وللمالك فيه حقُّ الملك، وللمرتهن حقُّ الوثيقة. وقد شرع الله سبحانه الرهن مقبوضًا بيد المرتهن، فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلُبه ذهب نفعه باطلًا. وإن مكَّن صاحبَه من ركوبه خرج عن يده وتوثيقه، وإن كلَّف صاحبه كلَّ وقت أن يأتي ليأخذ لبنه شقَّ عليه غاية المشقة، ولا سيما مع بعد المسافة. وإن كُلِّف المرتهنُ بيعَ اللبن وحفظَ ثمنه للراهن شقَّ عليه. فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوِّض عنهما بالنفقة. ففي هذا جمعٌ بين المصلحتين، وتوفير الحقَّين، فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه، والمرتهن إذا أنفق عليه أدَّى عنه واجبًا، وله [258/ب] فيه حقٌّ، فله أن يرجع ببدله، ومنفعةُ الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلًا، فأخذُها خير من أن تذهب(2) على صاحبها باطلًا، ويلزم بعوض ما أنفق المرتهن. وإن قيل--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (2512) من حديث أبي هريرة، بلفظ: «الرهن يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدَّرِّ يُشرب بنفقته إذا كان مرهونًا. وعلى الذي يركب ويشرب النفقة».
(2) ع: «تهدر»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 292)
للمرتهن: «لا رجوع لك» كان فيه(1) إضرار به، ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان. فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار.
فإن قيل: ففي هذا أن من أدَّى عن غيره واجبًا فإنه يرجع ببدله. وهذا خلاف القياس، فإنه إلزام له بما لم يلتزمه(2)، ومعاوضة لم يرضَ بها.
قيل: وهذا أيضًا محض القياس(3) والعدل والمصلحة، وموجَب الكتاب، ومذهب أهل المدينة وفقهاء الحديث أهل بلدته وأهل سنته. فلو أدَّى عنه دينه، أو أنفق على من تلزمه نفقته، أو افتداه من الأسر ولم ينو التبرُّع= فله الرجوع. وبعض أصحاب أحمد فرَّق بين قضاء الدين ونفقة القريب، فجوَّز الرجوع في الدين دون نفقة القريب، قال: لأنها لا تصير دينًا. قال شيخنا: والصواب التسوية بين الجميع(4)، والمحققون من أصحابه سوَّوا بينهما. ولو افتداه من الأسر كان له مطالبته بالفداء، وليس ذلك دينًا عليه.
والقرآن يدل على هذا القول، فإن الله تعالى قال: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: 6] فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع، ولم يشترط عقدًا ولا إذنَ الأب. وكذلك قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [259/أ] وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 233] فأوجب--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «في ذلك».
(2) ت، ع: «لم يلزمه».
(3) ع: «قيل هذا محض القياس».
(4) لم يرد هذا التصويب في «مجموع الفتاوى» (20/ 560).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 293)
ذلك عليه، ولم يشترط عقدًا ولا إذنًا. ونفقة الحيوان واجبة على مالكه، والمستأجر والمرتهن له فيه حق، فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على ربِّه كان أحقَّ بالرجوع من الإنفاق على ولده. فإن قال الراهن: أنا لم آذن لك في النفقة، قال: هي واجبة عليك، وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون والمستأجر. فإذا رضي المنفِق بأن يعتاض بمنفعة الرهن وكانت نظير النفقة كان قد أحسن إلى صاحبه، وذلك خير محض. فلو لم يأت به النصُّ لكان القياس يقتضيه. وطردُ هذا القياس أن المودع والشريك والوكيل إذا أنفق على الحيوان واعتاض عن النفقة بالركوب والحلب جاز ذلك كالمرتهن.
فصل
ومما قيل: إنه من أبعد الأحاديث عن القياس: حديث الحسن عن قَبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبِّق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في رجل وقع على جارية امرأته: «إن كان استكرهها فهي حُرَّة، وعليه لسيِّدتها مثلُها، وإن كانت طاوَعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلُها»(1).
وفي رواية أخرى: «وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها»--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (15911، 20060، 20063 - 20067، 20069)، وأبو داود (4460)، والنسائي (3363، 3364) من حديث سلمة بن المحبق مرفوعا، وهو حديثٌ منكرٌ، لا يصحّ. ورواه ابن ماجه (2552) مختصرًا جدًّا.
قال النسائي في «السنن الكبرى» (7195): «ليس في هذا الباب شيءٌ صحيحٌ يُحتجُّ به». أما ابن عبد البر، فقد قطع بصحّته في «الاستذكار» (7/ 528 - 529). ويُنظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (4/ 72)، و «السنن» لأبي داود (4417)، و «ترتيب العلل الكبير للترمذي» (425)، و «العلل» لابن أبي حاتم (1346).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 294)
رواه أهل السنن(1). وضعَّفه بعضهم من قبل إسناده، وهو حديث حسن يحتجُّون بما هو دونه في القوة، ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه مع لين في سنده.
قال شيخ الإسلام(2): وهذا الحديث يستقيم على القياس مع ثلاثة أصول صحيحة [259/ب] كلٌّ منها قول طائفة من الفقهاء:
أحدها: أن من غيَّر مال غيره بحيث فوَّت مقصودَه عليه، فله أن يضمنه بمثله. وهذا كما لو تصرَّف في المغصوب بما أزال اسمه، ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. أحدها: أنه باقٍ على ملك صاحبه، وعلى الغاصب ضمان النقص، ولا شيء له(3) في الزيادة كقول الشافعي. والثاني: يملكه الغاصب بذلك، ويضمنه لصاحبه كقول أبي حنيفة. والثالث: يخيَّر المالك بين أخذه وتضمين النقص وبين المطالبة بالبدل. وهذا أعدل الأقوال وأقواها.
فإن فوَّت صفاته المعنوية ــ مثل أن ينسيه صناعته، أو يضعف قوته، أو يفسد عقله أو دينه ــ فهذا أيضًا يخيَّر المالك فيه بين تضمين النقص وبين المطالبة بالبدل. ولو قطع ذنب بغلة القاضي، فعند مالك يضمنها بالبدل ويملكها لتعذِّر مقصودها على المالك في العادة، أو يخيَّر المالك(4).--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (4461)، والنسائي في «المجتبى» (3364)، وفي «السنن الكبرى» (7194)، ولا يصح.
(2) «مجموع الفتاوى» (20/ 562)، والكلام متصل بما سبق.
(3) ع: «عليه». وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت موافق لما في «مجموع الفتاوى» (20/ 562).
(4) «في العادة أو يخير المالك» ساقط من ع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 295)
فصل
الأصل الثاني: أن جميع المتلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة، حتى الحيوان فإنه إذا اقترضه ردَّ مثله، كما اقترض النبي صلى الله عليه وسلم بَكْرًا، وردَّ خيرًا منه(1). وكذلك المغرور يضمن ولده بمثلهم كما قضت به الصحابة(2). وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. وقصة داود وسليمان من هذا الباب، فإن الماشية كانت قد أتلفت حرثَ القوم، فقضى داود بالغنم لأصحاب الحرث، كأنه ضمَّنهم ذلك بالقيمة. ولم يكن لهم مال إلا الغنم، فأعطاهم الغنم(3) [260/أ] بالقيمة. وأما سليمان فحَكَم بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث حتى يعود كما كان، فضمَّنهم إياه بالمثل، وأعطاهم الماشية يأخذون منفعتها عوضًا عن المنفعة التي فاتت من غلَّة الحرث إلى أن يعود.
وبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز فيمن أتلف له شجر. فقال الزهري: يغرسه حتى يعود كما كان. وقال ربيعة وأبو الزناد(4): عليه القيمة. فغلَّظ الزهري القولَ فيهما. وقول الزهري وحكم سليمان هو موجَب الأدلة، فإن الواجب ضمان المتلف بالمثل بحسب الإمكان، كما قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، وقال: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (13155، 13156)، و «الاستذكار» لابن عبد البر (7/ 176).
(3) «الغنم» ساقط من ح، ف.
(4) في «مجموع الفتاوى» (20/ 564): «وقيل: ربيعة وأبو الزناد قالا».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 296)
عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وقال: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194]، وقال: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126].
وإن كان مثل الحيوان والآنية والثياب من كلِّ وجه متعذِّرًا(1)، فقد دار الأمر بين شيئين: الضَّمانِ بالدراهم المخالفة للمثل في الجنس والصفة والمقصود والانتفاع، وإن ساوت المضمون في المالية؛ والضَّمانِ بالمثل بحسب الإمكان المساوي للمتلف في الجنس والصفة والمالية والمقصود والانتفاع. ولا ريب أن هذا أقرب إلى النص والقياس والعدل. ونظير هذا ما ثبت بالسنَّة(2) واتفاق الصحابة من القصاص في اللطمة والضربة، وهو منصوص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد تقدَّم تقرير ذلك(3). وإذا كانت المماثلة من كلِّ وجه متعذرةً حتى في المكيل والموزون، فما كان أقرب إلى المماثلة فهو أولى [260/ب] بالصواب. ولا ريب أن الجنس إلى الجنس أقرب مماثلةً من الجنس إلى القيمة، فهذا هو القياس وموجَب النص. وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) في النسخ الخطية: «متعذِّر».
(2) روى أحمد (11229)، وأبو داود (4536)، والنسائي (4773، 4774) من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقاد من نفسه من طعنة بعرجون. وفي سنده: عَبِيدة بن مُسافع، وهو مجهول الحال، وقد قال ابن المديني: «ولا أدري: سمع من أبي سعيد أم لا؟». لكن ابن حبان صحّحه (7280). وله شاهد رواه عبد الرزاق (18042) من مرسل سعيد بن المسيب. ويُنظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (28583)، و «المجتبى» للنسائي (4777).
(3) انظر (2/ 119) وما بعدها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 297)
الأصل الثالث: أن من مثَّل بعبده عتَق عليه. وهذا مذهب فقهاء الحديث، وقد جاءت بذلك آثار مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم(1) وأصحابه كعمر بن الخطاب(2) وغيره.
فهذا الحديث موافق لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة الموافقة للقياس العادل. فإذا طاوعته الجارية فقد أفسدها على سيدتها، فإنها مع المطاوعة تنقص قيمتها إذ تصير زانية، ولا تمكن سيدتها من استخدامها حقَّ الخدمة، لغيرتها منها وطمعها في السيِّد، واستشراف السيِّد إليها. وتتشامخ على سيدتها، فلا تطيعها كما كانت تطيعها قبل ذلك. والجاني إذا تصرَّف في المال بما ينقص قيمته كان لصاحبه المطالبة بالمثل، فقضى الشارع لسيِّدتها بالمثل، وملَّكه الجاريةَ، إذ لا يجمع لها بين العوض والمعوض. وأيضًا فلو رضيت سيدتها أن تبقى الجارية على ملكها وتغرِّمه ما نقص من قيمتها كان لها ذلك. فإذا لم ترضَ وعلمت أن الأمة قد فسدت--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (6710، 7096)، وأبو داود (4519)، وابن ماجه (2680) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا. ويشهد له الحديث الآتي عَقِبَ هذا. ويُنظر أيضًا: «المسند الصحيح» لمسلم (1657، 1658).
(2) رواه الطحاوي في «بيان المشكل» (13/ 361)، والعقيلي في «الضعفاء» (250/ب)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (8657)، وابن عدي في «الكامل» (6/ 118)، وابن شاهين في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (563)، والحاكم (2/ 215 - 216، 4//368) ــ وصحّح سنده! ــ، والبيهقي (8/ 36). وفي سندِ الخبرِ: عمرُ بن عيسى القرشي، وهو واهٍ، منكر الحديث. ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (17928 - 17931)، و «المحلى» لابن حزم (9/ 212)، و «مسند الفاروق» لابن كثير (2/ 71 - 72)، و «لسان الميزان» لابن حجر (6/ 128 - 130).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 298)
عليها، ولم تنتفع بخدمتها كما كانت قبل ذلك= كان من أحسن القضاء أن يغرَّم السيدُ مثلَها، ويملكها.
فإن قيل: فاطردوا هذا القياس، وقولوا: إن الأجنبي إذا زنى بجارية قوم حتى أفسدها عليهم أنَّ لهم القيمة أو يطالبوه(1) ببدلها.
قيل: نعم، هذا موجَب القياس إن لم يكن بين الصورتين فرق مؤثِّر. [261/أ] وإن كان بينهما فرقٌ انقطع الإلحاق، فإن الإفساد الذي في وطء الزوج بجارية امرأته بالنسبة إليها أعظم من الإفساد الذي في وطء الأجنبي. وبالجملة فجواب هذا السؤال جواب مركَّب، إذ لا نصَّ فيه ولا إجماع.
فصل
وأما إذا استكرهها فإن هذا من باب المثلة، فإن الإكراه على الوطء مثلة، فإن الوطء يجري مجرى الجناية. ولهذا لا يخلو عن عقر أو عقوبة، ولا يجري مجرى منفعة الخدمة. فهي لما صارت له بإفسادها على سيدتها أوجب عليه مثلها كما في المطاوعة، وأعتقها عليه لكونه مثَّل بها.
قال شيخنا(2): ولو استكره عبدَه على الفاحشة عتَقَ عليه، ولو استكره أمةَ الغير على الفاحشة عتقت(3)، وضمِنها بمثلها، إلا أن يفرَّق بين أمة امرأته وبين غيرها، فإن كان بينهما فرق شرعي وإلا فموجَب القياس التسوية.
وأما قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ--------------------------------------------
(1) ت، ع: «أنَّ لهم أن يطالبوه».
(2) انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 566)، والكلام متصل بما سبق.
(3) في النسخ المطبوعة هنا زيادة: «عليه».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 299)
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 33] فهذا نهيٌ عن إكراههن على كسب المال بالبغاء، كما قيل: إن عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين كان له إماء يُكرههن على البغاء. وليس هذا استكراهًا للأمة على أن يزني بها هو، فإن هذا بمنزلة التمثيل بها، وذاك إلزام لها بأن تذهب هي فتزني، مع أنه يمكن أن يقال: العتق بالمثلة لم يكن مشروعًا عند نزول الآية، ثم شُرِع بعد ذلك.
قال شيخنا(1): والكلام على هذا الحديث من أدقِّ [261/ب] الأمور، فإن كان ثابتًا فهذا الذي ظهر في توجيهه، وإن لم يكن ثابتًا فلا يحتاج إلى الكلام عليه.
قال: وما عرفت حديثًا صحيحًا إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة. قال: وقد تدبَّرتُ ما أمكنني من أدلة الشرع، فما رأيت قياسًا صحيحًا يخالف حديثًا صحيحًا، كما أن المعقول الصحيح(2) لا يخالف المنقول الصحيح. بل متى رأيت قياسًا يخالف أثرًا فلا بدَّ من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده مما يخفى كثيرٌ منه على أفاضل العلماء فضلًا عمَّن هو دونهم. فإنَّ إدراكَ الصفة المؤثِّرة في الأحكام على وجهها ومعرفةَ المعاني التي عُلِّقت بها الأحكام من أشرف العلوم. فمنه الجليُّ الذي يعرفه أكثر الناس، ومنه الدقيق الذي لا يعرفه إلا خواصُّهم. فلهذا صارت أقيسة كثير من العلماء تجيء مخالفةً للنصوص، لخفاء القياس الصحيح، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل--------------------------------------------
(1) «مجموع الفتاوى» (20/ 567)، والكلام متصل بالسابق واللاحق.
(2) في «مجموع الفتاوى»: «الصريح».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 300)
الدقيقة التي تدل على الأحكام. انتهى.
فإن قيل: فهَبْ أنكم خرَّجتم ذلك على القياس، فما تصنعون بسقوط الحدِّ عنه، وقد وطئ فرجًا لا ملك له فيه، ولا شبهة ملك؟
قيل: الحديث لم يتعرَّض للحدِّ بنفي ولا إثبات، وإنما دلَّ على الضمان وكيفيته.
فإن قيل: فكيف تخرِّجون حديث النعمان بن بشير في ذلك: أنها إن كانت أحلَّتها له جُلِد مائةً(1)، وإن لم تكن أحلَّتها له رُجِم بالحجارة(2)، على القياس.
قيل: هو بحمد الله موافق للقياس، مطابق لأصول الشريعة [262/أ] وقواعدها؛ فإن إحلالها له شبهة كافية في سقوط الحدِّ عنه، ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان الفرج محرَّمًا عليه، وكانت المائة تعزيرًا له وعقوبةً على ارتكاب فرج حرام عليه، وكان إحلالُ الزوجة له وطأها شبهةً دارئةً للحدِّ عنه.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة بعدها: «جلدة».
(2) رواه أحمد (18397، 18444 - 18446)، وأبو داود (4458، 4459)، والترمذي (1451، 1452)، وابن ماجه (2551)، والنسائي (3360، 3361، 3362)، وفي «السنن الكبرى» (5526 - 5530) من حديث النعمان بن بشير مرفوعا. وقال الترمذي: «في إسناده اضطرابٌ … ». ونقل المزي في «تحفة الأشراف» (9/ 17) قول النسائي: «أحاديث النعمان هذه مضطربة». وضعّفه أيضًا الخطابي في «معالم السنن» (3/ 330)، وأبو محمد البغوي في «شرح السنة» (10/ 306 - 307). ويُنظر: «ترتيب العلل الكبير للترمذي» (424)، و «السنن الكبير» للبيهقي (8/ 239).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 301)
فإن قيل: فكيف تخرِّجون التعزير بالمائة على القياس؟
قيل: هذا من أسهل الأمور، فإن التعزير لا يتقدَّر بقدر معلوم، بل هو بحسب الجريمة في جنسه وصفتها وكبرها وصغرها. وعمر بن الخطاب قد تنوَّع تعزُيره في الخمر: فتارةً بحلق الرأس(1)، وتارةً بالنفي(2)، وتارةً بزيادة أربعين سوطًا على الحدِّ الذي ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر(3)، وتارةً بتحريق حانوت الخمار(4). وكذلك تعزير الغالِّ، وقد جاءت السنة بتحريق متاعه(5).--------------------------------------------
(1) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (17047)، و «أخبار المدينة» لعمر بن شبّة (3/ 241)، و «مسند الفاروق» لابن كثير (2/ 388 - 389).
(2) رواه النسائي (5676)، وفي «السنن الكبرى» (5166) من طريق سعيد بن المسيب، وقال ابن كثير في مسند الفاروق (2/ 386): «هذا إسنادٌ جيّدٌ غريبٌ». ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (17043، 17044).
(3) سيأتي تخريجه في (2/ 411).
(4) رواه ابن وهب في «الجامع» (62 - 64)، وعبد الرزاق (10051، 17035، 17036، 17039)، وأبو عبيد في «الأموال» (267، 287)، وابن زنجويه في «الأموال» (410)، وعمر بن شبّة في «أخبار المدينة» (1/ 250)، والدولابي في «الكنى» (2/ 584).
(5) رواه أحمد (144)، وأبو داود (2713)، والترمذي (1461) من حديث عمر مرفوعا. قال علي ابن المديني: «هذا حديث منكر، يُنكره أصحاب الحديث». وقال الترمذي: «هذا حديثٌ غريبٌ». ثم نقل عن البخاري إعلاله بصالح بن محمد بن زائدة (وهو منكر الحديث)، وبأن أكثر الأحاديث ليس فيها إحراق متاع الغالّ. وأعلّه أيضًا أبو داود (2714)، والبيهقي (9/ 102). وأغرب الحاكم فصححه (2/ 127 - 128).
ويُنظر: «التاريخ الكبير» للبخاري (4/ 291)، و «ترتيب العلل الكبير للترمذي» (431)، و «السنن الكبير» للبيهقي (9/ 103)، و «معرفة السنن والآثار» له (7/ 44)، و «الأحاديث المختارة» للضياء المقدسي (1/ 310 - 312)، و «مسند الفاروق» لابن كثير (2/ 300 - 301)، و «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (4/ 603 - 606)، و «فتح الباري» لابن حجر (6/ 187).
ورواه أبو داود (2715) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا، وصححه الحاكم (2/ 130 - 131)، مع أن في سنده زهير بن محمد التميمي، ورواية الشاميين عنه منكرة جدّا (وهذه منها)، وقد اضطرب في هذا الحديث، فكان يُسنده تارة، وأحيانًا يجعله من قول عمرو بن شعيب، وقد بيّن ذلك أبو داود.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 302)
وتعزيرُ مانع الصدقة بأخذِها وأخذِ شطر ماله معها(1)، وتعزيرُ كاتم الضالَّة الملتقطة بإضعاف الغُرم عليه(2). وكذلك عقوبةُ سارقِ ما لا قطعَ فيه يُضعَف عليه الغُرم(3). وكذلك قاتل الذمي عمدًا أضعفَ عليه عمر--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (20016، 20038، 20041)، وأبو داود (1575)، والنسائي (2444، 2449) من حديث معاوية بن حيدة القشيري مرفوعا. وصححه ابن خزيمة (2266)، والحاكم (1/ 397 - 398). ويُنظر: «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (3/ 241)، و «المُحرَّر» لابن عبد الهادي (568)، و «البدر المنير» لابن النحوي (5/ 480 - 486).
(2) رواه أبو داود (1718) من طريق معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة: أحسبه عن أبي هريرة (فذكره مرفوعا). وعمرو هذا ليّن الحديث، وقد رواه عبد الرزاق (17300) عن ابن جريج، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس وعكرمة مرسلا، ولم يذكر (أبا هريرةَ). ورواه عبد الرزاق (18600) من طريق ابن طاوس، عن أبيه مقطوعًا. فرفعُ الحديث ووصلُه منكرٌ لا يصحّ.
(3) رواه أحمد (6683، 6936)، وأبو داود (1710 - 1713)، والنسائي (4958، 4959) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا. وأصله عند الترمذي (1289) محسَّنًا. وخرّجه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» (4/ 381) محتجًّا به محتفلًا. ويُنظر: «معرفة السنن والآثار» للبيهقي (7/ 290)، و «البدر المنير» لابن النحوي (8/ 653 - 655).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 303)
وعثمان(1) ديته(2)، وذهب إليه أحمد وغيره.
فإن قيل: فما تصنعون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله»(3)؟
قيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة، ولا منافاة بينه وبين شيء مما ذكرنا. فإنَّ الحدَّ في لسان الشارع أعمُّ منه في اصطلاح الفقهاء، فإنهم يريدون بالحدود عقوبات الجنايات المقدَّرة بالشرع خاصة. والحدُّ في لسان الشارع أعمُّ من ذلك، فإنه يراد [262/ب] به هذه العقوبة تارةً، ويراد به نفس الجناية تارةً، كقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: 187]، وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} [البقرة: 229]، فالأول حدود الحرام، والثاني حدود الحلال. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله حدَّ حدودًا، فلا تعتدُوها»(4). وفي حديث النوَّاس بن سَمعان الذي تقدَّم في أول الكتاب(5): «والسوران حدود الله». ويراد به تارةً جنس العقوبة وإن لم تكن مقدَّرةً. فقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله» يريد به الجناية التي هي حقٌّ لله.
فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذ كان المراد بالحدِّ الجناية؟--------------------------------------------
(1) «وعثمان» ساقط من ت، ع.
(2) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (10224، 18492، 18493، 18495)، و «السنن» للدارقطني (3289، 3290، 3498)، و «السنن الكبير» للبيهقي (8/ 32، 100).
ويَحْسُن تدبُّرُ ما في كتاب «الأم» للإمام الشافعي (9/ 138 - 141).
(3) أخرجه البخاري (6848) ومسلم (1708) من حديث أبي بردة الأنصاري.
(4) سبق تخريجه.
(5) انظر (1/ 463).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 304)
قيل: في ضرب الرجل امرأته وعبده وولده وأجيره، للتأديب ونحوه، فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط. فهذا أحسن ما خُرِّج عليه الحديث، وبالله التوفيق.
فصل(1)
وأما المضيُّ في الحج الفاسد فليس مخالفًا للقياس، فإن الله سبحانه أمر بإتمام الحج والعمرة، فعلى من شرَع فيهما أن يمضي فيهما وإن كان متطوعًا بالدخول باتفاق الأئمة، وإن تنازعوا فيما سواه من التطوعات: هل تلزم بالشروع أم لا؟ فقد وجب عليه بالإحرام أن يمضي فيه إلى حين يتحلَّل. ووجب عليه الإمساك عن الوطء، فإذا وطئ فيه لم يُسقِط وطؤه ما وجب عليه من إتمام النسك، فيكون ارتكابه ما حرَّمه الله عليه سببًا لإسقاط الواجب عليه. ونظير هذا: الصائم إذ أفطر عمدًا لم يُسقِط عنه فطرُه ما وجب عليه من إتمام الإمساك. ولا يقال له: قد بطل صومك، فإن شئت أن تأكل فكُلْ. بل يجب عليه المضيُّ [263/أ] فيه وقضاؤه، لأن الصائم له حدٌّ محدود وهو غروب الشمس(2).
فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في الصلاة إذا أفسدها، وقلتم: يمضي فيها، ثم يعيدها.
قيل: من هاهنا ظنَّ من ظنَّ أن المضيَّ في الحج الفاسد على خلاف القياس. والفرق بينهما أن الحج له وقت محدود وهو يوم عرفة، كما--------------------------------------------
(1) من بداية هذا الفصل بدأ النقل مرة أخرى من جواب شيخ الإسلام. انظر: «مجموع الفتاوى» (20/ 568).
(2) «لأن الصائم … الشمس» ساقط من ت، ع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 305)
للصائم(1) وقت محدود وهو الغروب. وللحج مكان مخصوص لا يمكن إحلال المحرَّم قبل وصوله إليه، كما لا يمكن فطر الصائم قبل وصوله إلى وقت الفطر، فلا يمكنه فعلُه ولا فعلُ الحج ثانيًا في وقته، بخلاف الصلاة فإنه يمكنه فعلها ثانيًا في وقتها. وسرُّ الفرق أن وقت الصيام والحج بقدر فعلِه، لا يسع غيره؛ ووقت الصلاة أوسع منها، فيسع غيرها، فيمكنه تداركُ فعلها إذا فسدت في أثناء الوقت. ولا يمكن تدارك الصيام والحج إذا فسدا إلا في وقت آخر نظير الوقت الذي أفسدهما فيه. والله أعلم.
فصل
وأما من أكل في صومه ناسيًا، فمن قال: «عدمُ فطره ومضيُّه في صومه على خلاف القياس» ظن أنه من باب ترك المأمور ناسيًا، والقياس(2) أنه يلزمه الإتيان بما تركه، كما لو أحدث ونسي حتى صلَّى. والذين قالوا: «بل هو على وفق القياس» حجتهم أقوى، لأن قاعدة الشريعة أن من فعل محظورًا ناسيًا فلا إثم عليه، كما دلَّ عليه قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286]. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء، وقال: قد فعلتُ(3). [263/ب] وإذا ثبت أنه غير آثم فلم يفعل في صومه محرَّمًا فلم يبطل صومه. وهذا محض القياس، فإن العبادة إنما تبطل بفعل محظور أو ترك مأمور.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «للصيام».
(2) ع: «المأمور باتساق القياس»، تحريف طريف.
(3) أخرجه مسلم (126) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 306)
وطردُ هذا القياس: أن من تكلم في صلاته ناسيًا لم تبطل صلاته. وطردُه أيضًا أن من جامع في إحرامه أو صيامه ناسيًا لم يبطل صيامه ولا إحرامه. وكذلك من تطيَّب، أو لبِس، أو غطَّى رأسه، أو حلَق رأسه، أو قلَّم ظفره= ناسيًا، فلا فدية عليه؛ بخلاف قتل الصيد، فإنه من باب ضمان المتلفات فهو كدية القتيل. وأما اللباس والطيب فمن باب الترفه. وكذلك الحلق والتقليم ليس من باب الإتلاف، فإنه لا قيمة له في الشرع ولا في العرف.
وطردُ هذا القياس: أن من فعل المحلوف عليه ناسيًا لم يحنث، سواء حلف بالله، أو بالطلاق، أو بالعتاق، أو غير ذلك؛ لأن القاعدة أن من فعل المنهيَّ عنه ناسيًا لم يُعَدَّ عاصيًا. والحنث في الأيمان كالمعصية في الإيمان. فلا يُعَدُّ حانثًا مَن فعل المحلوف عليه ناسيًا.
وطردُ هذا أيضًا: أن من باشر النجاسة في الصلاة ناسيًا لم تبطل صلاته، بخلاف من ترك شيئًا من فروض الصلاة ناسيًا، أو ترك الغسل من الجنابة، أو الوضوءَ، أو الزكاة، أو شيئًا من فروض الحج= ناسيًا فإنه يلزمه الإتيان به، لأنه لم يؤدِّ ما أُمِر به، فهو في عهدة الأمر. وسرُّ الفرق أن من فعل المحظور ناسيًا يجعل وجوده كعدمه، ونسيان [264/أ] ترك المأمور لا يكون عذرًا في سقوطه، كما كان فعلُ المحظور ناسيًا عذرًا في سقوط الإثم عن فاعله.
فإن قيل: فهذا الفرق حجة عليكم، لأن ترك المفطرات في الصوم من باب المأمورات، ولهذا تشترط فيه النية. ولو كان فعلُ المفطرات من باب المحظور لم يحتج إلى نية كترك(1) سائر المحظورات.
قيل: لا ريب أن النية في الصوم شرط، ولولاها لما كان عبادة، ولا أُثِيبَ--------------------------------------------
(1) ع، د: «كفعل»، وكذا في النسخ المطبوعة. وهو خطأ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 307)