وقال وكيع: عن أبي بِشر، عن سعيد بن جبير قال: مات ابن لابن عمر بن الخطاب، فدعا زيد بن ثابت فقال: شَعِّبْ ما كنتَ تُشعِّب! إني لأعلم أني أولى به منهم(1).
وأما عليٌّ، فقال عبد الرزاق(2): عن معمر، ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، عن رجل من مراد قال: سمعت عليًّا يقول: من سرَّه أن يتقحَّم جراثيمَ جهنم فليقضِ بين الجدِّ والإخوة.
وأما عثمان وابن مسعود، فقال البغوي: ثنا حجاج بن المنهال، ثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ليث بن أبي سليم، عن طاوس أن عثمان وعبد الله بن مسعود قالا: الجدُّ بمنزلة الأب(3).
فهذه أقوال المورِّثين ــ كما ترى ــ قد اختلفت في أصل توريثهم معه،--------------------------------------------
(1) أشار الإمام أحمد إلى رواية وكيع هذه فيما نقله عنه ابنُه عبد الله في «العلل ومعرفة الرجال» (1868)، وذكر اختلاف غندر ووكيع في ضبط كلمة (شعب) … ورواه سعيد بن منصور (53) عن هُشيم، عن أبي بشر به.
(2) في «المصنف» (19048)، وسعيد بن منصور (56، 57)، وابن أبي شيبة (31917، 31921)، والدارمي (2944)، والبيهقي (6/ 245 - 246) من طريقين عن سعيد بن جبير به، وشيخُه المراديُّ مُبْهَمٌ، لم يُسَمَّ.
(3) رواه ابن المنذر في «الأوسط» (7/ 435) عن علي بن عبد العزيز (وهو البغوي)، عن حجاج بن منهال به. ورواه يزيد بن هارون [في كتاب «الفرائض»] عن حماد بن سلمة به، كما في «التوضيح» لابن النحوي (30/ 481). وسنده ضعيف منقطع، وليث بن أبي سليم ضعيف مخلّط.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 228)
واضطربت في كيفية التوريث، وخالفت دلالة الكتاب والسنة والقياس الصحيح، بخلاف قول الصدِّيق ومن معه.
يوضِّحه الوجه السادس عشر(1): أن [232/ب] الناس اليوم قائلان: قائل بقول أبي بكر، وقائل بقول زيد؛ ولكن قول الصدِّيق هو الصواب. وقول زيد بخلافه، فإنه يتضمن تعصيب الجدِّ للأخوات، وهو تعصيبُ الرجل جنسًا آخر ليسوا من جنسه، وهذا لا أصل له في الشريعة. إنما يُعرف في الشريعة تعصيب الرجال للنساء إذا كانوا من جنس واحد، كالبنين والبنات، والإخوة والأخوات. ولا ينتقض هذا بالأخوات مع البنات، فإن الرجال لم يعصِّبوهن، وإنما عصَّبهن البنات، ولما كان تعصيب البنين أقوى كان الميراث لهم دون الأخوات؛ بخلاف قول من عصَّب الأخوات بالجد، فإنه عصَّبهن بجنس آخر أقوى تعصيبًا منهن، وهذا لا عهد به في الشريعة البتة.
يوضِّحه الوجه السابع عشر: أن الجدَّ والإخوة لو اجتمعوا في التعصيب لكانوا إما من جنس واحد أو من جنسين، وكلاهما باطل.
أما الأول فظاهر البطلان لوجهين. أحدهما: اختلاف جهة التعصيب. والثاني: أنهم لو كانوا من جنس واحد لاستووا في الميراث والحرمان كالإخوة والأعمام وبنيهم إذا انفردوا. هذا(2) هو التعصيب المعقول في الشريعة.--------------------------------------------
(1) زيد في النسخ المطبوعة: «وهو» هنا وفي الوجوه الآتية إلى الوجه التاسع عشر، وقد سبق مثله.
(2) ع: «وهذا»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 229)
وأما الثاني فبطلانه أظهر، إذ قاعدة الفرائض أن العصبة لا يرثون في المسألة إلا إذا كانوا من جنس واحد، وليس لنا عصبة من جنسين يرثان مجتمعين قط. بل هذا محال، فإن العصبة حكمُه أن يأخذ ما بقي بعد الفروض، فإذا كان [233/أ] هذا حكم هذا الجنس وجب أن يأخذ دون الآخر، وكذلك الجنس الآخر، فيفضي أخذهما(1) إلى حرمانهما، واشتراكهما ممتنع لاختلاف الجنس. وهذا ظاهر جدًّا.
يوضِّحه الوجه الثامن عشر: أن الجدَّ أبٌ في باب الشهادة وفي باب سقوط القصاص، وأبٌ في باب المنع من دفع الزكاة إليه، وأبٌ في باب وجوب إعفافه(2) على ولد ولده، وأبٌ في باب سقوط القطع في السرقة، وأبٌ عند الشافعي في باب الإجبار في النكاح، وفي باب الرجوع في الهبة، وفي باب العتق بالملك، وفي باب الإجبار على النفقة، وفي باب إسلام ابن ابنه تبعًا لإسلامه، وأبٌ عند الجميع في باب الميراث عند عدم الأب فرضًا وتعصيبًا في غير محلِّ النزاع. فما الذي أخرجه عن أبوته في باب الجدِّ والإخوة؟ فإن اعتبرنا تلك الأبواب فالأمرُ في أبوته في محلِّ النزاع ظاهر، وإن اعتبرنا بابَ الميراث فالأمر أظهر وأظهر.
يوضِّحه الوجه التاسع عشر: أن الذين ورَّثوا الإخوة معه إنما ورَّثوهم لمساواة تعصيبه لتعصيبهم، ثم نقضوا الأصل، فقدَّموا تعصيبهم على تعصيبه في باب الولاء، وأسقطوه بالإخوة لقوة تعصيبهم عندهم. ثم نقضوا ذلك أيضًا، فقدَّموا الجدَّ عليهم في باب ولاية النكاح، وأسقطوا تعصيبهم--------------------------------------------
(1) ما عدا ح: «أحدهما»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ المطبوعة: «إعتاقه». وكلمة «وجوب» ساقطة من ت.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 230)
بتعصيبه. وهذا غاية التناقض، والخروج عن القياس لا لنصٍّ(1) ولا إجماع.
يوضِّحه الوجه العشرون: [233/ب] وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألحِقُوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأَولى رجل ذكر»(2). فإذا خلَّفت المرأة زوجَها وأمَّها وجدَّها وأخاها(3)، فإن كان الأخ أولى رجل ذكر فهو أحقُّ بالباقي. وإن كانا سواء في الأولوية وجب اشتراكهما فيه. وإن كان الجدُّ أولى ــ وهو الحقُّ الذي لا ريب فيه ــ فهو أولى به. وإذا كان الجدُّ أولى رجل ذكر وجب أن ينفرد بالباقي بالنص. وهذا الوجه وحده كافٍ، وبالله التوفيق.
وليس القصد هذه المسألة بعينها، بل بيان دلالة النص والاكتفاء به عما عداه، وأن القياس شاهد وتابع، لا أنه مستقل في إثبات حكم من الأحكام لم تدل عليه النصوص.
ومن ذلك: الاكتفاء بقوله: «كلُّ مسكِر خمر» عن إثبات التحريم بالقياس في الاسم أو في الحكم، كما فعله من لم يحسن الاستدلال بالنص.
ومن ذلك: الاكتفاء بقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] عن إثبات قطع النبَّاش بالقياس اسمًا أو حكمًا، إذ السارق يعُمُّ في لغة العرب وعرف الشارع سارقَ ثياب الأحياء والأموات.
ومن ذلك: الاكتفاء بقوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] في تناوله لكلِّ يمين منعقدة يحلف بها المسلمون، من غير تخصيص إلا--------------------------------------------
(1) ع: «نص». وفي النسخ المطبوعة: «بنص».
(2) سبق تخريجه.
(3) في النسخ المطبوعة: «وأخاها وجدها».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 231)
بنصٍّ أو إجماع. وقد بيَّن ذلك سبحانه في قوله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89]. فهذا صريح في أن كلَّ يمين منعقدة، فهذا كفارتها. وقد [234/أ] أدخلت الصحابة في هذا النص الحلف بالتزام الواجبات والحلف بأحبِّ القربات المالية إلى الله وهو العتق، كما ثبت ذلك عن ستة منهم(1) ولا مخالف لهم من بقيتهم. وأدخلت فيه الحلف بالبغيض إلى الله وهو الطلاق كما ثبت ذلك عن علي بن أبي طالب ولا مخالف له منهم. فالواجب تحكيمُ هذا النص العام، والعملُ بعمومه حتى يثبت إجماع الأمة إجماعًا متيقَّنًا على خلافه، فالأمة لا تُجمع على خطأ البتة.
ومن ذلك: الاكتفاء بقوله صلى الله عليه وسلم «من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ»(2) في إبطال كلِّ عقد نهى الله ورسوله عنه، وحرَّمه، وأنه لغو لا يعتدُّ به، نكاحًا كان أو طلاقًا أو غيرَهما، إلا أن تُجمع الأمة إجماعًا معلومًا على أن بعض ما نهى الله ورسوله عنه وحرَّمه من العقود صحيح لازم معتَدٌّ به غير مردود، فهي لا تُجمع على خطأ. وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) يُنظر: «الموطأ» للإمام مالك (1752)، و «المصنف» لعبد الرزاق (15987 - 15989)، و «المصنف» لابن أبي شيبة (12479)، و «السنن» لأبي داود (3272)، و «حديث علي بن الجعد ــ تخريج أبي القاسم البغوي» (2314، 2315)، و «الأوسط» لابن المنذر (12/ 109 - 111، 128 - 130)، و «المسند الصحيح» لابن حبان (4078)، و «السنن» للدارقطني (4331، 4332)، و «المستدرك» للحاكم (4/ 300)، و «السنن الكبير» للبيهقي (10/ 33، 65 - 67).
(2) تقدَّم تخريجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 232)
ومن ذلك: الاكتفاء بقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] مع قوله صلى الله عليه وسلم: «وما سكَت عنه فهو مما عفا عنه»(1). فكلُّ ما لم يبيِّن الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم تحريمه من المطاعم والمشارب والملابس والعقود والشروط فلا يجوز تحريمها، فإن الله سبحانه قد فصَّل لنا ما حرَّم علينا، فما كان من هذه الأشياء حرامًا فلا بدّ أن يكون تحريمه مفصَّلًا. وكما أنه لا يجوز إباحة ما حرَّمه(2)، فكذلك لا يجوز تحريمُ ما عفا عنه ولم يحرِّمه. وبالله التوفيق.
الفصل [234/ب] الثاني
في بيان أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس، وأن ما يُظَنُّ مخالفته للقياس فأحدُ الأمرين لازم فيه، ولا بد: إما أن يكون القياس فاسدًا، أو يكون ذلك الحكمُ لم يثبت بالنص كونُه من الشرع.
وسألتُ شيخنا ــ قدَّس الله روحه ــ عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم: «هذا خلاف القياس» لما ثبت بالنص أو قول الصحابة أو بعضهم، وربما كان مجمعًا عليه، كقولهم: طهارة الماء إذا وقعت فيه نجاسة خلاف(3) القياس، وتطهير النجاسة على خلاف القياس، والوضوء من لحوم الإبل، والفطر بالحجامة، والسَّلَم، والإجارة، والحوالة، والكتابة،--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) في النسخ المطبوعة: «حرَّمه الله» بزيادة لفظ الجلالة.
(3) ع: «بخلاف»، وفي النسخ المطبوعة: «على خلاف»، والظاهر أن «على» زيادة من بعض الناشرين، فإنها لم ترد في «مجموع الفتاوى» (19/ 504).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 233)
والمضاربة، والمزارعة، والمساقاة، والقرض، وصحة صوم الآكل ناسيًا(1)، والمضيُّ في الحج الفاسد= كلُّ ذلك على خلاف القياس. فهل ذلك صواب أم لا؟ فقال: «ليس في الشريعة ما يخالف القياس». وأنا أذكر ما حصَّلته من جوابه بخطِّه ولفظه(2)، وما فتح الله سبحانه لي بيُمن إرشاده، وبركة تعليمه، وحسن بيانه وتفهيمه:
«أصلُ هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل، يدخل فيه القياس الصحيح والفاسد. والصحيح هو الذي وردت به الشريعة، وهو الجمعُ بين المتماثلين، والفرقُ بين المختلفين. فالأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس. وهو من العدل الذي بعث الله به نبيَّه صلى الله عليه وسلم. فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلّة التي علِّق بها الحكم في الأصل موجودةً في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمَها. ومثل هذا القياس لا [235/أ] تأتي الشريعة بخلافه قطُّ(3)! وكذلك القياس بإلغاء الفارق، وهو: أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثِّر في الشرع. فمثل هذا القياس أيضًا لا تأتي الشريعة بخلافه. وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بحكمٍ يفارق به نظائرَه، فلا بد أن يختصَّ ذلك النوع بوصفٍ يُوجِب اختصاصه بالحكم، ويمنع مساواته لغيره. لكن الوصف الذي اختصَّ به ذلك النوع قد يظهر لبعض الناس، وقد لا يظهر. وليس من شرط القياس الصحيح أن يعلم صحته كلُّ أحد.--------------------------------------------
(1) ع: «الناسي»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) انظر سؤال المصنف وجواب الشيخ في «مجموع الفتاوى» (20/ 505 - 583).
(3) سبق التنبيه على استعمال «قطُّ» في غير محلِّه، فإنه خاصٌّ بالزمان الماضي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 234)
فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر. وحيث علمنا أن النص [جاء](1) بخلاف قياسٍ علمنا قطعًا أنه قياس فاسد، بمعنى أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يُظَنُّ أنها مثلُها بوصفٍ أوجبَ تخصيصَ الشارع لها بذلك الحكم. فليس في الشريعة ما يخالف قياسًا صحيحًا، ولكن [فيها ما](2) يخالف القياس الفاسد، وإن كان بعض الناس لا يعلم فساده. ونحن نبيِّن ذلك فيما(3) ذُكِر في السؤال.
فالذين قالوا: «المضاربة والمساقاة والمزارعة على خلاف القياس» ظنوا أن هذه العقود من جنس الإجارة؛ لأنها عملٌ بعوض، والإجارة يشترط فيها العلم بالعوض والمعوَّض. فلما رأوا العمل والربح في هذه العقود غيرَ معلومين قالوا: هي على خلاف القياس. وهذا من غلطهم، فإن هذه العقود من جنس المشاركات، [235/ب] لا من جنس المعاوضات المحضة التي يشترط فيها العلم بالعوض والمعوَّض. والمشاركات جنسٌ غير جنس المعاوضات، وإن كان فيها(4) شَوبُ المعاوضة. وكذلك المقاسمة جنسٌ غير جنس المعاوضة المحضة، وإن كان فيها شوبُ المعاوضة، حتى ظنَّ بعض الفقهاء أنها بيعٌ يشترط فيها شروط البيع الخاص.--------------------------------------------
(1) زيد ما بين الحاصرتين فوق السطر في ح. وهو في المتن في ف، وكذا في «مجموع الفتاوى»، ولم يرد في ت، ع. وفي النسخ المطبوعة: «ورد».
(2) من «مجموع الفتاوى».
(3) في «مجموع الفتاوى»: «نبيِّن أمثلة ذلك مما». وفي حاشية ح كتب بعضهم كلمة «أمثلة» ووضع علامةً قبل «ذلك» للدلالة على موضعها وأدخلها ناسخ ف في المتن.
(4) في «مجموع الفتاوى»: «وإن قيل إن فيها».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 235)
وإيضاح هذا: أن العمل الذي يقصد به المال ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يكون العمل مقصودًا معلومًا مقدورًا على تسليمه. فهذه الإجارة اللازمة.
الثاني: أن يكون العمل مقصودًا، لكنه مجهول أو غرر. فهذه الجِعالة، وهي عقد جائز ليس بلازم. فإذا قال: «من ردَّ عبدي الآبق فله مائة» فقد يَقدِر على ردِّه، وقد لا يقدِر. وقد يرُدُّه من مكان قريب وبعيد(1). فلهذا لم تكن لازمة، لكن هي جائزة. فإن عمِل العملَ استحقَّ الجُعْل، وإلا فلا. ويجوز أن يكون الجُعْل فيها إذا حصل بالعمل جزءً شائعًا ومجهولًا جهالةً لا تمنع التسليم، كقول أمير الغزو: «من دلَّ على حصنٍ فله ثلثُ ما فيه»، أو يقول للسَّرِيَّة التي يسير بها: «لكم خُمْسُ ما تغنمون أو رُبعه».
وتنازعوا في السَّلَب: هل هو مستحَقٌّ بالشرع كقول الشافعي، أو بالشرط كقول أبي حنيفة ومالك؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد. فمن جعله مستحقًّا بالشرط جعله من هذا الباب. ومن ذلك إذا جعل للطبيب جُعْلًا على الشفاء جاز، كما أخذ أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم القطيعَ من الشاء الذي جعله لهم سيّدُ الحيِّ، فرقاه بعضهم حتى برئ. والجُعْل كان [236/أ] على الشفاء، لا على القراءة. ولو استأجر طبيبًا إجارةً لازمةً على الشفاء لم يصح، لأن الشفاء غير مقدور له؛ فقد يشفيه الله، وقد لا يشفيه. فهذا ونحوه مما تجوز فيه الجِعالة، دون الإجارة اللازمة.--------------------------------------------
(1) كذا في النسخ. وفي «مجموع الفتاوى»: «وقد يردُّه من مكان بعيد». وفي المطبوع: «بعيد أو قريب». وفي الطبعات السابقة: «قريب أو بعيد».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 236)
فصل
وأما النوع الثالث فهو: ما لا يُقصَد فيه العمل، بل المقصود فيه المال، وهو المضاربة، فإن ربَّ المال ليس له قصدٌ في نفس عمل العامل(1) كما للجاعل(2) والمستأجرِ له(3) قصدٌ في عمل العامل. ولهذا لو عمِل ما عمِل ولم يربح شيئًا لم يكن له شيء. وإن سُمِّي هذا جِعالةً بجزء مما يحصل من العمل كان نزاعًا لفظيًّا، بل هذه مشاركة: هذا بنفع ماله، وهذا بنفع بدنه. وما قسم الله من ربحٍ كان بينهما على الإشاعة. ولهذا لا يجوز أن يختص أحدهما بربح مقدَّر، لأن هذا يخرجهما عن العدل الواجب في الشركة.
وهذا هو الذي نهى عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم من المزارعة، فإنهم كانوا يشترطون لربِّ الأرض زرعَ بقعةٍ بعينها، وهو ما نبت على الماذِيَانات(4) وأقبال الجداول(5) ونحو ذلك، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه. ولهذا قال الليث بن سعد(6)--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «نفس العمل».
(2) ع: «كالجاعل».
(3) يعني للمستأجر. ولم يرد «له» في «مجموع الفتاوى».
(4) فسَّرها صاحب الغريبين (6/ 1738) بالأنهار الكبار، مفردها ماذِيان، وقال: «إنها ليست بعربية، لكنها سوادية. والسواقي دون الماذيانات». وقال المطرزي في «المغرب» (1/ 438): الماذيان «أصغر من النهر وأعظم من الجدول، فارسي معرب». قلت: لم أجده في المعاجم الفارسية، ولعل كونها سوادية أصح.
(5) يعني: أوائلها وما استقبل منها.
(6) رواه البخاري في «الجامع الصحيح» (2346) عن الليث بمعناه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 237)
وغيره: إن الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم أمرٌ إذا(1) نظَر فيه ذو البصر(2) بالحلال والحرام علِمَ أنه لا يجوز. فتبيَّن أن النهي عن ذلك موجَب القياس، فإن هذا لو شُرط في المضاربة لم يجُز، فإن مبنى المشاركات على العدل بين الشريكين، فإذا خُصَّ أحدُهما بربح دون الآخر لم يكن ذلك عدلًا؛ بخلاف ما إذا كان [236/ب] لكلٍّ منهما جزء شائع، فإنهما يشتركان في المغنم وفي(3) المغرم. فإن حصل ربحٌ اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في المغرم، وذهب نفع بدن هذا كما ذهب نفع مال هذا. ولهذا كانت الوضيعة على المال، لأن ذلك في مقابلة ذهاب نفع المال.
ولهذا كان الصواب أنه يجب في المضاربة الفاسدة ربحُ المثل(4)، فيعطى العامل ما جرت العادة أن يعطاه مثلُه، إما نصفه أو ثلثه. فأما أن يعطى شيئًا مقدَّرًا مضمونًا في ذمة المالك كما يعطى في الإجارة والجعالة، فهذا غلط ممن قاله. وسببُ غلطه ظنُّه أن هذه إجارة، فأعطاه في فاسدها عوضَ المثل، كما يعطيه في الصحيح المسمَّى. ومما يبيِّن غلط هذا القول أن العامل قد يعمل عشر سنين أو أكثر، فلو أُعطي أجرة المثل أعطي أضعافَ رأس المال، وهو في الصحيحة لا يستحق إلا جزءً من الربح إن كان هناك ربح. فكيف يستحِقُّ في الفاسدة أضعافَ ما يستحقه في الصحيحة؟--------------------------------------------
(1) ع: «لو». وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) ت: «البصيرة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) ع: «والمغرم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(4) في حاشية ح زيادة: «لا أجرة المثل» وأدخلها ناسخ ف في المتن. وكذا في «مجموع الفتاوى».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 238)
وكذلك الذين أبطلوا المزارعة والمساقاة ظنُّوا أنهما إجارة بعوض مجهول فأبطلوهما. وبعضهم صحَّح منهما ما تدعو إليه الحاجة كالمساقاة على الشجر لعدم إمكان إجارتها بخلاف الأرض فإنه يمكن إجارتها، وجوَّزوا من المزارعة ما يكون تبعًا للمساقاة إما مطلقًا وإما إذا كان البياض الثلث. وهذا كلُّه بناء على أن مقتضى الدليل بطلان المزارعة، وإنما جُوِّزت للحاجة.
ومن أعطى النظرَ حقَّه علِم أن المزارعة أبعد عن الظلم والغَرر(1) من الإجارة بأجرة مسمَّاة [237/أ] مضمونة في الذمة، فإن المستأجر إنما يقصد الانتفاع بالزرع النابت في الأرض، فإذا لزمته الأجرة، ومقصوده من الزرع قد يحصل وقد لا يحصل، كان في هذا حصولُ أحد المعاوضين(2) على مقصوده دون الآخر. فأحدهما غانم ولا بد، والآخر متردِّد بين الغُنم والغُرم(3). وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركا فيه، وإن لم يحصل شيء اشتركا في الحرمان، فلا يختص أحدهما بحصول مقصوده دون الآخر، فهذا أقرب إلى العدل وأبعد عن الظلم والغرر من الإجارة.
والأصل في العقود كلِّها إنما هو: العدل الذي بُعثت به الرسل وأُنزلت به الكتب. قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]. والشارع نهى عن الربا لما--------------------------------------------
(1) «مجموع الفتاوى»: «والقمار».
(2) ف: «المتعاوضين»، وكذا أصلح في ح. وكذا في «مجموع الفتاوى».
(3) ع: «المغنم والمغرم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 239)
فيه من الظلم، وعن الميسِر لما فيه من الظلم، والقرآن جاء بتحريم هذا وهذا، وكلاهما أكلُ المال بالباطل. وما نهى عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم من المعاملات ــ كبيع الغَرر(1)، وبيع الثمر قبل بدوِّ صلاحه(2)، وبيع السنين(3)، وبيع حَبَل الحَبَلة(4)، وبيع المزابنة والمحاقلة(5)، وبيع الحصاة(6)، وبيع الملاقيح والمضامين(7)،
ونحو ذلك ــ هي داخلة إما في الربا وإما في الميسر.--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) أخرجه البخاري (1486) ومسلم (1534) من حديث ابن عمر.
(3) أخرجه مسلم (1536) من حديث جابر بن عبد الله.
(4) أخرجه البخاري (2143) ومسلم (1514) من حديث ابن عمر.
(5) أخرجه البخاري (2186) ومسلم (1546) من حديث أبي سعيد الخدري.
(6) أخرجه مسلم (1513) من حديث أبي هريرة.
(7) رواه مالك (2411) عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلا. ورواه عبد الرزاق (14137) عن معمر، عن الزهري به. وزلّ صالح بن أبي الأخضر، فرواه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعا! رواه إسحاق بن راهويه في «المسند» ــ وعنه محمد بن نصر المروزي في «السنة» (210)، ومن طريقه أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» (10/ 34)، وابن أبي عاصم في كتاب «البيوع»، والبزار في «المسند» (7785) من طريق صالح به، وأعلّه به. وهذا منكر جدّا. ورواه البزار (4828)، والطبراني (11581) من حديث ابن عباس مرفوعا، وفي سنده إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، ولم يكن بالقوي، ثم إن رواية داودَ بن الحصين عن عكرمة منكرة. ويُنظر: «السنة» لمحمد بن نصر المروزي (206)، و «الكامل» لابن عدي (6/ 434)، و «العلل» للدارقطني (9/ 183)، و «البدر المنير» لابن النحوي (6/ 293 - 295) .. وما في «المصنف» لعبد الرزاق (14138) غريبٌ جدّا، لا يُدْرَى وَجْهُه، ويُوَازَنُ بـ «السنة» لمحمد بن نصر المروزي (214 - 216).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 240)
فالإجارة بالأجرة المجهولة، مثل أن يكريه الدارَ بما يكسبه المكتري في حانوته(1) من المال هو من الميسر.
وأما المضاربة والمساقاة والمزارعة فليس فيها شيء من الميسر، بل هي من أقوَم العدل. وهو مما يبيِّن لك أن المزارعة التي يكون فيها البذر من العامل أولى بالجواز من المزارعة التي يكون فيها البذر من ربِّ الأرض. ولهذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه [237/ب] وسلم يزارعون على هذا الوجه. وكذلك عامَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم أهلَ خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع(2) على أن يعملوها من أموالهم. والذين اشترطوا أن يكون البذر من ربِّ الأرض قاسوا ذلك على المضاربة، فقالوا: المضاربة فيها المال من واحد والعمل من آخر، فكذلك المزارعة ينبغي أن يكون البذر فيها من مالك الأرض، وهذا القياس ــ مع أنه مخالف للسنة الصحيحة ولأقوال الصحابة - فهو من أفسد القياس، فإن المال في المضاربة يرجع إلى صاحبه، ويقتسمان الربح، فهذا نظير الأرض في المزارعة.
وأما البذر الذي لا يعود نظيره إلى صاحبه، بل يذهب كما يذهب نفع الأرض، فإلحاقُه بالنفع الذاهب أولى من إلحاقه بالأصل الباقي. فالعامل إذا أخرج البذر ذهب عملُه وبذرُه، وربُّ الأرض يذهب نفعُ أرضه، وبدنُ هذا كأرض هذا. فمن جعل البذر كالمال في المضاربة كان ينبغي له أن يعيد مثل هذا البذر إلى صاحبه، كما قال مثل ذلك في المضاربة، فكيف ولو اشترط ربُّ البذر عود نظيره لم يجوِّزوا ذلك؟--------------------------------------------
(1) كذا في النسخ و «مجموع الفتاوى». وفي المطبوع: «من حانوته».
(2) أخرجه البخاري (2328) ومسلم (1551) من حديث ابن عمر.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 241)
فصل
وأما الحوالة، فالذين قالوا: إنها على خلاف القياس، قالوا: هي بيع دَين بدين، والقياس يأباه. وهذا غلط من وجهين:
أحدهما: أن بيع الدَّين بالدَّين ليس فيه نصٌّ عام ولا إجماع، وإنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ(1)، والكالئ: هو المؤخَّر الذي لم يُقبَض(2)، كما لو أسلم شيئًا في شيء في الذمة، وكلاهما مؤخَّر، فهذا [238/أ] لا يجوز بالاتفاق، وهو بيع كالئ بكالئ.--------------------------------------------
(1) رواه ابن أبي شيبة (22566)، وأحمد بن منيع، والبزار [كما في «كشف الأستار» للهيثمي (1280)، و «إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيري (2855)]، وابن المنذر في «الأوسط» (10/ 119) ــ وقال: «وفي إسناده مقال» ــ، والطحاوي في «بيان المشكل» (2/ 265)، وفي «شرح المعاني» (4/ 21)، والعقيلي في «الضعفاء» (5/ 444)، من حديث ابن عمر مرفوعا، وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. ورواه الطبراني (4375) من طريق محمد بن يعلى (زنبور)، عن موسى بن عبيدة، لكن جُعِل الحديثُ من مسند رافع بن خديج! وزنبور واهٍ؛ فروايته هذه منكرة جدّا. وتابع الربذيَّ: إبراهيمُ بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وعنه رواه عبد الرزاق (14440)، والأسلمي هذا واهٍ متروكٌ.
ويُوازَن «السنن» للدارقطني (3060، 3061)، و «المستدرك» للحاكم (2/ 57) بـ «العلل» للدارقطني (13/ 193)، و «السنن الكبير» للبيهقي (5/ 290 - 201)، و «معرفة السنن والآثار» له (4/ 303 - 304). ويُنظَر: «الكامل» لابن عدي (8/ 47)، و «نصب الراية» للزيلعي (4/ 39 - 40)، و «البدر المنير» لابن النحوي (6/ 567 - 569)، و «التلخيص الحبير» لابن حجر (3/ 62).
(2) زاد بعضهم في ح تحت السطر: «بالمؤخر الذي لم يقبض» مع علامة «صح» بعده. وأدخله ناسخ ف في المتن. وكذا في «مجموع الفتاوى».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 242)
وأما بيع الدَّين بالدَّين، فينقسم إلى بيع واجب بواجب كما ذكرنا، وهو الممتنع. وينقسم إلى بيع ساقط بساقط، وساقط بواجب، وواجب بساقط(1)، وهذا فيه نزاع».
قلت: الساقط بالساقط في صورة المقاصَّة، والساقط بالواجب كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه، فسقط الدين المبيع، ووجب عوضه، وهو بيع الدين ممن هو في ذمته. وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم إليه في كُرِّ حنطة بعشرة دراهم في ذمته، فقد وجب له عليه دين، وسقط عنه له(2) دين غيره. وقد حُكي الإجماع على امتناع هذا، ولا إجماع فيه. قاله شيخنا، واختار جوازه. وهو الصواب، إذ لا محذور فيه. وليس بيعَ كالئ بكالئ، فيتناوله النهي بلفظه، ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى. فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة، فإنه لم يتعجَّل أحدهما ما يأخذه، فينتفع بتعجُّله(3)، وينتفع صاحب المؤخَّر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة.
وأما ما عداه من الصور الثلاث، فلكلٍّ منهما غرض صحيح ومنفعة مطلوبة. وذلك ظاهر في مسألة التقاصِّ، فإن ذمتهما تبرأ من أسرها، وبراءة الذمة مطلوب(4) لهما وللشارع. فأما في الصورتين الأخريَين(5) فأحدهما--------------------------------------------
(1) «وواجب بساقط» ساقط من «مجموع الفتاوى».
(2) في النسخ المطبوعة: «له عنه».
(3) في النسخ المطبوعة: «بتعجيله».
(4) ت: «مطلوبة».
(5) في المطبوع: «الأخرتين».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 243)
تعجَّل براءةَ ذمته، والآخر انتفع(1) بما يربحه. وإذا جاز أن يشغل أحدهما ذمته والآخر يحصل على الربح ــ وذلك في بيع العين بالدين ــ جاز أن يُفرغها [238/ب] من دين ويشغلها بغيره. وكأنه شغَلها به ابتداءً إما بقرض أو بمعاوضة، فكانت ذمته مشغولة بشيء، فانتقلت من شاغل إلى شاغل. وليس هناك بيع كالئ بكالئ، وإن كان بيع دين بدين فلم ينه الشارع عن ذلك، لا بلفظه ولا بمعنى لفظه. بل قواعد الشرع تقتضي جوازه، فإن الحوالة اقتضت نقلَ الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فقد عاوض المحيل المحتال من دينه بدين آخر في ذمة ثالث، فإذا عاوضه من دينه على دين آخر في ذمته كان أولى بالجواز. وبالله التوفيق.
رجعنا إلى كلام شيخ الإسلام، قال: الوجه الثاني ــ يعني مما يبيِّن أن الحوالة على وفق القياس ــ: أن الحوالة من جنس إيفاء الحق، لا من جنس البيع؛ فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء، فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدين عن الدين الذي في ذمة المحيل. ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحوالة في معرض الوفاء، فقال في الحديث الصحيح: «مطلُ الغني ظلمٌ، وإذا أُتبِع أحدُكم على مليءٍ فَلْيَتْبَعْ»(2). فأمر المدين بالوفاء، ونهاه عن المطل، وبيَّن أنه ظالم إذا مطل، وأمر الغريم بقبول الوفاء إذا أحيل على مليءٍ. وهذا كقوله تعالى: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] أمَر المستحِقَّ أن يطالب بالمعروف، وأمر المؤدِّي--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «ينتفع»، وكأن بعضهم صحَّف في الفعل السابق، فقرأ «يعجِّل»، فغيَّر هذا أيضًا إلى المضارع.
(2) أخرجه البخاري (2287) ومسلم (1564) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 244)
أن يؤدِّي بإحسان. ووفاء الدين ليس هو البيع الخاص، وإن كان فيه شوبُ [239/أ] المعاوضة.
وقد ظنَّ بعضُ الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين، بسبب أن الغريم إذا قبض الوفاء صار في ذمته للمدين(1) مثله، ثم يقاصُّ ما عليه بما له. وهذا تكلُّف أنكره جمهور الفقهاء، وقالوا: بل نفسُ المال الذي قبضه يحصل به الوفاء، ولا حاجة أن يقدِّر في ذمة المستوفي دينًا. وأولئك قصدوا أن يكون وفاء دين بدين(2)، وهذا لا حاجة إليه فإن الدين من جنس المطلق الكلي، والمعيَّن من جنس المعيَّن. فمن ثبت في ذمته دين مطلق كلّي، فالمقصود منه هو الأعيان الموجودة، وأيُّ معين استوفاه حصل به المقصود من ذلك الدين المطلق.
فصل
وأما القرض فمن قال: «إنه على خلاف القياس»، فشبهته أنه بيع ربوي بجنسه مع تأخُّر القبض. وهذا غلط، فإن القرض من جنس التبرُّع بالمنافع كالعارية. ولهذا سمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم منيحةً، فقال: «أو منيحةَ ذهبٍ أو منيحةَ وَرِقٍ»(3).--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «ذمة المدين».
(2) في النسخ المطبوعة: «بدين مطلق». ولم ترد كلمة «مطلق» في «مجموع الفتاوى» أيضًا.
(3) رواه أحمد (18403) من حديث النعمان بن بشير مرفوعًا. وله شاهد من حديث البراء بن عازب مرفوعا، رواه أحمد (18616، 18665، 18704)، وصححه الترمذي (1957)، وابن حبان (257). ويُنظر: «المسند» للبزار (3225).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 245)
وهذا من باب الإرفاق، لا من باب المعاوضات؛ فإن باب المعاوضات يعطي كلٌّ منهما أصل المال على وجه لا يعود إليه، وباب القرض من جنس باب العارية والمنيحة وإفقار الظهر مما يعطي فيه أصل المال لينتفع بما يستخلف منه ثم يعيده إليه بعينه إن أمكن، وإلا فنظيره ومثله. فتارةً ينتفع بالمنافع كما في عارية العقار، وتارة يمنحه ماشيةً ليشرب لبنها ثم يعيدها، أو شجرًا(1) ليأكل ثمرها ثم يعيدها، وتسمَّى «العَريَّة». فإنهم يقولون: أعراه الشجرَ، وأعاره المتاعَ، ومنحه الشاةَ، وأفقره الظهرَ [239/ب]، وأقرضه الدراهم.
واللبن والثمر لما كان يستخلف شيئًا بعد شيء كان بمنزلة المنافع، ولهذا كان في الوقف يجري مجرى المنافع. وليس هذا من باب البيع في شيء، بل هو من باب الإرفاق والتبرُّع والصدقة، وإن كان المقرض قد ينتفع أيضًا بالقرض كما في مسألة السُّفْتَجة، ولهذا كرهها من كرهها(2). والصحيح أنها لا تُكره، لأن المنفعة لا تخُصُّ المقرض، بل ينتفعان بها(3) جميعًا.
فصل
وأما إزالة النجاسة، فمن قال: إنها على خلاف القياس، فقوله من أبطل الأقوال وأفسدها. وشبهته أن الماء إذا لاقى نجاسةً تنجَّس بها، ثم الثاني(4)--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «شجرة»، وكذا في «مجموع الفتاوى».
(2) الجملة «ولهذا كرهها من كرهها» زيدت في حاشية ح، وهي في متن ف، وكذا في «مجموع الفتاوى».
(3) ح، ف، ت: «بهما».
(4) ع: «لاقي الثاني»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 246)
والثالث كذلك، وهلم جرًّا، والنَّجِس لا يزيل نجاسةً. وهذا غلط، فإنه يقال: لمَ(1) قلتم: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسةً نجُسَ؟ فإن قلتم: الحكم في بعض الصور كذلك، قيل: هذا ممنوع عند من يقول: الماءُ(2) لا ينجُس إلا بالتغير.
فإن قيل: فيقاس ما لم يتغيَّر على ما تغيَّر.
قيل: هذا من أبطل القياس حسًّا وشرعًا. وليس جعلُ الإزالة مخالفةً للقياس بأولى من جعل تنجيس الماء مخالفًا للقياس. بل يقال: إن القياس يقتضي أن الماء إذا لاقى نجاسةً لا ينجُس، كما أنه إذا لاقاها حالَ الإزالة لا ينجُس. فهذا القياس أصح من ذلك القياس، لأن النجاسة تزول بالماء حسًّا وشرعًا، وذلك معلوم بالضرورة من الدين بالنص والإجماع(3). وأما تنجيس الماء بالملاقاة فموردُ نزاع، فكيف يُجعل موردُ النزاع حجةً على مواقع الإجماع؟ والقياس يقتضي ردَّ موارد النزاع إلى مواقع الإجماع.
وأيضًا فالذي تقتضيه العقول أن الماء إذا لم تغيِّره النجاسة لا ينجُس، فإنه باقٍ على أصل خلقته. وهو طيِّب، فيدخل في قوله: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]. وهذا هو القياس في المائعات جميعها إذا وقع فيها نجاسة، فاستحالت بحيث لم يظهر لها لون ولا طعم ولا ريح.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «فلم».
(2) في النسخ المطبوعة: «إن الماء».
(3) «بالنص والإجماع» زيد فوق السطر في ح، وهو في متن ف. وفي «مجموع الفتاوى»: «لأن النجاسة تزول بالماء بالنص والإجماع».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 247)