لكان(1) عفوًا لا يجوز الحكمُ بتحريمه وإبطاله، فإن الحلال ما أحلَّه الله، والحرام ما حرَّمه، وما سكت عنه فهو عفو. فكلُّ شرط وعقد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القول بتحريمها، فإنه سكت عنها رحمةً منه، من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرَّحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرَّمه؟
وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود والعهود كلِّها، فقال: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} [الإسراء: 34]. وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]. وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8]. وقال تعالى: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة: 177]. وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3]. وقال: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76]. وقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال: 58]. وهذا كثير في القرآن.
وفي «صحيح مسلم»(2) من حديث الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو [209/أ] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربعٌ مَن كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا. ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدَعَها: إذا حدَّث كذَب، وإذا عاهد غدَر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجَر».--------------------------------------------
(1) ع: «لكان ذلك»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) برقم (58). وأخرجه البخاري أيضًا برقم (34، 2459، 3178).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 168)
وفيه(1) من حديث سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من علامات المنافق ثلاث، وإن صلَّى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خان».
وفي «الصحيحين»(2) من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يُرفَع لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان».
وفيهما(3) من حديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أحقَّ الشروط أن تُوفُوا بها ما استحللتم به الفروجَ».
وفي «سنن أبي داود»(4) عن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيتُه أُلقِيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله، والله إني لا أرجع إليهم أبدًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أَخِيسُ بالعهد(5)، ولا أحبِس البُرُدَ(6). ولكن ارجعْ إليهم، فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن، فارجع». قال: فذهبتُ، ثم أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأسلمتُ(7).--------------------------------------------
(1) برقم (59).
(2) البخاري (3188) ومسلم (1735).
(3) البخاري (2721) ومسلم (1418).
(4) برقم (2758).
(5) أي لا أنقضه.
(6) البُرُد: جمع بريد، وهو الرسول. قال الخطّابي في «معالم السنن» (2/ 317): «يشبه أن يكون المعنى في ذلك أن الرسالة تقتضي جوابًا، والجواب لا يصل إلى المرسل إلا على لسان الرسول بعد انصرافه، فصار كأنه عقد له العهد مدة مجيئه ورجوعه».
(7) رواه أحمد (23857)، وأبو داود (2758)، والنسائي في «السنن الكبرى» (8621) من حديث أبي رافع رضي الله عنه. وصححه ابن حبان (3672).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 169)
وفي «صحيح مسلم»(1) عن حذيفة قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلّا أني خرجتُ أنا وأبي حُسَيلٌ، فأخَذَنا كفارُ قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منَّا عهدَ [209/ب] الله وميثاقَه لَننصرفَنَّ إلى المدينة، ولا نقاتل معه. فأتينا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرناه الخبرَ، فقال: «انصرفا نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم».
وفي «سنن أبي داود»(2)
عن عبد الله بن عامر قال: دعتني أمِّي يومًا، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم قاعدٌ في بيتها، فقالت: تعالَ أُعطِك. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أردتِ أن تعطيه؟». فقالت: أُعطيه تمرًا. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمَا، إنكِ لو لم تعطيه شيئًا كُتِبَتْ عليكِ كَذْبةٌ».
وفي «صحيح البخاري»(3) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أَعطَى بي، ثم غدَر. ورجل باع حُرًّا، فأكل ثمنه(4). ورجل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه، ولم يعطه أجره».--------------------------------------------
(1) برقم (1787).
(2) برقم (4991). ورواه أحمد (15702).
وفي سنده مولى عبد الله بن عامر، وقد سمّاه يحيى بن أيوب المصري زيادًا، كما في «المعرفة والتاريخ» ليعقوب بن سفيان (1/ 251)، و «معجم الصحابة» لأبي القاسم البغوي (2176). وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (9/ 483)، مع أن زيادًا هذا مجهول. ولعل الضياء قوّاه، للأحاديث التي تشهد لصحّة معناه. وينظر: «السلسلة الصحيحة» (748)، و «المقاصد الحسنة» (ص 534، 863).
(3) برقم (2227).
(4) «فأكل ثمنه» ساقط من ح، ت.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 170)
وأمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب أن يوفي بالنذر الذي نذره في الجاهلية من اعتكافه ليلةً عند المسجد الحرام(1). وهذا كان عُقِد(2) قبل الشرع.
وقال ابن وهب: ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وَأْيُ(3) المؤمنِ واجب»(4).
قال ابن وهب: وأخبرني إسماعيل(5)
بن عياش، عن أبي إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «ولا تَعِدْ أخاك عِدةً وتُخلِفَه، فإن ذلك يُورِث بينك وبينه عداوة».
قال ابن وهب: وأخبرني الليث بن سعد، عن عُقَيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لصبيٍّ: تعال، هاهْ لك(6)؛--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (2043) ومسلم (1656) من حديث ابن عمر.
(2) في النسخ المطبوعة: «عقدٌ كان».
(3) الوأي: الوعد.
(4) رواه أبو داود في «المراسيل» (523) من طريق ابن وهب به. وزيد بن أسلم من صغار التابعين.
(5) كذا نقله تبعًا لابن حزم في «المحلى» (8/ 29)، وإنما رواه ابن وهب في «الجامع» (208) عن مسلمةَ وغيرِه، عن رجل، عن أبي إسحاق (فذكره مرسلا). ومسلمة هذا هو ابن علي الخشني، وهو واهٍ متروك، ومتابِعُ مسلمةَ وشيخُهما مبهَمان، لم يُسَمَّيَا.
وإنما روى ابن وهب (207) عن إسماعيل بن عياش أثرًا آخر عن أبي الدرداء، ساقه معضلًا. ورفعُ الحديثِ من طريق أبي إسحاق غريبٌ؛ فقد رواه عبد الرزاق (20593) عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى … (فذكره من كلام داود عليه السلام. ويُنظر: «الجامع» للترمذي (1995)، و «الصمت» لابن أبي الدنيا (518)، و «الجامع لشعب الإيمان» للبيهقي (10529).
(6) كذا في النسخ و «المحلَّى» ومنه نقل المصنف هذا الأثر وغيرَه هنا. وفي النسخ المطبوعة: «هذا لك». وفي «المسند»: «هاكَ».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 171)
ثم لم يُعطه [210/أ] شيئًا= فهي كَذْبة»(1).
وفي «السنن» من حديث كثير بن عبد الله بن زيد(2) بن عمرو بن عوف عن أبيه، عن جدِّه، يرفعه: «المسلمون(3) عند شروطهم».
وله شاهد من حديث محمد بن عبد الرحمن البَيْلَماني، عن أبيه، عن ابن عمر يرفعه: «الناس على شروطهم ما وافق الحقَّ»(4).--------------------------------------------
(1) رواه ابن وهب في «الجامع» (514) عن الليث به. ورواه أحمد (9836) عن حجاج (وهو المصيصي)، عن الليث به. ورواه ابن أبي الدنيا في «الصمت» (519)، وفي «مكارم الأخلاق» (149) من طريق أبي النضر، عن الليث به. وخالفهم ابن المبارك، فرواه في «الزهد» (375) عن الليث به موقوفًا. وهو منقطع على كلّ حال، والزهري لم يسمع من أبي هريرة.
(2) كذا لفّق بين اسم رجليْن، تبعًا لابن حزم في المحلى (8/ 162، 163، 414). والحق أنه قد روى هذا الحديث رجلان: الأول: كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المُزني ــ وهو واهٍ جدًّا ــ، رواه عن أبيه، عن جدِّه مرفوعًا. ومن طريقه أخرجه الترمذي (1352) وصحّحه! وأصل الحديث عند ابن ماجه (2353). والثاني: سَمِيُّه كثير بن زيد، رواه عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا. ومن طريقه أسنده أحمد (8784)، وأبو داود (3594).
(3) في النسخ المطبوعة: «المؤمنون».
(4) رواه البزار في «المسند» (5408)، والعقيلي في «الضعفاء» (6/ 231)، وفي سنده محمد ابن البيلماني واهٍ، والراوي عنه محمد بن الحارث الحارثي ضعيف، على أن عبد الرحمن ابن البيلماني (والد محمد) ليّن الحديث، ولم يثبت سماعُه من ابن عمر. ورُوِيَ من حديث عائشة وأنس، رواه الدارقطني (2893، 2894)، والحاكم (2/ 49 - 50)، والبيهقي وضعّفه. والحق أنه مختلقٌ مصنوع، آفتُه عبد العزيز بن عبد الرحمن الجزري البالسي. ورواه الدارقطني (2891) بسندٍ كالشمس من حديث أبي هريرة مرفوعًا، ركّبه عبد الله بن الحسين المصيصي، وعفا الله عن الحاكم الذي أخرج حديثه هذا (2/ 50) ووثّق هذا التالف، وصحّح حديثه هذا على شرط الشيخين!
ويُنظر: «بيان الوهم والإيهام» لابن القطان (3/ 130 - 131، 526 - 527)، و «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (4/ 40 - 42)، و «البدر المنير» لابن النحوي (6/ 552 - 554، 685 - 689).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 172)
وليست العمدة على هذين الحديثين، بل على ما تقدم.
فصل
وأصحاب القول الآخر يجيبون عن هذه الحجج: تارةً بنسخها، وتارةً بتخصيصها ببعض العهود والشروط، وتارةً بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه، وتارةً بمعارضتها بنصوص أخر، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط. كتاب الله أحقُّ، وشرطُ الله أوثق»(1)، وكقوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ»(2)، وبقوله(3) تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] ونظائر هذه الآية.
قالوا: فصحَّ بهذه النصوص إبطالُ كلِّ عهد وعقد ووعد وشرط ليس في--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (2168) ومسلم (1504) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2) رواه مسلم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3) السياق: «بمعارضتها بنصوص أخر كقول النبي صلى الله عليه وسلم … وبقوله تعالى». وفي ع والنسخ المطبوعة: «وكقوله».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 173)
كتاب الله الأمرُ به أو النصُّ على إباحته. قالوا: وكلُّ شرط أو عقد ليس في النصوص إيجابه ولا الإذن(1) فيه، فإنه لا يخلو من أحد وجوه أربعة: إما أن يكون صاحبُه قد التزم فيه إباحة ما حرَّم الله ورسوله، أو تحريم ما أباحه، أو إسقاط ما أوجبه، أو إيجاب ما أسقطه؛ ولا خامس لهذه الأقسام البتة. فإن ملَّكتم المشترط والمعاقد والمعاهد [210/ب] جميعَ ذلك انسلختم من الدين، وإن ملَّكتموه البعض دون البعض تناقضتم، وسألناكم ما الفرق بين ما يملكه من ذلك وما لا يملكه؟ ولن تجدوا إليه سبيلًا.
فصل
قال الجمهور: أما دعواكم النسخ فإنها دعوى باطلة، تتضمَّن أن هذه النصوص ليست من دين الله، ولا يحِلُّ العمل بها، وتجب مخالفتها. وليس معكم برهان قاطع بذلك، فلا تُسمَع دعواه، وأين التحاكم(2) إلى الاستصحاب والتشبُّث(3) به ما أمكنكم؟
وأما تخصيصها، فلا وجه له. وهو يتضمن إبطال ما دلَّت عليه من العموم، وذلك غير جائز إلا ببرهان من الله ورسوله.
وأما ضعفُ بعضها من جهة السند، فلا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة.--------------------------------------------
(1) ح، ف: «الإيذان».
(2) ع: «التجاؤكم».
(3) ع: «التسبب»، وفي المطبوع: «التثبت»، وكلاهما تصحيف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 174)
وأما معارضتها بما ذكرتم، فليس بحمد الله بينها وبينه تعارض. وهذا إنما يُعرَف بعد معرفة المراد بكتاب الله في قوله: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله». ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعًا، فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، بل عُلِمت من السنة. فعُلِم أن المراد بكتاب الله حكمه، كقوله: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كتابُ الله: القصاص»(1) في كسر السِّنِّ. فكتابه سبحانه يطلق على كلامه، وعلى حكمه الذي حكَم به على لسان رسوله. ومعلوم أن كلَّ شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له، فيكون باطلًا. فإذا كان الله ورسوله قد حكم بأن الوَلاء [211/أ] للمُعتِق، فشُرِط خلافُ ذلك كان(2) شرطًا مخالفًا لحكم الله. ولكن أين في هذا أن ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلًا حرامًا؟(3) وتعدِّي حدود الله هو تحريم ما أحلَّه الله، أو إباحة ما حرَّمه، أو إسقاط ما أوجبه؛ لا إباحة ما سكت عنه وعفا عنه. بل تحريمه هو نفس تعدِّي حدوده.
وأما ما ذكرتم من تضمُّن الشرط لأحد تلك الأمور الأربعة، ففاتكم قسم خامس، وهو الحقُّ، وهو ما أباح الله سبحانه للمكلَّف تنويعَ أحكامه بالأسباب التي ملَّكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يُحِلُّه له بعد أن كان حرامًا عليه، أو يحرِّمه عليه بعد أن كان حلالًا له، أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبًا، أو يُسقطه بعد وجوبه. وليس في ذلك تغيير لأحكامه، بل كلُّ ذلك من أحكامه سبحانه. فهو الذي أحلَّ وحرَّم، وأوجب وأسقط؛ وإنما إلى--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (2703) من حديث أنس رضي الله عنه.
(2) في النسخ المطبوعة: «يكون»، كأن بعضهم قرأ: «فشرطُ خلافِ ذلك»، فغيَّر الفعل.
(3) زِيد في المطبوع بعده بين حاصرتين: «وتعدِّيًا لحدوده».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 175)
العبد الأسباب المقتضية لتلك الأحكام ليس إلا. فكما أن شِرى(1) الأمة ونكاح المرأة يُحِلُّ له ما كان حرامًا عليه قبله، وطلاقها وبيعها بالعكس يحرِّمها عليه ويُسقط عنه ما كان واجبًا عليه من حقوقها= كذلك التزامه بالعقد والعهد والنذر والشرط. فإذا ملَك تغيير الحكم بالعقد ملَكه بالشرط الذي هو تابع له. وقد قال تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، فأباح التجارة التي تراضى بها المتبايعان. فإذا تراضيا على شرط لا يخالف حكم الله جاز لهما ذلك، ولا يجوز إلغاؤه، وإلزامهما بما لم يلتزماه، ولا ألزمهما الله ورسوله(2) به. فلا يجوز(3) إلزامهما بما لم يُلزمهما الله ورسوله به ولا هما التزماه. ولا إبطالُ ما شرطاه مما لم يحرِّم الله(4) عليهما شرطه. ومحرِّم الحلال كمحلِّل الحرام.
فهؤلاء ألغوا من شروط المتعاقدين ما لم يُلْغِه الله ورسوله، وقابلهم آخرون من القيَّاسين(5)، فاعتبروا من شروط الواقفين ما ألغاه الله(6) ورسوله. وكلا القولين خطأ، بل الصواب: إلغاءُ كلِّ شرط خالف حكم الله، واعتبارُ كلِّ شرط لم يحرِّمه(7) ولم يمنع منه. وبالله التوفيق.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «شراء».
(2) في النسخ المطبوعة: «ولا رسوله».
(3) في النسخ المطبوعة: «ولا يجوز».
(4) في النسخ المطبوعة زيادة: «ورسوله».
(5) في النسخ المطبوعة: «القياسيين» كالعادة.
(6) بعده في ع: «عليهما شرطه ورسوله».
(7) في النسخ المطبوعة: «لم يحرمه الله».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 176)
فصل
وأما أصحاب الرأي والقياس، فإنهم لما(1) لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافيةً بالأحكام ولا شاملةً لها، وغلاتُهم على أنها لم تَفِ بعُشْر معشارها= وسَّعوا(2) طرق الرأي والقياس، وقالوا بقياس الشَّبَه، وعلَّقوا الأحكام بأوصاف لا يُعلم أن الشارع علَّقها بها، واستنبطوا عِللًا لا يُعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها. ثم اضطرَّهم ذلك إلى أن عارضوا بين كثير من النصوص والقياس، ثم اضطربوا، فتارة يقدِّمون القياس، وتارةً يقدِّمون النص، وتارةً يفرِّقون بين النص المشهور وغير المشهور. واضطرَّهم ذلك أيضًا إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنها شُرِعت على خلاف القياس، فكان خطؤهم من خمسة أوجه:
أحدها: ظنُّهم قصورَ النصوص عن بيان جميع الحوادث.
الثاني: معارضة كثير من [212/أ] النصوص بالرأي والقياس.
الثالث: اعتقادهم في كثير من أحكام الشريعة أنها على خلاف الميزان والقياس. والميزان هو العدل، فظنوا أن العدل خلاف ما جاءت به من هذه الأحكام.
الرابع: اعتبارهم عللًا وأوصافًا لم يُعلم اعتبار الشارع لها، وإلغاؤهم--------------------------------------------
(1) «لما» ساقطة من ع.
(2) بإزائها في حاشية ع ثلاث نقاط علامة الإشكال، لأجل سقوط «لما» منها. وفي النسخ المطبوعة: «فوسعوا»، ولعل بعضهم زاد الفاء لإزالة الإشكال المذكور، لكن هذه الطبعات جمعت بين «لما» والفاء!
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 177)
عللًا وأوصافًا اعتبرها الشارع، كما تقدَّم بيانه.
الخامس: تناقضهم في نفس القياس، كما تقدَّم أيضًا.
ونحن نعقد هاهنا(1) ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في بيان شمول النصوص للأحكام، والاكتفاء بها عن الرأي والقياس.
الفصل الثاني: في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس وبطلانها مع وجود النص.
الثالث(2): في بيان أن أحكام الشرع كلَّها على وفق القياس الصحيح، وليس فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح.
وهذه الفصول الثلاثة من أهمِّ فصول الكتاب، وبها يتبيَّن للعالم المنصف مقدارُ الشريعة وجلالتها، وهيمنتها، وسعتها، وفضلها وشرفها على جميع الشرائع؛ وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو عامُّ الرسالة إلى كلِّ مكلَّف، فرسالته عامة في كلِّ شيء من الدين: أصوله وفروعه، ودقيقه وجليله. فكما لا يخرج أحد عن رسالته، فكذلك لا يخرج حكمٌ تحتاج إليه الأمة عنها وعن بيانه له. ونحن نعلم أنا لا نوفِّي هذه الفصول حقَّها ولا نقارب، وأنها أجلُّ من علومنا وفوق إدراكنا، ولكن ننبِّه أدنى تنبيه، ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح [212/ب] أبوابها ويُنْهِج طرقَها. والله المستعان، وعليه التكلان.--------------------------------------------
(1) ت: «نعقد لها».
(2) في النسخ المطبوعة: «الفصل الثالث».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 178)
الفصل الأول
في شمول النصوص وإغنائها عن القياس
وهذا يتوقف على بيان مقدمة، وهي أن دلالة النصوص نوعان: حقيقية، وإضافية. فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته، وهذه الدلالة لا تختلف. والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجَودة قريحته(1)، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ(2) ومراتبها. وهذه الدلالة تختلف اختلافًا متباينًا بحسب تباين السامعين في ذلك.
وقد كان أبو هريرة وعبد الله بن عمرو(3) أحفظ الصحابة للحديث وأكثرهم رواية له. وكان الصدِّيق وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أفقه منهما، بل عبد الله بن عباس أيضًا أفقه منهما ومن عبد الله بن عمرو(4). وقد أنكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم على عمر فهمَه إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله: «إنك ستأتيه وتتطوَّف به»(5)، فإنه لا دلالة في هذا اللفظ على--------------------------------------------
(1) أضاف بعضهم في ح باء الجر: «بقريحته» إذ قرأ: «جُوده». ولهذا الخطأ في قراءة الكلمة أثبت في ع: «جوده وقريحته». والصواب ما أثبت، وهو المقترح في حاشية ف. وفي النسخ المطبوعة: «وجودة فكره وقريحته»، والظاهر أن من أضاف كلمة فكره كانت نسخته موافقة لنسخة ع.
(2) ع: «ومعرفة الألفاظ».
(3) ت: «عمر». وكذا في النسخ المطبوعة.
(4) هنا في ت أيضًا كما أثبت من غيرها. ولكن في النسخ المطبوعة: «عمر».
(5) انظر حديث صلح الحديبية. أخرجه البخاري (2731) ولفظه: «فإنك آتيه ومطوِّف به». وفي ع: «تطوف»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 179)
تعيين العام الذي يأتونه فيه. وأنكر على عدي بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفسَ العِقالين(1). وأنكر على من فهم من قوله: «لا يدخل الجنة مَن في قلبه مثقالُ ذرَّة(2) من كِبْر» شمولَ لفظه لحسن الثوب وحسن النعل، وأخبرهم أنه «بطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ الناس»(3).
وأنكر على من فهم من قوله: «من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ اللهُ لقاءه، ومن كرِه لقاءَ الله كره اللهُ لقاءه»(4) أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر [213/أ] إذا احتُضِر وبُشِّر بالعذاب فإنه حينئذ يكره لقاءَ الله، واللهُ يكره لقاءه؛ وأن المؤمن إذا احتُضِر وبُشِّر بكرامة الله أحبَّ لقاء الله، وأحبَّ الله لقاءه.
وأنكر على أم سلمة(5) إذ فهمت من قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الإنشقاق: 8] معارضته لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عُذِّب»(6) وبيَّن لها أن الحساب اليسير هو العرض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة(7).
وأنكر على من فهم قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) ع: «كان في قلبه مثقال حبة»، وفي النسخ المطبوعة «كان … حبة خردلة».
(3) أخرجه مسلم (147) من حديث عبد الله بن مسعود.
(4) أخرجه البخاري (6507) من حديث عبادة بن الصامت. ومسلم (2684) من حديث عائشة. وانظر: «درء التعارض» (2/ 132).
(5) كذا في النسخ، والصواب: «عائشة» كما في «الصحيحين».
(6) أخرجه البخاري (4939) ومسلم (2876) من حديث عائشة.
(7) وانظر: «الصواعق المرسلة» (3/ 1053)، و «درء تعارض العقل» (7/ 48).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 180)
أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة، وأنه لا يسلَم أحد من عمل السوء؛ وبيَّن أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهمِّ والحزن والمرض والنَّصَب(1)، وغير ذلك من مصائبها. وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة.
وأنكر على من فهم من قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] أنه ظلم النفس بالمعاصي، وبيَّن أنه الشرك، وذكر قول لقمان لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}(2) [لقمان: 13]، مع أن سياق اللفظ عند إعطائه حقَّه من التأمل يبيِّن ذلك، فإن الله سبحانه لم يقل: ولم يظلموا أنفسهم، بل قال: {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ}. ولبسُ الشيء بالشيء: تغطيته به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطِّي الإيمانَ ويحيط به ويلبسه إلا الكفر. ومن هذا: قوله تعالى: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] [213/ب] فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن أبدًا، فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به. ومع أن سياق قوله: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ--------------------------------------------
(1) رواه أحمد (68) من طريق أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه مرفوعا، وابن أبي زهير هذا مستور الحال، ولم يسمع من الصدِّيق. ومع ذلك ساق ابن حبان حديثَه هذا في «المسند الصحيح» (570، 4413)، وصححه أيضًا الحاكم (3/ 74 - 75). وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (1/ 159 - 161)، لكنه أشار إلى انقطاع سنده.
(2) أخرجه البخاري (32) ومسلم (124) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 181)
بِالْأَمْنِ}(1) [الأنعام: 81]، ثم حكم الله أعدلَ حكمٍ وأصدقَه أن من آمن ولم يلبس إيمانه بظلم فهو أحقُّ بالأمن والهدى، فدلَّ على أن الظلم: الشرك(2).
وسأله عمر بن الخطاب عن الكلالة، وراجعه فيها مرارًا، فقال: «تكفيك آية الصيف»(3). واعترف عمر بأنه خفي عليه فهمُها، وفهِمَها الصدِّيق(4).
وقد نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية، ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه لكونها لم تُخمَّس(5). وفهم بعضهم أن النهي لكونها كانت حَمولةَ القوم وظهرَهم(6). وفهم بعضهم أنه لكونها كانت جوَّالَ القرية(7). وفهم علي بن أبي طالب وكبار الصحابة ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي، وصرَّح بعلَّته من كونها رجسًا(8).
وفهمت المرأة من قوله تعالى: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} [النساء: 20] جواز المغالاة في الصَّداق، فذكرته لعمر، فاعترف به(9).--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة أكملت الآية.
(2) وانظر: «الصواعق المرسلة» (3/ 1057).
(3) يعني التي في آخر سورة النساء، وقد نزلت في الصيف.
(4) أخرجه مسلم (567، 1617) عن معدان بن أبي طلحة.
(5) أخرجه البخاري (3155) ومسلم (1937) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.
(6) أخرجه البخاري (4227) ومسلم (1939) عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(7) انظر حديث ابن أبي أوفى في «صحيح البخاري» (4220).
(8) في حديث أنس بن مالك. أخرجه البخاري (5528). وانظر: «زاد المعاد» (3/ 303).
(9) رواه عبد الرزاق (10420) من طريق أبي عبد الرحمن السلمي، لكن في السند إليه قيس بن الربيع، وهو ضعيف، على أن أبا عبد الرحمن السلمي لم يسمع من عمر رضي الله عنه. ورواه سعيد بن منصور (598) ــ ومن طريقه الطحاوي في «بيان المشكل» (13/ 57) ــ من رواية مجالد، عن الشعبي. ومجالد ضعيف، والشعبي لم يُدرك عمر رضي الله عنه. ويُنظر: «التاريخ» لابن أبي خيثمة (4064، 4065 - السِّفْر الثالث)، و «العلل» للدارقطني (2/ 238 - 239)، و «مسند الفاروق» لابن كثير (2/ 498 - 499).
ويَحْسُنُ تدبُّر ما في «السنن» لسعيد بن منصور (599)، و «السنن الكبير» للبيهقي (7/ 233).
وانظر: «الصواعق المرسلة» (2/ 521) و «زاد المعاد» (5/ 476).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 182)
وفهم ابن عباس من قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] مع قوله: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] أن المرأة قد تلد لستَّة أشهر. ولم يفهمه عثمان، فهمَّ برَجْم امرأةٍ ولَدت لها، حتى ذكَّره به ابن عباس فأقرَّ به.(1).
ولم يفهم عمر من قوله: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصموا مني [214/أ] دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها» قتالَ--------------------------------------------
(1) رواه عبد الرزاق (13446) ــ ومن طريقه ابن جرير في «جامع البيان» (4/ 202)، وعمر بن شبة في «أخبار المدينة» (3/ 977) من رواية أبي عبيد (وهوسعد بن عبيد). وسنده صحيح، وقد صحّحه الحافظ عبد العزيز بن محمد النخشبي في تخريج «الفوائد الحنائيات» (2/ 1296)، وابن النحوي في «البدر المنير» (8/ 132)، وابن حجر في «التلخيص الحبير» (3/ 440). ويُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (13447)، و «السنن» لسعيد بن منصور (2075)، و «أخبار المدينة» عمر بن شبة (3/ 978 - 980)، و «التفسير» لابن أبي حاتم (2265، 18566).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 183)
مانعي الزكاة حتى بيَّنه(1) له الصديق، فأقرَّ به(2).
وفهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}(3) [المائدة: 93] رفعَ الجناح عن الخمر، حتى بيَّن له عمر أنه لا يتناول الخمر(4). ولو تأمَّل سياقَ الآية لَفهِم المراد منها، فإنه إنما رفع الجناح عنهم فيما طعِموه مُتَّقين له فيه. وذلك إنما يكون باجتناب ما حرَّمه من المطاعم، فالآية لا تتناول المحرَّم بوجه ما.
وقد فهم مَن فهِم(5) من قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] انغماس الرجل في العدو، حتى بيَّن له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضات الله، وأن الإلقاء بيده إلى التهلكة هو تركُ الجهاد(6) والإقبالُ على الدنيا وعمارتها(7).--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «بيَّن».
(2) انظر حديث أبي هريرة رضي الله عنه، رواه البخاري (1399، 1400) ومسلم (20).
(3) في النسخ المطبوعة زيادة: «إذا ما اتقوا وآمنوا».
(4) رواه النسائي في «السنن الكبرى» (5270) من حديث ابن عباس رضي الله عنه. وله شاهد من رواية عبد الله بن عامر بن ربيعة، رواه عبد الرزاق (17076) ــ ومن طريقه البيهقي (8/ 315) ــ، وعمر بن شبة في «أخبار المدينة» (3/ 842 - 844). وطرفُه الأولُ عند البخاري في «الصحيح» (4011)، لكنه اختصره، ولم يَسُقْ محلّ الشاهد، ويَحْسُنُ تدبُّرُ صنيعِه في «التاريخ الأوسط» (1/ 388).
(5) «مَن فهِم» ساقط من النسخ المطبوعة.
(6) في المطبوع أخّر «ترك الجهاد» على «وعمارتها». وانظر: «زاد المعاد» (3/ 79).
(7) رواه أبو داود (2512)، والترمذي (2972) ــ وصحّحه ــ، والنسائي في «السنن الكبرى» (10961، 10962) من طريق أسلم أبي عمران، عن أبي أيوب رضي الله عنه.
وصححه أيضًا ابن حبان (4278)، والحاكم (2/ 84 - 85، 275).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 184)
وقال الصدِّيق رضي الله عنه: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية، تضعونها(1) على غير مواضعها(2): {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيِّروه أوشك أن يعُمَّهم الله بعقابٍ(3) من عنده»(4). فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلافَ ما أريد بها(5).
وأشكل على ابن عباس أمرُ الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نُهِيت عنه من اليهود: هل عُذِّبوا أو نجَوا، حتى بيَّن له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذَّبين(6). وهذا هو الحق، لأنه سبحانه قال عن [214/ب] الساكتين:--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «وتضعونها».
(2) ح، ف: «موضعها».
(3) ت، ع: «بعذاب».
(4) رواه أحمد (1، 16، 29، 30، 53)، وأبو داود (4338)، والترمذي (2168، 3057) ــ وصححه ــ، وابن ماجه (4005)، والنسائي في «السنن الكبرى» (11092). وصححه أيضًا ابن حبان (4511، 4512)، وأورده الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (1/ 143 - 149). ويُنظر: «العلل» لابن أبي حاتم (1788)، و «العلل» للدارقطني (1/ 250 - 252)، و «الفصل للوصل المدرج في النقل» للخطيب (1/ 139 - 145).
(5) وانظر: «الداء والدواء» (ص 121).
(6) رواه عبد الرزاق في «التفسير» (953) ــ ومن طريقه ابن جرير (10/ 515) ــ وفي سنده رجلٌ مُبْهَمٌ لم يُسَمَّ، وله طريق أخرى عند ابن جرير في «جامع البيان» (10/ 514).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 185)
{وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} [الأعراف: 164]، فأخبر أنهم أنكروا فعلَهم، وغضبوا عليهم. وإن لم يواجهوهم بالنهي، فقد واجههم به مَن أدَّى الواجب عنهم؛ فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين، فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم. وأيضًا فإنه(1) سبحانه إنما عذَّب الذين نَسُوا ما ذُكِّروا به، وعتَوا عما نُهوا عنه. وهذا لا يتناول الساكتين قطعًا. فلما بيَّن عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذَّبين كساه بُردةً، وفرح به.
وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة: ما تقولون في {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} السورة؟ قالوا: أمر الله نبيَّه إذا فَتَح عليه أن يستغفره. فقال لابن عباس: ما تقول أنت؟ قال: هو أجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلَمَه إياه. فقال: ما أعلم منها غيرَ ما تعلم(2). وهذا من أدقِّ الفهم وألطَفه، ولا يدركه كلُّ أحد. فإنه سبحانه لم يعلِّق الاستغفار بعمله(3)، بل علَّقه بما يُحدثه هو سبحانه من نعمة، مِن فتحِه على رسوله ودخولِ الناس في دينه. وهذا ليس بسبب للاستغفار(4)، فعُلِم أن سبب الاستغفار غيره، وهو حضور الأجل الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقُه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه(5)، ليلقى ربه طاهرًا مطهَّرًا من كلِّ ذنب، فيقدَم عليه مسرورًا راضيًا مرضيًّا عنه.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «فإن الله».
(2) أخرجه البخاري (4294).
(3) في المطبوع: «بعلمه»، وهو خطأ.
(4) ت، ع: «الاستغفار».
(5) يعني: بين يدي الأجل.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 186)
ويدل عليه أيضًا قوله: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}(1) وهو صلى الله عليه وسلم كان يسبح بحمده دائمًا. [215/أ] فعُلِم أن المأمور به من التسبيح(2) بعد الفتح ودخول الناس في الدين(3) أمرٌ أكبر(4) من ذلك المتقدِّم، وذلك مقدمةٌ بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى؛ وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي ترقِّيه إلى ذلك المقام بقيةٌ، فأمره بتوفيتها.
ويدل عليه أيضًا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال. فشرَعها في خاتمة الحج، وقيام الليل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم(5) استغفر ثلاثًا(6) وشرع للمتوضئ بعد كمال وضوئه أن يقول: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهِّرين»(7). فعُلِمَ أن التوبة مشروعة عقيب--------------------------------------------
(1) في ت زيادة: «واستغفره»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ المطبوعة: «ذلك التسبيح».
(3) ت: «والدخول في الدين». وفي النسخ المطبوعة: «هذا الدين»، فزادوا هنا: «هذا»، كما زادوا من قبل: «ذلك».
(4) ح، ف: «أكثر».
(5) زيد بعده في النسخ المطبوعة: «من الصلاة».
(6) أخرجه مسلم (591) من حديث ثوبان.
(7) رواه الترمذي (55) من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعًا، وأَعَلَّ الحديث بالاضطراب. لكن الراجح أن أصل الحديث صحيح، صحّحه مسلمٌ (234) وغيرُه، لكن زيادة: «اللهم اجعلني … » منكرة، لا تصح. وأما تطريق أبي علي الغساني في «تقييد المهمل» (3/ 789) احتمال الوهم فيه إلى الترمذي؛ فأمر عجيب، والصواب ما حرّره ابن حجر في نتائج الأفكار (1/ 241، 238). وروى الزيادة أيضًا الطبراني في «المعجم الأوسط» (4895)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (32) من حديث ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا، ولا يصح. ويُنظر: «السنن الصغير» للبيهقي (1/ 51)، ونتائج الأفكار لابن حجر (1/ 238 - 244).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 187)