أحدها: أن ما لا تتناهى أفراده لا يمتنع أن يجعل أنواعًا، فيُحكَم لكلِّ نوع منها بحكم واحد، فتدخل الأفراد التي [201/أ] لا تتناهى تحت ذلك النوع.
الثاني: أن أنواع الأفعال، بل والأعراض، كلُّها متناهية.
الثالث: أنه لو قُدِّر عدمُ تناهيها، فأفعالُ(1) العباد الموجودة إلى يوم القيامة متناهية. وهذا كما تجعل الأقارب نوعين: نوعًا مباحًا، وهو بنات العمِّ والعمَّة وبنات الخال والخالة، وما سوى ذلك حرام. وكذلك يجعل ما ينقض الوضوء محصورًا، وما سوى ذلك لا ينقضه. وكذلك ما يُفسد الصوم، وما يوجب الغسل، وما يوجب العدَّة، وما يُمنَع منه المُحرِم، وأمثال ذلك. وإذا كان أرباب المذاهب يضبطون مذاهبهم، ويحصرونها بجوامع تحيط بما يحِلّ ويحرُم عندهم، مع قصور بيانهم= فالله ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدَرُ على ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم يأتي بالكلمة الجامعة، وهي قاعدة عامة وقضية كلّية تجمع أنواعًا وأفرادًا، وتدل دلالتين: دلالةَ طرد، ودلالةَ عكس.
وهذا كما سئل صلى الله عليه وسلم عن أنواع من الأشربة كالبِتْع والمِزْر(2)، وكان قد أوتي جوامع الكلم، فقال: «كلُّ مسكِر حرام»(3). و «كلُّ عمل ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ»(4). و «كلُّ قرضٍ جَرَّ نفعًا فهو ربا»(5). و «كلُّ شرطٍ ليس في--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «فإن أفعال».
(2) البِتْع: ما اشتدَّ من نبيذ العسل. والمِزْر: ما اشتدَّ من نبيذ الذرة والشعير. وقد فسَّرهما أبو موسى الأشعري في حديث «الصحيحين»، وسيأتي.
(3) تقدَّم تخريجه.
(4) تقدَّم تخريجه.
(5) رواه أبو الجهم العلاء بن موسى الباهلي في «جزئه» (92 - تخريج أبي القاسم البغوي)، والحارث بن محمد بن أبي أسامة في «المسند» (437 - بغية الباحث) للهيثمي، من حديث علي رضي الله عنه مرفوعًا. وآفتُه سوار بن مصعب، وهو واهٍ متروكٌ. ويُنظر: «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي (4/ 108).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 148)
كتاب الله فهو باطل»(1). و «كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمُه ومالُه وعِرضُه»(2). و «كلُّ أحدٍ أحقُّ بماله من ولده ووالده والناس أجمعين»(3). و «كلُّ محدَثة بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة»(4).
و «كلُّ معروف صدقة»(5).
وسمَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الآية «جامعةً فاذّة»(6): {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ--------------------------------------------
(1) كما في حديث عائشة في «صحيح البخاري» (456) و «صحيح مسلم» (1504).
(2) أخرجه مسلم (2564) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) رواه سعيد بن منصور (2293) عن هشيم، عن عبد الرحمن بن يحيى الحضرمي، عن حبان بن أبي جبلة، عن الحسن مرسلا. وخالفه أبو عبيد القاسم بن سلام والحسن بن عرفة، فروياه عن هشيم، عن عبد الرحمن، عن حبان بن أبي جبلة مرسلًا. رواه الدارقطني (4568)، والبيهقي (7/ 481، 10/ 319). والحديث منكر، لا يصح، وقد نقل الخلال عن مهنّا عن الإمام أحمد قال: «أحاديث عبد الرحمن بن يحيى منكرة». ذكره ابن دقيق العيد في كتاب «الإمام» (4/ 63 - 64).
(4) رواه أحمد (17144، 17145)، وأبو داود (4607) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه مرفوعًا .. وصححه الترمذي (2676)، وأبو العباس الدغولي ــ كما في «ذم الكلام» لأبي إسماعيل الهروي (3/ 125) ــ، وابن حبان (3144)، والحاكم (1/ 96 = 98)، وأبو نعيم في «المستخرج على صحيح مسلم» (1/ 36)، وغيرُهم، وحسنه أبو إسماعيل الهروي (3/ 122)، والبغوي في «شرح السنة» (1/ 205). ورواه النسائي (1578) من حديث جابر رضي الله عنه
مرفوعًا. ويُنظر: «المسند الصحيح» مسلم (867)، و «السنن» لابن ماجه (42، 45، 46).
(5) أخرجه البخاري (6021) من حديث جابر، ومسلم (1005) من حديث حذيفة.
(6) أخرجه البخاري (2371) ومسلم (987) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفيه أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر، فقال: «ما أنزل عليَّ فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذَّة: … ». والفاذَّة: المنفردة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 149)
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8] [201/ب]. ومن هذا: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، فدخل في الخمر كلُّ مسكِر، جامدًا كان أو مائعًا، من العنب أو من غيره. ودخل في الميسِر كلُّ أكلِ مالٍ بالباطل، وكلُّ عملٍ محرَّم يُوقِع في العداوة والبغضاء، ويصُدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة.
ودخل في قوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2] كلُّ يمين منعقدة. ودخل في قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 5] كلُّ طيِّب من المطاعم والمشارب والملابس والفروج. ودخل في قوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 4]، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] ما لا تحصى أفراده من الجنايات وعقوباتها، حتَّى اللطمة والضربة والكَسْعة، كما فهم الصحابة.
ودخل في قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] تحريمُ كلِّ فاحشة ظاهرة وباطنة، وكلِّ ظلم وعدوان في مال أو نفس أو عِرض، وكلِّ شرك بالله وإن دقَّ في قول أو عمل أو إرادة بأن يجعل الله عِدْلًا لغيره(1) في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد، وكلِّ قولٍ على--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «لله عدلًا بغيره».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 150)
الله لم يأت به نصٌّ عنه ولا عن رسوله في تحريم أو تحليل أو إيجاب أو إسقاط أو خبر عنه باسم أو صفة نفيًا أو إثباتًا، أو خبرٍ(1) عن فعله، فالقولُ عليه بلا علم حرامٌ في أفعاله [202/أ] وصفاته ودينه(2).
ودخل في قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] وجوبُه في كلِّ جُرحٍ يمكن القصاص منه. وليس هذا تخصيصًا، بل هو مفهوم من قوله: {قِصَاصٌ} وهو المماثلة. ودخل في قوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة: 233] وجوبُ نفقة الطفل وكسوته ونفقة مرضعته على كلِّ وارث قريب أو بعيد. ودخل في قوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] جميعُ الحقوق التي للمرأة وعليها، وأن مردَّ ذلك إلى ما يتعارفه الناس بينهم ويجعلونه معروفًا لا منكرًا، والقرآن والسنة كفيلان بهذا(3) أتمَّ كفالة.
فصل(4)
الفرقة الثانية: قابلت هذه الفرقة، وقالت: القياس كلُّه باطل، محرَّم في الدين، ليس منه. وأنكروا القياس الجليَّ الظاهر حتى فرَّقوا بين المتماثلين، وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئًا لحكمةٍ أصلًا. ونفَوا تعليل خلقه وأمره، وجوَّزوا، بل جزَموا بأنه يفرِّق بين المتماثلين، ويقرُن(5) بين المختلفين في--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «خبرًا».
(2) ما عدا ع: «وأفعاله ودينه»، بتكرار «أفعاله».
(3) ت: «بذلك».
(4) انظر: «جامع المسائل» (2/ 276 - 282).
(5) ع: «تفريق بين المتماثلين وتقرين»، تحريف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 151)
القضاء والشرع. وجعلوا كلَّ مقدور فهو(1) عدل، والظلمُ عندهم هو الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين.
وهذا وإن كان قاله طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى السنَّة في إثبات القدر، وخالفوا القدرية النُّفاة(2)، فقد أصابوا في إثبات القدر وتعلُّقِ(3) المشيئة الإلهية بأفعال العباد الاختيارية كما تتعلَّق بذواتهم وصفاتهم، وأصابوا في بيان(4) تناقض القدرية النفاة؛ ولكن ردُّوا من الحقِّ المعلوم بالعقل والفطرة والشرع ما سلَّطوا عليهم به خصومَهم، وصاروا [202/ب] ممن ردَّ بدعة ببدعة، وقابلَ الفاسد بالفاسد، ومكنوا خصومهم بما نفَوه من الحقِّ من الردِّ عليهم، وبيان تناقضهم، ومخالفتهم للشرع(5) والعقل.
فصل(6)
الفرقة الثالثة: قوم نفوا الحكمة والتعليل والأسباب، وأقرُّوا بالقياس كأبي الحسن الأشعري وأتباعه، ومن قال بقوله من الفقهاء أتباع الأئمة. وقالوا: إن عِلَلَ الشرع إنما هي مجرَّد أمارات وعلامات محضة، كما قالوه في ترك الأسباب. وقالوا: إن الدعاء علامة محضة على حصول المطلوب، لا أنه سبب فيه. والأعمال الصالحة والقبيحة علامات محضة ليست سببًا--------------------------------------------
(1) ت: «هو».
(2) في النسخ المطبوعة: «والنفاة».
(3) في النسخ المطبوعة: «وتعليق»، ولعل من غيَّر ظنَّ أن «تعلّق» معطوف على «إثبات».
(4) في النسخ المطبوعة: «إثبات».
(5) ع: «الشرع»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(6) انظر: «جامع المسائل» (2/ 277 - 278).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 152)
في حصول الخير والشر. وكذلك جميع ما وجدوه من الخلق والأمر مقترنًا بعضه ببعض، قالوا: أحدهما دليل على الآخر، مقارن له اقترانًا عاديًّا، وليس بينهما ارتباط سببية ولا علة ولا حكمة، ولا له فيه تأثير بوجه من الوجوه.
وليس عند أكثر الناس غير أقوال هؤلاء الفرق الثلاث(1)، وطالبُ الحق إذا رأى ما في هذه الأقوال من الفساد والتناقض والاضطراب، ومناقضة بعضها لبعض، ومعارضة بعضها ببعضٍ(2) = بقي في الحيرة، فتارةً يتحيَّز إلى فرقة منها، له ما لها وعليه ما عليها، وتارةً يتردَّد بين هذه الفِرَق تميميًّا(3) مرّةً وقيسيًّا أخرى! وتارةً يُلقي الحربَ بينهما، ويقِف في النظّارة. وسبب ذلك خفاء الطريقة المثلى والمذهب الوسط الذي هو في المذاهب [203/أ] كالإسلام في الأديان، وعليه سلف الأمة وأئمتها والفقهاء المعتبرون: مِن إثبات الحكم والأسباب والغايات المحمودة في خلقه سبحانه وأمره، وإثباتِ لام التعليل وباء السببيَّة في القضاء والشرع، كما دلَّت عليه النصوص، مع صريح العقل والفطرة؛ فاتفق(4) عليه الكتاب والميزان.
ومن تأمَّلَ كلامَ سلف الأمة وأئمة السنَّة(5) رآه ينكر قولَ الطائفتين--------------------------------------------
(1) ت: «الثلاثة»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) في النسخ المطبوعة: «لبعض».
(3) ما عدا ع: «يمنيًّا»، ولعله تصحيف. قال المبرِّد في «الكامل» (3/ 1091): «ومن كلام العرب: أتميميًّا مرةً وقيسيًّا أخرى». فنصَّ على أن المثل هكذا جاء في كلام العرب، وإلا يجوز ما ورد في النسخ لما كان بين القيسية واليمانية من الصراع في عهد بني أمية.
(4) في النسخ المطبوعة: «واتفق».
(5) في النسخ المطبوعة: «وأئمة أهل السنة».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 153)
المنحرفتين عن الوسط. فينكر قولَ المعتزلة المكذِّبين بالقدر، وقولَ الجهمية المنكِرين للحِكَم والأسباب والرحمة. فلا يرضَون لأنفسهم بقول القدرية المجوسية، ولا بقول القدرية الجبرية نُفاةِ الحكمة والرحمة والتعليل. وعامّةُ البدع الحادثة(1) في أصول الدين من قول هاتين الطائفتين الجهمية والقدرية.
والجهمية رؤوس الجبرية. وأئمتهم أنكروا حكمة الله ورحمته، وإن أقرُّوا بلفظ مجرَّد فارغ عن حقيقة الحكمة والرحمة. والقدرية النُّفاة أنكروا كمال قدرته ومشيئته. فأولئك أثبتوا نوعًا من المُلك بلا حمد، وهؤلاء أثبتوا نوعًا من الحمد بلا مُلك. فأنكر أولئك عمومَ حمده، وأنكر هؤلاء عمومَ ملكه. وأثبت له الرسلُ وأتباعُهم عمومَ الملك وعمومَ الحمد، كما أثبته لنفسه. فله كمال الملك، وكمال الحمد. فلا يخرج عين ولا فعل عن قدرته ومشيئته وملكه، وله في كلِّ ذلك حكمة وغاية مطلوبة يستحِقُّ عليها الحمد. وهو في عموم قدرته ومشيئته [203/ب] وملكه على صراط مستقيم، وهو حمدُه الذي يتصرَّف في ملكه به ولأجله.
والمقصود: أنهم كما انقسموا إلى ثلاثِ فِرَق في هذا الأصل، انقسموا في فرعه ــ وهو القياس ــ إلى ثلاثِ فِرَق: فرقة أنكرته بالكلية، وفرقة قالت به وأنكرت الحِكَم والتعليل والمناسبات(2). والفرقتان أخْلَت(3) النصوصَ--------------------------------------------
(1) ع: «المحدثة»، وكذا في النسخ المطبوعة. وفي «جامع المسائل» (2/ 278) كما أثبت من النسخ.
(2) ع: «والأسباب»، وكذا في المطبوع.
(3) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة بالإفراد بدلًا من «أخْلَتا». وانظر ما يأتي في (2/ 516).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 154)
عن تناولها لجميع أحكام المكلَّفين وأنها(1) أحالت على القياس. ثم قالت غلاتهم: أحالت عليه أكثرَ الأحكام، وقال متوسطوهم: بل أحالت عليه كثيرًا من الأحكام لا سبيل إلى إثباتها(2) إلا به.
والصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث، وهو أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلْنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بيَّن الأحكام كلَّها، والنصوص كافية وافية بها. والقياس الصحيح حقٌّ مطابقٌ للنصوص، فهما دليلان: الكتاب والميزان. وقد تخفى دلالة النص، أو لا تبلغ العالِمَ فيعدل إلى القياس. ثم قد يظهر موافقًا للنصِّ فيكون قياسًا صحيحًا، وقد يظهر مخالفًا له، فيكون فاسدًا. وفي نفس الأمر لا بد من موافقته أو مخالفته، ولكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته(3).
فصل(4)
وكلُّ فرقة من هؤلاء(5) الفرق الثلاث سدُّوا على نفوسهم(6) طريقًا من طرُق الحق، فاضطُرُّوا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله. فنفاة القياس لما سدُّوا على نفوسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحِكَم والمصالح ــ وهو [204/أ] من الميزان والقسط الذي أنزله الله ــ احتاجوا إلى--------------------------------------------
(1) يعني: وزعمتا أن النصوص …
(2) ت: «بيانها».
(3) «ولكن عند المجتهد … » إلى هنا ساقط من ع.
(4) انظر: «جامع المسائل» (2/ 281 وما بعدها).
(5) ع: «هذه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(6) ع: «أنفسهم»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 155)
توسعة الظاهر والاستصحاب، فحمَّلوهما فوق الحاجة ووسَّعوهما أكثر مما يسَعانه. فحيث فهموا من النص حكمًا أثبتوه ولم يبالوا بما وراءه، وحيث لم يفهموه(1) منه نفَوه، وحمَّلوه الاستصحابَ(2). وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد. وأحسنوا في ردِّ الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقضَ أهلها في نفس القياس وتركِهم له، وأخذِهم بقياسٍ وتركِهم ما هو أولى منه. ولكن أخطؤوا من أربعة أوجه(3):
أحدها: ردُّ القياس الصحيح، ولا سيما المنصوص على علّته التي يجري النصُّ عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ. ولا يتوقَّف عاقل في أنَّ قول النبي صلى الله عليه وسلم لمَن(4) لعن عبدَ الله حمارًا على كثرة شربه للخمر: «لا تلعنه، فإنه يحبُ الله ورسوله»(5) بمنزلة قوله: لا تلعنوا كلَّ من يحبُّ الله ورسوله، وفي أنَّ قوله: «إن الله ورسوله ينهاكم(6) عن لحوم الحُمُر، فإنها رجس»(7)--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «لم يفهموا».
(2) في «جامع المسائل» (2/ 281): « … وأثبتوا الأمر على موجب الاستصحاب». وفي ف: «وحملوا الاستصحاب»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) في «جامع المسائل»: «ثلاثة أوجه». وهي الثلاث الأولى هنا.
(4) في النسخ المطبوعة: «لما»، وهو خطأ.
(5) أخرجه البخاري (6780) من حديث عمر رضي الله عنه.
(6) في النسخ المطبوعة: «ينهيانكم» بالتثنية، وهو لفظ البخاري ومسلم. وفي النسخ الخطية كما أثبت بالإفراد. وهو لفظ النسائي (69، 4340) و «مصنف ابن أبي شيبة» (24331). يعني: إن الله ينهاكم ورسوله. كما قال تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ}.
(7) أخرجه البخاري (4198) ومسلم (1940) من حديث أنس رضي الله عنه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 156)
بمنزلة قوله: ينهيانكم عن كلِّ رجس، وفي أنَّ قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] نهىٌ عن كلِّ رجس، وفي أنَّ قوله في الهِرِّ: «ليست بنجَس، إنها من الطوّافين عليكم والطوّافات»(1) بمنزلة قوله: كلُّ ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس. ولا يستريب أحد في أنَّ من قال لغيره: «لا تأكل هذا(2) الطعام، فإنه مسموم» نهْي له(3) عن كلِّ طعام [204/ب] كذلك، وإذا قال: «لا تشرب هذا الشراب، فإنه مسكِر» نهي له عن كلِّ مسكِر، و «لا تتزوج هذه المرأة فإنها فاجرة» وأمثال ذلك.
الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص. فكم من حكمٍ دلَّ عليه النصُّ ولم يفهموا دلالته عليه! وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرَّد ظاهر اللفظ، دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعُرفه عند المخاطبين. فلم يفهموا من قوله: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ}(4) ضربًا ولا سبًّا ولا إهانةً غير لفظة «أفٍّ»، فقصَّروا في فهم الكتاب، كما قصَّروا في اعتبار الميزان.
الخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقُّه، وجزمهُم بموجَبه، لعدم علمهم بالناقل، وليس عدمُ العلم علمًا بالعدم.--------------------------------------------
(1) تقدَّم تخريجه.
(2) في النسخ المطبوعة: «من هذا».
(3) كذا في النسخ هنا وفي الجملة التالية، ومقتضى السياق: «نهاه» أو «نهَى» فقط دون زيادة «له».
(4) في النسخ الخطية: «ولا تقل … ».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 157)
وقد تنازع الناس في الاستصحاب، ونحن نذكر أقسامه ومراتبها. فالاستصحاب: استفعال من الصحبة، وهي استدامة إثبات ما كان ثابتًا أو نفيِ ما كان منتفيًا(1). وهو ثلاثة أقسام: استصحابُ البراءة الأصلية، واستصحابُ الوصفِ المثبِت الحكمَ(2) الشرعي حتى يثبُتَ خلافُه، واستصحابُ حكم الإجماع في محلِّ النزاع.
فأما النوع الأول فقد تنازع الناس فيه. فقالت طائفة من الفقهاء والأصوليين: إنه يصلح للدفع لا للإبقاء، كما قاله بعض الحنفية. ومعنى ذلك أنه يصلح لأن يُدفَع به من ادَّعى تغييرَ الحال، لا لإبقاءِ(3) الأمر على ما كان، فإنَّ بقاءه على ما كان إنما هو مستند إلى موجب الحكم، لا إلى عدم المغيِّر له. فإذا [205/أ] لم نجد دليلًا نافيًا ولا مثبِتًا أمسكنا، لا نُثبِت الحكم ولا ننفيه، بل ندفع بالاستصحاب دعوى من يُثبته(4). فيكون حال المتمسِّك بالاستصحاب كحال المعترِض مع المستدِلّ، فهو يمنعه الدلالةَ حتى يُثبتها، لا أنه يقيم دليلًا على نفي ما ادَّعاه. وهذا غير حال المعارِض، فالمعارض لون والمعترض لون. فالمعترض يمنع دلالة الدليل، والمعارض يسلِّم دلالته ويقيم دليلًا على نقيضه.--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «منفيًّا».
(2) في النسخ المطبوعة: «للحكم».
(3) هكذا في جميع النسخ. وزيدت في المطبوع بين حاصرتين. وفي الطبعات التي سبقته: «تغيير الحال لإبقاء … » بإسقاط لا النافية، وكذا في «جامع المسائل» (2/ 282)، والظاهر أن القراءة الصحيحة في هذه الصورة: «تغييرَ الحال، لا بَقاءَ … ».
(4) في النسخ المطبوعة: «أثبته».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 158)
وذهب الأكثرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه يصلح لإبقاء الأمر على ما كان عليه. قالوا: لأنه إذا غلب على الظن انتفاءُ الناقل غلب على الظن بقاءُ الأمر على ما كان عليه.
ثم النوع الثاني: استصحاب الوصف المثبِت للحكم حتى يثبت خلافه، وهو حجة، كاستصحاب حكم الطهارة وحكم الحدَث، واستصحاب بقاء النكاح وبقاء المِلك وشَغْل الذمة بما تشتغل(1) به حتى يثبت خلاف ذلك. وقد دلَّ الشارعُ على تعليق الحكم به في قوله في الصيد: «وإن وجدتَه غريقًا فلا تأكله، فإنك لا تدري: الماءُ قتَله أو سهمُك»(2)، وقوله: «وإن خالطها كلاب من غيرها فلا تأكل، فإنك إنما سمَّيتَ على كلبك، ولم تسمِّ على غيره»(3). لما كان(4) الأصل في الذبائح التحريم، وشكَّ هل وُجِد الشرط المبيح أم لا= بقَّى(5) الصيدَ على أصله في التحريم. ولما كان الماء طاهرًا في الأصل بقَّاه(6) على طهارته ولم يُزِلْها بالشكّ. ولما كان الأصل بقاء المتطهِّر [205/ب] على طهارته لم يأمره بالوضوء مع الشكِّ في الحدث، بل--------------------------------------------
(1) س: «تشغل»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) أخرجه البخاري (5484) ومسلم (1929) من حديث عدي بن حاتم.
(3) انظر الحديث السابق في «صحيح البخاري» (175) و «صحيح مسلم» (1929/ 3، 5).
(4) هذا آخر ما في نسخة برنستون (س) الناقصة الآخر.
(5) يعني: الشارع. ورسم الكلمة فيما عدا ع: «بقا» بالألف الممدودة، والقراءة الصحيحة للجملة كما أثبت. وفي النسخ المطبوعة: «بقي الصيدُ»، وانظر التعليق التالي.
(6) في جميع النسخ كما أثبت. وفي النسخ المطبوعة: «فالأصل بقاؤه»، ولعله تغيير من بعض الناشرين لما قرأ «بقاه»: بقاؤه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 159)
قال: «لا ينصرِفْ حتى يسمعَ صوتًا أو يجد ريحًا»(1). ولما كان الأصل بقاء الصلاة في ذمته أمرَ الشاكَّ أن يبني على اليقين، ويطرح الشكَّ(2).
ولا يعارض هذا رفعُه للنكاح المتيقَّن بقول الأمة السوداء: إنها أرضعت الزوجين(3). فإن أصل الأبضاع على التحريم، وإنما أبيحت الزوجة بظاهر الحال مع كونها أجنبية. وقد عارض هذا الظاهرَ ظاهرٌ مثلُه أو أقوى منه، وهو الشهادة. فإذا تعارضا تساقطا، وبقي أصلُ التحريم لا معارض له. فهذا الذي حكم به النبيُّ صلى الله عليه وسلم هو(4) عين الصواب ومحض القياس. وبالله التوفيق.
ولم يتنازع الفقهاء في هذا النوع، وإنما تنازعوا في بعض أحكامه لتجاذُب المسألةِ أصلين متعارضين. مثاله: أن مالكًا منع الرجلَ إذا شكَّ هل أحدث أم لا من الصلاة حتى يتوضأ؛ لأنه وإن كان الأصل بقاء الطهارة، فإن أصلَ(5) بقاءِ الصلاة في ذمته. فإن قلتم: لا نُخرجه من الطهارة [بالشك](6)، قال مالك: ولا نُدخِله في الصلاة بالشك، فيكون قد خرج منها بالشكِّ. فإن قلتم: يقين الحدث قد ارتفع بالوضوء فلا يعود بالشك، قال منازعكم(7):--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (137) ومسلم (361) من حديث عبد الله بن زيد.
(2) انظر حديث أبي سعيد الخدري في «صحيح مسلم» (571).
(3) يشير إلى قصة عقبة بن الحارث. وقد سبق تخريجها.
(4) ت: «وهو»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(5) ع: «الأصل»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(6) ما بين الحاصرتين من النسخ المطبوعة.
(7) ت: «منازعوهم». ح، ف: «منازعهم». والمثبت من ع، وأشار إليه ناسخ ح في طرتها.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 160)
ويقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا يعود بالشك. قالوا: والحديث الذي تحتجُّون به من أكبر حججنا، فإنه منع المصلِّيَ بعد دخوله في الصلاة بالطهارة المتيقَّنة أن يخرج منها بالشك، فأين هذا من تجويز الدخول فيها بالشك؟(1).
ومن ذلك: لو شكَّ هل طلق واحدةً أو ثلاثًا، فإنّ مالكًا [206/أ] يُلزِمه بالثلاث، لأنه تيقَّن طلاقًا، وشكَّ هل هو مما تُزيل أثرَه الرجعةُ أم لا؟ وقول الجمهور في هذه المسألة أصح، فإن النكاح متيقَّن، فلا يزول بالشك. ولم يعارض يقينَ النكاح إلا شكٌّ محضٌ، فلا يزول به. وليس هذا نظير الدخول في الصلاة بالطهارة التي شكَّ في انتقاضها، فإن الأصل هناك شغلُ الذمة، وقد وقع الشكُّ في فراغها. ولا يقال هنا: الأصلُ(2) التحريمُ بالطلاق وقد شككنا في الحِلِّ، فإن التحريم قد زال بنكاح متيقَّن، وقد حصل الشكُّ فيما يرفعه. فهو نظير ما لو دخل في الصلاة بوضوء متيقَّن، ثم شكَّ في زواله. فإن قيل: هو متيقِّن للتحريم بالطلاق شاكٌّ في الحِلِّ بالرجعة، فكان جانبُ التحريم أقوى. قيل: ليست الرجعية بمحرَّمة، وله أن يخلو بها، ولها أن تتزيَّن له وتتعرَّض له، وله أن يطأها. والوطء رجعة عند الجمهور، وإنما خالف في ذلك الشافعيُّ وحده(3). وهي زوجه(4) في جميع الأحكام إلا في القَسْم خاصّة. ولو سُلِّم أنها محرَّمة، فقولكم: «إنه متيقِّن للتحريم» إن أردتم--------------------------------------------
(1) وانظر: «إغاثة اللهفان» (1/ 318 - 320).
(2) في النسخ المطبوعة: «إن الأصل».
(3) «وحده» ساقط من ع.
(4) ت، ع: «زوجة». وفي النسخ المطبوعة: «زوجته».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 161)
به التحريم المطلق، فهو(1) غير متيقَّن، وإن أردتم به مطلق التحريم لم يستلزم أن يكون بثلاث، فإن مطلق التحريم أعمُّ من أن يكون بواحدة أو يكون بثلاث، ولا يلزم من ثبوت الأعمِّ ثبوتُ الأخصِّ. وهذا في غاية الظهور.
فصل(2)
القسم الثالث: استصحاب حكم الإجماع في محلِّ النزاع. وقد اختلف فيه الفقهاء والأصوليون هل هو حجة؟ على قولين:
أحدهما: أنه [206/ب] حجة، وهو قول المزَني، والصَّيرفي(3)، وابن شاقْلا، وابن حامد(4)، وأبي عبد الله الرازي(5).
والثاني: ليس بحجة، وهو قول أبي حامد(6)، وأبي الطيب الطبري، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وأبي الخطاب، والحُلْواني(7)، وابن--------------------------------------------
(1) ع: «فإنه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(2) انظر: «جامع المسائل» (2/ 292 - 295)، فالمصنف صادر عن كلام شيخه.
(3) غير محرر في ح، فحذفه ناسخ ف. وهو أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي من أئمة الشافعية توفي سنة 330. ترجمته في «طبقات الشافعية» (3/ 186).
(4) أبو عبد الله الحسن بن حامد البغدادي المتوفى سنة 403. كان إمام الحنابلة في زمانه. ترجمته في «طبقات الحنابلة» (3/ 309).
(5) هو الفخر الرازي صاحب التفسير.
(6) الغزالي.
(7) أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن علي الحلواني الحنبلي، صاحب كتاب «الهداية» في أصول الفقه. توفي سنة 546. ترجمته في «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 39).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 162)
الزاغوني. وحجة هؤلاء أن الإجماع إنما كان على الصفة التي كانت قبل محلِّ النزاع، كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة. فأما بعد الرؤية فلا إجماع، فليس هناك ما يُستصحَب، إذ يمتنع دعوى الإجماع في محلِّ النزاع. والاستصحاب إنما يكون لأمر ثابت فيستصحب ثبوته، أو لأمرٍ منتفٍ فيستصحب نفيه.
قال الأولون: غاية ما ذكرتم أنه لا إجماع في محلِّ النزاع. وهذا حق، ونحن لم ندَّعِ الإجماع في محلِّ النزاع، بل استصحبنا حال المجمَع عليه حتى يثبت ما يزيله.
قال الآخرون: الحكم إذا كان إنما ثبت بالإجماع، وقد زال الإجماع، زال الحكم لزوال دليله. فلو ثبت الحكم بعد ذلك لثبَتَ بغير دليل.
قال المثبتون: الحكم كان ثابتًا، وعلمنا بالإجماع ثبوته، فالإجماع ليس هو علة ثبوته ولا سبب ثبوته في نفس الأمر حتَّى يلزمَ من زوال العلة زوالُ معلولها، ومن زوال السبب زوالُ حكمه. وإنما الإجماع دليل عليه، وهو في نفس الأمر مستند إلى نصٍّ أو معنى نصٍّ؛ فنحن نعلم أن الحكم المجمَع عليه ثابت في نفس الأمر. والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من انتفاء الإجماع انتفاء الحكم، بل يجوز أن يكون باقيًا [207/أ] ويجوز أن يكون منتفيًا. لكن الأصل بقاؤه، فإن البقاء لا يفتقر إلى سبب حادث، ولكن يفتقر إلى بقاء سبب ثبوته. وأما الحكم المخالف فيفتقر إلى ما يزيل الأول(1)، وإلى ما يُحدث الثاني، وإلى ما يُبقيه(2)، فكان ما يفتقر إليه الحادث أكثر مما يفتقر--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «الحكم الأول».
(2) في المطبوع: «يبينه»، وفي الطبعات السابقة: «ينفيه». والصواب ما أثبت من النسخ. وكذا في «جامع المسائل».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 163)
إليه الباقي، فيكون البقاء أولى من التغيير(1). وهذا مثل استصحاب حال براءة الذمة، فإنها كانت بريئة قبل وجود ما يُظنّ(2) أنه شاغل، ومع هذا فالأصل البراءة.
والتحقيق أن هذا دليل من جنس استصحاب البراءة. ولكن(3) لا يجوز الاستدلال به إلا بعد معرفة المزيل، ولا يجوز الاستدلال به(4) لمن لم يعرف الأدلّة الناقلة، كما لا يجوز الاستدلال بالاستصحاب لمن لم يعرف(5) الأدلة الناقلة.
وبالجملة، فالاستصحاب لا يجوز الاستدلال به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل. فإن قطَع المستدلُّ بانتفاء الناقل قطَع بانتفاء الحكم، كما يقطع ببقاء شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وأنها(6) غير منسوخة. وإن ظنَّ انتفاءَ الناقل، أو ظنَّ انتفاءَ دلالته= ظنَّ انتفاء النقل. وإن كان الناقل معنًى مؤثِّرًا(7)، وتبيَّن له عدمُ--------------------------------------------
(1) ع: «التغير»، وكذا في النسخ المطبوعة. والمثبت موافق لما في «جامع المسائل».
(2) في النسخ المطبوعة: «يظن به». ولا وجود لزيادة «به» في «جامع المسائل» أيضًا.
(3) في ت: «من»، وفي غيرها والنسخ المطبوعة: «ومن»، ولكن في الجملة التالية في ح، ف، ت: «ولا يجوز»، فلم يتم الكلام، فحذف واو العطف في ع، وأثبت في النسخ المطبوعة: «فلا يجوز». والنص منقول من كلام شيخ الإسلام بحروفه تقريبًا، وفيه: «ولكن لا يجوز … ولا يجوز»، فالظاهر أن «ومن» في النسخ تحريف.
(4) «إلا بعد معرفة … به» ساقط من ع لانتقال النظر.
(5) في ع والنسخ المطبوعة: «لمن يعرف» بإسقاط «لم».
(6) ع: «فإنها».
(7) ع: «مؤيدا»، تصحيف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 164)
اقتضائه= تبيَّن له بقاءُ(1) النقل، مثل رؤية الماء في الصلاة لا تنقض الوضوء، وإلا فمع تجويزه لكونه ناقضًا للوضوء لا يطمئن ببقاء الوضوء.
وهكذا كلُّ من وقع النزاعُ في انتقاض وضوئه ووجوب الغسل عليه، فإن الأصل بقاء طهارته؛ كالنزاع في بطلان الوضوء بخروج النجاسات من غير السبيلين، وبالخارج النادر منهما، وبمسِّ [207/ب] النساء لشهوة وغيرها، وبأكل ما مسَّته النار، وغسلِ الميت، وغير ذلك= لا يمكنه اعتقاد استصحاب الحال فيه حتى يتبيَّن(2) له بطلانُ ما يوجب الانتقال، وإلا بقي شاكًّا. وإن لم يتبيَّن له صحة الناقل ــ كما لو أخبره فاسق بخبر ــ فإنه مأمور بالتبيُّن والتثبُّت، لم يؤمر بتصديقه(3) ولا تكذيبه(4)، فإن كليهما ممكن منه. وهو مع خبره لا يستدلُّ باستصحاب الحال، كما كان يستدلُّ به بدون خبره. ولهذا جُعِل لَوْثًا وشبهةً. وإذا شهد مجهولُ الحال فإنه هناك شاكٌّ في حال الشاهد، ويلزم منه الشكُّ في حال المشهود به. فإذا تبيَّن كونُه عدلًا تمَّ الدليل. وعند شهادة المجهولين تضعُف البراءةُ أعظمَ مما تضعُف عند شهادة الفاسق، فإنه في الشاهد قد يكون دليلًا ولكن لا تُعرَف دلالتُه، وأما هناك فقد علمنا أنه ليس بدليل، لكن يمكن وجودُ المدلول(5) في هذه الصورة، فإنَّ صدقَه ممكن.--------------------------------------------
(1) في النسخ الخطية والمطبوعة: «انتفاء»، والصواب ما أثبت من «جامع المسائل».
(2) في النسخ الخطية والمطبوعة: «يتيقَّن»، وهو تصحيف ما أثبت من «جامع المسائل»، ويؤيده قوله بعده: «له».
(3) في «جامع المسائل»: «لم يؤثر تصديقَه».
(4) ع: «بتكذيبه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(5) ع: «المدلول عليه». ولم ترد زيادة «عليه» في غيرها ولا في «جامع المسائل».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 165)
فصل
ومما يدل على أن استصحاب حكم الإجماع في محلِّ النزاع حجَّة: أنَّ تبدُّلَ حال المحلِّ المجمَع على حكمه أولًا كتبدُّلِ زمانه ومكانه وشخصه، وتبدُّلُ هذه الأمور وتغيُّرها لا يمنع استصحابَ ما ثبت له قبل التبدُّل(1). فكذلك تبدُّلُ وصفه وحاله لا يمنع الاستصحابَ حتى يقوم دليل على أن الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلًا للحكم مثبتًا لضدِّه؛ كما جعل الدِّباغَ ناقلًا لحكم نجاسة الجلد، وتخليلَ الخمرة(2) ناقلًا لحكم تحريمها(3)، وحدوثَ الاحتلام ناقلًا لحكم البراءة الأصلية. وحينئذ فلا يبقى التمسُّك بالاستصحاب [208/أ] صحيحًا.
وأما مجرَّدُ النزاع فإنه لا يوجب سقوط استصحاب حكم الإجماع. والنزاعُ في رؤيةِ الماء في الصلاة، وحدوثِ العيب عند المشتري، واستيلادِ الأمة= لا يوجب رفعَ ما كان ثابتًا قبل ذلك من الأحكام. فلا يُقبَل قولُ المعترض: إنه قد زال حكم الاستصحاب بالنزاع الحادث، فإن النزاع لا يرفع ما ثبت من الحكم، فلا يمكن المعترضَ رفعُه إلا أن يقيم دليلًا على أن ذلك الوصف الحادث جعله الشارع دليلًا على نقل الحكم. وحينئذ فيكون معارضًا في الدليل، لا قادحًا في الاستصحاب. فتأمَّلْه، فإنه التحقيق في هذه المسألة.--------------------------------------------
(1) في المطبوع أثبت: «التبديل» هنا وفيما سبق.
(2) ع: «تخلل الخمر».
(3) في النسخ المطبوعة: «للحكم بتحريمها».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 166)
فصل
الخطأ الرابع لهم: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلَّها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه. فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم، بلا برهان من الله، بناءً على هذا الأصل.
وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه. وهذا القول هو الصحيح، فإن الحكم ببطلانها حكمٌ بالتحريم والتأثيم، ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرَّمه الله(1)، ولا تأثيم إلا ما أثَّم الله ورسوله به فاعلَه؛ كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه، ولا حرام إلا ما حرَّمه(2)، ولا دين إلا ما شرَعه. فالأصل(3) في العبادات: البطلان [208/ب] حتّى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات: الصحة حتّى يقوم دليل على البطلان والتحريم.
والفرق بينهما: أن الله سبحانه لا يُعبَد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقُّه على عباده، وحقُّه الذي أحقَّه هو، ورضي به، وشرعه. وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفوٌ حتى يحرِّمها. ولهذا نعَى الله سبحانه على المشركين مخالفةَ هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرِّمه، والتقرُّب إليه بما لم يشرعه. وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة زيادة: «ورسوله».
(2) في النسخ المطبوعة: «أوجبه الله … حرّمه الله».
(3) ع: «والأصل».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 167)