والصحيح ما دلَّت عليه النصوص ــ وهو مقتضى القياس الصحيح، وما عداه فمناقض للنص والقياس ــ: أن(1) الجميع يُضمَن بالمثل تقريبًا. وقد نصَّ الله سبحانه على ضمان الصيد بمثله من النعم. ومعلوم أن المماثلة بين بعير وبعير أعظم من المماثلة بين النعامة والبعير، وبين شاة وشاة أعظم منها بين طير وشاة. وقد ردَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بدل البعير الذي اقترضه مثلَه دون قيمته، وردَّ عوضَ القَصْعة التي كسرتها بعضُ أزواجه قصعتَها(2) نظيرَها، وقال: «إناء بإناء، وطعام بطعام»(3)؛ فسوَّى بينهما في الضمان. وهذا عين العدل، ومحض القياس، وتأويل القرآن.
وقد نصَّ الإمام أحمد على هذا في «مسائل إسحاق بن منصور»(4). قال إسحاق: قلت لأحمد: قال سفيان: من كسر شيئًا صحيحًا فقيمته صحيحًا. قال أحمد: إن كان يوجد مثلُه، فمثلُه. وإن كان لا يوجد مثلُه، فعليه قيمته.
ونصَّ عليه أحمد في رواية إسماعيل بن [194/ب] سعيد، فقال: سألتُ أحمد عن الرجل يكسر قصعةً لرجل(5)، أو عصاه، أو يشقُّ ثوبًا لرجل. قال:--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «لأن»، ولعله تصرف من بعض الناشرين.
(2) في المطبوع: «بقصعة»، ولم يذكر مصدر ما أثبت. والصواب ما أثبتناه من النسخ الخطية، وكذا في الطبعات السابقة.
(3) رواه أحمد (25155، 26366)، وأبو داود (3568)، والنسائي (3957) من حديث عائشة رضي الله عنها. وفي سنده جسرة بنت دجاجة، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (2/ 67): «وعند جسرة عجائب».
(4) (6/ 2872).
(5) في النسخ المطبوعة: «الرجل».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 128)
عليه المثل في العصا والقصعة والثوب. فقلت: أرأيتَ إن كان الشَّقُّ قليلًا؟ فقال: صاحبُ الثوب مخيَّر في ذلك، قليلًا كان أو كثيرًا.
وقال في رواية إسحاق بن منصور(1): من كسر شيئًا صحيحًا فإن كان يوجد مثله فمثله، وإن كان لا يوجد(2) مثله فعليه قيمته. فإذا كسَر الذهبَ فإنه يُصلِحه إن كان خلخالًا. وإن كان دينارًا أعطى دينارًا آخر مكانه. قال إسحاق: كما قال.
وقال في رواية موسى بن سعيد(3): وعليه المثل في العصا والقصعة والقصبة إذا كسَر، وفي الثوب. ولا أقول في العبد والبهائم والحيوان. وصاحبُ الثوب(4) مخيَّر إن شاء شقَّ الثوب، وإن شاء مثلَه(5).
واحتجَّ في رواية ابنه عبد الله(6) بحديث أنس. فقال حميد عن أنس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بقصعةٍ فيها طعام، فضرَبت بيدها، فكسرت القصعة. فأخذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكِسرتين، فضمَّ إحداهما إلى الأخرى، وجعل يجمع فيها الطعام، ويقول: «غارت--------------------------------------------
(1) في الموضع السابق من «مسائله».
(2) ع: «وإن لم يوجد».
(3) انظر: «الروايتين والوجهين» (1/ 409) و «الإنصاف» (6/ 193).
(4) ع: «الشق»، وفيما عداها: «الشيء». والصواب ما أثبت من المصدرين المذكورين والنسخ المطبوعة.
(5) كذا في النسخ الخطية و «الإنصاف». وفي النسخ المطبوعة: «أخذ مثله»، بزيادة «أخذ»!
(6) لم ترد الرواية في «مسائله» المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 129)
أمُّكم، كلوا». فأكلوا، وحبَس الرسولَ حتى جاءت قصعتها التي(1) في بيتها، فدفع القصعة إلى الرسول، وحبس المكسورةَ في بيته. والحديث في «صحيح البخاري»(2). وعند الترمذي(3) فيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «طعام بطعام، وإناء [195/أ] بإناء». وقال: حديث صحيح. وعند أبي داود(4) والنسائي فيه: قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله ما كفّارة ما صنعتُ؟ قال: «إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام».
وهذا هو مذهبه الصحيح عنه عند ابن أبي موسى. قال في «إرشاده»(5): «ومن استهلك لآدمي ما لا يكال ولا يوزن، فعليه مثلُه إن وجد. وقيل: عليه قيمته». وهو اختيار المحققين من أصحابه. وقضى عثمان وابن مسعود على من استهلك لرجل فُصْلانًا بفُصلانٍ مثلها(6). وبالمِثل قضى شُريح(7)--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «قصعة التي هو»، تصرَّفوا بحذف وزيادة. والصواب ما أثبت من النسخ، وكذا الرواية في «سنن ابي داود» ولا إشكال فيها.
(2) برقم (5225) من حديث أنس قصة عائشة بطولها.
(3) برقم (1359) من حديث أنس قصة عائشة مختصرًا.
(4) أبو داود (3568) والنسائي (3957)، ورواه أيضًا أحمد (25155، 26366) من حديث عائشة. وفي إسناده جسرة بنت دجاجة، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (2/ 67): وعند جسرة عجائب.
(5) (ص 255).
(6) نقل ذلك عنهما ابن حزم في «المحلَّى» (6/ 478 - دار الفكر». وعن عثمان نقله النووي في «المجموع شرح المهذب» (14/ 234).
(7) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (14953، 14965، 14978)، و «المصنف» لابن أبي شيبة (37436)، و «المحلى» (8/ 141).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 130)
والعَنبري(1). وقال به قتادة(2) وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي(3)؛ وهو الحق.
وليس مع من أوجب القيمة نصّ ولا إجماع ولا قياس. وليس معهم أكثر ولا أكبر من قوله صلى الله عليه وسلم(4): «من أعتق شِرْكًا له في عبد، فكان له من المال ما يبلغ ثمنَ العبد، قُوِّم عليه قيمةَ عدل لا وَكْس ولا شطَط، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد»(5). قالوا: فأوجب النبيُّ صلى الله عليه وسلم في إتلاف نصيب الشريك القيمةَ لا المثل، فقِسنا على هذا كلَّ حيوان، ثم عدَّيناه إلى كلِّ غيرِ مثليٍّ. قالوا: ولأن القيمة أضبط وأحصر بخلاف المثل.
قال الآخرون: أما الحديث الصحيح فعلى الرأس والعين، وسمعًا له وطاعة؛ ولكن فيما دلَّ عليه، وإلَّا فما(6) لم يدل عليه ولا أريد به فلا ينبغي أن يحمل عليه. وهذا التضمين الذي يُضمَّنه ليس من باب تضمين المتلَفات، بل هو من باب تملُّك مال الغير بقيمته، فإن نصيب الشريك يملكه المُعتِق ثم يعتِق عليه؛ فلا بد من تقدير دخوله في ملكه، ليعتِق عليه. ولا خلاف بين--------------------------------------------
(1) هو القاضي عبيد الله بن الحسن العنبري، من أتباع التابعين. توفي بالبصرة سنة 168. ترجمته في «أخبار القضاة» لوكيع (2/ 88). وانظر قوله بالمثل في «المجموع» للنووي (14/ 234) و «المعاني البديعة» للريمي (2/ 37).
(2) يُنظر: «المصنف» لعبد الرزاق (14954)، و «المحلى» (8/ 141).
(3) صاحب «المسند». كان من أوعية العلم. يجتهد ولا يقلِّد. قاله الذهبي في «تاريخ الإسلام» (6/ 104).
(4) قارن بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة المطبوعة ضمن «جامع المسائل».
(5) أخرجه البخاري (2522) ومسلم (1501) من حديث ابن عمر.
(6) في المطبوع: «فيما»، وهو خطأ.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 131)
القائلين بالسِّراية في ذلك، وأن(1) الولاء له، وإن تنازعوا: هل يسري عقيب عتقه، أو لا يعتِق حتى يؤدِّي القيمة، أو يكون موقوفًا فإذا أدَّى تبيَّنَّا(2) أنه عتَق من حين العتق؟ وهي في مذهب الشافعي. والمشهور في مذهبه ومذهب أحمد القول الأول. وفي مذهب مالك القول الثاني(3). وعلى هذا الخلاف ينبني ما لو أعتق الشريكُ نصيبَه بعد عتق الأول. فعلى القول الأول لا يعتِق، وعلى الثاني(4) يعتِق عليه ويكون الولاء بينهما. وينبني على ذلك أيضًا إذا قال أحد الشريكين: «إذا أعتقتَ نصيبَك فنصيبي حُرٌّ». فعلى القول الأول لا يصح هذا التعليق، ويعتِق نصيبُه من مال المعتِق. وعلى القول الثاني يصح التعليق ويعتِق على المعلِّق.
والمقصود: أن التضمين هاهنا كتضمين الشفيع الثمن إذا أخذ بالشفعة، فإنه ليس من باب ضمان الإتلاف، ولكن من باب التقويم للدخول في الملك. لكن الشفيع أدخل الشارعُ الشِّقصَ(5) في ملكه بالثمن باختياره، والشريك المعتِق أدخل الشِّقصَ في ملكه بالقيمة بغير اختياره. فكلاهما تمليك: هذا بالثمن، وهذا بالقيمة؛ فهذا شيء، وضمان المتلف شيء.
قالوا: وأيضًا فلو سُلِّم أنه ضمان إتلاف لم يدلَّ على أن العبد الكامل إذا أتلف يضمن بالقيمة. والفرق بينهما أن الشريكين إذا كان بينهما ما لا ينقسم--------------------------------------------
(1) في المطبوع: «ولأن».
(2) في النسخ المطبوعة: «تبين».
(3) انظر: «المغني» (14/ 354).
(4) س: «القول الثاني»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(5) الشِّقص: القطعة من الشيء، النصيب منه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 132)
كالعبد والحيوان والجوهرة [196/أ] ونحو ذلك، فحقُّ كلٍّ(1) منهما في نصف القيمة. فإذا اتفقا على المهايأة(2) جاز، وإن تنازعا وتشاحَّا بيعت العينُ، وقُسِم بينهما ثمنُها على قدر ملكيهما كما يقسم المِثليُّ. فحقُّهما في المثلي في عينه، وفي المتقوِّم عند التشاجر والتنازع في قيمته. فلولا أنَّ حقَّه في القيمة وإِلّا(3) لما أجيب إلى البيع إذا طلبه. وإذا ثبت ذلك، فإذا أتلف له(4) نصف عبد فلو ضمَّنَّاه بمثله لفات حقُّه من نصف القيمة الواجب له شرعًا عند طلب البيع، والشريك إنما حقُّه في نصف القيمة، وهما لو تقاسماه تقاسماه بالقيمة، فإذا أتلف أحدهما نصيب شريكه ضمنه بالقيمة. وعكسُه المِثليُّ، لو تقاسماه تقاسماه بالمثل. فإذا أتلف أحدهما نصيبَ شريكه ضمِنَه بالمثل. فهذا هو القياس والميزان الصحيحُ طردًا وعكسًا، الموافقُ للنصوص وآثار الصحابة. ومن خالفه فلا بد له من أحد أمرين: إما مخالفة السنة الصحيحة وآثار الصحابة إن طرد قياسه، وإما التناقض البيِّن إن لم يطرده.
فصل(5)
وعلى هذا الأصل تنبني الحكومة المذكورة في كتاب الله عز وجل،--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «كل واحد».
(2) المهايأة: مقاسمة المنافع زمانًا أو مكانًا. انظر: طلِبة الطلَبة (ص 127).
(3) حذفت «وإلا» في النسخ المطبوعة لوقوعها في غير موقعها، ولكنه أسلوب شائع في كتب المصنف وشيخه وغيرهما في ذلك العهد. وقد سبق مثله. وانظر ما علقت في «الداء والدواء» (ص 209).
(4) «له» ساقط من ت.
(5) قارن بكلام شيخ الإسلام في قاعدته المذكورة المطبوعة ضمن «جامع المسائل» (2/ 266 - 267).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 133)
التي حكم فيها النبيَّان الكريمان داود وسليمان صلى الله عليهما وسلم، إذ حكما في الحرث الذي نفَشت فيه غنم القوم. والحَرْث هو البستان، وقد روي أنه كان بستان عنب، وهو المسمَّى بالكَرْم. والنفش: رعيُ الغنم ليلًا. فحكَم داود بقيمة المتلَف، فاعتبر الغنمَ، فوجدها [196/ب] بقدر القيمة، فدفعها إلى أصحاب الحرث؛ إما لأنه لم يكن لهم دراهم، وتعذَّر بيعها أو رضُوا(1) بدفعها ورضي أولئك بأخذها بدلًا عن القيمة. وأما سليمان فقضى بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمَنوا ذلك بالمِثل بأن يعمُروا البستان حتى يعود كما كان. ولم يضيِّع عليهم مُغَلَّه من حينِ الإتلاف(2) إلى حين العَود، بل أعطى أصحابَ البستان ماشيةَ أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان، فيستوفوا من نماء غنمهم نظيرَ ما فاتهم من نماء حرثهم. وقد اعتبر النَّماءين، فوجدهما سواء. وهذا هو العلم الذي خصَّه الله به، وأثنى عليه بإدراكه.
وقد تنازع علماء المسلمين في مثل هذه القضية على أربعة أقوال:
أحدها: موافقة الحكم السليماني في ضَمان النَّفْش، وفي المثل. وهو الحق، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، ووجه للشافعية والمالكية، والمشهور عندهم خلافه.
والقول الثاني: موافقته في ضمان النفش، دون التضمين بالمثل. وهذا هو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد.--------------------------------------------
(1) س: «ورضوا». وفي النسخ المطبوعة: «أو تعذَّر بيعها ورضوا».
(2) في النسخ المطبوعة: «من الإتلاف»، فسقط منها لفظ «حين».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 134)
والثالث: موافقته في التضمين بالمثل دون النفش، كما إذا رعاها صاحبها باختياره، دون ما إذا تفلَّتت(1) ولم يشعر بها. وهو قول داود ومن وافقه.
والقول الرابع: أن النفش لا يوجب الضمان بحال، وما وجب من ضمان الرَّعي(2) بغير النفش فإنما(3) يضمن بالقيمة لا بالمثل. وهذا(4) مذهب أبي حنيفة(5).
وما حكم به نبيُّ الله سليمان هو الأقرب(6) إلى العدل والقياس. وقد حكم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنَّ على أهل الحوائط حفظَها بالنهار، وأنَّ ما أفسدت المواشي بالليل ضمانٌ على أهلها(7). فصحَّ بحكمه [197/أ] ضمانُ النفش،--------------------------------------------
(1) ت، ع: «انفلتت».
(2) في النسخ المطبوعة: «الراعي».
(3) في النسخ المطبوعة: «فإنه».
(4) ح، ف: «وهذا هو».
(5) هنا انتهى النقل من كلام شيخ الإسلام. وقد ذكر الأقوال الأربعة في «تهذيب السنن» (3/ 137) أيضًا، وقال عن القول الأول: «وهو أصح الأقوال وأشدُّها مطابقة لأصول الشرع والقياس، كما قد بينَّا ذلك في كتاب مفرد في الاجتهاد». ثم قال: «وذكرُ هذه الأقوال وأدلَّتها وترجيح الراجح منها له موضع غير هذا أَليق به من هذا». وقال في «مفتاح دار السعادة» (1/ 155): «وقد ذكرت الحكمين الداودي والسليماني ووجهيهما، ومن صار من الأئمة إلى هذا ومن صار إلى هذا، وترجيح الحكم السليماني من عدة وجوه، وموافقته للقياس وقواعد الشرع في «كتاب الاجتهاد والتقليد».
(6) ت: «أقرب».
(7) رواه أحمد (18606)، وأبو داود (3570)، والنسائي في «السنن الكبرى» (5752، 5753) من حديث البراء رضي الله عنه. وفي سند الحديث اختلاف شديد، ويُنظر: «المسند» لأحمد (23691، 23694، 23697)، و «السنن» لأبي داود (3569)، و «السنن» لابن ماجه (2332)، و «السنن الكبرى» للنسائي (5754، 5755)، و «السنن» للدارقطني (3313 - 3319)، و «التمهيد» لابن عبد البر (11/ 81 - 82)، و «المحلى» لابن حزم (8/ 146، 11/ 4، 5)، و «السنن الكبير» للبيهقي (8/ 341 - 342). وصحح الحديثَ ابنُ حبان (7170)، والحاكم (2/ 48)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (6/ 486).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 135)
وصحَّ بالنصوص السابقة والقياس الصحيح وجوبُ الضمان بالمثل، وصحَّ بنصِّ الكتاب الثناءُ على سليمان بتفهيم هذا الحكم= فصحَّ أنه الصواب. وبالله التوفيق.
ومن ذلك: المماثلة في القصاص في الجنايات الثلاث على النفوس والأموال والأعراض، فهذه ثلاث مسائل:
الأولى: هل يُفعَل بالجاني كما فعَل بالمجنيِّ عليه؟(1) فإن كان الفعل محرَّمًا لحقِّ الله كاللواط وتجريعه الخمر لم يُفعَل به كما فَعل اتفاقًا. وإن كان غير ذلك كتحريقه بالنار، وإلقائه في الماء، ورَضِّ رأسه بالحجر، ومنعِه الطعامَ(2) والشرابَ حتى يموت= فمالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه يفعلون به كما فَعل، ولا فرق بين الجرح المُزْهِق وغيره. وأبو حنيفة وأحمد في رواية(3) يقولان: لا يُقتَل إلا بالسيف في العنق خاصة.--------------------------------------------
(1) ما عدا ع: «هل يفعل بالمجني عليه كما فعل بالجاني». ولعله كذا وقع في الأصل مقلوبًا سهوًا، فأصلح في ع. وفي النسخ المطبوعة: «كما يفعل … »، والصواب ما أثبت من ع.
(2) ت: «من الطعام»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) في النسخ المطبوعة زيادة: «عنه».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 136)
وأحمد في رواية ثالثة يقول: إن كان الجرح مُزْهِقا فُعِل به كما فعَل، وإلا قُتل بالسيف. وفي رواية رابعة يقول: إن كان مزهقًا، أو موجبًا للقوَد بنفسه لو انفرد فُعِل به كما فعَل، وإن كان غير ذلك قُتِل بالسيف(1).
والكتاب والميزان مع القول الأول. وبه جاءت السنة، فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم رضَّ رأسَ اليهودي بين حجرين كما فَعل بالجارية(2). وليس هذا قتلًا لنقضه العهد؛ لأن ناقِضَ العهد إنما يُقتَل بالسيف في العنق. وفي أثر مرفوع: «من حرَّق حرَّقناه، ومن غرَّق غرَّقناه»(3).
وحديث: «لا قود إلا بالسيف»(4)،
قال الإمام أحمد: ليس إسناده--------------------------------------------
(1) وانظر: «تهذيب السنن» (3/ 138 - 140) و «زاد المعاد» (4/ 77).
(2) أخرجه البخاري (2413) ومسلم (1672) من حديث أنس.
(3) رواه البيهقي (8/ 43)، وفي «معرفة السنن والآثار» (6/ 409) من حديث البراء رضي الله عنه. قال البيهقي في «معرفة السنن»: «وفي هذا الإسناد بعضُ مَنْ يُجْهَلُ». وضعّفه ابن الجوزي في «التحقيق» (2/ 317)، وأقرّه الذهبي في «التنقيح» (2/ 235). وقال ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (4/ 494): «وفي هذا الإسناد مَنْ تُجْهَلُ حالُه؛ كبِشْرٍ، وغيرِه». وبشر هذا رجّح بعض المحققين أن اسمه: (باشر)، ويُنظر: «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (2/ 439 - 440)، و «المؤتلف والمختلف» لعبد الغني بن سعيد الأزدي (2/ 750)، و «الإكمال» لابن ماكولا (1/ 157 - 158)، و «توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين الدمشقي (3/ 21).
(4) رواه ابن ماجه (2667) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه مرفوعا. وفي سنده جابر بن يزيد الجعفي، وهو واهٍ جدًّا، وشيخُه أبو عازب مجهول.
ورواه ابن ماجه (2668) من حديث الحسن، عن أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعًا، وهو منكر، والمحفوظ أنه من مراسيل الحسن. ويُنظر: «المصنف» لابن أبي شيبة (28295)، و «المسند» للبزار (3663)، و «العلل» لابن أبي حاتم (1388)، و «الكامل» لابن عدي (3/ 252، 5/ 340، 7/ 82)، و «السنن» للدارقطني (3109 - 3113، 3174 - 3181)، و «السنن الكبير» للبيهقي (8/ 62 - 63)، و «معرفة السنن والآثار» له (6/ 187 - 188).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 137)
بجيد(1). والثابت عن الصحابة [197/ب] أنه يُفعَل به كما فعَل. فقد اتفق على ذلك الكتاب، والسنَّة، والقياس، وآثار الصحابة. واسم القصاص يقتضيه، لأنه يستلزم المماثلة.
المسألة الثانية: إتلاف المال. فإن كان مما له حرمة كالحيوان والعبيد، فليس له أن يُتلِف ماله كما أتلفَ ماله. وإن لم تكن له حرمة كالثوب يشقُّه، والإناءِ يكسره، فالمشهور أنه ليس له أن يتلف عليه نظيرَ ما أتلفه، بل له القيمة، أو المثل(2) كما تقدَّم. والقياس يقتضي أنَّ له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه ما(3) فعله الجاني به، فيشقَّ ثوبه كما شقَّ ثوبه، ويكسر عصاه كما كسر عصاه إذا كانا متساويين، وهذا من العدل(4). وليس مع من منعه نصٌّ ولا قياس ولا إجماع، فإن هذا ليس بحرام لحقِّ الله، وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف. وإذا مكَّنه(5) الشارع أن يُتلِف طرفَه بطرفه فتمكينُه من إتلافِ ماله في مقابلةِ ماله(6) هو أولى وأحرى، وأن حكمة--------------------------------------------
(1) «المغني» (11/ 509).
(2) في المطبوع: «القيمة في المثل»!
(3) في النسخ المطبوعة: «كما».
(4) ت: «مع العدل»، فكتب بعضهم في الحاشية: «محض» مع علامة «ظ»، يعني أن «مع» تحريف «محض» فيما يظهر له.
(5) ما عدا س، ت: «أمكنه». وقبله في ت: «فإذا».
(6) بعده في س، ح، ف: «لف» باللام، فهل هو بعض كلمة «التالف»؟ وفي ع: «كيف».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 138)
القصاص من التشفِّي ودركِ الغيظ لا تحصل إلا بذلك، ولأنه قد يكون له غرض في أذاه وإتلاف ثيابه ويعطيه قيمتها، ولا يشقُّ ذلك عليه لكثرة ماله، فيشفي نفسه منه بذلك، ويبقى المجنيُّ عليه بغبنه وغيظه، فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ودركِ ثأره وبردِ قلبه وإذاقةِ الجاني من الأذى ما ذاق هو؟ فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسها(1) يأبى ذلك.
وقوله: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، وقوله: {وَإِنْ [198/أ] عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] يقتضي جواز ذلك.
وقد صرَّح الفقهاء بجواز إحراقِ زروع الكفار وقطعِ أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا، وهذا عين المسألة. وقد أقرَّ الله سبحانه الصحابة على قطع نخل اليهود لما فيه من خزيهم، وهذا يدل على أنه سبحانه يحبُّ خزيَ الجاني الظالم ويشرعه. وإذا جاز تحريقُ متاع الغالِّ لكونه تعدَّى على المسلمين في خيانتهم في شيء(2) من الغنيمة، فلَأن يحرَّق مالُه إذا حرَّق مالَ المسلم المعصوم أولى وأحرى. وإذا شُرعت العقوبة المالية في حقِّ الله الذي مسامحتُه به أكثر من استيفائه، فلَأن تُشرَع في حقِّ العبد الشحيح أولى وأحرى.
ولأن الله سبحانه شرع القصاص زجرًا للنفوس عن العدوان، وكان من--------------------------------------------
(1) بعده في النسخ المطبوعة زيادة «معًا».
(2) في النسخ الخطية: «من شيء»، والمثبت من المطبوعة. وانظر في تحريق متاع الغالِّ ما أخرجه أبو داود (2714، 2715).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 139)
الممكن أن يوجب الدية استدراكًا لظلامة المجنيِّ عليه بالمال، ولكن ما شرعه أكمل وأصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجنيِّ عليه، وأحفظ للنفوس والأطراف؛ وإلا فمن كان في نفسه من الآخر من قتلِه أو قطعِ طرفِه، قتَلَه أو قطَع طرفَه، وأعطى ديتَه؛ والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك. وهذا بعينه موجود في العدوان على المال.
فإن قيل: فهذا ينجبر(1) بأن يعطيَ(2) نظير ما أتلفه عليه.
قيل: إذا رضي المجنيُّ عليه بذلك، فهو كما لو رضي بدية طرفه. فهذا هو محض القياس، وبه قال الأحمدان أحمد بن حنبل وأحمد بن تيمية(3). قال في رواية موسى بن سعيد(4): وصاحب الشقِّ(5) مخيَّر(6)، إن شاء شقَّ الثوبَ، وإن شاء مثلَه(7).
المسألة الثالثة: الجناية [198/ب] على العِرض. فإن كان حرامًا في نفسه كالكذب عليه وقذفِه وسبِّ والديه، فليس له أن يفعل به كما فعل(8) اتفاقًا.--------------------------------------------
(1) ما عدا س، ع: «يتخير»، وهو تصحيف. وقال ناسخ ف أيضًا في حاشيتها: «لعله ينجبر».
(2) في النسخ المطبوعة: «يعطيه».
(3) انظر: «جامع المسائل» (2/ 260) و «الإنصاف» (6/ 194).
(4) سبق تخريجها.
(5) ما عدا ع: «الشيء»، تحريف.
(6) في النسخ المطبوعة: «يخير».
(7) هنا أيضًا في النسخ المطبوعة: «أخذ مثلَه»، بزيادة «أخذ».
(8) زيد بعده: «به» في النسخ المطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 140)
وإن سبَّه في نفسه، أو سخِر منه(1)، أو هزِئ به، أو بال عليه، أو بصَق عليه، أو دعا عليه= فله أن يفعل به نظيرَ ما فعَل به متحرِّيًا للعدل. وكذلك إذا كسَعه أو صفَعه، فله أن يستوفي منه نظيرَ ما فعَله(2) به سواء. وهذا أقرب إلى الكتاب والميزان وآثار الصحابة من التعزير المخالف للجناية جنسًا ونوعًا وقدرًا وصفةً.
وقد دلَّت السنة الصحيحة الصريحة على ذلك، فلا عبرة بخلاف من خالفها. ففي «صحيح البخاري»(3) أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم أرسلن زينب بنت جحش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلِّمه في شأن عائشة، فأتته، فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشُدْنك العدل في بنت أبي قحافة(4). فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة، وهي قاعدة، فسبَّتها، حتى إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لَينظر إلى عائشة، هل تتكلَّم. فتكلَّمت عائشة ترُدُّ على زينبَ حتى أسكتتها. قالت: فنظر النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى عائشة، وقال: «إنها بنت أبي بكر».
وفي «الصحيحين»(5) هذه القصة قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينبَ بنت جحش زوجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت تُساميني في المنزلة عند--------------------------------------------
(1) في النسخ المطبوعة: «به».
(2) ع: «فعل»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(3) برقم (2581). وأخرجه مسلم (2442).
(4) نسبتها إلى جدِّها. وكذا في النسخ الخطية و «صحيح مسلم» (2442) و «مسند أحمد» (24575) وغيرهما. وفي النسخ المطبوعة: «بنت ابن أبي قحافة» كما في بعض روايات حديث البخاري.
(5) بل في «صحيح مسلم».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 141)
رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكرت الحديث، وقالت: ثم وقعت فيَّ، فاستطالت عليَّ، وأنا أرقُب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وأرقُب طرفَه: هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرَح [199/أ] زينبُ حتى عرفتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر. فلما وقعتُ بها(1) لم أنشَبْها حتى أثخنتُ عليها(2). قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبسَّم: «إنها ابنة أبي بكر». وفي لفظ فيهما(3): «لم أنشَبْها أن أثخنتُها غلبةً».
وقد حكى الله سبحانه عن يوسف الصدِّيق أنه قال لإخوته: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا}(4)، لما قالوا: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ}(5) [يوسف: 77]، ولم يُبْدِ لهم ذلك للمصلحة التي اقتضت كتمان الحال.
ومن تأمَّل الأحاديث رأى ذلك فيها كثيرًا جدًّا. وبالله التوفيق.
فصل
قالوا: وهذا غيض من فيض، وقطرة من بحر، من تناقض القيَّاسين(6) الآرائيين، وقولهم بالقياس وتركهِم لما هو نظيره من كلِّ وجه أو أولى منه، وخروجِهم في القياس عن موجَب القياس، كما أوجب لهم مخالفةَ السنن--------------------------------------------
(1) يعني: نلتُ منها.
(2) أي لم أتركها حتى بالغت في إفحامها. ويروى: «أنحيتُ».
(3) بل في «صحيح مسلم» وحده.
(4) زادوا في النسخ المطبوعة: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ}.
(5) زادوا في النسخ المطبوعة: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} وغيَّروا عبارة المصنف.
(6) في النسخ المطبوعة: «القياسيين» كالعادة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 142)
والآثار، كما تقدَّم الإشارة إلى بعض ذلك. فَلْيُوجِدْنا القيَّاسون(1) حديثًا واحدًا صحيحًا صريحًا غيرَ منسوخ قد خالفناه لرأي أو قياس أو تقليد رجل، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا! فإن كان مخالفة القياس ذنبًا(2) فقد أريناهم مخالفته صريحًا. ثم نحن أسعَدُ(3) بمخالفته منهم، لأنا إنما خالفناه للنصوص. وإن كان حقًّا فماذا بعد الحقِّ إلا الضلال؟
فانظر إلى هذين البحرين اللذين قد تلاطمت أمواجهما، والحزبين اللذين قد ارتفع في مَعْرَكِ(4) الحرب عَجاجُهما. فجرَّ كلٌّ منهما جيشًا من الحجج لا تقوم له الجبال، وتتضاءل له شجاعة الأبطال، وأدلَى كلٌّ(5) منهما من الكتاب والسنة والآثار بما خضعت له الرقاب، وذلَّت له الصعاب، وانقاد [199/ب] له علمُ كلِّ عالم، ونفَّذه حكمُ كلِّ حاكم(6). وكان نهاية قدم الفاضل النحرير الراسخ في العلم أن يفهم عنهما ما قالاه، ويحيط علمًا بما أصَّلاه وفصَّلاه. فليعرف الناظر في هذا المقام قدرَه، ولا يتعدَّى طورَه، وليعلم أن وراء سُوَيقِيَته(7) بحارًا طاميةً، وفوق مرتبته في العلم مراتبَ فوق--------------------------------------------
(1) انظر التعليق السابق. وفي ف: «القائسون».
(2) هذا في س، ع. ونقطة الباء واضحة في ح أيضًا. وفي غيرهما والنسخ المطبوعة: «دينًا».
(3) في النسخ المطبوعة: «أسعد الناس».
(4) في النسخ المطبوعة: «معترك».
(5) في طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ومَن تابعه: «وأتى كلُّ واحد»، ولعله تصرُّف من بعض الناشرين.
(6) في النسخ المطبوعة: «ونفّذ حكمه كل حاكم».
(7) السُّوَيقِيَة: تصغير الساقية.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 143)
السُّهى(1) عاليةً. فإن وثق من نفسه بأنه من فرسان هذا الميدان، وجملة هؤلاء الأقران، فَلْيجلس مجلسَ الحكم بين الفريقين، ويحكُمْ بما يُرضي الله ورسوله بين هذين الحزبين؛ فإن الدين كلَّه لله، وإنِ الحكم إلا لله. ولا ينفع في هذا المقام: «قاعدةُ المذهب كيتَ وكيتَ»، و «قطع به جمهورٌ من الأصحاب»، و «تحصَّل لنا في المسألة كذا وكذا وجهًا»، و «صحَّح هذا القولَ خمسة عشر، وصحح الآخرَ سبعة». وإن علا نسبُ علمِه قال: «نصَّ عليه»، فانقطع النزاع، ولُزَّ(2)
ذلك النصُّ في قَرَن الإجماع. والله المستعان، وعليه التكلان.
فصل
قال المتوسِّطون بين الفريقين: قد ثبت أن الله سبحانه أنزل(3) الكتاب والميزان، فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان. وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه. ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصحيح والقياس الصحيح. بل كلُّها--------------------------------------------
(1) كوكب صغير خفيّ في وسط بنات نعش.
(2) ع: «ولو»، تصحيف. وفي المطبوع: «ولزم»، ولعله من أخطاء الطبع. والمراد أنَّ نصَّ الإمام جُعِل مع الإجماع في قرَن واحد، كأنهما نِدَّان. يقال للبعيرين إذا قُرِنا في قرَن واحد: قد لُزَّا. ومنه قول جرير:
وابنُ اللبون إذا ما لُزَّ في قرَنٍ … لم يستطع صولةَ البُزْل القناعيسِ
انظر: «ديوانه» (1/ 125).
(3) في النسخ المطبوعة: «قد أنزل».
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 144)
متصادقة متعاضدة متناصرة يصدِّق بعضُها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض؛ فلا يناقض القياسُ الصحيحُ النصَّ الصحيحَ أبدًا.
ونصوص الشارع نوعان: أخبار، وأوامر. فكما [200/أ] أن أخباره لا تخالف العقل(1) الصحيح، بل هي نوعان: نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملةً أو جملةً وتفصيلًا. ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه(2) من حيث الجملة. فهكذا أوامره سبحانه نوعان: نوع يشهد به القياس والميزان، ونوع لا يستقلُّ بالشهادة به ولكن لا يخالفه. وكما أن القسم الثالث في الأخبار محال، وهو ورودُها بما يردُّه العقل الصريح(3)، فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح.
وهذه الجملة إنما تتفصَّل(4) بعد تمهيد قاعدتين عظيمتين:
إحداهما: أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلَّفين أمرًا ونهيًا وإذنًا وعفوًا، كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علمًا وكتابةً وقدرًا. فعلمُه وكتابه وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف--------------------------------------------
(1) في النسخ الخطية: «القول»، وهو تصحيف أو سهو كان في الأصول.
(2) في النسخ الخطية: «أدركته»، يعني: العقول، ولكن مقتضى السياق ما أثبت من المطبوع.
(3) يعني: الخالص. وكذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «الصحيح».
(4) ضبط في س، ح بتشديد الصاد المفتوحة. وفي النسخ المطبوعة: «تنفصل»، تصحيف. وتفصَّل مطاوع فصَّل، لم تنصّ عليه المعاجم، ولكن المصنف استعمله في كتاب «الفوائد» (ص 161) أيضًا. قال: « … بل عرفه معرفة مجملة، وإن تفصَّلت له في بعض الأشياء». وانظر: «بيان تلبيس الجهمية» لشيخ الإسلام (5/ 125).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 145)
وغيرها، وأمرُه ونهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أعمالهم(1) التكليفية. فلا يخرج فعلٌ من أفعالهم عن أحد الحكمين: إما الكوني، وإما الشرعي الأمري. فقد بيَّن الله سبحانه على لسان رسوله، بكلامه وكلام رسوله، جميعَ ما أمرَ(2) به، وجميعَ ما نهى عنه، وجميعَ ما أحلَّه، وجميع ما حرَّمه، وجميع ما عفا عنه. وبهذا يكون دينه كاملًا كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}(3) [المائدة: 3]. ولكن قد يقصُر فهمُ أكثر الناس عن فهم ما دلَّت عليه النصوص، وعن وجه الدلالة وتنويعها(4). وتفاوتُ الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساويةً [200/ب] لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خصَّ سبحانه سليمانَ بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالعلم والحكم.
وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه: «الفهمَ الفهمَ فيما أُدلي إليك»(5). وقال علي: «إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه»(6). وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم(7). ودعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس أن--------------------------------------------
(1) ع: «أفعالهم»، وكذا في النسخ المطبوعة. وقد وقع تقديم وتأخير في أجزاء هذه الجملة والجملة السابقة في س، ح، ف، ففيها: « … أفعال عباده وعفوه وأمره ونهيه وإباحته الواقعة تحت التكليف وغيرها قد أحاط … ».
(2) في النسخ المطبوعة: «أمره».
(3) في النسخ المطبوعة زيادة: «وأتممت عليكم نعمتي».
(4) ع: «وموقعها»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(5) سبق تخريجه.
(6) سبق تخريجه.
(7) سبق تخريجه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 146)
يفقِّهه في الدين ويعلِّمه التأويل(1). والفرق بين الفقه والتأويل: أن الفقه هو فهم المعنى المراد، والتأويل إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى، التي هي آخيَّته(2) وأصله. وليس كلُّ من فقه في الدين عرف التأويل، فمعرفة التأويل يختصُّ به الراسخون في العلم. وليس المراد به(3) تأويل التحريف وتبديل المعنى، فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه، والله يعلم بطلانه.
فصل(4)
والناس انقسموا في هذا الموضع إلى ثلاث فرق:
فرقة قالت: إن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وغلا بعض هؤلاء حتى قال: ولا بعُشْرِ معشارها(5). قالوا: فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص. ولَعَمرُ الله إنَّ هذا مقدار النصوص في فهمه وعلمه ومعرفته، لا مقدارها في نفس الأمر. واحتجَّ هذا القائل بأن النصوص متناهية، وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع(6). وهذا احتجاج فاسد جدًّا من وجوه:--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه.
(2) تقدم تفسيرها. ويريد أن المعنى يدور حول تلك الحقيقة.
(3) «به» ساقط من ح، ف.
(4) قارن هذا الفصل بكلام شيخ الإسلام في القاعدة المذكورة (ص 274 - 276) ضمن «جامع المسائل»، المجموعة الثانية. فإنما هو مأخوذ منه مع بعض الزيادات. وكذلك الفصول التالية.
(5) انظر: «البرهان» للجويني (2/ 15، 37).
(6) انظر: «أصول السرخسي» (2/ 139) و «الفروق» للقرافي (1/ 8).
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 147)