التحفة البهية في شرح رسالة العبودية (محمد بن خليفة التميمي)القسم: العقيدة
الكتاب: شرح رسالة العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية
تأليف: محمد بن خليفة التميمي
اعتنى به وأعده للنشر: عبد الجابر عبد العظيم بن محمد آل ماجد
الناشر: دار الأماجد للطباعة والنشر، الرياض - السعودية
الطبعة: الأولى، 1444 هـ - 2022 م
عدد الصفحات: 369
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 14 شعبان 1445
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
[مقدمة المصنف]
بسم الله الرحمن الرحيم، وبِه نستعين
إِنَّ الحَمد لله نحمدُه ونستعينه ونَسْتَغْفِرهُ، ونعوذ بِاللَّه من شُرُور أَنْفُسِنَا ومن سيئات أَعمالنَا؛ مَنْ يَهده اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ ومَن يُضلل فَلَا هادي لَهُ.
وأشْهد أَنَّ لَا إِلَه إِلَّا الله وحده لَا شريك لَهُ، وأشْهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبده ورَسُوله.
أمَّا بعد: فقد سُئِلَ شيخُ الإسْلَام وعَلَم الأَعْلَام، نَاصِر السُّنَّة وقامع البِدْعَة؛ أَحْمد بن عبد الحَلِيم ابْن تَيْمِية رحمه الله عَنْ قَوْله عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21].
فَمَا العِبَادَة؟ ومَا فروعها؟ وهل مَجْمُوع الدَّين دَاخل فِيهَا أم لَا؟ ومَا حَقِيقَة العُبُودِيَّة؟ وهل هِيَ أَعلَى المقامات فِي الدُّنْيَا والآخِرَة، أم فَوْقهَا شَيْء من المقامات؟ وليبسط لنا القَوْلَ فِي ذَلِك.
فَأجَاب رحمه الله:
العِبَادَة: هِيَ اسْمٌ جَامعٌ لكلِّ مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الأَقْوال والأعمال البَاطِنَة والظَّاهِرَة.
فَالصَّلَاة والزَّكَاة والصِّيَام والحج وصِدق الحَدِيث وأَدَاء الأمَانَة وبرُّ الوالِدين وصِلَة الأَرْحَام والوفَاء بالعُهود والأَمر بِالمَعْرُوفِ والنَّهْي عَنْ المُنكر والجهَاد للكفَّار والمُنَافِقِينَ والإِحْسَان للجَار واليتيم والمسكين وابْن السَّبِيل والمملوك من الآدَمِيّين والبهائم، والدُّعَاء،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
والذِّكر، والقِرَاءَة، وأمثال ذَلِك من العِبَادَة لله.
الحمدُ لله وحده، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَنْ لا نَبِيَّ بعده، صَلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصَحْبه وسَلَّم تسليمًا كثيرًا.
ثم أمَّا بعد: فرسالةُ «العبودية» لشيخ الإسلام ابن تيمية هي إجابة عن سؤال وُجِّه إليه عن العبادة؟ وما فروعها؟ وهل يدخل فيها مضمون الدِّين أم لا؟ وما حقيقة العبودية؟ وهل هي أعلى المقامات في الدُّنيا والآخرة؟ أو فوقها شيء من المَقامات؟
وقد بدأ شيخ الإسلام رحمه الله جواب عن هذا السؤال بتعريف جامع للعبادة فقال: «العِبادة: هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحِبُّه اللهُ ويَرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة»، وتندرج تحت هذه العبارة جملة مسائل؛ نذكر منها:
المسألة الأولى: تعريف العبادة لغة:
العبادة في اللغة: مَصدر عَبَدَ.
وفي «القاموس»: «العَبْدِيَّةُ والعُبودِيَّةُ والعُبودَةُ والعِبادَةُ: الطَّاعَةُ»(1).
وفي «الصِّحاح»: «أصلُ العُبودية: الخُضوع والذُّل، والتَّعبيد: التَّذليل.
يقال: طريق مُعَبَّد، والبَعير المُعبد: المَهنوء بالقَطْرَان المُذَلَّل.
والعبادة: الطاعة، والتعبد: التَّنَسُّك».--------------------------------------------
(1) «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (ص 296).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
فتفترق المعاني بحسب الاشتقاق.
«وقوله تعالى: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي} [الفجر: 29]، أي: في حِزبي»(1)، فأضاف إليها معنى جديدًا، وهو الولاء.
وفي «المخصص»: «أصل العبادة: التَّذليل، من قولهم: طريق مُعَبَّد، أي: مُذَلَّل بكثرة الوطءِ عليه … ومنه أُخِذ (العبد) لِذِلَّتِه لمَولاه.
والعبادة والخضوع والتَّذَلُّل والاستكانة قَرائب في المعاني؛ يقال: تعَبَّد فلان لفلان: إذا تذلل له، وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة؛ طاعة كان للمعبود أو غيرَ طاعة، وكل طاعة لله على جهة الخُضوع والتَّذَلُّل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع، لا يَستحقه إلا الُمنعم بأعلى أجناس النِّعَم؛ كالحياة والفَهم والسَّمع والبَصر»(2).
وفي «اللِّسان»: «أصل العبودية: الخضوع والتذلل … ، وفي حديث أبي هريرة: «لا يَقل أحدكم لمملوكه: عَبدي وأَمَتي، وليقل: فتاي وفتاتي»(3)؛ هذا على نفي الاستكبار عليهم، وأن يَنسب عبوديتهم إليه، فإنَّ المستحق لذلك الله تعالى، هو رب العباد كلهم والعبيد»(4).
وجعل بعضهم العبادة لله، بخلاف العبودية وغيرها فهي تجعل لله وللمخلوقين.
قال الأزهري: «ولا يقال: عبد يَعبد عبادة، إلَّا لمن يعبد الله، ومَن عَبَدَ من دونه إلهًا فهو من الخاسرين، قال: وأمَّا عَبْدٌ خَدَمَ--------------------------------------------
(1) انظر: «الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية» للجوهري (2/ 503، 504).
(2) انظر: «المخصص»، لابن سيده (4/ 62).
(3) أخرجه البخاري (2552)، ومسلم (2249).
(4) «لسان العرب» لابن منظور (3/ 271).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
مَولاه، فلا يُقال: عَبَدَه … قال الليث: ويُقال للمشركين: هم عَبَدَة الطاغوت.
ويقال للمسلمين: عباد الله، يَعبدون الله … ، والعابد: المُوحِّد»(1).
وعلى هذا، فتعريف العبادة في لغة العرب: هو أن العبادة هي الذلُّ والخضوع المُستلزِم طاعة المَعبود أمرًا ونهيًا، ولذا سُمِّي الرقيق «عبدًا»؛ لأنَّه يَذِلُّ ويخضع لسيده أمرًا ونهيًا فيما يَختص بشئون الحياة.
فمدار كلمة (العبادة) - في اللغة- على التذلل والخضوع والاستكانة، وهي معان متقاربة، لكن هذه اللفظة لما استعملت في الشَّرع أُضيف إليها مع الخضوع كمال المحبة، فانتقلت إلى المعنى الشرعي بإضافة المحبة مع الخضوع. ولذلك لما عرَّفها ابنُ كثير رحمه الله قال: «العبادة في اللغة: مِنْ الذِّلَّة، يُقال: طريق مُعَبَّد، وبَعير مُعَبَّد، أي: مُذَلَّل. وفي الشرع: عِبارة عمَّا يَجمع كمال المحبة والخُضوع والخَوف»(2)، فعند تعريفها في الشرع زاد فيها معنى آخر، وهو المحبة.
المسألة الثانية: استعمالات كلمة (عبد) في الشرع.
استُعملت كلمة (عبد) في الشرع على عِدَّة أقسام:
القسم الأول: عبودية الرِّقِّ، كما جاء في قوله: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [النحل: 75]، فالمراد بالعبد هنا: العَبد الرَّقيق المملوك؛ فتُطلق العبودية ويُراد بها عبودية الرِّقِّ.
القسم الثاني: العبودية العامَّة؛ حيث تُطلق العبودية ويُراد بها العبودية العامَّة؛ أي: عبودية الربوبية، كما في قوله: {إن كل من--------------------------------------------
(1) «تهذيب اللغة» للأزهري (2/ 139، 140).
(2) «تفسير ابن كثير» (1/ 134).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا} [مريم: 93]، فالعبد هنا: عَبد القَهر والمُلك لله سبحانه وتعالى، وكلُّنا عبيدٌ لله عز وجل.
وعند جمع كلمة (عبد) يَظهر الفرق بين عبودية الربوبية لله عز وجل، وكذلك عبودية الرق، فتقول في جمعها: عَبيد، وأمَّا في عبودية الألوهية فتقول: عِباد، ولذلك قال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا} [الفرقان: 63].
القسم الثالث: العبودية الخاصة، أي: عبودية التَّأَلُّه، كما في قوله تعالى: {واذكر عبدنا داود ذا الأيدي} [ص: 17]، {واذكر عبدنا أيوب} [ص: 41]، {سبحان الذي أسرى بعبده} [الإسراء: 1]، فهذه العبودية الخاصة.
القسم الرابع: عبودية الأشياء؛ كعبد الدنيا وشهواتها، وهو المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: «تَعِس عبدُ الدِّينار والدِّرهم، والقَطيفة، والخَمِيصة؛ إن أُعطي رَضِي، وإن لم يُعط لم يَرْضَ»(1)، فهذا فِيمَن استعبدته الدنيا وملذَّاتها فأصبح لها عبدًا.
لذا يلزم التفريق في استعمالات هذه الكلمة، حتى يتضح المراد بها.
وهذه المعاني مما يجدر مَعرفتها والعناية بها؛ لأنها سترد خلال سياق هذه الرِّسالة المباركة.
المسألة الثالثة: تعريف العبادة شرعًا:
مع اختلاف عبارات العلماء- رحمهم الله في تعريف العِبادة شرعًا إلا أنَّ الجميع يدور حول معنى واحد، والفرق بين تعريفاتهم--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (6435). والقطيفة: كساء أو فراش له أهداب. والخميصة: ثَوب أسود أو أحمر له أعلامٌ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
إنما يقع في الشمول، وسنعرض بعضًا منها:
1 - قال الإمام القرطبيُّ رحمه الله: «العبادة: عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه، وأصل العبادة: الخضوع والتَّذَلُّل»(1).
2 - وقال الإمام ابن كثير رحمه الله: «العبادة في الشرع: عِبارة عمَّا يَجمع كمال المحبة والخُضوع والخَوف»(2)؛ وعليه فَمن اتصف بذلك فإنه يُطلق عليه أنَّه عابد لله عز وجل.
3 - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هنا: «العبادة: هي اسم جامعٌ لكلِّ ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة».
وعلى هذا يتضح أنَّ للعبادة تعريفين.
أحدهما: باعتبار العابد، وهو كمال الذُّلِّ مع كمال الحب لله عز وجل.
والآخر: باعتبار المُتَعَبَّد به، وهو ما يُحِبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ لكونه عز وجل شَرَعَه وعُمِل وَفْقَ مُراده.
وقول المصنف: «ومن ذلك: الصلاة، والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر والقراءة، وأمثال ذلك--------------------------------------------
(1) «تفسير القرطبي» (1/ 225).
(2) «تفسير ابن كثير» (1/ 134).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
من العبادة، وكذلك حبُّ الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكُّل عليه والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله».
المسألة الرابعة: شرح تعريف المصنف للعبادة شرعًا:
عَرَّف المصنفُ العبادةَ فقال: «هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبه الله ويرضاه».
فالعبادة اسم جنس؛ لذلك قال: (اسمٌ جامع).
وقوله: (لما يحبه الله ويرضاه): قيد للعبادة، وهو أن تكون ما يحبه الله ويرضاه، وهو كل ما أمر به؛ إمَّا أمر وجوب أو أمر استحباب، إذ الأوامر إمَّا فعلية وإمَّا تركية.
وهنا يجدر التنبيه إلى أمورٍ؛ وهي:
الأمر الأول: أنَّ جمهور الأُصوليين قَسَّموا الأحكام الشرعية التكليفية إلى خمسة، وهي:
1 الواجب وهو: ما يُثاب فاعله، ويُعاقب تاركه.
2 المستحب وهو: ما يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه.
3 المحرم وهو: ما يثاب تاركه ويعاقب فاعله.
4 المكروه وهو: ما يثاب تاركه ولا يعقب فاعله.
5 - المباح وهو: كل أمر لا يتعلق به شيء، إلا إذا تحولت هذه المباحات إلى طاعات بالنية الصَّالحة.
وقد زاد عليها إمامُ الحرمين الجويني (الصَّحيح والباطل).
وقد عرَّف الصَّحيح بقوله: ما يتعلق به النفوذ ويُعتد به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
وأمَّا الباطل عنده فهو ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به(1).
غير أنه في «البرهان» تَابَعَ جمهور الأُصوليين في أنَّ الأحكام الشرعية التكليفية خمسة(2)، وكثير من الأصوليين يجعلون الصِّحَّة والبُطلان من أقسام الحُكم الوضعي(3).
ورأي الجمهور هو الغالب في هذا التقسيم؛ يقول مجد الدين ابن تيمية في «المسودة»: «اتَّفق الفقهاء والمتكلمون على أنَّ أحكام الشرع تنقسم إلى: واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح»(4).
فهذه الأحكام التكليفية الخمسة تنطبق على الأمور الفِعلية والأمور التَّركية.
الأمر الثاني: أن الأعمال تنقسم إلى:
1 أعمال القلب.
2 أعمال اللسان.
3 أعمال الجوارح.
وأعمال القلب منها ما هو واجب؛ مثل: الإخلاص. ومنها ما هو محرم؛ مثل: الكِبر والحَسد. ومنها ما هو مُستحب. ومنها ما هو مَكروه. ومنها ما هو مباح.
وهكذا بالنسبة للسان. وكذلك بالنسبة للجوارح.--------------------------------------------
(1) انظر: «متن الورقات» (ص 8).
(2) انظر «البرهان في أصول الفقه» للجويني (1/ 106).
(3) انظر «النصح المبذول لقُرَّاء سُلَّم الوصول» لمحمد بن عبد الرحمن الديسي، تحقيق: محمد شايب شريف (ص 39، 40).
(4) «المسودة في أصول الفقه» (ص 65)، ويُنظر: باب الحكم الشرعي في كتب أصول الفقه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
فالعبودية شاملة لجميع البدن؛ ظاهره وباطنه، وكل جارحة من البدن مطالبة بعبودية الله عز وجل.
الأمر الثالث: حقيقة العبادة: هي كمال الذُّلِّ مع كمال المحبة لله عز وجل، ونهاية الخضوع والانقياد والاستسلام والتواضع والخوف والخشية والإنابة والرجاء والإذعان لله وحده لا شريكَ له في شيءٍ من ذلك البتة، إذ هو المستحقُّ للعبادة وحده دون ما سواه.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والعبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذُّلِّ؛ فالعابد محبٌّ خاضع، بخلاف مَنْ يحب مَنْ لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف مَنْ يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم؛ فإنَّ كلًّا مِنْ هذين ليس عبادة محضة»(1).
وقال ابن القيم رحمه الله: «والعبودية مَدَارها على قاعدتين هما أصلها: حُبٌّ كاملٌ وذُلٌّ تامٌّ، ومنشأ هذين الأصلين … هما مُشاهدة المِنَّة التي تُورث المحبة ومطالعة عيب النَّفس والعمل التي تورث الذل التَّام، وإذا كان العبد قد بَنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يَظفر عدوه به إلا على غِرَّة وغِيلة، وما أسرع ما يُنعشه الله عز وجل ويجبره ويتداركه برحمته»(2).
الأمر الرابع: مفهوم العبادة في الإسلام:
من خلال تعريف شيخ الإسلام للعبادة يظهر أن مفهوم العبادة أعم وأشمل من أن تَنحصر في عبادات ظاهرية فقط، وإن كانت جليلة عظيمة، بل مفهوم العبادة شامل لجميع الأقوال والأفعال التي يقوم بها العبد انطلاقًا من محبته ورجائه وخوفه من الله، وبشرط ان--------------------------------------------
(1) «قاعدة في المحبة» لابن تيمية (ص 98).
(2) «الوابل الصَّيِّب من الكلم الطيب» لابن القيم (ص 8).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
تكون وفق مراد الله، كما قال- جل وعلا- آمرًا نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يُقَرِّر هذا للناس، فقال: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي ونُسُكِي ومَحْيَاي: ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَولُ المُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163].
بل إنَّ الإسلام قد أسبغ على جميع أعمال الإنسان صفة العبادة إذا قصد بهذه الأعمال وجه الله ومرضاته، وقام بها على الوجه المشروع الموافق للسنة، وكانت في سبيل تحقيق أهدافها المقصودة المشروعة؛ فالمزارع والصانع والتاجر وغيرهم من أصحاب الأعمال تُعتَبر أعمالهم عبادة إذا قَصَدَ بها كلٌّ منهم نفعَ عباد الله والاستغناء عن الحاجة إلى الناس وإعالة العيال؛ تحقيقًا لأمر الله سبحانه وتعالى(1).
وعلى هذا فكلُّ ما أُمر به شرعًا؛ سواءً كان من الشعائر أو من سائر أحوال الناس وعاداتهم إذا ابتغى به فاعلُه الأجر من الله عز وجل فهو عبادة؛ سواء رتَّب الشارع عليه جزاءً مُحدَّدًا أو أتى الأمر به مُطلقًا دون تحديد جزاء، وهذا مِنْ فضل الله ورحمته بعباده؛ فمثال ما رُتِّب على فِعله جزاء ويحصل للمسلم هذا الجزاء إذا كان إنَّما فعله لله: ما روى أبو هريرة ? قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ سُلَامَى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تَمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة»(2).
فاشتمل الحديثُ على بعض الآداب، وجعل الشَّارع القيام بها عبادة يُثاب عليها المسلم إذا نَوى أنه إنما قام بها من أجل الله عز وجل.--------------------------------------------
(1) ينظر: «مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية» لعثمان ضميرية (ص 285).
(2) أخرجه البخاري (5/ 226) في الصلح، ومسلم رقم (1009) في الزكاة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
كما أن التحلِّي بالأخلاق يُعتبر عبادةً أيضًا؛ فعن أبي ذر ? قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَحقرنَّ من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق»(1).
ومثل ما أُمر به شرعًا ولم يُحدَّد على فعله جزاءً معينًا، ويعتبر القيام به عبادة إذا نُوي بها القربة لله ويؤجر عليها، إجابة دعوة المسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا دُعي أحدكم فَلْيُجِب، فإن كان صائمًا فَلْيُصَلِّ، وإن كان مُفطرًا فَلْيَطْعَم»(2).
فمن كانت نيته في إجابة الدعوة امتثال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وإدخال السُّرور على أخيه المسلم كان فِعله عبادة، أمَّا مَنْ لم تكن له نية في إجابتها فلا يكون قد قام بعبادة.
وهذا ينطبق على كلِّ أمرٍ من شئون الحياة؛ من مأكلٍ ومشربٍ ومَنكحٍ، ونومٍ ويقظةٍ، وسَفرٍ وإقامة، وهكذا؛ فمَن نوى بكلِّ هذه وأمثالها وجه الله فهي عبادةٌ مأجورٌ عليها؛ فتتحول هذه العادات والملذات المباحات إلى طاعات وقربات؛ لذا قال صلى الله عليه وسلم: «وفي بُضع أحدكم صدقة». قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»(3).
فباستغناء العبد واستعفافه بالحلال عن الحرام كان له في فعل الحلال المباح أجر؛ ترغيبًا في الحلال، وتنفيرًا من الحرام؛ فلا رهبانية في الإسلام وكذلك لا تفريط بفعل المحرم، وهذه هي--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم رقم (2626) في البر والصلة.
(2) أخرجه مسلم رقم (1150) في الصيام، وأبو داود (2461) في الصوم، والترمذي (780) في الصوم.
(3) أخرجه مسلم (1006) من حديث أبي ذر ?.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
وسطية الإسلام؛ فلم يمنع النفس البشرية من غريزتها ولم يترك لها الحبل على الغارب، وإنما أعطاها ما تشتهي في سياج من الطهر والنقاء والعفاف والميثاق الغليظ.
فالعمل المباح يَنقلب إلى طاعة وقُربة إذا صاحبه نِيَّة طيبة؛ لذا قال معاذ بن جبل ? لأبي موسى الأشعري: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا وقاعدًا وعلى راحلتي، وأتفوقه تفوقًا(1). قال أبو موسى: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل؛ فأقومُ وقد قضيت جزئي من النَّوم، فأقرأ ما كَتَب الله لي؛ فأَحتسب نَومتي كما أحتسبُ قَوْمَتِي»(2)؛ «فكأنَّ معاذَ بن جبل فَضَلَ عليه»(3).
فكان ? يَحتسب الأجر في النوم كما يحتسبه في قيام الليل؛ لأنَّه أراد بالنَّوم التَّقَوِّي على العبادة والإعانة على الطَّاعة.
قال الحافظُ ابنُ حَجَر: «ومعناه: أنَّه يَطلب الثواب في الرَّاحة كما يَطلبه في التعب؛ لأنَّ الراحة إذا قُصد بها الإعانة على العبادة حَصلت الثواب»(4).
وكلَّما كانت النية أشمل كان الأجر أعظم؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنَّما الأعمال بالنيات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوَى … » الحديث(5).
قال عبد الله بن المبارك: «رُبَّ عمل صغير تعظمه النية، وربَّ--------------------------------------------
(1) أي: أُلازم قراءته ليلًا ونهارًا شيئًا بعد شيء، ولا أقرأ وِردي دفعة واحدة. مأخوذ من فواق الناقة، وهو أن تُحلب ثم تُترك ساعة حتى يجتمع لبنها ثم تُحلب، وهكذا.
(2) أخرجه البخاري (4341) و (4344).
(3) أخرج هذه الزيادة عبد الرزاق في «مصنفه» (5959).
(4) «فتح الباري» لابن حجر (8/ 62).
(5) أخرج البخاري (1/ 7) في بدء الوحي، ومسلم رقم (1907) في الأمارة، وأبو داود رقم (2201) في الطلاق، والترمذي رقم (1647) في فضائل الجهاد، والنسائي (1/ 59) في الطهارة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
عمل كبير تُصغِّره النية»(1).
أمَّا مَنْ لم ينوِ شيئًا فأعماله عادية لا أجر فيها؛ لذا تَبَايَنَ الناسُ في ذلك تباينًا عظيمًا، فمِن الناس مَنْ كلُّ عاداته وأفعاله عبادة لله؛ لأنه- دائمًا- مُستحضرٌ لِنِيَّتِه، قاصد بعمله وجه الله، بينما بعض الناس قد تكون كلُّ عباداته حتى (الشَّعائر الظَّاهرة) أو بعضها عادات، وذلك لخلوِّ قلبه مِنْ نِيَّة التقرُّب إلى الله عز وجل.
الأمر الخامس: أن الأعمال تتفاوت في المرتبة والأفضلية:
فأعمال الطاعة تختلف محبة إلى الله وأجرًا، وكذلك المعاصي تتفاوت بغضًا إلى الله ووزرًا.
فالعبادات أنواع لها مميزات وخصائص تختلف بها عن غيرها؛ لمقاصد عظيمة؛ وحِكَم جليلة، تتجلى فيها عظمة هذه الشريعة، وكرم المُشَرِّع سبحانه وتعالى؛ وكما أنه سبحانه خلق المخلوقات وفَاضَلَ بينها بما يُحقق المصلحة العظيمة؛ قال تعالى: {واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} [النحل: 71]- كذلك فَاضَلَ بين العبادات، وجعل مراتبها ودرجاتها مختلفة.
وقد وردت أدلة بَيِّنَّة في السنة النبوية تدل على تفاضل العبادات وتمايزها، ومن ذلك:
ما رواه معاذ بن جبل ? أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة، والصَّدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل». قال: ثم تلا {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16]، حتى بلغ {يعملون} [السجدة: 17]. ثم--------------------------------------------
(1) أورده عنه الحافظ ابنُ رجب في «جامع العلوم والحكم» (ص 69).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
قال: «ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذروة سنامه»؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد»(1).
وكما جاء في حديث أبي هريرة ? أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بِضع وسبعون- أو- بِضع وسِتُّون- شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبة من الإيمان»(2).
وعن أبي هريرة ? أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أيُّ العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قيل: ثم ماذا؟ قال: «حَجٌّ مَبرور»(3).
وعن ابن مسعود ?: أنَّ رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله»(4).
فهذه الأحاديث ونحوها تُدَلِّل على أن هناك تفاضلًا بين العبادات، وأن بعضها أفضل من بعض، ويظهر من خلال التأمل فيها- أنها أجوبة مختلفة لسؤال واحد، وقد أجاب العلماء على هذا الاستشكال بأجوبة، نختار منها قول الحافظ ابن حَجَر في «شرحه للجامع الصَّحيح» حيث قال: «ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال.--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد (22016)، والترمذي (2616) وابن ماجه (3973)، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (3209).
(2) أخرجه مسلم (35).
(3) أخرجه البخاري (26) ومسلم (83).
(4) أخرجه البخاري (7534) ومسلم (85).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
1 - أنَّ الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين؛ بأنَّه أَعْلَم كلَّ قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم.
2 - أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات؛ بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال؛ لأنَّه الوسيلة إلى القيام بها، والتَّمَكُّن من أدائها، وقد تضافرت النصوص على أنَّ الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مُواساة المضطر تكون الصدقة أفضل.
3 - أو أنَّ (أفضل) ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المُطلق.
4 - أو المراد (مِنْ أفضل الأعمال)؛ فحُذفت «مِنْ»، وهي مرادة»(1).
وقد ظهر هنا من أجوبة الحافظ ابن حجر بعض أوجه التفاضل بين العبادات؛ ومن ذلك:
1 - التفاضل بين العبادات وحصرها من حيث العبادة ومن حيث العابد:
فمن خلال ما تقدم تبين أن وجوه التفاضل بين العبادات يمكن حصرها في مسألتين أساسيتين، وهما:
المسألة الأولى: العبادة ذاتها.
والمسألة الثانية: العابد.
وتفصيل ذلك: أنَّ تفاضل العبادات ذاتها يكون من خلال وجوه--------------------------------------------
(1) «فتح الباري» لابن حجر (2/ 9).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
عدة:
أولًا: تفاضل العبادة من حيث الوجوب والاستحباب، كما في الحديث القدسي: «ما تَقَرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ مما افترضته عليه»(1).
والحديث فيه دلالة واضحة على أن الفرائض أفضل الأعمال؛ لكونها أحب إلى الله، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في «شرحه للصَّحيح» نقولًا للعلماء تبيّن فيها وجوه فضل الفرائض على النَّوافل، وخلاصته: أن الفرائض أمرها محتوم، أما النوافل فهي على سبيل الترغيب والاستحباب(2).
ثانيًا: التفاضل من حيث التحديد الزماني، كما في الحديث: «إنَّ عُمرة في رمضان تَعدل حَجَّة معي»(3)، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «فالحاصل أنَّه أعلمها أن العمرة في رمضان تَعدل الحَجَّة في الثواب، لا أنَّها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يُجزئ عن حج الفرض»(4)، والحديث دليل على التفضيل في زمن خاص.
ومن ذلك تفاضل الصدقات، كما في الحديث: «أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: «أن تَصَدَّق وأنت صحيح شحيحٌ تَخشى الفقر وتأمُل الغِنى، ولا تُمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (6502) من حديث أبي هريرة ?.
(2) «فتح الباري» لابن حجر (11/ 343).
(3) أخرجه البخاري (1863) ومسلم (1256) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(4) «فتح الباري» (3/ 604).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
كان لفلان»(1).
ثالثًا: تفاضلها من حيث التحديد المكاني، كما في الحديث: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام»(2).
ففي الحديث تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الصلاة في هذين المكانين أفضل من الصلاة في غيرهما من المساجد، إلى غيرها من وجوه التفاضل في العبادات الأخرى.
ومن ذلك تفاضل الصَّلاة بحسب الاجتماع والانفراد، كما في الحديث: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة»(3).
ومن ذلك التفاضل بحسب التفاوت في مقدار الخُطى إلى المساجد، كما في الحديث: «إنَّ أعظم الناس أجرًا أبعدهم إليها ممْشَى فأبعدهم»(4).
والمسألة الثانية: التفاضل بين العبادات من حيث العابد:
من عظيم حكمة الله أن جعل أبواب الرزق متنوعة ومتعددة؛ لتكتمل للناس أمور معاشهم، إذ حاجات الناس متنوعة ومتعددة تتكامل بها دورة حياتهم، والنَّاس بين مَنْ يجيد مهنة أو عددًا من المهن تُدر عليه دخلًا يعيش من ورائه ويدخر منه بحسب ما يدر عليه من مال، وهذه الأمور يعرفها كل الناس، وهي من البديهيات لديهم. ولكن الذي قد لا يعرفه بعض الناس: أن هناك صورة مشابهة لهذه--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1419) ومسلم (1032) من حديث أبي هريرة ?.
(2) أخرجه البخاري (1190) ومسلم (1394) واللفظ له، من حديث أبي هريرة ?.
(3) أخرجه البخاري (645) ومسلم (650) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(4) أخرجه مسلم (662) من حديث أبي هريرة ?.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
الصورة ولكن في أبواب الطاعات، ولعل قصة الإمام مالك مع العُمَري العابد تَصلح كمدخل يُقَرِّب تلك الصورة، فقد كتب عبد الله بن عبد العزيز العُمَري العابد إلى الإمام مالك يحضُّه على الانفراد والعمل، ويَرغب به عن الاجتماع إليه في العِلم؛ فكتب إليه مالك: «إنَّ الله عز وجل قَسم الأعمال كما قسم الأرزاق؛ فَرُبَّ رجل فُتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فُتح له في الصدقة ولم يُفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة. ونَشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر وقد رضيتُ بما فَتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كِلانا على خير، ويجب على كلِّ واحدٍ مِنَّا أن يَرضى بما قُسِم له، والسَّلام»(1).
فهذا الرد على اختصاره إلا أنه أشار إلى مسألة مهمة يجب على المسلم استيعابها، وهي أن العِباد في نوافل الطاعات يتفاوتون فيما يَفتح الله عليهم من تلك النوافل؛ فمِن الناس مَنْ تراه يُكثر من صيام التطوع في مقابل أن غيره لا يزيد على صوم الفريضة ولو صام يومًا تطوعًا لوجد مشقة كبيرة في ذلك، ومن الناس مَنْ يُكثر من نوافل الصلوات والأذكار، لكنه في باب الصدقة لا يزيد على أداء فريضة الزكاة، وهناك مَنْ تجده في الأخلاق لا يُجاريه أحد، لكنه في غير ذلك من النوافل لا يُرى له مزيد عمل، ومصداق ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل مُيَسَّر لما خُلِق له»(2)، وقد يفتح لبعض الناس أكثر من باب، وهناك مَنْ تتعدد عنده الأبواب المتنوعة--------------------------------------------
(1) «التمهيد» لابن عبد البر (7/ 185)، ونقلها عنه الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (8/ 114).
(2) أخرجه البخاري (4949) ومسلم (2647) من حديث علي بن أبي طالب ?.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)
من الطاعات، ولو استعرضنا ما ورد في السُّنَّة النبوية في هذا الجانب لوجدنا أمثلة كثيرة تشير لذلك ومنها ما وقع لأبي بكر ? لما جاء من حديث أبي هريرة ? أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خيرٌ؛ فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الرَّيَّان، ومَن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة». فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة؛ فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟! قال: «نعم! وأرجو أن تكون منهم»(1).
وكما أنَّ الناس في أبواب الرزق على ثلاثة أقسام؛ فمنهم مَنْ هو مرتفع الدَّخل، ومنهم مَنْ هو متوسط الدخل، ومنهم مَنْ هو منخفض الدخل- فكذلك الشأن في الطاعات، فالله عز وجل يقول: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُو الفَضْلُ الكَبِيرُ} [فاطر: 32].
ويجب على كلِّ إنسان أن ينظر في نفسه؛ ليعرف ما فُتح له من أبواب الطَّاعة؛ فيلزمه ويحافظ عليه ويزداد منه، وعليه ألَّا يشق على نفسه في ميادين ليست متوائمة مع ما خَصَّه الله به من خصال الخير، كما يجب عليه أن ينظر للغير بنظرةٍ من جنس نظرة الإمام مالك للعمري العابد؛ حيث قال له: «وأرجو أن يكون كِلانا على خير»، فالنظرة الإيجابية للناس مطلوبة باعتبار أن ما وُفِّقُوا له من الخير هو بابٌ فُتِح لهم من الله، يُرجى أن يكون سببًا لدخولهم الجَنَّة.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (1897) ومسلم (1027) من حديث أبي هريرة ?.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)