أحاديث ضعاف وعليها العمل بغير خلاف (عاطف الفاروقي)القسم: العلل والسؤلات الحديثية
الكتاب: أحاديث ضعاف وعليها العمل بغير خلاف
المؤلف: أبو عبد الرحمن عاطف بن حسن الفاروقي
قدم له: طارق بن عوض الله
الناشر: مكتبة التوعية الإسلامية للتحقيق والنشر، القاهرة - مصر
الطبعة: الأولى، 1432 هـ -2011 م
عدد الصفحات: 136
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
تاريخ النشر بالشاملة: 12 صفر 1447
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
وإذا الديار تنكرت سافرتُ في … طلب المعارف هاجر الدياري
وإذا أقمتُ فمُؤنسي كتبي فلا … أنفك في الحالين من أسفاري
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 3)
تقديم
الشيخ/ طارق بن عوض الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
فليس من شك أن أفضل ما أنفقت فيه الأوقات هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلما وتفقها وعملا، ولقد بذل أسلافنا وأئمتنا رحمهم الله، جهودًا كبيرة في خدمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث تمييز صحيحها من غير صحيحها، ومن حيث شرحها وبيان ما اشتملت عليه من معان جليلة وحكم عظيمة، وكانوا رضي الله عنهم أكثر الناس حرصا على العمل بها وتطبيقها في واقعهم.
ولقد تبين للباحثين المتوسعين في معرفة مناهج أئمة السنة أنهم رضي الله عنهم كانوا يقسمون الأحاديث إلى قسمين: قسم ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث الدراية إلى معمول به، وغير معمول به، ويتبين للباحث أن المعمول به ليس هو الصحيح فقط، وغير المعمول به هو الضعيف قط، فقد يكون الحديث صحيحًا من حيث الرواية، وهو غير معمول به من حيث الدراية؛ لكونه منسوخا مثلا، وقد يكون الحديث ضعيفًا من حيث الرواية، لكنه معمول به من حيث الدراية؛ لكونه موافقا لظاهر القرآن، أو لظاهر الأحاديث الصحيحة، أو لعمل الأمة، أو لظاهر القياس، وهذا ما تنبه له أسلافنا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 5)
رضي الله عنهم، فميزوا بين المعمول به وغير المعمول به، كما ميزوا بين الصحيح وغير الصحيح.
ومن تأمل صنيع المصنفين في السنة من علماء الحديث يتبين له ذلك بوضوح وجلاء، فهذا الإمام أبو داود قد ألف كتابه «السنن»، وذكر في رسالته إلى أهل مكة أنه قد اختار له أصح ما عنده في كل باب، وأنه لا يخرج فيه إلا ما كان صحيحا أو شبيها بالصحيح، أو ضعيفًا هينًا، فإن كان ضعفًا شديدا بينه، وذكر أن ما سكت عنه فهو صالح، وذكر أيضًا في هذه الرسالة أنه لا يحتج بالحديث الشاذ، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أهل العلم، وإنما يقصد بالشاذ بالدرجة الأولى ما كان شاذًا من حيث المتن، وكلامه يدل على أنه يتجنب ما اشتمل على معنى يتعارض مع الأصول المقررة من قرآن وسنة وإجماع، أما ما لا يتعارض من هذه الأصول فهو يخرجه في كتابه، فما كان منه صحيحًا أو حسنًا فلا إشكال فيه، وما كان ضعيفًا من حيث الإسناد فهو يسكت عليه، إذا لم يكن في الباب ما هو أقوى منه، وذلك واضح في كونه ليس شاذا، وليس معارضًا للأصول المتقررة، وهذا المذهب الذي اختاره الإمام أبو داود هو مذهب شيخه الإمام أحمد بن حنبل، فقد كان رحمه الله يحتج بالمرسل إذا لم يكن في الباب ما يعارضه، وكذلك يحتج بالضعيف الذي ليس منكرًا أو باطلا إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه، وقد أثر عنه أنه قال: لست أخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما يعارضه، وأنه قال: ولضعيف الحديث أحب إلي من رأي الرجال. ونحو ذلك من العبارات المأثورة عنه، وإنما يقصد بالضعيف في كلامه هذا،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 6)
الضعيف المحتمل كالمرسل، ورواية المستور، ومن في حفظه شيء، حيث لا يكون شاذا ولا منكرا، أما الشاذ والمنكر والموضوع فهذا لا يعرج عليه؛ لا أحمد ولا أبو داود ولا غيرهما من أهل العلم؛ ولهذا بين الإمام ابن تيمية، وكذلك ابن القيم، وابن رجب الحنبلي أن الضعيف الذي يحتج به الإمام أحمد هو قريب من الحديث الذي يحسنه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في «جامعه».
وهذا الإمام الترمذي ذكر في كتاب «العلل» أن أحاديث جامعه هذا كلها قد عمل بها بعض أهل العلم سوى حديثين، وقد أشار إليهما، مع أنه هو نفسه قد ضعف كثيرًا من الأحاديث التي أوردها فيه، وهذا يدل على أنه قد يكون الحديث ضعيفًا من حيث الرواية، لكنه معمول به من حيث الدراية، إذا تحقق فيه الوصف الذي بيانه آنفًا. ولعلك أخي الباحث إذا تأملت مصطلح الحسن عنده، وما ذكره من تعاريفه له، حيث قال: وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن. فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من هو متهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا: حديث حسن.
فتلاحظ أخي الباحث أن تحسينه للحديث يدور مع المتن ومعناه، بحيث إذا كان الحديث ليس متوغلا في الضعف فلا يكون من رواية كذاب أو متهم بالكذب، ولا يكون شاذا ولا منكرًا ثم روي معناه من أوجه متعددة، كان ذلك مقويا له، ورافعًا له إلى مصاف الحجة، رغم أن كل رواية من رواياته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 7)
على حدة قد لا تكون صالحة للاحتجاج.
وقوله: ويروى من غير وجه نحو ذلك. يدخل فيه المرفوع والموقوف، كما ذكر ابن رجب الحنبلي في «شرح علل الترمذي».
وصنيعه هذا كمثل صنيع الإمام الشافعي حيث قوى المرسل بالموقوفات على الصحابة والتابعين، كما قواه بالمرفوعات المرسلة، أو المسندة، وكذا بفتاوى بعض الصحابة، بما يوافق معناه، أو عمل عامة أهل العلم به، كما بينه في كتابه «الرسالة».
وقد جاء عن الإمام أحمد أنه سُئل عن دية المعاهد؟ فقال: على النصف من دية المسلم، أذهب إلى حديث عمرو بن شعيب. فقيل له: تحتج بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؟ قال: ليس كلها، روى هذا فقهاء أهل المدينة قديما، ويروى عن عثمان. وهذا يدل أن العلماء رحمهم الله في سياق الاحتجاج بالحديث يراعون عمل الأمة من الصحابة والتابعين ومدى موافقة الحديث لهذا أم لا.
ومن هنا ندرك أن صنيع أسلافنا رحمهم الله حيث أدخلوا في كتب السنن بعض الأحاديث هي ضعيفة من حيث الرواية، إنما لم يفعلوا ذلك جزافًا ولا غفلة، وإنما كان ذلك بناءً على منهج مستقيم، جمع بين الرواية والدراية.
وهذا الكتاب الذي بين يديك أخي الباحث هو محاولة مباركة إن شاء الله من الأخ المؤلف لجمع مثل هذه الأحاديث التي هي ضعيفة من حيث الرواية، لكنها من المعمول بها من حيث الدراية لدى علماء السنة قديما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 8)
وحديثا؛ وذلك ليكون الباحث على دراية تامة بهذا الجانب من جوانب العلم، وبمعرفة لمناهج العلماء في التعامل مع مثل هذه الأحاديث، وعسى أن يكون هذا الكتاب طريقًا لبحوث مهمة لأهل العلم.
وأسأل الله عز وجل أن يعين أخي المصنف الشيخ عاطف بن حسن الفاروقي في الاستمرار على هذا النهج، وتقديم أعمال قيمة لا تقل قيمة عن هذا العمل المبارك للمكتبة الإسلامية، وللباحثين في السنة النبوية، والله من وراء القصد، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتبه
أبو معاذ طارق بن عوض الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 9)
تمهيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد …
فإن من طرائق المحدثين في التصنيف إفراد بعض الأحاديث بجزء أو مصنف، والكلام عليه؛ لهذا ألفت هذا الكتاب الذي يحتوي على «أحاديث ضعاف وعليها العمل بغير خلاف»، وهو يتكون من مقدمة، وأربعة فصول.
أما المقدمة: فقد ذكرت فيها كلاما عن أهمية علم الحديث، ومدى الجهود التي بذلها العلماء قديما وحديثا، واستقيت كلاما رائعًا لبعض العلماء، أستشهد به على ما أردت أن أذكره، متضمنا أن هناك من العلماء من نقلوا أن بعض الأحاديث تكون ضعيفةً من حيث الإسناد، ثم هي صحيحة من حيث المضمون والمعنى المجمع عليه بين العلماء، ثم ذكرت أهداف الكتاب، ثم أردفته بشعر في مدح أهل الحديث، ثم شكر واعتراف بالجميل.
أما الفصل الأول: ففيه تخريج طرق حديث: «القرآن كلام الله غير مخلوق».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 10)
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تخريج حديث علي بن أبي طالب (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثاني: تخريج حديث عبد الله بن مسعود (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثالث: تخريج حديث أبي سعيد الخدري (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الرابع: تخريج حديث جابر بن عبد الله (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الخامس: تخريج حديث أبي هريرة (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث السادس: تخريج حديث أبي الدرداء (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث السابع: تخريج حديث معاذ بن جبل (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثامن: تخريج حديث أبي موسى الأشعري (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 11)
المبحث التاسع: تخريج حديث أنس بن مالك (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث العاشر: تخريج حديث عبد الله بن عباس (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الحادي عشر: تخريج حديث رافع بن خديج (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثاني عشر: تخريج حديث أبي حكيم الشامي (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثالث عشر: تخريج حديث عبد الله بن عبد الغافر مولى النبي صلى الله عليه وسلم (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الرابع عشر: خلاصة الحكم، ونقل الإجماع وكلام السلف عن مضمون الحديث.
الفصل الثاني: فيه تخريج طرق حديث: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه … .».
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تخريج حديث أبي أمامة الباهلي (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 12)
المبحث الثاني: تخريج حديث ثوبان (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثالث: تخريج حديث راشد بن سعد مرسلاً (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الرابع: خلاصة الحكم، ونقل الإجماع وكلام السلف عن الحديث ومضمونه.
المبحث الخامس: تقنين لمسألة الإجماع، وهل الإجماع مستند بذاته، أم لابد من دليل عليه؟ ونقل كلام العلماء، ثم الترجيح.
الفصل الثالث: وفيه تخريج طرق حديث: «الصلاة خلف كل بر وفاجر».
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تخريج حديث أبي هريرة (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثاني: تخريج حديث علي بن أبي طالب (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثالث: تخريج حديث عبد الله بن عمر (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 13)
المبحث الرابع: تخريج حديث عبد الله بن مسعود (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الخامس: تخريج حديث أبي الدرداء (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث السادس: تخريج حديث واثلة بن الأسقع (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث السابع: تخريج حديث معاذ بن جبل (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثامن: تخريج حديث أبي أمامة (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث التاسع: خلاصة الحكم، ونقل إجماع السلف على مضمونه، ونقل كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية فيه تأصيل دقيق.
الفصل الرابع: وفيه تخريج الحديث: «كلُّ قرض جر نفعًا فهو ربا». وفيه مباحث:
المبحث الأول: تخريج حديث علي بن أبي طالب (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثاني: تخريج حديث محمد بن كعب القرظي مرسلاً (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 14)
المبحث الثالث: تخريج حديث بمعناه. ونقل كلام الشيخ الألباني، ومن ثم كلام العلماء على الحديث.
المبحث الرابع: الخلاصة، وذكر الآثار الواردة عن الصحابة والسلف رحمهم الله.
المبحث الخامس: نقل الإجماع من كلام أهل العلم، مع تحقيق الكلام عن اشتراط الزيادة وعدم اشتراطها في القرض، والكلام على ذلك، ثم ذكر الخلاصة.
الفصل الخامس: فيه ذكر الخاتمة، وتتضمن أبرز النتائج، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: بعض الفوائد المستخلصة من الكتاب.
المطلب الثاني: فهرس علمي، ويتضمن فهرسا للموضوعات والفوائد العلمية، وللرواة المجروحين.
والله أسأل أن ينفعني بما كتبته، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتي، وأن يغفر لي، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 15)
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفِرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، صلى الله عليه وسلم.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد، فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 16)
وبعد، فإنَّ شرائعَ الدين إنَّما تُؤخَذُ من كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد تكفَّل الله بحفظ كتابه الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ … تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدِ} [فصلت: 42].
وكذا حَفِظَ سُنَّةَ نبيِّه صلى الله عليه وسلم، فقال عنهما: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ} [الحجر: 9].
والذي عليه المحققون من أهل العلم كالشافعي وغيره، أنَّ الذكر المحفوظ إنما هو القرآن والسُّنَّة، وكلاهما وحي من الله سبحانه وتعالى، وقد سخَّر الله سبحانه وتعالى رجالاً لذلك، واختص نبيه صلى الله عليه وسلم برجال صادقين صالحين {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23]، إنهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعلهم الله خير أمة، إنهم السابقون إلى تصديقه وتبعيته، إنهم المجاهدون بين يديه، والناقلون لسنته وقضاياه، المقتدون به في أفعاله ومزاياه، فلا خير إلا وقد سبقوا إليه مَنْ بعدهم، ولا فضل إلا وقد استفرغوا فيه جهدهم، فجميع هذا الدين راجع إلى نقلهم وتعليمهم، ومُتَلَقَّى من جهتهم بإبلاغهم وتفهيمهم، فلهم مثل أجور كل من اهتدى بشيء من ذلك على مر الأزمان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء بالطول والإحسان(1).
وإن أولى ما نظر فيه الطالب، وعُني به العالم - بعد كتاب الله عز وجل--------------------------------------------
(1) بعض هذا الكلام مقتبس من كلام العلائي في كتابه الفذ «منيف الرتبة لمن ثبت له شرف الصحبة» ص 31 - 32.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 17)
سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهي المبينة لمراد الله عز وجل من مجملات كتابه، والدالة على حدوده، والمفسرة له، والهادية إلى الصراط المستقيم، صراط الله، من اتَّبعها اهتدى، ومن سلك غير سبيلها ضلَّ وغوى، وولاه الله ما تولى، ومن أو كد آلات السنن المعينة عليها والمؤدية إلى حفظها، معرفة الذين نقلوها عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ذاك الصحب الكرام - الحواريون الذين وعوها وأدوها ناصحين محسنين حتى كَمُلَ بما نقلوه الدين، وثبتت بهم حجة الله تعالى على المسلمين، فهم خير القرون، رضي الله عنهم وأرضاهم، ثم أتى من بعدهم أناس آخرون ساروا على نهجهم، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرةٌ، وكلُّ فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه أو تستحسن رأيًا تعكف عليه سوى أصحاب الحديث؛ فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يُقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه والعدول، حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته، إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع، فما حكموا به فهو المقبول المسموع، ومنهم كلُّ فقيه وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، قارئ متقن، وخطيب محسن، وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر، من كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذله الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 18)
فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسيرٌ، {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ} [الحج: 39](1).
أهل الحديث هم أهل النبي وإن … لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
دين النبي محمد أخبار … نعم المطية للفتى آثار
لا تعدل عن الحديث وأهله … فالرأي ليل والحديث نهار
أهل الحديث، حفظوا - بحفظ الله - ما تلقوه من النقل عن الصحب الكرام، فوفق الله لهذا النقل وهذه السنة حفاظاً عارفين، وجهابذة عالمين، وصيارفة ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فظهرت هذه الطائفة على غيرها بما تحمله من الحق، فمهما ظهر الباطل وعلا، فإنها ظاهرة منصورة، وقد جعل الله هذه الطائفة المنصورة حراس الدين، وصرف عنهم كيد المعاندين؛ لتمسكهم بالشرع المتين، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين، فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار، في اقتباس ما شَرَّعَ الرسول المصطفى، لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى، قبلوا شريعته قولا وفعلا، وحرسوا سنته حفظاً ونقلا، حتى ثبتوا بذلك أصلها، وكانوا أحق بها وأهلها، فكما أن هذه الشريعة المباركة معصومة، وصاحبها صلى الله عليه وسلم معصوم، فكذلك أمته فيما اجتمعت عليه معصومة(2)، وكم من ملحد يروم(3) أن يخلط بالشريعة ما--------------------------------------------
(1) مقتبس من مقدمة الخطيب البغدادي في «شرف أصحاب الحديث» ص 8 - 9.
(2) انظر: الموافقات 2/ 91 للشاطبي.
(3) رامه يرومه روما ومراما: طلبه. «المعجم الوسيط» (ر ا م).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 19)
ليس منها، والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها؛ فهم الحفاظ لأركانها، والقوامون بأمرها وشأنها، إذا صدف عن الدفاع عنها فهم دونها يناضلون {أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22].
هؤلاء هم أهل الحديث، الذين قيضهم الحق سبحانه يبحثون عن الصحيح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أهل الثقة والعدالة من النقلة؛ حتى ميزوا بين الصحيح والسقيم، وتعرفوا التواريخ وصحة الدعاوى في الأخذ لفلان عن فلان؛ حتى استقر الثابت المعمول به من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم(1)، هم الذين تنوعُوا في تصنيف السنة، وتفننوا في تدوينها على أنحاء كثيرة، وضروب عديدة؛ حرصا منهم على حفظها، وخوفًا من إضاعتها، وتسهيلا لطلابها، فظهرت «المصنفات»، و «المسانيد»، و «السنن»، و «الجوامع»، ونحوها.
وقد رأينا في هذا العصر الذي تطوَّر فيه العلم، وتنوعت فيه أساليب البحث العلمي، ما قام به المسلمون الباحثون من تيسير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طلابها العاملين بها، وَفْقَ طرق من التنظيم والترتيب والتخريج، وإظهار علم العلل؛ وذلك اقتفاء واتباعًا لسلفهم من علماء الحديث المتخصصين في هذا الفن، فلله الحمد والمنة، وله الحمد أولا وآخرا.
فلما كان ذلك كذلك، حرصت أن أكون من هذا الركب الذي يُظهر ما--------------------------------------------
(1) انظر الموافقات 2/ 94 للشاطبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 20)
كان خفيًا في بطون الكتب وشتات الصحف، فأردت أن أجمع هذا الشتات، مستعينا برب الأرض والسموات، فهو الموفق، وهو المستعان، ومن استعان بغيره لا يُعان.
- ولقد رأيتُ؛ خدمة للسنة النبوية المطهرة، وحرصا على ثواب الله سبحانه وتعالى، أن أفرد هذا الكتاب، والذي يحتوي على بعض الأحاديث التي رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد ضعيفة لا تصح، وهذه الأحاديث مع كونها لا تصح سندا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنها صحيحة المعنى، وعمل بها أهل العلم والمعرفة بهذا الدين.
وكما قال ابن عبد البر حافظ المغرب والأندلس في مقدمة (التمهيد) (ص 60): ورُبَّ حديث ضعيف الإسناد صحيح المعنى.
وقال الخطيب البغدادي في «الكفاية في علم الرواية» ص 51: وأما خبر الآحاد فهو ما قصر عن صفة التواتر، ولم يقع به العلم وإن روته الجماعة، والأخبار كلها على ثلاثة أضرب؛ فضرب منها يُعلم صحته، وضرب منها يُعلَمُ فساده، وضرب منها لا سبيل إلى العلم بكونه على واحد من الأمرين دون الآخر. أما الضرب الأول، وهو ما يُعلَمُ صحته، فالطريق إلى معرفته إن لم يتواتر حتى يقع العلم الضروري به أن يكون مما تدلُّ العقول على موجبه، كالإخبار عن حدوث الأجسام، وإثبات الصانع، وصحة الأعلام التي أظهرها اللهُ عز وجل على أيدي الرسل، ونظائر ذلك مما أدلة العقول تقتضي صحته، وقد يُستدل أيضًا على صحته بأن يكون خبرا عن أمر اقتضاه نص القرآن أو السنة المتواترة، أو اجتمعت الأمة على تصديقه، أو تلقته الكافة بالقبول،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 21)
وعملت بموجبه لأجله.
وقال أبو بكر ابن العربي في «عارضة الأحوذي» 2/ 215 - 216 معلقًا على حديث ابن عمر: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين»: فهو وإن لم يصح مسندًا، فهو صحيح المعنى.
وما أكثر قول أبي عيسى الترمذي رحمه الله:
وعليه العمل عند أهل العلم. أو: العمل عليه عند عامة أهل العلم، أو نحو ذلك(1)، مع تضعيفه للحديث.
وقال ابن عبد البر في التمهيد 23/ 437: … وهو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يُستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، حتى يكاد أن يكون الإسناد في مثله لشهرته تكلفا.
قُلْتُ: وبنحو هذا الكلام، قال جماعة من أهل العلم.
وقد سميت هذا الكتاب وعنونت له بـ: «أحاديث ضعاف وعليها العمل بغير خلاف».
وأسأل الله أن يتقبله مني، وقصدت بهذا العنوان أن الأحاديث التي--------------------------------------------
(1) انظر جامع الترمذي (113، 720، 1128، 1191) وغيرها من الأمثلة. وانظر «كشف اللثام عن الأحاديث الضعيفة في الأحكام المعمول بها عند الأئمة الأعلام» لسعيد بن عبد القادر باشنفر. وهو كتاب مقتصر على الأحاديث التي أعلها الترمذي وعمل بها العلماء أو بعضهم، كما ذكر الترمذي نفسه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)