بإلهيَّة الحاكم، وقد أخرجَهم عن دين الإسلام، فلا يرون الصَّلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حجَّ البيت الحرام، ولا تحريمَ ما حرَّمه الله ورسولُه من الميتة والدَّم ولحم الخنزير والخمر وغير ذلك.
وهؤلاء يأمرون(1) المستجيبَ لهم أولًا إلى التشيُّع والتزام ما توجبُه الرافضة وتحريم ما يحرِّمونه، ثم بعد هذا ينقلونه درجةً بعد درجةٍ حتى ينقلونه في الآخر إلى الانسلاخ من الإسلام، وأن المقصود هو معرفةُ أسرارهم، وهو العلمُ الذي به تكمُل النفس، كما تقوله الفلاسفةُ الملاحدة، فمن حصَل له هذا العلم وصل إلى الغاية، وسقطت عنه العباداتُ التي تجبُ على العامَّة، كالصَّلوات الخمس وصيام رمضان وحجِّ البيت، وحلَّت له المحرَّماتُ التي لا تحلُّ لغيره.
فهؤلاء يجعلون الرسول صلى الله عليه وسلم إذا عظَّموه وقالوا: كان كاملًا في العلم= مِن جنس رؤوسهم الملاحدة، وأنه كان يُظْهِرُ للعامَّة خلاف ما يبطنُه للخاصَّة. وقد بينَّا مِن فساد أقوالهم في غير هذا الموضع ما لا يناسبُه هذا المقام(2).--------------------------------------------
(1) كذا بالأصل، ضمَّن «يأمرون» معنى «يدعون».
(2) انظر: «التدمرية» (48) ، و «منهاج السنة» (3/ 452، 4/ 55، 100، 519، 8/ 258) ، و «مجموع الفتاوى» (4/ 320، 478، 508، 27/ 174، 28/ 636، 35/ 131، 150، 161).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
فإن المقصود هنا أن هؤلاء النُّفاة للعلوِّ وللصِّفات الخبرية، كصاحب «المُلْحَة»(1) وأمثاله، يقولون في الرسول من جنس قول هؤلاء، وأن الذي أظهَره ليس هو الحقَّ الثابتَ في نفس الأمر؛ لأن ذلك ما كان يمكنُه إظهارُه للعامَّة(2).
فإذا كانوا يقولون هذا في الرسول نفسه، فكيف القولُ في أتباعه من سلف الأمَّة من الصَّحابة والتابعين؟ ! ومن كان هذا أصلَ قوله في الرسول والسَّابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، كان مخالفًا لهم لا موافقًا، لا سيَّما إذا أظهَر النفيَ الذي كان الرسولُ وخواصُّ أصحابه عنده يُبْطِنُونَه ولا يُظْهِرُونَه، فإنه يكون مخالفًا لهم أيضًا.
وهذا المسلكُ يراه عامةُ النُّفاة، كابن رشدٍ الحفيد وغيره(3) ، وفي كلام أبي حامدٍ من هذا قطعةٌ كبيرة(4).
وابنُ عقيل وأمثالُه قد يقولون أحيانًا هذا، لكن ابن عقيل الغالبُ عليه إذا خرج عن السُّنة أن يميل إلى التجهُّم والاعتزال في أول أمره، بخلاف آخر ما--------------------------------------------
(1) الأصل: «اللمعة» ، تحريف. وهي «الملحة في اعتقاد أهل الحق» للعز بن عبد السلام التي يرد عليها المصنف في هذا الفصل.
وانظر لتأويل العز للعلو وللصفات الخبرية كتبه: «الفتاوى» (56) ، و «الإمام في بيان أدلة الأحكام» (238، 257) ، و «مجاز القرآن» (224، 225، 238).
(2) انظر: «قواعد الأحكام» (1/ 304).
(3) انظر: «مناهج الأدلة» (133) ، و «فصل المقال» (35).
(4) انظر: «الإحياء» (1/ 20، 58) ، و «فضائح الباطنية» (155) ، و «إلجام العوام» (6) ، و «الاقتصاد في الاعتقاد» (38).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
كان عليه فقد خرج إلى السُّنة المحضة(1).
وأبو حامدٍ يميلُ إلى الفلسفة لكنه أظهرها في قالب التصوُّف والعبارات الإسلامية؛ ولهذا ردَّ عليه علماء المسلمين، حتى أخصُّ أصحابه أبو بكر بن عربي(2) قال: «شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر» ، وقد حكى عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجدُ تصديقُ ذلك في كتبه، وردَّ عليه العلماء المذكورون قبل(3).--------------------------------------------
(1) انظر: «درء التعارض» (4/ 282، 8/ 60، 9/ 160) ، و «شرح الأصبهانية» (87) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (6/ 573). وصنف ابن قدامة في الرد على نصيحته كتاب «تحريم النظر في كتب الكلام» وأغلظ له القول. توفي ابن عقيل سنة 513، وجوَّد ابن رجب ترجمته في «ذيل طبقات الحنابلة» (1/ 316 - 362).
(2) كذا في الأصل، وهو صحيح، ويفرق بعضهم بينه وبين الطائي الحاتمي بالتعريف والتنكير، ولا أصل له، فكلاهما يذكر بهما، وإن كان الأشهر في الأول التعريف وفي الثاني التنكير.
(3) (ص: 95). وسبق هذا الكلام بحروفه هناك، وأخشى أن تكون إعادته هنا من تصرف الناسخ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
فصل
ثم قال المعترض(1): «قال أبو الفرج ابن الجوزي في الردِّ على الحنابلة: إنهم أثبتوا لله سبحانه عينًا، وصورةً، ويمينًا، وشمالاً، ووجهًا زائدًا على الذَّات، وجبهةً، وصدرًا، ويدين، ورجلين، وأصابع، وخنصرًا، وفخذًا، وساقًا، وقدمًا، وجنبًا، وحِقْوًا وخَلْفًا، وأمامًا، وصعودًا، ونزولًا، وهرولةً، وا عجبًا لقد كمَّلوا هيئة البدن! وقالوا: يحمَل على ظاهره، وليست بجوارح، ومثل هؤلاء لا يُحَدَّثون، فإنهم يكابرون العقول، وكأنهم يُحَدِّثون الأطفال»(2).
قلت: الكلام على هذا فيه أنواع:
الأول: بيان ما فيه من التعصُّب بالجهل والظلم قبل الكلام في المسألة العلمية.--------------------------------------------
(1) لم يسبق له ذكر، ويشبه أن يكون هذا فصلًا أدرجه الناسخ من «أجوبة الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية» ، كما مر في المقدمة.
(2) «دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه» لابن الجوزي (6، 44). ويسميه المصنف: «كف التشبيه بكف التنزيه» ، انظر: «درء التعارض» (8/ 60، 9/ 160) ، و «شرح حديث النزول» (55). ومن الكتاب نسخةٌ بعنوان «أخبار الصفات» تشتمل على مقدمة طويلة وزيادات، والنص فيها باختلاف يسير (17، 64 - نشرة ليدن).
وسُمِّي في بعض نسخه و «كشف الظنون» (1/ 218): «الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب» ، وهو غلط، فإن «الباز الأشهب» كتابٌ كبير جمع فيه ابن الجوزي الأحاديث التي يحتجُّ بها أهل المذهب وتكلَّم عليها صحةً وضعفًا وضمَّنه خلاف المذاهب، كما وصفه وسماه في الكتاب نفسه، وقال ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 495): هو تعليقةٌ في الفقه كبير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
الثاني: بيان أنه ردٌّ بلا حجَّةٍ ولا دليلٍ أصلًا.
الثالث: بيان ما فيه من ضعف النقل والعقل.
* أما أولًا: فإن هذا المصنَّف الذي نقل منه كلام أبي الفرج لم يصنِّفه في الردِّ على الحنابلة كما ذكر هذا، وإنما ردَّ به ــ فيما ادَّعاه ــ على بعضهم، وقَصَدَ قَصْدَ(1) أبي عبد الله بن حامد، والقاضي أبي يعلى، وشيخَه أبي الحسن بن الزَّاغوني(2) ومن تبعهم(3)، وإلا فجنسُ الحنابلة لم يتعرَّض أبو الفرج للردِّ عليهم، ولا حكى عنهم ما أنكَره، بل هو يحتجُّ في مخالفته لهؤلاء بكلام كثيرٍ من الحنبليَّة، كما يذكُره من كلام التميميِّين، مثل رِزْق الله التميمي(4) ، وأبي الوفاء بن عقيل، ورِزقُ الله كان يميلُ إلى طريقة سَلَفه، كجدِّه أبي الحسن التميمي(5)، وعمِّه أبي الفضل التميمي(6)، والشريف--------------------------------------------
(1) كذا بالأصل، ولهذا التركيب نظائر في أسلوب المصنف. انظر: «الصارم المسلول» (1/ 312) ، و «منهاج السنة» (7/ 36).
(2) أبو عبد الله الحسن بن حامد البغدادي إمام الحنبلية في زمانه (ت: 403) ، والقاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء شيخ المذهب (ت: 458) ، وأبو الحسن بن الزاغوني علي بن عبيد الله بن نصر من أعيان الحنابلة (ت: 527). انظر: «طبقات الحنابلة» (2/ 171، 193) ، و «ذيل طبقات الحنابلة» (1/ 401).
(3) ذكر ذلك في كتابه (6، 10، 11).
(4) أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز فقيهٌ محدثٌ متفنن (ت: 488). انظر: «ذيل طبقات الحنابلة» (1/ 172).
(5) عبد العزيز بن الحارث (ت: 371). «طبقات الحنابلة» (3/ 246).
(6) عبد الواحد بن عبد العزيز (ت: 410). «طبقات الحنابلة» (3/ 325).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
أبي علي بن أبي موسى(1)
هو صاحبُ أبي الحسن التميمي، وقد ذَكَر عنه أنه قال: لقد خَرِيَ القاضي أبو يعلى على الحنابلة خَرْيةً لا يغسلُها الماء(2).
وسنتكلَّم على هذا بما ييسِّره الله، متحرِّين للكلام بعلمٍ وعدل، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فمازال في الحنبليَّة من يكونُ ميلُه إلى نوعٍ من الإثبات الذي ينفيه طائفةٌ أخرى منهم، ومنهم من يُمْسِكُ عن النفي والإثبات جميعًا، ففيهم جنسُ التنازع الموجود في سائر الطوائف، لكن نزاعَهم في مسائل الدِّق(3)، وأما الأصولُ الكبار فهم متَّفقون عليها، ولهذا كانوا أقلَّ الطوائف تنازعًا وافتراقًا؛ لكثرة اعتصامهم بالسُّنة والآثار؛ لأن للإمام أحمد في باب أصول الدين من الأقوال المبيِّنة لما تنازع فيه الناسُ ما ليس لغيره، وأقوالُه مؤيَّدةٌ بالكتاب والسُّنة واتباع سبيل السَّلف الطيِّب؛ ولهذا كان جميعُ من ينتحِلُ السُّنةَ من طوائف الأمة فقهائها ومتكلِّمتها وصوفيَّتها ينتحِلُونه.
ثم قد يتنازعُ هؤلاء في بعض المسائل، فإن هذا أمرٌ لا بدَّ منه في العالَم، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن هذا لا بدَّ من وقوعه، وأنه لما سأل ربَّه ألا يُلْقِي--------------------------------------------
(1) محمد بن أحمد صاحب «الإرشاد» (ت: 428). «طبقات الحنابلة» (3/ 335) ..
(2) انظر: «دفع شبه التشبيه» (9) ، و «الكامل» لابن الأثير (8/ 209).
(3) كذا بالأصل، وكتب الشيخ ابن مانع على طرة نسخته: «لعله: في مسائل دقيقة». وهو كما قال لولا أن هذا التعبير وقع كذلك في موضع آخر «مجموع الفتاوى» (6/ 56). وانظر: «منهاج السنة» (5/ 277). والمراد واضحٌ على الحالين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
بأسَهم بينهم مُنِعَ ذلك(1)، فلا بدَّ في الطوائف المنتسبة إلى السُّنة والجماعة من نوع تنازع، لكن لا بدَّ فيهم من طائفةٍ تعتصمُ بالسُّنة، كما أنه لا بدَّ أن يكون بين المسلمين تنازعٌ واختلاف، لكنه لا يزالُ في هذه الأمَّة طائفةٌ قائمةٌ بالحقِّ لا يضرُّها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم السَّاعة.
ولهذا لما كان أبو الحسن الأشعري وأصحابُه منتسبين إلى السُّنة والجماعة كان مُنتَحِلًا للإمام أحمد ذاكرًا أنه مقتدٍ به متبعٌ سبيلَه(2) ، وكان بين أعيان أصحابه من الموافقة والمؤالفة لكثيرٍ من أصحاب الإمام أحمد
ما هو معروف، حتى إن أبا بكر عبد العزيز(3) يذكرُ مِن حُجَج أبي الحسن في كلامه مثل ما يذكرُ من حُجَج أصحابه؛ لأنه كان عنده من متكلِّمة أصحابه(4).
وكان من أعظم المائلين إليهم التميميُّون؛ أبو الحسن التميمي، وابنه، وابن ابنه، ونحوهم، وكان بين أبي الحسن التميميِّ وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من المودَّة والصُّحبة ما هو معروفٌ مشهور(5).
ولهذا اعتمد الحافظُ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنَّفه في مناقب--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم (2890).
(2) في كتابه «الإبانة عن أصول الديانة» (20).
(3) عبد العزيز بن جعفر، غلام الخلال (ت: 363). «طبقات الحنابلة» (3/ 213).
(4) انظر: «مجموع الفتاوى» (3/ 228، 6/ 53، 8/ 296) ، و «درء التعارض» (2/ 16).
(5) انظر: «درء التعارض» (2/ 17، 100). والمشهور أن الودَّ كان بين ابنه أبي الفضل والباقلاني. انظر: «تبيين كذب المفتري» (221) ، و «تاريخ الإسلام» (9/ 153).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
الإمام أحمد لمَّا ذكَر اعتقادَه اعتمد على ما نقله من كلام أبي الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي(1) ، وله في هذا الباب مصنفٌ ذكر فيه من اعتقاد أحمد ما فَهِمَه، ولم يذكُر فيه ألفاظَه، وإنما ذكَر جُمَل الاعتقاد بلفظِ نفسِه، وجعَل يقول: «وكان أبوعبد الله»(2) ، وهو بمنزلة من يصنِّفُ كتابًا في الفقه على رأي بعض الأئمَّة ويذكُر مذهبَه بحسب ما فَهِمَه ورآه، وإن كان غيرُه أعلمَ بمذهب ذلك الإمام منه، أعلمَ بألفاظه وأفهمَ لمقاصده.
فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة، ومن المعلوم أن أحدهم يقول: حكمُ الله كذا، أو حكمُ الشريعة كذا، بحسب ما اعتقَده عن صاحب الشريعة، بحسب ما بلغه وفَهِمَه، وإن كان غيرُه أعلمَ بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهمَ لمراده.
فهذا أيضًا من الأمور التي يكثُر وجودُها في بني آدم؛ ولهذا قد تختلفُ الروايةُ في النقل عن الأئمَّة، كما يختلفُ بعض الحديث في النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن النبيَّ صلى الله عليه وسلم معصوم، فلا يجوزُ أن يصدُر عنه خبران متناقضان في الحقيقة ولا أمران متناقضان في الحقيقة إلا وأحدُهما ناسخٌ والآخر منسوخ، وأما غيرُ النبي صلى الله عليه وسلم فليس بمعصوم، فيجوزُ أن يكون قد قال خبرين متناقضين وأمرين متناقضين ولم يشعُر بالتناقض.
لكن إذا كان في المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحتاجُ إلى تمييزٍ ومعرفة، وقد تختلفُ الرواياتُ حتى يكون بعضُها أرجحَ من بعض، والناقلون لشريعته--------------------------------------------
(1) انظر: «مجموع الفتاوى» (12/ 367) ، و «درء التعارض» (2/ 17، 100).
(2) وهو مطبوع طبعات متقاربة عن نسخة الظاهرية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
بالاستدلال(1) بينهم اختلافٌ كثير= لم يُسْتَنكر وقوعُ نحوٍ من هذا في غيره، بل هو أولى بذلك؛ لأن الله قد ضَمِنَ حِفْظَ الذِّكر الذي أنزله على رسوله، ولم يَضْمَن حِفْظَ ما يُؤْثَر عن غيره؛ لأن ما بعثَ الله به رسولَه من الكتاب والحكمة هُدى الله الذي جاء من عند الله، وبه يُعْرَفُ سبيلُه، وهو حجَّتُه على عباده، فلو وقع فيه ضلالٌ لم يبيَّن لسقطت حجَّةُ الله في ذلك، وذهب هُداه، وعُمِّيَت سبيلُه؛ إذ ليس بعد هذا النبيِّ نبيٌّ آخر يُنْتَظَر ليبيِّن للناس ما اختلفوا فيه، بل هذا الرسولُ آخرُ الرُّسل، وأمَّتُه خيرُ الأمم؛ ولهذا لا يزالُ فيها طائفةٌ قائمةٌ على الحقِّ بإذن الله، لا يضرُّها من خالفها ولا من خذلها حتى تقوم السَّاعة.
الوجه الثاني: أن أبا الفرج نفسَه متناقضٌ في هذا الباب، لم يَثْبُت على قَدَم النفي ولا على قدم الإثبات(2)،
بل له من الكلام في الإثبات نظمًا ونثرًا ما أثبت به كثيرًا من الصِّفات التي أنكَرها في هذا المصنَّف، فهو في هذا--------------------------------------------
(1) كما تقدم قبل قليل في من يقول: حكم الشريعة كذا، بحسب ما اعتقَده عن صاحب الشريعة وما بلغه وفَهِمَه. وعلَّق الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة في (ط) على كلمة «بالاستدلال» بقوله: كذا، والصواب «بالإسناد». فتعقبه الشيخ سليمان الصنيع وقال: «عندي في هذا الصواب نظر، فإن معنى كلام المصنف أن الأئمة الناقلين للشريعة بما فهموا منها فيهم اختلاف كثير، فمن باب أولى أن يغلط الناقلون عن الأئمة في معنى ما فهموا من كلامهم … ».
(2) قال الذهبي رادًّا على ابن الجوزي طعنه في أبي سعد السمعاني: «بل والله عقيدته في السنَّة أحسن من عقيدتك، فإنك يومًا أشعري ويومًا حنبلي، وتصانيفك تنبئ بذلك، فما رأينا الحنابلة راضين بعقيدتك ولا الشافعية». «تاريخ الإسلام» (11/ 993).
وانظر: «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (2/ 466، 487، 3/ 446 - 453).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
الباب مثلُ كثيرٍ من الخائضين في هذا الباب من أنواع الناس، يُثْبِتُون تارةً وينفون أخرى ــ في مواضع ــ كثيرًا من الصِّفات، كما هو حالُ أبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي(1).
الوجه الثالث: أن باب الإثبات ليس مختصًّا بالحنبليَّة، ولا فيهم من الغلوِّ ما ليس في غيرهم، بل من استقرى مذاهبَ الناس وجد في كلِّ طائفةٍ من الغُلاة في النفي والإثبات ما لا يوجدُ مثله في الحنبليَّة، ووجد مَن مال منهم إلى نفيٍ باطلٍ أو إثباتٍ باطلٍ فإنه لا يسرفُ إسرافَ غيرهم من المائلين إلى النفي والإثبات، بل تجدُ في الطوائف من زيادة النفي الباطل والإثبات الباطل ما لا يوجدُ مثله في الحنبليَّة، وإنما الاعتداء في النفي والإثبات فيهم مما دبَّ إليهم من غيرهم الذين اعتدوا حدود الله بزيادة النفي والإثبات؛ إذ أصل السُّنة مبناها على الاقتصاد والاعتدال دون البغي والاعتداء، وكان علمُ الإمام أحمد واتِّباعه لها(2) من الكمال والتمام على الوجه المشهور بين الخاصِّ والعام ممن له بالسُّنة وأهلها نوعُ إلمام(3).
وأما أهل الجهل والضلال الذين لا يعرفون ما بعثَ الله به الرسول، ولا يميِّزون بين صحيح المنقول وصريح المعقول وبين الروايات المكذوبة والآراء المضطربة، فأولئك جاهلون قدرَ الرسول والسَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار الذين نطق بفضلهم القرآن، فهم بمقادير الأئمَّة--------------------------------------------
(1) انظر: «درء التعارض» (2/ 16، 7/ 33، 263، 8/ 60، 9/ 160، 10/ 258).
(2) للسُّنة. وفي الأصل: «له» ، وهو محتمل، والمثبت أشبه. ويمكن أن تقرأ: وأتباعه بها.
(3) انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (3/ 544 - 555).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
المخالفين لهؤلاء أولى أن يكونوا جاهلين؛ إذ كانوا أشبه بمن شاقَّ الرسول واتَّبع غيرَ سبيل المؤمنين من أهل العلم والإيمان.
وهم في هذه الأحوال إلى الكفر أقربُ منهم للإيمان.
تجدُ أحدَهم يتكلَّم في أصول الدين أو فروعه بكلام من كأنه لم ينشأ في دار الإسلام، ولا سَمِع ما عليه أهلُ العلم والإيمان، ولا عَرف حالَ سلف هذه الأمة وما أوتوه من كمال العلوم النافعة والأعمال الصَّالحة، ولا عَرف مما بعث الله به نبيَّه ما يدلُّه على الفرق بين الهدى والضلال والغيِّ والرشاد.
وتجدُ وقيعةَ هؤلاء في أئمَّة السُّنة وهُداة الأمَّة من جنس وقيعة الرافضة ومن معهم من المنافقين في أبي بكرٍ وعمرَ وأعيان المهاجرين والأنصار، ووقيعة اليهود والنصارى ومن اتبعهم من منافقي هذه الأمة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقيعة الصَّابئة والمشركين من الفلاسفة وغيرهم في الأنبياء والمرسلين، وقد ذكر الله في كتابه مِن كلام الكفَّار والمنافقين في الأنبياء والمرسلين وأهل العلم والإيمان ما فيه عبرةٌ للمعتبِر، وبيِّنةٌ للمستبصِر، وموعظةٌ للمُتَهوِّك المتحيِّر.
وتجدُ عامَّة أهل الكلام ومَن أعرض عن جادَّة السَّلف إلا من عصَم الله يعظِّمون أئمَّة الاتحاد، بعد تصريحهم في كتبهم بعبارات الاتحاد، ويتكلَّفون لها محامِلَ غير ما قصدوه(1)، ولهم في قلوبهم من الإجلال والتعظيم والشَّهادة بالإمامة والولاية لهم وأنهم أهلُ الحقائق ما اللهُ به عليم.--------------------------------------------
(1) كما تقدم في تائية ابن الفارض «نظم السلوك» (ص: 108).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
هذا ابن عربي يصرِّح في فصوصه أن الولاية أعظمُ من النبوَّة، بل أكمل من الرسالة(1)، ومن كلامه:
مقامُ النبوَّة في برزخٍ … فُوَيْقَ الرسول ودونَ الولي(2)
وبعض أصحابه يتأوَّل ذلك بأن ولاية النبيِّ أفضلُ من نبوَّته، وكذلك ولاية الرسول أفضلُ من رسالته، أو يجعلون ولايتَه حالَه مع الله، ورسالتَه حالَه مع الخلق. وهذا من بليغ الجهل؛ فإن الرسول إذا خاطب الخلقَ وبلَّغهم الرسالة لم يفارِق الولاية، بل هو وليُّ الله في تلك الحال كما هو وليُّ الله في سائر أحواله، فإنه وليٌّ لله ليس عدوًّا له في شيءٍ من أحواله، وليس حالُه في تبليغ الرسالة دون حاله إذا صلَّى ودعا الله وناجاه.
وأيضًا، فما يقول هذا المتكلِّف(3) في قول هذا المعظَّم(4): إن النبي صلى الله عليه وسلم لَبِنَةٌ من فضة، وهو لَبِنَتان من ذهبٍ وفضة، ويزعمُ أن لَبِنَة محمدٍ صلى الله عليه وسلم هي العلمُ الظاهر، ولَبِنَتاه: الذهبُ علمُ الباطن والفضةُ علمُ الظاهر، وأنه يتلقَّى ذلك بلا واسطة، ويصرِّح في فصوصه أن رتبةَ الولاية أعظمُ من رتبة النبوَّة؛ لأن الوليَّ يأخذُ بلا واسطةٍ والنبيَّ بواسطة، فالفضيلةُ التي امتاز بها على النبي صلى الله عليه وسلم أعظمُ عنده مما شاركه فيه.--------------------------------------------
(1) «فصوص الحكم» (62، 134 - 136).
(2) بمعناه في «لطائف الأسرار» (49) ، وآخر في «الفتوحات المكية» (2/ 252). انظر: «منهاج السنة» (5/ 336).
(3) المتكلِّف في التماس المحامل والأعذار لأئمة الاتحاد، المعظِّم لهم.
(4) «فصوص الحكم» (63).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
وبالجملة، فهو لم يتَّبع النبيَّ صلى الله عليه وسلم في شيء، فإنه أخذ بزعمه عن الله ما هو مُتَابِعُه فيه في الظاهر، كما يوافقُ المجتهدُ المجتهدَ والرسولُ الرسولَ، فليس عنده من اتباع الرسول والتلقِّي عنه شيءٌ أصلًا، لا في الحقائق الخبرية ولا في الحقائق الشرعية.
وأيضًا، فإنه لم يرضَ أن يكون معه كموسى مع عيسى وكالعالِم مع العالِم في الشَّرع الذي وافقَه فيه، بل ادعى أنه يأخذُ ما أقرَّه عليه من الشَّرع من الله في الباطن، فيكون أخذُه للشَّرع عن الله أعظمَ مِن أخذِ الرسول.
وأما ما ادعى امتيازَه به عنه، وافتقارَ الرسول إليه، وهو موضعُ اللَّبِنَة الذهبية، فزعَم أنه يأخذُ عن المَعْدِن الذي يأخذُ منه المَلَكُ الذي يوحي به إلى الرسول.
فهذا كما ترى في حال هذا الرجل، وتعظيم بعض المتأخرين له(1).
وصرَّح الغزالي بأن قتل من ادعى أن رتبة الولاية أعلى من رتبة النبوَّة أحبُّ إليه من قتل مئة كافر؛ لأن ضرر هذا في الدين أعظم(2).--------------------------------------------
(1). قال المصنف في «بغية المرتاد» (488، 508 - 512): «وقد قال لي أفضل شيوخ هؤلاء بالديار المصرية لما أوقفته على بعض ما في هذا الكتاب مثل هذا الموضع وغيره، فقال: هذا كفر. وقال لي في مجلس آخر: هذا الكتابُ عندنا من أربعين سنة نعظِّمه ونعظِّم صاحبه ما أظهر لنا هذه المصائب إلا أنت» ، وذكر أنه حين أظهر ما في كتب هؤلاء من النفاق والإلحاد خاطبه أحد معظِّمي ابن عربي وجعل يتأوَّل كلامه في هذا الباب، فأخذ يوقفه على كلامه بتمامه، فلما رآه «انبهر حيث رآه قد صرَّح بالتفضيل على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء» ، ثم بيَّن له بطلان هذا القول.
(2). «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» (65).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
ولا نطيلُ الكلام في هذا المقام؛ لأنه ليس المقصود هنا(1).
وأيضًا، فأسماء الله وأسماء صفاته عندهم(2) شرعيةٌ سمعيةٌ لا تطلقُ بمجرَّد الرأي، فهم في الامتناع(3) من هذه الأسماء(4) أحقُّ بالعذر ممَّن امتنع من تسمية صفاته أعراضًا، وذلك أن الصِّفات التي لنا منها ما هو عَرَضٌ كالعِلم والقدرة، ومنها ما هو جسمٌ وجوهرٌ قائمٌ بنفسه كالوجه واليد، وتسميةُ هذه جوارحَ وأعضاءً أخصُّ من تسميتها أجسامًا؛ لما في ذلك من معنى الاكتساب والانتفاع والتصرُّف وجواز التفريق والبعضيَّة.
الوجه الرابع: أن هذا السؤال لا يختصُّ بهؤلاء، بل إثباتُ جنس هذه الصِّفات قد اتفق عليه سلفُ الأمَّة وأئمَّتها من أهل الفقه والحديث والتصوُّف والمعرفة، وأئمَّة أهل الكلام من الكُلَّابية والكَرَّامية والأشعرية، كلُّ هؤلاء يثبتون لله صفةَ الوجه واليد ونحو ذلك.
وقد ذكر الأشعريُّ في كتاب «المقالات»(5) أن هذا مذهبُ أهل الحديث، وقال: إنه به يقول. فقال في جملة مقالة أهل السُّنة وأصحاب--------------------------------------------
(1). انظر: «شرح الأصبهانية» (576) ، و «الرد على الشاذلي» (132) ، و «منهاج السنة» (5/ 335، 8/ 22) ، و «الصفدية» (2/ 252) ، و «النبوات» (713) ، و «مجموع الفتاوى» (2/ 221، 12/ 399).
(2). أي عند الحنابلة.
(3). الأصل و (ط): «الاتباع». والمثبت من (ف) (4/ 173). وهو الصواب.
(4). وذلك في قولهم: «وليست بجوارح».
(5). «مقالات الإسلاميين» (1/ 345).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
الحديث: جملةُ ما عليه(1) أهلُ السُّنة وأصحابُ الحديث: الإقرارُ بكذا وكذا، وأن الله على عرشه استوى، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75]، وكما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، وأن له عينين بلا كيف، كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14]، وأن له وجهًا، كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 27].
وقد قدَّمنا فيما تقدَّم أن جميع أئمَّة الطوائف هم من أهل الإثبات(2)، وما مِن شيءٍ ذكره أبو الفرج وغيرُه مما هو موجودٌ في الحنبلية ــ سواءٌ كان الصوابُ فيه مع المثبت، أو مع النافي، أو كان فيه تفصيل ــ إلا وذلك موجودٌ فيما شاء الله من أهل الحديث والصُّوفية والمالكية والشافعية والحنفية ونحوهم، بل هو موجودٌ في الطوائف التي لا تنتحِلُ السُّنةَ والجماعةَ والحديثَ ولا مذهبَ السَّلف، مثل الشيعة وغيرهم، ففيهم في طرفي الإثبات والنفي ما لا يوجدُ في هذه الطوائف.
وكذلك في أهل الكتابَيْن ــ أهل التوراة والإنجيل ــ توجدُ هذه المذاهب المتقابلة في النفي والإثبات، وكذلك الصَّابئة من الفلاسفة وغيرهم لهم تقابلٌ(3) في النفي والإثبات، حتى إن منهم من يُثْبِتُ ما لا يُثْبِتُه كثيرٌ من متكلِّمة الصِّفاتية، ولكن جنسَ الإثبات على المتَّبعين للرُّسل أغلب من الذين--------------------------------------------
(1). الأصل: «جملة مقالة». من سهو الناسخ وانتقال نظره. والمثبت من «المقالات». وعلى الصواب في «منهاج السنة» (3/ 464).
(2). (ص: 239).
(3). الأصل و (ط): «مقابل». والمثبت من (ف).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
آمنوا واليهود والنصارى والصابئة المهتدين، وجنسَ النفي على غير المتَّبعين للرُّسل أغلب من المشركين والصَّابئة المبتدعة.
وقد ذكرنا في غير هذا الجواب مذهبَ سلف الأمَّة وأئمَّتها بألفاظها وألفاظ مَن نقل ذلك من جميع الطوائف(1)، بحيثُ لا يبقى لأحدٍ من الطوائف اختصاصٌ بالإثبات.
ومن ذلك ما ذكره شيخُ الحرمين أبو الحسن [محمد بن] عبد الملك الكَرَجِي(2)،
في كتابه الذي سمَّاه «الفصول في الأصول عن الأئمَّة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفُضول»(3)، وكان من أئمَّة الشَّافعية، ذكَر فيه مِن كلام--------------------------------------------
(1). في «الفتوى الحموية» ، كما تقدم (ص: 215).
(2). إمامٌ ورعٌ عاقلٌ فقيهٌ مفتٍ محدِّثٌ أديب (ت: 532) ، إلا أني لم أر من ذكر أنه جاور بمكة والمدينة كما يفهم من لقب «شيخ الحرمين» ، ولم أر المصنف ذكر ذلك في باقي تصانيفه. انظر: «الأنساب» (10/ 381) ، و «المنتظم» (10/ 75) ، و «طبقات الشافعية» لابن الصلاح (1/ 215) ، و «تاريخ الإسلام» (11/ 578).
وله قصيدةٌ بائية في السنة واعتقاد السلف قرأها عليه السمعاني، وغصَّ بها التاج السبكي فزعم في «طبقات الشافعية» (6/ 141) أنها موضوعة، وتسمى «عروس القصائد وشموس العقائد» ، منها نسخة بخط ابن الصلاح كما في «مجموع الفتاوى» (3/ 265) ، وكتب عليها بخطه: «هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث» كما في «العلو» للذهبي (236) ، ويرويها ابن حجر بالإجازة كما في «تجريد أسانيد الكتب المشهورة» (409).
(3). ذكره ابن كثير في «البداية والنهاية» (16/ 317) و «طبقات الشافعية» (2/ 572) ، ونقل عنه المصنف في «جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية» (169) ، و «مجموع الفتاوى» (4/ 181، 12/ 160، 306) والمصادر التالية، ولم أر من نقل عنه غيره، وهو من دلائل سعة اطلاعه، حتى إن الدمياطي وتقي الدين السبكي وهما شافعيان لم يعرفا ترجمة أبي الحسن الكرجي ولا زمانه، كما في رسالة «معنى قول الإمام المطلبي» للسبكي (95).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
الشَّافعي، ومالك، والثَّوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري صاحب «الصَّحيح» ، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، [وأبي زرعة، وأبي حاتم](1) ، في أصول السُّنة ما يُعْرَفُ به اعتقادُهم، وذكَر في تراجمهم ما فيه تنبيهٌ على مراتبهم ومكانتهم في الإسلام.
وذكَر أنه اقتصَر في النقل عنهم دون غيرهم؛ لأنهم هم المقتدى بهم والمرجوعُ شرقًا وغربًا إلى مذاهبهم؛ ولأنهم أجمعُ لشرائط القدوة والإمامة من غيرهم، وأكثرُ لتحصيل أسبابها وأدواتها، مِن جودة الحفظ والبصيرة والفطنة، والمعرفة بالكتاب والسُّنة والإجماع، والسند والرجال، والأحوال، ولغات العرب، ومواضعها، والتاريخ، والناسخ والمنسوخ، والمنقول والمعقول، والصَّحيح والمدخول، مع(2) الصِّدق والصَّلابة، وظهور الأمانة والديانة= ممَّن سواهم.
قال: وإن قصَّر واحدٌ منهم في سببٍ منها جَبَر تقصيرَه قربُ عصره من--------------------------------------------
(1). ساقط من الأصل، واستدركته من «درء التعارض» (2/ 95) ، و «التسعينية» (879) ، و «بيان تلبيس الجهمية» (6/ 400) ، و «شرح الأصبهانية» (241) ، وسيأتي ما يدل عليه (ص: 249).
(2). الأصل: «فى». والمثبت أشبه بالصواب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
الصَّحابة والتابعين لهم بإحسان، باينوا هؤلاء(1) بهذا المعنى مَن سواهم، فإن غيرَهم من الأئمَّة وإن كانوا في منصب الإمامة لكنْ أخلُّوا ببعض ما أشرتُ إليه مجملًا من شرائطها؛ إذ ليس هذا موضعًا لبيانها.
قال: ووجهٌ ثالثٌ لا بدَّ مِن أن نبيِّن فيه، فنقول: إن في النقل عن هؤلاء إلزامًا للحجَّة على كلِّ من ينتحِلُ مذهبَ إمامٍ يخالفُه في العقيدة، فإن أحدهما لا محالة يضلِّلُ صاحبَه أو يبدِّعُه أو يكفِّرُه، فانتحالُ مذهبه مع مخالفته في العقيدة مستنكرٌ والله شرعًا وطبعًا.
فمن قال: أنا شافعيُّ الشَّرع أشعريُّ الاعتقاد، قلنا له: هذا من الأضداد، لا بل من الارتداد؛ إذ لم يكن الشافعيُّ أشعريَّ الاعتقاد. ومن قال: أنا حنبليٌّ في الفروع، معتزليٌّ في الأصول، قلنا: قد ضللتَ إذًا عن سواء السَّبيل فيما تزعمُه؛ إذ لم يكن أحمدُ معتزليَّ الدين والاجتهاد.
قال: وقد افتتن أيضًا خلقٌ من المالكية بمذاهب الأشعرية(2)، وهذه والله شينةٌ(3) وعار، وفلتةٌ تعودُ بالوبال والنكال وسوء الدَّار، على منتحِل مذاهب هؤلاء الأئمَّة الكبار، فإن مذهبَهم ما رويناه مِن تكفيرهم الجهمية والمعتزلة والقدرية والواقِفية وتكفيرهم اللفظية.--------------------------------------------
(1). كذا بالأصل، فإن لم يكن ثم تحريف أو سقط فعلى لغة «يتعاقبون فيكم ملائكة».
(2). انظر لبداية دخول المذهب الأشعري إلى المالكية في بلاد المغرب: «ذم الكلام» لأبي إسماعيل الأنصاري (4/ 412)، و «درء التعارض» (1/ 271، 2/ 101) ، و «التسعينية» (203) ، و «ترتيب المدارك» (7/ 46) ، و «السير» (17/ 558).
(3). كذا في الأصل، والحرف الثاني مهمل، أي قبيحة، وفي (ط): «سُبَّة».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
وبسَط الكلامَ في مسألة اللفظ إلى أن قال: فأما غيرُ من ذكرناه من الأئمة فلم ينتحِل أحدٌ مذهبَهم، فلذلك لم نتعرَّض للنقل عنهم.
قال: فإن قيل: فهلا اقتصرتم إذًا على النقل عمَّن شاع مذهبُه وانتُحِلَ اختيارُه من أصحاب الحديث، وهم الأئمة: الشافعي ومالك والثوري وأحمد، إذ لا نرى أحدًا ينتحِلُ مذهبَ الأوزاعيِّ والليث وسائرِهم؟
قلنا: لأن مَن ذكرناه من الأئمَّة سوى هؤلاء أربابُ المذاهب في الجملة، إذ كانوا قدوةً في عصرهم، ثم اندرجت مذاهبُهم بالآخِرة(1) تحت مذاهب الأئمَّة المعتبرة.
وذلك أن ابن عيينة كان قُدوة، ولكن لم يصنِّف في الذي كان يختارُه من الأحكام، وإنما صنَّف أصحابُه، وهم الشافعيُّ وأحمد وإسحاق، فاندرَج مذهبُه تحت مذاهبهما(2).
وأما الليث بن سعد، فلم يَقُم أصحابه بمذهبه، قال الشافعي: «لم يُرْزَق الأصحابَ»(3) ، إلا أن قوله يوافقُ قولَ مالكٍ أو قولَ الثوريِّ لا يخطئهما،--------------------------------------------
(1). في الأزمنة المتأخرة بعد انقضاء عصرهم.
(2). كذا في الأصل، يعني الشافعي وأحمد، لأن إسحاق ممن اندرج مذهبه تحت مذهب أحمد كما سيأتي.
(3). قال الشافعي: «الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به» ، أخرجه البيهقي في «مناقب الشافعي» (1/ 524). وفي رواية: «ضيَّعه أصحابه» ، أخرجها أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (1/ 406). وانظر: «المرحمة الغيثية بالترجمة الليثية» لابن حجر (2/ 243، 247 - الرسائل المنيرية).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
فاندرج مذهبُه تحت مذهبهما.
وأما الأوزاعي، فلا نرى له في أعمِّ المسائل قولًا إلا ويوافقُ قولَ مالكٍ أو قولَ الثوريِّ أو قولَ الشافعي، فاندرج اختيارُه أيضًا تحت اختيار هؤلاء.
وكذلك اختيارُ إسحاق يندرجُ تحت مذهب أحمد؛ لتوافقهما.
قال: فإن قيل: فمن أين وقعتَ على هذا التفصيل والبيان في اندراج مذاهب هؤلاء تحت مذاهب الأئمة؟
قلت: من «التعليقة» للشيخ أبي حامد الإسفراييني(1)، التي هي ديوانُ الشرائع، وأم البدائع، في بيان الأحكام، ومذاهب العلماء الأعلام، وأصول الحُجَج العظام، في المختلف والمؤتلف(2).
قال: وأما اختيار أبي زرعة وأبي حاتم في الصَّلاة والأحكام ــ مما قرأته وسمعتُه من مجموعَيهما ــ فهو موافقٌ لقول أحمد ومندرجٌ تحته، وذلك مشهور.
وأما البخاريُّ فلم أر له اختيارًا، ولكن سمعتُ محمد بن طاهر--------------------------------------------
(1). أحمد بن أبي طاهر، من أئمة الشافعية الكبار (ت: 406) ، وتعليقته شرحٌ لمختصر المزني، قال الكرجي فيما نقله المصنف في «التسعينية» (886): «ولا شك أنه كان أعرف الأصحاب بمناصيص الشافعي، وأعظمهم بركةً في مذهبه، وهو أول من كثَّر شرح المزني، وشحنه بالمختلف والمؤتلف، ونصر فيه مذاهب العلماء، وجعله مساغًا لاجتهاد الفقهاء». وذكر النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (2/ 210) أن تعليقته في نحو خمسين مجلدًا وأثنى عليها وبيَّن موضعها من كتب الشافعية.
(2). لعله يريد مسائل الخلاف والإجماع، أو الجمع والفَرْق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)