بل قال كلاما فيه، ذما لهم، حيث نقل عنه أنه قال: " لقد كنت أرضى من طاعة أهل العراق، بدون قتل الحسين ". وقال: " لعن الله ابن مرجانة - يعني عبيد الله بن زياد - والله لو كان بينه وبين الحسين رحم لما قتله " يريد بذلك الطعن في استلحاقه، حيث كان أبوه زياد، استلحق حتى كان ينتسب إلى أبي سفيان صخر بن حرب: وبنو أمية وبنو هاشم، كلاهما بنو عبد مناف.
وروي أنه لما قدم على يزيد، ثقل الحسين وأهله، ظهر في داره البكاء والصراخ لذلك، وأنه أكرم أهله، وأنزلهم منزلا حسنا، وخير ابنه عليا، بين أن يقيم عنده، وبين أن يذهب إلى المدينة، فاختار المدينة. والمكان الذي يقال له: سجن علي بن الحسين بجامع دمشق، باطل لا أصل له.
لكنه مع هذا، لم يقم حد الله على من قتل الحسين رضي الله عنه، ولا انتصر له، بل قتل أعوانه لإقامة ملكه.
وقد نقل عنه، أنه تمثل في قتل الحسين بأبيات تقتضي من قائلها الكفر الصريح، كقوله:
لما بدت تلك الحمول وأشرفت … تلك الرؤوس إلى ربى جيرون
نعق الغراب فقلت: نح أو لا تنح … فلقد قضيت من النبي ديوني
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
وهذا الشعر كفر) اهـ.
ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله (4 / 507 - 508) : (وأما الحسين رضي الله عنه: فقتل بكربلاء، قريب من الفرات، ودفن جسده حيث قتل، وحمل رأسه إلى قدام عبيد الله بن زياد بالكوفة، هذا الذي رواه البخاري في " صحيحه " (3748) ، وغيره من الأئمة.
وأما حمله إلى الشام إلى يزيد: فقد روي ذلك من وجوه منقطعة، لم يثبت شيء منها، بل في الروايات ما يدل على أنها من الكذب المختلق، فإنه يذكر فيها: أن يزيد جعل ينكت بالقضيب على ثناياه، وأن بعض الصحابة الذين حضروه كأنس بن مالك، وأبي برزة، أنكر ذلك.
وهذا تلبيس! فإن الذي جعل ينكت بالقضيب، إنما كان عبيد الله بن زياد، هكذا في الصحيح والمساند [خ (3748) حم (3 / 1 26) عن أنس بن مالك رضي الله عنه] .
وإنما جعلوا مكان عبيد الله بن زياد: يزيد!
وعبيد الله لا ريب أنه أمر بقتله، وحمل الرأس إلى بين يديه.
ثم إن ابن زياد قتل بعد ذلك، لأجل ذلك.
ومما يوضح ذلك: أن الصحابة المذكورين، كأنس وأبي برزة، لم يكونوا بالشام، وإنما كانوا بالعراق حينئذ. وإنما الكذابون، جهال بما يستدل به على كذبهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
وأما حمله إلى مصر: فباطل باتفاق الناس، وقد اتفق العلماء كلهم، على أن هذا المشهد الذي بقاهرة مصر، الذي يقال له: مشهد الحسين: باطل، ليس فيه رأس الحسين، ولا شيء منه، وإنما أحدث في أواخر دولة بني عبيد الله ابن القداح) .
ثم قال رحمه الله (4 / 511 -512) : (والحسين رضي الله عنه، أكرمه الله تعالى بالشهادة في هذا اليوم، وأهان بذلك من قتله، أو أعان على قتله، أو رضي بقتله) .
وله أسوة حسنة بمن سبقه من الشهداء، فإنه وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وكانا قد تربيا في عز الإسلام، لم ينالا من الهجرة، والجهاد، والصبر على الأذى في الله، ما ناله أهل البيت، فأكرمهما الله تعالى بالشهادة، تكميلا لكرامتهما، ورفعا لدرجتهما.
وقتله مصيبة عظيمة، والله سبحانه قد شرع الاسترجاع عند المصيبة بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ - الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157] .
وفي " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها» .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
ومن أحسن ما يذكر هنا: أنه قد روى الإمام أحمد (1 / 201) وابن ماجه (1600) عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يصاب بمصيبة، فيذكر مصيبته وإن قدمت، فيحدث عندها استرجاعا، كتب الله له مثلها يوم أصيب» .
هذا حديث رواه عن الحسين: ابنته فاطمة، التي شهدت مصرعه.
وقد علم أن المصيبة بالحسين، تذكر مع تقادم العهد، فكان من محاسن الإسلام، أن بلغ هو هذه السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنه كلما ذكرت هذه المصيبة يسترجع لها، فيكون للإنسان من الأجر مثل الأجر يوم أصيب بها المسلمون.
وأما من فعل مع تقادم العهد بها، ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم عند حدثان العهد بالمصيبة: فعقوبته أشد، مثل لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية.
ففي " الصحيحين " عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» [خ (1297) و (1298) و (3519) م (103) ] . ثم ذكر رحمه الله شيئا مما ورد في النهي عن ذلك.
وكلام شيخ الإسلام في هذا الباب وهذه المسألة كلام جيد محرر كثير، سواء في المواضع التي سبقت أو غيرها، وما سبق يكفي بمشيئة الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
[فصل أما ما زعمه هذا الرافضي أن الحنابلة لا يذكرون آل البيت أو لديهم حساسية من ذلك فكذب باطل]
فصل أما ما زعمه هذا الرافضي: أن الحنابلة لا يذكرون آل البيت، أو لديهم حساسية من ذلك: فكذب باطل، لم يستطع أن يختلق دليلا عليه، بله أن يجد دليلا غير مختلق! لبعدهم رحمهم الله عن ذلك، ومحبتهم العظيمة، لآل البيت رضي الله عنهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " العقيدة الواسطية " - المتن المختصر اللطيف في العقيدة، الذي يحفظه طلابنا، ويحرسه علماؤنا في مساجدهم -: ويحبون (1) أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال يوم غديرخم: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» .
وقال أيضا للعباس عمه، وقد شكا إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم فقال: «والذي نفسي بيده، لا يؤمنون حتى يحبوكم ولقرابتي» .
وقال: «إن الله اصطفى إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» .--------------------------------------------
(1) 1 – أي أهل السنة والجماعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
ويتولون أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمهات المؤمنين، ويقرون بأنهن أزواجه في الجنة بالآخرة، خصوصا خديجة، أم أكثر أولاده، وأول من آمن به، وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العلية. والصديقة بنت الصديق، التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام» .
ويتبرؤون من:
- طريقة الروافض، الذين يبغضون الصحابة، ويسبونهم.
- وطريقة النواصب، الذين يؤذون أهل البيت، بقول أو عمل. اهـ.
وهذا المختصر " الواسطية "، ليس أحد من طلاب العلم عندنا إلا وهو يحفظه. وليس أحد من مشايخنا، إلا وقد شرحه مرارا، في حلقات العلم بالمساجد، أو أفرده بشرح مؤلف.
قال الشيخ العلامة المحقق عبد الرحمن بن ناصر السِّعدي التميمي النجدي الحنبلي رحمه الله (ت 1376 هـ) ، في كتابه " التنبيهات اللطيفة، فيما احتوت عليه العقيدة الواسطية، من المباحث المنيفة " (ص 121) عند شرح الموضع السابق منها: (فمحبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم واجبة من وجوه، منها: لإسلامهم، وفضلهم، وسوابقهم) .
ومنها لما تميزوا به من قرب النبي صلى الله عليه وسلم، واتصال نسبه. ومنها لما حث عليه، ورغب فيه. ومنها ولما في ذلك، من علامة محبة الرسول صلى الله عليه وسلم. اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
ومن المعلوم المستقر عندنا وعند غيرنا، ممن له علم وعقل: أن كثيرا من بني هاشم طالبيين وغيرهم: حنابلة، بل فيهم جماعة، هم من كبار أئمتهم ومصنفيهم، كأبي الحسن اليونيني، وابن أبي موسى.
فهل انتحل هؤلاء الهاشميون، مذهبا ينتقص من شأنهم! ويطعن في أجدادهم؟ !
أو أنهم أصبحوا يأمرون بذلك! ويصنفون فيه! ويحثون عليه؟ !
أو أنهم لم يعلموا بتلك الأمور؟ !
ولما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (4 / 478 - 488) عن محبة آل البيت قال: (محبتهم عندنا: فرض واجب، يؤجر عليه، فإنه قد ثبت عندنا في " صحيح مسلم " (2408) عن زيد بن أرقم قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدير يدعى خما، بين مكة والمدينة فقال: " يا أيها الناس! إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله " فذكر كتاب الله وحض عليه، ثم قال: "وعترتي أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» .
قلت لمقدم - وهو السائل:
ونحن نقول في صلاتنا كل يوم " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
قال مقدم: فيمن يبغض أهل البيت؟
قلت: من أبغضهم، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. اهـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
[فصل في الذب عن خلفاء بني أمية الأئمة الفاتحين المجاهدين]
فصل
في الذب عن خلفاء بني أمية، الأئمة الفاتحين المجاهدين قد سبق ذكر جملة من مطاعن المالكي في بني أمية، مما يشق حصره في كتابه هذا، فضلا عن كتبه الأخرى ومقالاته! .
فرماهم بكل قبيحة ورذيلة، وكل ظلم وبغي، وزعم مزاعم كبيرة، وكذب كذبات بلقاء كثيرة، لا يسترها الليل وإن طال، ولا مغيب الشمس، ولو حرمت الشروق والزوال.
وزعم أن الأحاديث النبوية الصحيحة - زيدت شرفا -: قد جاءت بذمهم! والآثار الصحابية والتابعية، تكاثرت في ذم زمانهم!
والجواب عن هذا كله وغيره، من وجوه: أحدها: أن خلفاء بني أمية من خيار ملوك المسلمين، ولا أدل على ذلك ولا أظهر، من كثرة فتوحاتهم، وما خصهم الله عز وجل ويسره على أيديهم، من نشر الإسلام، وتمكينه في الأرض، حتى أصبح المسلم عزيزا، لا تجرؤ أمة - وإن عظمت - على انتقاص قدره، أو هضم حقه.
الثاني: ما حصل من بعضهم من ظلم: لم ننكره، وما ادعينا لهم العصمة؟ !
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
بل هم كغيرهم من المؤمنين، يحصل منهم تقصير وتفريط، وأفعالهم السابقة، كفيلة - بمشيئة الله ورحمته ورضوانه - بإزالة ما قيل إن صدقا، وإن كذبا، وكما قال الأول:
من ذا الذي ترضى سجاياه كلها … كفى المرء نبلا: أن تعد معايبه
الثالث: أن زعمه أن الأحاديث الصحيحة قد جاءت بذمهم فكذب، ولم يصح في ذلك شيء، عدا ذم الحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95 هـ) ، ولم يكن أمويا! وإنما كان عاملا لهم، استعملوه على العراق، ولم يوفقوا في اختياره. قال الإمام العلامة الكبير أبو عبد الله ابن قيم الجوزية في " المنار المنيف، في الصحيح والضعيف " (ص 117) : (وكل حديث في ذم بني أمية: فهو كذب) اهـ.
الرابع: أن ما صح من الآثار الصحابية والتابعية، في ذم بني أمية: فلكون ميزانهم عزيزا، ولسان منجمهم رفيعا دقيقا، أحسوا بفرق حالهم في خلافة الخلفاء الأربعة الراشدين، عمن جاء بعدهم مع ما حصل من بعض بني أمية من معاصي وجور، لم يكن في عهد من قبلهم.
وكان بعض ذم أولئك الأئمة في الزمان، لا في الأعيان، لدخول المولدين في الإسلام، وما قدموا به معهم إليه، فأزالوا ثوابت، وأحدثوا حوادث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
ولظهور بدع زلزلت السنة، كبدعة الخوارج، والقدرية والرافضة، والجهمية، وغيرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
[فصل في ذكر فضائل بني أمية وتقريب الرسول صلى الله عليه وسلم لهم واعتماده عليهم]
فصل
في ذكر فضائل بني أمية، وتقريب الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، واعتماده عليهم،
وإبقاء أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لهم، وذكر سبب كثرة
الافتراءات على بني أمية لقد كان عهد بني أمية من خير عهود الإسلام، ففيه انتشر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وانحسر الكفر وكبت.
وفيه انتشر العلم والفقه، ودون الحديث، ودون التفسير، وعم الرخاء أرجاء العالم الإسلامي، حتى بلغ الحال بالمسلمين في بعض عهود بني أمية، ألا يجدوا محتاجا يأخذ زكاة أموالهم، لغنى المسلمين وكفايتهم، على الرغم من اتساع الرقعة، وكثرة المسلمين.
ويشهد لفضلهم - على الجملة - قوله صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» أخرجاه في " الصحيحين " وتقدم تخريجه (ص 130) .
وكذلك قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
وقوله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ - الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40 - 41] .
فالله عز وجل قد مكن لبني أمية في الأرض، وبدل خوفهم أمنا، ونصرهم في جهادهم، حتى فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، من " كاشغر" على حدود " الصين " في الشرق، إلى " الأندلس " وجنوب " فرنسا " في الغرب. ومن " بحر قزوين " في الشمال، إلى " المحيط الهندي " في الجنوب.
فهل بعد هذا النصر نصر؟ ! وهل بعد هذا التمكين تمكين؟ !
وهذه الأمور وغيرها زادت غيظ الحاقدين والمتربصين بالمسلمين، فأخذوا يلفقون الأكاذيب والأباطيل، محاولين تشويه عصر بني أمية، ونشروها بين الناس. خاصة عندما اشتد عود دعوة العباسيين في آخر عهد الدولة الأموية.
وهكذا استمرت هذه الحملة بل الحملات، حتى بعد سقوط الدولة الأموية.
وكان ممن يروج هذه الشائعات: الروافض والخوارج. فقد أقضت هذه الدولة الفتية مضاجعهم، وكسرت شوكتهم، وأبطلت شبههم. كما أقضت مضاجع الروم والفرس، وسائر الكافرين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
يعاونهم في ذلك كل طوائف الضلال، من منافقين أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام، خوفا من المسلمين، ومن مبتدعة كرهوا ما كانت عليه الدولة الأموية من نشر السنة، والعقيدة الصحيحة، ومحاربة البدع.
وجهال تأثروا بهذه الدعوات، إذ أرضعوها منذ الصغر، فلم يجد معهم نصح ولا إرشاد، فعير بعضهم بني أمية، بأنهم عادوا الإسلام في بداية عهده! ! وأن إسلامهم قد تأخر إلى آخر ما قالوه!
قال العلامة الدكتور عبد الشافي بن محمد عبد اللطيف - أستاذ التاريخ الإسلامي، بجامعة الأزهر - في كتابه: " العالم الإسلامي في العصر الأموي " ص (ب - د) ، رادا على أولئك الجهال وغيرهم: (فلئن كان بعض الأمويين، عادى الإسلام في البداية، وتأخر إسلامهم: إلا أنهم لما أسلموا عام الفتح، أظهروا من حسن البلاء في الفتوحات، وقاموا بأدوار بارزة في رفع راية التوحيد، وأبدوا من الحب لدين الله والجهاد في سبيله ما لفت إليهم الأنظار، حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسند إلى كثير منهم أجل الأعمال وأخطرها، وكذلك فعل الخلفاء الراشدون الثلاثة من بعده.
ولكن على الرغم من ذلك كله، فإن بعض الكتاب والمؤرخين، سواء ممن اندفعوا وراء رغبة العباسيين، والتقرب إليهم بالإساءة إلى الأمويين، أو ممن سيطر عليهم الهوى، وأعماهم التعصب المذهبي: لم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
يستطيعوا التخلص من نظرتهم إليهم قبل إسلامهم، فراحوا يعيرونهم بأنهم " الطلقاء وأبناء الطلقاء "! ونسوا أن الإسلام يجب ما قبله. بل وصل ببعضهم إلى حد اتهامهم بالكفر) .
ثم قال الدكتور عبد الشافي كذلك، في ص (7 - 8) من كتابه المذكور: (ومع أن الجميع أسلموا بعد فتح مكة، وحسن إسلامهم، وأبلوا بلاء حسنا في نصرة الإسلام، وإعلاء كلمة الله، إلا أن بعض الناس، نسي كل عداوات قريش للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر إلا عداء بني أمية! ! وكأنهم وحدهم الذين وقفوا هذا الموقف! !
ومع أن الإسلام يجب ما قبله، إلا أن بعض ذوي الأهواء، لا يريد أن يفهم ذلك، ولا يكفون عن ذكر المواقف السيئة لبني أمية التي كانت قبل إسلامهم، وكأن القوم ما أسلموا! ! وما جاهدوا في الله حق جهاده! !
حتى إن هؤلاء المدعين لتأصل العداوة بين البيتين [بني هاشم وبني أمية] قديما، نسوا أن بعض بني أمية، كانوا من السابقين إليه من بني هاشم، فقد كان عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية من السابقين إلى الإسلام. وكذلك كان أبناء سعيد بن العاص: خالد بن سعيد، وعمرو بن سعيد، من السابقين إلى الإسلام، فقد أسلم خالد بن سعيد بن العاص، وكان خامسا في الإسلام، كما تقول ابنته أم خالد: " كان أبي خامسا في الإسلام - أي أسلم بعد أربعة سبقوه فقط - وهاجر إلى أرض الحبشة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
وأقام بها عشر سنين، وولدت أنا بها " (1) .
وكذلك أسلم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص، وهاجر الهجرتين (2) ثم لحق بهما أخوهما أبان بن سعيد (3) .
وكان خالد وأبان ابنا سعيد بن العاص، من كتاب الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم (4) .
لكن رغم إسلام هؤلاء الرجال من بني أمية، منذ البداية، وتضحياتهم، وهجرتهم إلى الحبشة، ورغم إسلام جميع بني أمية عند فتح مكة، وترحيب الرسول بهم، وفرحه بإسلامهم، والاعتماد عليهم في جلائل الأعمال - كما سنذكره بعد قليل - إلا أن كل ذلك لم يشفع عند أصحاب الأهواء، حتى الكلمة الطيبة، التي قالها الرسول صلى الله عليه وسلم، في معرض العفو العام عنهم، وفي اليوم الذي سماه يوم بر ووفاء، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» حتى هذه الكلمات، جعل بعض الناس منها، سبة في جبين بني أمية وحدهم! وجعلوا يعيرونهم بأنهم الطلقاء، وأبناء الطلقاء!--------------------------------------------
(1) عزاه الدكتور إلى " السير " للذهبي (1/ 260) ، و" الإصابة " للحافظ ابن حجر (1/ 16) .
(2) عزاه الدكتور إلى " السير " للذهبي (1/ 261) ، و" الإصابة " للحافظ ابن حجر (1/ 16) .
(3) عزاه الدكتور إلى (السير) للذهبي (1/ 261) ، و" الإصابة " للحافظ ابن حجر (1/ 15) .
(4) عزاه الدكتور إلى أبي الحسن الخزاعي في " تخريج الدلالات السمعية " (ص 159) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
ولم يفهموا أن هؤلاء الطلقاء وأبناءهم، قد أسلموا، وحسن إسلامهم، وكانت لهم مواقف مشهودة، في نصرة الإسلام في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعده في الفتوحات في عهد خلفائه الراشدين. . .) .
ثم قال الدكتور عبد الشافي ص (9) : (فتعيير الأمويين بأنهم الطلقاء، وأبناء الطلقاء، يكشف عن الحقد الدفين، عند بعض الغلاة من الشيعة وغيرهم.
فبنو أمية يدخلون في جملة مسلمة الفتح، الذين وعدهم الله بالحسنى في قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10] .
الله سبحانه وتعالى يعدهم بالحسنى، جزاء قتالهم وجهادهم، حتى مع تأخر إسلامهم، رحمة منه سبحانه وتعالى.
ولكن بعض أصحاب الأهواء من المؤرخين يأبى إلا أن يرميهم بالكفر، نعيذ أنفسنا وإياهم بالله من ذلك) .
ثم ذكر الدكتور عبد الشافي في كتابه السابق، تحت عنوان " الأمويون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم " ص (10 - 11) جملة ممن ولاه النبي صلى الله عليه وسلم من بني أمية، ثم قال ص (12) : (وخلاصة القول: فقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعظم رجالات بني أمية على مختلف الأعمال، من الولاية، والكتابة، وجباية الأموال، ولا نعرف قبيلة من قبائل قريش، فيها عمال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر منهم (1)
واستعمال النبي صلى الله عليه وسلم لأكثر رجال بني أمية: أكبر دليل على كفاءتهم وأمانتهم، فلو لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم، مطمئنا إلى كفاءتهم، وقدرتهم، وأمانتهم، لما عهد إليهم بعمل من الأعمال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحابي أحدا حاشا لله، ولم يكن يستعمل إلا أهل الكفاية والأمانة. . .) .
وقال الدكتور ص (12 - 13) تحت عنوان: " الأمويون في عهد أبي بكر رضي الله عنه ": (لحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، بعد أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وبويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة، فسار على نهج الرسول صلى الله عليه وسلم، في استعمال بني أمية، والاستعانة بهم في جلائل الأعمال.
وقد استجابوا للصديق، ولكنهم فضلوا الجهاد في سبيل الله على الأعمال الإدارية، فاشتركوا في معارك الإسلام الكبرى، في عهدي الصديق والفاروق، سواء في حروب الردة، أو في معارك الفتوح في الشام وفارس. . .) .
ثم ذكر أمثلة ذلك، وعزاها لبعض كتب التاريخ والسير، ثم قال ص (14) : (وهكذا استمر الأمويون يعملون في عهد أبي بكر، مجاهدين في سبيل الله، مفضلين ميادين القتال على الأعمال الإدارية، ولو كانوا--------------------------------------------
(1) عزاه الدكتور عبد الشافي في حاشية كتابه، إلى " منهاج السنة " لشيخ الإسلام (3/ 175) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
يبحثون عن المناصب، والجاه والمال، لقعدوا في ولاياتهم، وأعمالهم الإدارية، كما طلب منهم أبو بكر) .
ثم قال الدكتور عبد الشافي ص (15) تحت عنوان " الأمويون في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ": (عندما توفي الصديق رضي الله عنه في جمادى الآخرة سنة 13 هـ وبويع الفاروق بالخلافة: سار على نهج صاحبيه في استعمال بني أمية، والثقة فيهم، فلم يعزل أحدا منهم من عمل، ولم يجد على أحد منهم مأخذا، والكل يعرف صرامة عمر، وتحريه أمر ولاته وعماله، وتقصيه أعمالهم وأخبارهم، ومحاسبتهم بكل دقة وحزم. فاستمرارهم في عهده، يدل على أمانتهم وكفايتهم، فقد بقي يزيد بن أبي سفيان واليا على دمشق، كما زاد عمر في عمل معاوية بالشام، فقد ضم إليه ولاية حمص فوق ما كان يتولاه من أعمال مدن الساحل) .
إلى أن قال ص (16) : (وهكذا استمر الأمويون في خلافة الفاروق، وكانوا في خيرة من عماله، وعلى كثرة محاسبة عمر للولاة والعمال، وعزل بعضهم بسبب التقصير والإهمال، فقد بقي معاوية طوال خلافته في عمله، مواجها للروم، واقفا لهم بالمرصاد، ضابطا لعمله، قائما بالقسط، مرضيا عنه من الرعية، ومن الخليفة) .
أما سبب كثرة الافتراءات على الأمويين: فقد بينه الدكتور عبد الشافي في كتابه السابق ص (أ – جـ) من المقدمة، في معرض كلامه عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
سبب تأليفه كتابه ذلك حيث قال: (ولقد كان الدافع لهذا العمل، أن تلك الحقبة من تاريخ المسلمين، لا تزال في حاجة إلى دراسة واعية متأنية، يكون رائدها البحث عن الحقيقة التاريخية المجردة، مستقاة من أوثق مصادرها، وإلى كلمة حيادية منصفة، تقوم على تحليل الروايات، ومقارنة الحوادث، واستنطاق النصوص التاريخية، ذلك لأن معظم الكتابات المعاصرة - وهي كثيرة - التي تناولت هذا العصر: اتخذت موقفا معاديا للأمويين! معتمدة في ذلك على روايات خصومهم! أو آراء ذوي الهوى والميول من المؤرخين! فجاء تاريخ خلفائهم وولاتهم مشوها، يشوبه كثير من الزيف والتحريف، والبعد عن حقائق التاريخ، وقد تظافرت عدة عوامل أسهمت في ذلك التشويه، وصبغت عصر بني أمية بألوان قاتمة مظلمة، منها:
1 - أن معظم الأمويين، وقفوا من الرسالة المحمدية موقف العداء المطلق، وحملوا لواء معارضتها، وشن الحرب ضدها أكثر من عشرين عاما، ولم يدخلوا الإسلام، إلا عند فتح مكة سنة (8 هـ) .
ومع أنهم أسلموا، وحسن إسلامهم، إلا أن بعض خصومهم، استغلوا هذا الموقف، واتخذوا منه ذريعة للنيل منهم، والتشهير بهم.
2 - أن بني أمية، دخلوا في صراع سياسي مع آل البيت، منذ مقتل عثمان رضي الله عنه، فمالت عواطف كثير من المسلمين إلى آل البيت، نظرا لمكانتهم في نفوس الناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)