[فصل في رميه الحنابلة بالغلو في التكفير والإطراء مع تحذيرهم منهما والرد عليه]
فصل
في رميه الحنابلة بالغلو في التكفير والإطراء، مع تحذيرهم منهما، والرد عليه قال المالكي ص (134) : (وتجدهم يحذرون من الغلو، مع غلوهم في التكفير، وغلوهم في الثناء على علمائهم) اهـ كلام المالكي.
وأقول: ما مثال ذلك؟ وهل انفرد الحنابلة يوما بتكفير أحد لم يكفره السلف وأهل السنة؟! وإذا كان الحنابلة انفردوا بتكفير أحد، فمن هو؟! وما معتقده الذي كفره الحنابلة لأجله ولم يصيبوا؟!!
وقد ذكرت مرارا أن المالكي يلقي قوله دون دليل أو بينة أو مثال، وكأن كلامه قد أصبح دليلا يستدل به لا له، وكلامه هنا من هذا الباب.
وكان مما عاب المالكي به الحنابلة: تكفيرهم جملة من فرق المسلمين، وذكر منها المعتزلة، والرافضة.
وقدمت أن هاتين الطائفتين ومن وافقهما: مجمعون على جملة اعتقادات أجمع السلف على كفر فاعل آحادها، فكيف بها مجتمعة؟!!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
ومثلت لذلك بقولهم بخلق القرآن، وإنكار العلو، وإنكار الصفات، ونفي رؤية الله عز وجل في الآخرة، وغير ذلك.
وذكرت في "المقدمة الثالثة" أول الكتاب: إجماع السلف الصالح قاطبة على كفر الجهمية، القائلين بخلق القرآن وكفر كل من قال بذلك.
ومن أسلفنا داخلون في ذلك بلا ريب، فلم ينفرد الحنابلة بتكفير من ذكر، إن كان زعم إنفرادهم به.
وقد رمى المالكي الحنابلة بفريته السابقة ظلما، مع سلامتهم منها، وترك الرافضة وهم أوقع الناس فيها، فكفروا الشيخين أبا بكر، وعمر أفضل الأمة بعد نبيها وأتمها إيمانا، بل قد كفروا غالب الصحابة وفسقوا أكثر الباقين، إلا عليا وجماعة قليلين حتى آل البيت، الذين يزعمون حبهم وتوليهم لم يسلموا من هذا، فأدخلوا عبد الله، وعبيد الله ابني العباس بن عبد المطلب في ذلك، ونالوا من الحسن بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنه.
فأين المالكي عنهم؟!! يدافع ويذب عن المعتزلة والقدرية والرافضة أن لا يكفروا بالحق؟!! ويتركهم- هم- وقد كفروا الصحابة بالظلم؟!! بل قد كفروا الأمة كلها عداهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
[فصل في رميه أهل الفرق جميعا بأنهم متناقضون يأمرون أتباعهم باتباع السواد الأعظم عند تمكنهم]
فصل
في رميه أهل الفرق جميعا بأنهم متناقضون يأمرون أتباعهم باتباع السواد الأعظم عند تمكنهم،
فإذا كانوا قلة قالوا "طوبى للغرباء"!! وبيان مراده، والرد عليه قال المالكي ص (134) : (وتجد هذه الفرق والطوائف عند سيطرتها وكثرة أتباعها، تأمر أتباعها باتباع السواد الأعظم، وعدم مخالفة الأمة.
فإذا انتصر خصومهم، وأصبحوا سوادا أعظم، يأتي العقائديون ويقولون: "طوبى للغرباء، الذين يصلحون إذا فسد الناس"، فالجماعة ما وافق الحق، ولو كنت وحدك.) اهـ.
والجواب من ثلاثة وجوه: أحدها: أن السواد الأعظم، يراد به أحد أمرين كلام الأئمة:
. إما لزوم جماعة المسلمين، وإمامهم وإن كان جائرا ظالما، وعدم الخروج عليه، وشق عصا الطاعة.
. وإما الإجماع.
فالأول: لا يخالف فيه إلا الخوارج.
والثاني: لا يخالف فيه إلا صاحب قول منبوذ، شذ به عن الأمة، فخشي احتجاجهم عليه بالإجماع فأبطله، وقد قال سبحانه:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] .
ولم يستدل أهل السنة حنابلة وغيرهم على الحق – قط – بكثرة أتباعه، كيف لا؟! وهم يتلون قول الله تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116] وقوله جل وعلا: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] .
ولو اطرد هذا؛ لبطل دين الإسلام برمته، فإن الكفار والمشركين أكثر من المؤمنين، بل قد ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: يا آدم!
فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك.
فيقول: أخرج بعث النار.
قال: وما بعث النار؟
قال: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين.
فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد "
قالوا: يا رسول الله، وأينا ذلك الواحد؟
قال: "أبشروا، فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألفا ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
ثم قال: والذي نفسي بيده، إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة".
فكبرنا، فقال: "أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة".
فكبرنا، فقال: "أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة".
فكبرنا، فقال: "ما أنتم في الناس، إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء، في جلد ثور أسود» [خ (3348) و (6530) ، م (222) ] .
الوجه الثاني: متى كان الحنابلة أكثر من بقية أتباع المذاهب؟! وأي عصر ذاك؟! حتى أمر الحنابلة باتباع السواد الأعظم لذلك!!
وما زال الحنابلة قليلي العدد، من عهد أحمد إلى يومنا هذا، وإن كانوا في معتقدهم على معتقد سلف الأمة وخيارها.
وقد كانوا في صدر الإسلام الأول في عهد الصحابة، والتابعين، وأتباعهم سوادا أعظم.
فأئمة الهدى المتقدمون، هم سلف الحنابلة، لهذا إن أمر الحنابلة باتباع أئمة الإسلام قبل أحمد، لا يأمرونهم باتباع مذهب الإمام أحمد وأصحابه، وإن كانوا جميعا على معتقد واحد، إلا أن المتبوع أولى بالاتباع من التابع.
الوجه الثالث: أن الآمر بلزوم السواد الأعظم- على المراد الأول- هو النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث حذيفة رضي الله عنه، وفيه قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
حذيفة: ( «فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدرك الموت وأنت على ذلك» رواه البخاري، ومسلم [خ (8333) و (6557) ، م (3434] .
وهو صلى الله عليه وسلم قائل: «إن الدين بدأ غريبا، ويرجع غريبا، فطوبي للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس من بعدي من سنتي» رواه عنه الترمذي في "جامعه" (2630) ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح ".
فإن كان ثمة تناقضن في الأمرين- كما يزعم المالكي -: فمرده للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي. وهل يبقى لقائل هذا إسلام وإيمان؟! عياذا بالله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
[فصل في رميه للحنابلة بالتناقض في أمرهم بالوقوف عند حدود الشرع وعدم الزيادة عليه]
فصل
في رميه للحنابلة بالتناقض في أمرهم بالوقوف عند حدود الشرع، وعدم الزيادة عليه،
ثم يزيدون هم أمورا في المعتقد ليست فيه، والرد عليه قال المالكي ص (134) : (وتراهم يأمرون بالوقوف عند حدود النصوص الشرعية، وعدم الزيادة عليها، بينما هم يزيدون كثيرا من العقائد، ليست في الكتاب ولا السنة) اهـ كلام المالكي.
وأقول: أين مثال ذلك ودليله؟! أأعياه التمثيل له، ولو بمثال؟!
وإن كان يعني بهذه الزيادات التي زادها الحنابلة، وليست في كتاب الله، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما ذكره سابقا من وجوب الإيمان بالدجال، والمهدي، وحفظ حق الصحابة، والإمساك عفا شجر بينهم ونحوها، فهذه أمور قد أثبتها الشرع في الكتاب والسنة الصحيحة والمتواترة، كما أن الحنابلة لم ينفردوا بإيجاب الإيمان والأخذ بها، بل شاركهم كثير غيرهم، من أهل العلم والسنة، كما تقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
[فصل في رميه للحنابلة بالتناقض في تكفير الخصوم]
فصل
في رميه للحنابلة بالتناقض في تكفير الخصوم، فإذا كانوا ضعفاء حرموه وجعلوه من عقائد الخوارج،
وإذا قووا كفروا المسلمين، والرد عليه قال المالكي ص (134) : (وتراهم يعظمون تكفير المسلم، وأنه من عقائد الخوارج، وأنه لا يجوز. وهذا الورع عن التكفير، إنما هو عند ضعفهم!! فإذا قووا، لا يرقبون في مسلم إلا ولا ذمة) اهـ.
والجواب من وجهين: أحدهما: أن تكفير من ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام المعلومة المقررة: أصل من أصول الإسلام، أجمع على صحته- من حيث الأصل- المسلمون جميعا، باختلاف مذاهبهم، وتعدد طرائقهم، وليس من عقائد الخوارج، ولم ينفرد الخوارج بذلك، وبينا ذلك في "المقدمة الأولى" أول الكتاب.
أما ما انفرد به الخوارج، وإخوانهم المعتزلة والرافضة، هو تكفير المؤمنين، بالمعاصي والكبائر التي لا يكفر فاعلها، أو جعله- لأجلها- في منزلة بين منزلتين، وربما كفروهم بطاعات عظيمة ليست بمعاص، كتكفير الرافضة لأبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، وتكفير الخوارج لعثمان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
وعلي رضي الله عنهما، وتكفير المعتزلة وأضرابهم، لمعتقدي اعتقاد السلف الصالح رضي الله عنهم، وفي هذا يقول الإمام الكبير أبو عبد الله ابن قيم الجوزية في "الكافية الشافية":
وخصومنا قد كفرونا بالذي … هو غاية التوحيد والإيمان
الوجه الثاني: أن الحنابلة وأهل السنة جميعا، قد كانوا ضعفاء، تسلطت عليهم المعتزلة في عهد الخليفة العباسي المأمون، وأعملوا سيوفهم في رقابهم، وجلدوا ظهورهم، وسجنوهم، وآذوهم فعظم بلاؤهم: ولم يمنعهم ذلك أبدا، أن يكفروا المعتزلة، وجميع من قال بقولها بخلق القرآن.
بل قد كفر الإمام أحمد رضي الله عنه، بعض مجادليه من المعتزلة، في مجلس المعتصم، وأمام نظره وسمعه.
وتعاقب على تعذيب الإمام أحمد رضي الله عنه، ثلاثة خلفاء من بني العباس، وطال عذابه، وطال سجنه، فلم يختلف قوله الأول عن قوله الأخير، ولم يزده ذلك إلا ثباتا، ورفعة في الدارين.
فأي قوة كانت لأحمد حينذاك؟! وأي ظهور؟!!
وكذلك كان حال أتباعه من معاصريه، ومن بعدهم إلى "شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم وغيرهم، كانوا ضعفاء تسلط المبتدعة عليهم بالسلاطين، وسجنوا وأوذوا، وحصل لهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
ما هو معروف معلوم، فما حملهم هذا قط، على التبديل والتغيير، كما كان أتباع الأنبياء والرسل، قال سبحانه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
[فصل في رميه للحنابلة بالتناقض في نهيهم عن الاشتغال بما لم يشتغل به النبي صلى الله عليه وسلم]
فصل
في رميه للحنابلة بالتناقض في نهيهم عن الاشتغال بما لم يشتغل به النبي صلى الله عليه وسلم،
وهم يشتغلون بمضايق الاعتقادات، مما لم تعرف إلا عنهم كما يزعم، والرد عليه قال المالكي ص (134) : (وتراهم ينهون عن الاشتغال بأمر لم يشتغل به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، فإذا سنحت لهم الفرصة، أمروا الناس بمضايق من الاعتقادات، لم تخطر على بال صحابي، ولا تابعي مع مسميات وألقاب سموها هم وآباؤهم، ما أنزل الله بها من سلطان) اهـ.
والجواب من وجهين: أحدهما: مطالبة المالكي بمثال واحد فحسب، على صدق دعواه! وقد ذكرت في مواضع كثيرة، وسيأتي كثير أن المالكي يلقي اتهاماته الكاذبة دون دليل ولا بينة ولا حتى مثال، كما هو حال كلامه هنا؛ لعجزه عنه، ولو كذبا وتلبيسا.
الثاني: أن الحنابلة وأهل السنة عامة، شغلهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما دار في فلكهما، لم يدخلوا في منطق ولا فلسفة، بل يرون العلم في جهلهما، والجهل في علمهما، فمن أين تدخل عليهم ألفاظ ليست في الكتاب والسنة، وتخالفهما؟!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
[فصل في رميه الحنابلة بالتشدد في نقد وتضعيف الرجال المخالفين لهم]
فصل
في رميه الحنابلة بالتشدد في نقد وتضعيف الرجال المخالفين لهم، وإن كانوا أئمة،
والمبالغة في توثيق أتباعهم، وإن كانوا ضعفاء، والرد عليه قال المالكي ص (134) : (وتراهم يتشددون في نقد وتضعيف الرجال الذين لا يوافقونهم في شواذ العقائد، حتى وصل ذمهم للبخاري، ومسلم، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والكرابيسي، وابن الجعد، وأبي حنيفة، والحنفية.
فضلا عن تضعيف سائر الشيعة، متمسكين بعبارة نقلوها عن الشافعي في تكذيب الخطابية من الروافض، لأنهم يستحلون الكذب، فجعلها هؤلاء في كل الشيعة، ثقاتهم وضعفائهم!!
بينما يبالغون في توثيق أتباعهم، ولو كانوا ضعفاء، أو خفيفي الضبط، كما فعلوا في توثيق ابن بطة مثلا) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: كذب هذه المزاعم، كبقية مزاعمه السابقة، والآتية.
الثاني: مطالبته بذكر حنبلي واحد فقط ذم البخاري، أو مسلما، أو يحيى بن معين، أو علي بن المديني، ولن يجد.
وهؤلاء عند الحنابلة وأهل السنة حفاظ الإسلام وأعلامه الأعلام.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
قال الإمام أحمد في البخاري: "ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل البخاري " وعد أحمد الحفاظ أربعة، وذكره منهم.
أما يحيى بن معين: فقال فيه أحمد: "أعلمنا بالرجال: يحيى بن معين، وكل حديث لا يعرفه يحيى بن معين، فليس بحديث ".
وأما ابن المديني: فلم يكن أحمد يسميه، بل كان يكنيه تبجيلا له وتعظيما، وكان يقول فيه: "أحفظنا للطوال علي ".
أما علي بن الجعد: فثقة، وثقه يحيى بن معين، ولم يضعفه أحمد، ولا الحنابلة، وإنما نهى الإمام أحمد عن الجلوس إليه، والأخذ عنه، لتناوله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومجاهرته بذلك، فخشي أحمد أن يتأثر به من جلس إليه، أو أن يظهر أمره، ويفشو شره، إذا كثر سواده.
أما الكرابيسي: ففقيه، ليس عنده حديث، حتى يوثق أو يضعف، وكان صاحب بدعة.
وأما أبو حنيفة رحمه الله: فإمام، فقية، كبير، ذا رأي، ولم يعتن بالحديث كثيرا لهذا كان مقلا، وقد تكلم بعض الأئمة في حفظه، لذا لم يحتج به أهل الصحاح، لا الشيخان، ولا غيرهما.
إلا أن الترمذي روى له في "العلل" موضعا واحدا من قوله، لا من منقوله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
واختلف في حديث رواه النسائي في (سننه) ذكر فيه النعمان، فقال بعضهم: إنه أراد أبا حنيفة النعمان، وقال آخرون: لا، لم يرده، وأراد غيره.
الوجه الثالث: أن الحنابلة لم يضعفوا ثقات الشيعة كما زعم المالكي، بل قد وثق الإمام أحمد جماعة منهم، مع علمه بتشيعهم، وكذلك أصحابه رحمهم الله، منهم:
. سليمان بن قزم بن معاذ الضبي، قال فيه أحمد: " ما أرى به بأسا، لكنه يفرط في التشيع ".
. علي بن بذيمة الحراني، قال فيه أحمد: "صالح الحديث، لكنه رأس في التشيع ".
. سالم بن أبي حفصة العجلي، قال فيه أحمد: " ليس به بأسا، إلا أنه كان شيعيا".
. علي بن المبارك الهنائي، وثقه أحمد وقال: "قد كان يرمى بالتشيع ".
. فطر بن خليفة، قال فيه أحمد: "صالح الحديث، خشبي مفرط".
الوجه الرابع: إن الحنابلة وأهل السنة عامة، إن وثقوا أحدا أو ضعفوه في الرواية، فمرد ذاك إلى حفظه، وضبطه، وصدقه، وأمانته، لا لكونه حنبليا أو غير حنبلي.
وقد قدمت جملة ممن وثقهم الإمام أحمد وكانوا مبتدعة، وآخرين ضعفهم، وكانوا من أئمة السنة، كرواد بن الجراح، ونوح بن أبي مريم، وحماد بن سلمة وغيرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
أما تمثيل المالكي لمزاعمه السابقة، بابن بطة رحمه الله: فباطل، فإن ابن بطة - كما قدمنا - إمام كبير صاحب سنة واتباع، وفقه عظيم، أثنى عليه الأئمة لذلك، إلا أنهم لينوه- رحمه الله، ورحمهم- في حفظه.
وعلم الرجل، واتباعه، وفقهه، وورعه شيء، وحفظه، وإتقانه فيما يروي شيء آخر. ومن خلط بينهما: لم يخف فساد رأيه.
أما رميه لابن بطة بالكذب فحاشاه، وقد بينا فساده في فصل تقدم (ص 256 - 260) ، وأنه أجل من أن يدفع ذلك عنه رحمه الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
[فصل في رميه للحنابلة بأنهم لا يمدحون السلطان إلا إذا نصرهم]
فصل
في رميه للحنابلة بأنهم لا يمدحون السلطان إلا إذا نصرهم، ولو كان باغيا،
أما إذا آذى أحدهم، فيذمونه، ولو كان عادلا، وإبطال زعمه قال المالكي ص (134 - 135) : (وتراهم يذمون السلطان إذا آذى أحد أتباعهم، وأن هذا سلطان سوء وينسون كل فضائله، كما فعلوا بالمأمون، وكان من أعدل ملوك بني العباس، وكثرهم علما.
فماذا جاء سلطان آخر أظهر نصرتهم، يمدحونه بمبالغة، ولو كان مبتدعا ظالما كالمتوكل، بل ويبدعون ويضللون من يخالفه، ويرددون قواعد طاعة ولاة الأمور، وأن من لم يدع للإمام، فهو صاحب بدعة.) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن المالكي يلزمه ما يلزمنا، فإن كنا نمدح المتوكل، ونذم المأمون للمذهب، فهو قد مدح المأمون، وذم المتوكل للمذهب أيضا! غير أن مدحنا للمتوكل: كان لنصرته السنة، وإظهاره لها. وذمنا للمأمون: كان لابتداعه في الدين، وإدخاله علوم الفلاسفة الزنادقة على المسلمين، وحمله الناس على الكفر، وهو القول بخلق القرآن، وقتله أئمة الإسلام وحفاظه، وجلدهم وسجنهم، حين امتنعوا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
عن طاعته في الكفر.
أما مدح المالكي، للمأمون: فلفجوره وضلاله وبدعته. وذمه للمتوكل، فلاتباعه السنة ونصرتها، وقمع مخالفيها، وشدته على الرافضة.
الثاني: أن من المستقر عند أهل السنة جميعا- والحنابلة منهم-: السمع والطاعة لمن ولي أمر المسلمين، وعدم الخروج عليه، إلا إذا أتى بكفر بواح عندنا فيه من الله برهان، كما جاءت به السنة، وزال المانع عنه، بجهل أو شبهة، وكان مقدورا على ذلك، ولا يتسبب خروجهم عليه، بفتنة أعظم مما خروجوا لأجلها.
وهذا معلوم من مذهبهم، سواء كان الإمام محبا لهم مكرما، أم مبغضا لهم مناوئا.
لهذا، لم يأمر الإمام أحمد بالخروج على خلفاء بني العباس الذين سجنوه، وجلدوه، وحصل منهم له ما هو معلوم.
ولو كان سمعهم وطاعتهم للأئمة، معلقا بحظهم من الدنيا، أو بميل السلطان لهم ونحوه، لكان المأمون، والمعتصم، والواثق أولى الأئمة بالخروج والقتال وخلع البيعة.
وكذلك كان حال الحنابلة وأهل السنة جميعا، وحال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ومن سجن معه من تلاميذه مع سلاطين عصورهم، المناوئين لهم والساجنين، لم يدعوا أحد منهم للخروج على السلطان،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
أو منابذته بالسلاح، مع كثرة أتباعهم، ومحبيهم من عامة الناس وخاصتهم، وما أمر جنازة الإمام أحمد، ومن خرج فيها مشيعا باكيا، وجنازة شيخ الإسلام ابن تيمية، بخاف على أحد.
الثالث: أن الخليفة العباسي المأمون: لم يكن- كما زعم المالكي - ذا عدل وعلم جم، وإنما كان باغيا جائرا، سفك دماء العلماء المعصومة، وفتن الأمة، وأدخل الفلسفة في علوم المسلمين، بعد أن كانت سالمة منها، فضل وأضل.
فإن كان ظلم الحجاج وسيفه، غاية يضرب بها المثل في الظلم والشر، فلقد كان المأمون أطغى منه وأشر.
وكيف يقاس الحجاج، بالمأمون، وكان سيف الحجاج صلتا على الخوارج، والبغاة، وفي الجهاد، إلا أنه نال جماعات من الصالحين فاختلطت فيه دماء زكية بأخرى ردية. أما سيف المأمون فقد عصم منه كل زنديق ومبطل، ولم يرق إلا دماء علماء الأئمة، وكبار الأئمة؟!
وما نقم المأمون منهم، إلا ما نقمه من هم على شاكلته من المؤمنين، الذين قال فيهم جل وعلا: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8] .
قال الإمام الحافظ ابن كثير الشافعي، في "البداية والنهاية" (15 / 302) في ترجمته: (وقد كان فيه تشيع واعتزال، وجهل بالسنة الصحيحة) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
ثم قال: (وكان على مذهب الاعتزال؛ لأنه اجتمع بجماعة، منهم بشر بن غياث المريسي فخدعوه، وأخذ عنهم هذا المذهب الباطل.
وكان يحب العلم، ولم يكن له بصيرة نافذة فيه، فدخل عليه بسبب ذلك الداخل، وراج عنده الباطل ودعا إليه، وحمل الناس عليه قهرا، وذلك في آخر أيامه، وانقضاء دولته) اهـ كلامه رحمه الله.
فعدل المأمون الذي أراده المالكي:
هو سفك دماء العلماء الربانيين، الذين قيدوا من مشارق الأرض ومغاربها، ليقولوا كلمة الكفر، أو تضرب أعناقهم، و! ستباح حرمة دمائهم، ظلما وبغيا.
أما علم المأمون الذي أراده المالكي: فمجاهرته بالرفض والاعتزال، والتصريح بخلق القرآن، بل حمل الناس عليه بالسيف.
الوجه الرابع: أن الخليفة العباسي المتوكل، الذي جعله المالكي (مبتدعا ظالما) : كان إمام هدى، وسنة، وصلاح، وعدل، وخير، قال الحافظ خليفة بن خياط: (استخلف المتوكل فأظهر السنة، وتكلم بها في مجلسه، وكتب إلى الآفاق برفع المحنة، وبسط السنة، ونصر أهلها) " السير " للذهبي (12 / 32) .
وقال الذهبي رحمه الله في "سير أعلام النبلاء" أيضا (21 / 34) :
(وفي سنة 234 هـ أظهر المتوكل السنة، وزجر عن القول بخلق القرآن،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
وكتب بذلك إلى الأمصار، واستقدم المحدثين إلى سامراء، وأجزل صلاتهم، ورووا أحاديث الرؤية والصفات) اهـ.
قلت: وكانت مجالس الحديث تعقد في المساجد، ويحضرها عشرات الآلاف.
ثم قال الذهبي (12 / 36) : (وغضب المتوكل على أحمد بن أبي دؤاد، وصادره وسجن أصحابه، وحمل ستة عشر ألف درهم، وافتقر هو وآله) اهـ.
ثم أطلق المتوكل رحمه الله، من تبقى في السجون ممن امتنع من القول بخلق القران، وأنزلت عظام الإمام الحافظ الكبير أحمد بن نصر الخزاعي الشهيد، ودفنها أقاربه.
وذكر ابن كثير في ترجمته في "البداية والنهاية" (10 / 387) : أن المتوكل قال يوما لبعضهم: "إن الخلفاء تغضب على الرعية لتطيعها، وإني ألين لهم ليحبوني ويطيعوني ".
وقال ابن كثير أيضا رحمه الله: (وكان المتوكل محببا إلى رعيته، قائما في نصرة أهل السنة، وقد شبهه بعضهم بالصديق في قتله أهل الردة لأنه نصر الحق، ورده عليهم، حتى رجعوا إلى الدين، وبعمر بن عبد العزيز حين رد مظالم بني أمية.
وقد أظهر السنة بعد البدعة، وأخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها، فرحمه الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)