* وعمر بن عبد العزيز مع غيلان الدمشقي القدري وغيره.
* والأوزاعي مع بعض القدرية.
* والإمام أحمد وجماعات من الأئمة مع المعتزلة في خلق القرآن، وغيره.
* والدارمي مع بشر المريسي.
وغيرهم كثير لا يحصى، قال الحافظ ابن رجب في " جامع العلوم والحكم ": (قال كثير من أئمة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوا فقد كفروا) اهـ.
ولا تعارض بين هذه الأدلة والأقوال والأفعال المانعة من الجدال والمناظرة، والآمرة به، أو الآذنة.
وإنما المسألة فيها تفصيل، ذكره جملة من أهل العلم، فلا تجوز المناظرة والجدال إلا بتحقق شروط في المناظر، والخصم، والمكان.
فشرط المناظر: * أن لا يناظر إلا في حق.
* وأن يكون عالما عارفا بما يناظر فيه، متمكنا منه.
وشرط الخصم المناظر: * أن يعلم مناظره فيه الإنصاف، وطلب الحق، بحيث لو استبان له الحق رجع إليه، وترك ما هو فيه وعليه.
وشرط المكان المناظر فيه: * أن لا يكون عاما، إلا إذا ضمن أمرين:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
* أن لا يكون فيه من لو سمع شبه الخصم تعلق قلبه – لجهله - ببعضها، وربما لم يع، أو لا يعي، حجة المناظر له، فيهلك.
* وأن لا يكون الخصم مغمورا غير معروف، فإذا نوظر عرف وظهر أمره عند بعض المفتونين.
فإن كان كل من في المجلس ضالا، فإن اهتدوا، وإلا بقوا على ما هم عليه من الضلال، فلا بأس بالمناظرة فيه على عمومه.
ومدار الحكم تحقق المصلحة، ولو مع تخلف بعض هذه الشروط، فإن ظن تحقق مصلحة راجحة، مع تخلف أحد هذه الشروط، روعيت المصلحة، وترك الشرط، كأن تعلم مكابرة الخصم، وعدم رجوعه للحق، ولو قامت عليه الحجة، أو ملاججته في باطل، يعلم - دون مناظرة - بطلانه، إلا أن المناظر أراد إرغامه وتصغيره أمام أتباعه، آملا في هدايتهم، وطلبا لنجاتهم، كما ناظر موسى عليه السلام فرعون، وفرعون يعلم بطلان ما هو عليه، لهذا قال الله عنه وعن قومه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] ، إلا أن ما يرجوه موسى عليه السلام من المصلحة تحقق، فآمن له السحرة، وزوجة فرعون، وكثير من أتباعه.
ومن نظر في كلام السلف في نهيهم وأمرهم ومنعهم وتجويزهم، رأى أن مدار ذلك كله على ما سبق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
وهكذا كان منع الحنابلة وتجويزهم، ونهيهم وأمرهم، ولم يكن سببه ما زعمه المالكي من ضعف الحجة والدليل، فإنهم ظاهرون بالحجة على جميع من ناظرهم وجادلهم، وحسبك مناظرتهم مع المعتزلة في خلق القرآن وغيرها، ومناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية لخصومه وغيرهم.
الوجه الثالث: مطالبته بدليل صحة قوله: " بينما يعلمون العوام مصطلحات مستحدثة من علم الكلام "، أو مثاله، وأنى له بذلك؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
[فصل في زعم المالكي أن سبب تحريم الحنابلة لعلم الكلام هو عدم معرفتهم لوظيفته]
فصل
في زعم المالكي أن سبب تحريم الحنابلة لعلم الكلام هو عدم معرفتهم
لوظيفته، وعدم فهمهم لحجج خصومهم، والرد عليه قال المالكي ص (137) : (ويحسن أن أسرد هنا نموذجا للحوار معهم في جدوى علم الكلام للإمام أبي الحسن الأشعري، وكان يرد على غلاة الحنابلة في عصره، الذين يحرمون علم الكلام، نتيجة عدم فهمهم لوظيفة علم الكلام نفسه، أو عدم فهمهم لحجج الآخرين من المعتزلة، وأصحاب الأشعري والكلابية وغيرهم) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن السلف قاطبة كانوا ينهون عن علم الكلام قبل الإمام أحمد وأصحابه وبعدهم، وسبق تقرير ذلك، فلا معنى لتخصيصهم.
والثاني: أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وكان السلف وأهل السنة جميعا رحمهم الله أتم الناس علما وورعا وفقها، لذا كان حكمهم في علم الكلام وغيره حقا وصدقا وعدلا.
الثالث: أن سبب تأليف اليونانيين لكتب الفلسفة والمنطق وكتب الكلام هو غياب الوحي عنهم، وحاجتهم إلى معرفة الغيبيات وأمور
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
كثيرة لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي.
فحاول كبارهم الوصول إليها بعقولهم، وخافوا من زللها في تصوراتها، فوضعوا موازين وقواعد تعصم أذهانهم وعقولهم بزعمهم من الخطأ، ليجزموا بصحة ما وصلوا إليه.
فقدموا لما جهلوا أو أرادوا إثباته بمقدمات مسلمة ضرورة، ليصلوا إلى نتيجة مجهولة أو متنازع فيها، وما زادتهم تلك القواعد إلا ضياعا وضلالا في باب الإلهيات، والغيبيات عامة.
فإذا كانت هذه وظيفة علم الكلام، أيطلبه رجل قد رضي بالله تعالى ربا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، وبالإسلام دينا، قد صدق بما جاء عن الله في كتابه الكريم، وما قاله نبيه صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين؟
لا والله، ولكن لما كان أولئك الضلال المبتدعة جهمية ومعتزلة ونحوهم شكاكا ذوي ريبة تختلج وتتلجلج في صدورهم، وتحشرجهم في نحورهم، عمدوا إليه عطاشى، فشربوا منه شرب الهيم، فما زادهم إلا عطشا، فلهذا تجدهم أجهل الناس بالكتاب والسنة وعلومها.
وزاد جهلهم بهما: طلبهم ما يناقضهما، ويعارضهما، فزادوا على الشر شرا أعظم منه، ولما بلغوا غايتهم فيه، وقضوا تهمتهم منه إذا بشكهم قد زاد، وما كان عندهم من إيمان قليل - قبل ولوجهم في علم الكلام - قد زال.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
فكم أريقت دموع مخذول تحير في الحق، لا يدري بما يورد وبما يصدر، وكم تفوه آخر بالحسرات والعبرات، وحسد العجائز وذوي الجهالات لسلامة قلوبهم، وطهارة أنفسهم، وسأل الله إيمانا كإيمانهم بعد بلوغه في علم الكلام ما بلغ.
وقد قدمت في فصل سابق أقوال جماعة من كبار المتكلمين وأئمتهم، يتحسرون ويتندمون على دخولهم فيه، فهل يتمنى مؤمن ذلك أو يسعى إليه؟ حاشا لله.
الوجه الرابع: أن زعم المالكي أن الحنابلة - ومراده السلف جميعا - لم يفهموا حجج الآخرين من المعتزلة والكلابية والأشاعرة باطل إجماعا، غير صحيح.
بل إن مراد المعتزلة وغيرهم من المبتدعة في حججهم ظاهر بين، لا يحتاج إلى مزيد إيضاح، وهو كفر وردة عن الإسلام، ومحادة له، فإن أبى إلا قوله فليبين لنا مراد قومه المعتزلة من حججهم التي لم يفهمها السلف.
وكتب السلف رحمهم الله ومن بعدهم بين أيدينا، وأقوالهم - وهي لا تحصى - مدونة عندنا، تدل على معرفتهم التامة بحجج المخالفين ومرادهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
وحجج الأئمة في نقض شبهات أولئك الضلال تدل عليه كذلك.
ولو سلمنا للمالكي - ولا نسلم - أن أحد أئمة السلف أو العلماء قد خفي عنه مقصد أولئك الضلال، أو غاب عنه فهمه لحجتهم، فكفرهم بأقوالهم تلك، أفيشمل ذلك الجهل بحجة الخصم، وفهمها السلف جميعا، وأهل السنة قاطبة بعدهم، فيجمعون على كفر أولئك، وهم لم يفهموا مرادهم؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
[فصل في إيراد المالكي رسالة لأبي الحسن الأشعري في استحسان علم الكلام]
فصل
في إيراد المالكي رسالة لأبي الحسن الأشعري في " استحسان علم
الكلام " صنفها قبل رجوعه إلى السنة، ونقضها ثم ذكر المالكي رسالة أبي الحسن الأشعري في " استحسان الخوض في علم الكلام " ليبين للمخالف المحرم للكلام حسن تعلمه، وبعد الصواب عن محرمه. وجواب هذا مجمل ومفصل، أما المجمل فمن وجهين: أحدهما: أن هذه الرسالة صنفها الأشعري قبل رجوعه إلى السنة، عندما كان معتزليا، وقد رجع عنها، وعن كل ما كتبه في الاعتزال، ودان الله عز وجل بعقيدة إمام المسلمين أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ذكر ذلك في رسالته الشهيرة " الإبانة ".
بل خالف الأشعري المتكلمين وأضرابهم بعد رجوعه إلى السنة، ونقض كثيرا من أصولهم في رسالته " الإبانة " و " رسالته إلى أهل الثغر "، وغيرها.
الثاني: أن مخالفة أبي الحسن الأشعري لأئمة الإسلام والسنة لا تضر ما أجمعوا عليه، ولا تغير حكمه، وإنما هي مردودة عليه، لا قيمة لها، ولا حظ لها من النظر، ولا من الاعتبار، وقد قدمنا أنه قد رجع عنها، فالحمد لله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
[فصل في الجواب المفصل على رسالة أبي الحسن الأشعري في استحسان الخوض في علم الكلام]
فصل
في الجواب المفصل على رسالة أبي الحسن الأشعري في
" استحسان الخوض في علم الكلام " قال المالكي ص (137) : (يقول أبو الحسن الأشعري في رسالته في " استحسان الخوض في علم الكلام " يرد على الحنابلة: " إن طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين، ومالوا إلى التخفيف والتقليد، وطعنوا على من فتش عن أصول الدين، ونسبوه إلى الضلال ") اهـ كلامه.
والجواب: أن الأمر في الاعتقاد مبني على التسليم والاتباع، وهذا مقرر عند أهل السنة والجماعة، بالكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، ومن جاء بعدهم من الأئمة.
وهذا ما يسميه المتبدعة تقليدا، ويعيبون أهل السنة به، لجعلهم الوحيين مصدرا للعقيدة دون تحكيم العقل فيها، وأمور الغيب عامة لا يمكن إدراكها بالعقل قط، بل إن غاية إدراك العقل لما غاب عن الإنسان من أمور الدنيا، أو شيء منها، ظني لا يفيد العلم، ولا حتى العلم المقارب، فكيف بما غاب عنه من أمور
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
الآخرة ونحوها؟
فلا يحكم العقل في ذلك، أو يصحح حكمه فيها، إلا ناقص عقل، أو من لا عقل له، ولو كان في العقول كفاية، أو نوع كفاية، لما كان الخلق في حاجة للرسل، ولما أرسل الله سبحانه رسله إلى عباده.
ولو كانت كافية لما ضلت اليونان، وهم أهل العقل وعلومه، بل إن ضلال اليونانين في هذه الأبواب أعظم من ضلال غيرهم، لهذا تجد أن جميع أهل الملل والنحل باختلافها أقرب إلى الهداية، وأكثر طلبا لها من اليونانين فلاسفة ومناطقة.
حتى من آمن منهم، إيمانه مذبذب، على شفا جرف هار، تجده قليل عبادة، وضعيف ديانة وصلاح واستقامة وزهد وورع، بل ربما كان خلوا منها كلها أو أكثرها.
ومنهم من لم يدخل في الإسلام إلا مكيدة به وبأهله، فما حصل منهم في عهد المأمون وقبله وبعده من تفرق المسلمين إلى اليوم شيء كبير عريض، لو اجتمعت جيوش الكفر لفعله لما استطاعت، ولكن مكر الليل والنهار.
ومن طالع تراجم المتكلمين لم يجد أحدا منهم يسلم من طامة أو بلية، بل هم في ذلك بين مكثر ومقل، عياذا بالله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
ومن لم يشفه الوحي في معرفة أصول الدين فلا شفاه الله، ومن لم يعرفه به فكيف وبم يعرفه؟
ثم ذكر المالكي قول الأشعري: (وزعموا أن الكلام في الحركة، والسكون، والجسم، والعرض، والألوان، والأكوان، والجزء، والطفرة، وصفات الباري عز وجل، بدعة وضلالة) اهـ كلامه.
والجواب: أن هذا حق، فإن تحكيم العقل في صفات الله جل وعلا الذاتية والفعلية، وما يجوز عليه سبحانه، وما يمتنع، بمنأى عن الوحي، بل مع معارضته منكر عظيم، بل كفر وردة عن الإسلام.
لهذا تجد عقائد المتكلمين تخالف صريح القرآن وصحيح السنة مخالفة ظاهرة، لا يمكن الجمع بينهما، وتخالف اعتقاد المسلمين في الصدر الأول، وما تلاه من أهل القرون الفاضلة المفضلة، وما عليه أهل السنة جميعا بعد ذلك.
غير أن بعد المتكلمين من الحق وقربهم منه: بقدر حظهم من علم الكلام، فمن زاد علمه به زاد بعده عن الحق، والله المستعان.
ثم أورد المالكي ص (137 - 138) قول الأشعري، وهو يذكر حجج أهل السنة في إبطال علم الكلام:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 334)
(1- وقالوا:
لو كان هدى ورشادا لتكلم فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلفاؤه وأصحابه.
2 - قالوا:
ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يمت حتى تكلم في كل ما يحتاج إليه من أمور الدين، وبينه بيانا شافيا، ولم يترك بعده لأحد مقالا فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم، وما يقربهم إلى الله عز وجل، ويباعدهم عن سخطه.
فلما لم يرووا عنه الكلام في شيء مما ذكرناه علمنا أن الكلام فيه بدعة، والبحث عنه ضلالة؛ لأنه لو كان خيرا لما فات النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، ولتكلموا فيه.
3 - قالوا:
ولأنه ليس يخلو ذلك من وجهين:
* إما أن يكونوا علموه فسكتوا عنه.
* أو لم يعلموه، بل جهلوه.
فإن كانوا علموه ولم يتكلموا فيه وسعنا أيضا نحن السكوت عنه كما وسعهم السكوت عنه، ووسعنا ترك الخوض فيه كما وسعهم ترك الخوض فيه؛ لأنه لو كان من الدين ما وسعهم السكوت عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
وإن كانوا لم يعملوه وسعنا جهله كما وسع أولئك جهله؛ لأنه لو كان من الدين لم يجهلوه.
فعلى كلا الوجهين الكلام فيه بدعة، والخوض فيه ضلالة.
فهذه جملة ما احتجوا به في ترك النظر في الأصول) اهـ كلامه.
وأقول: هذه حجج قوية، دافعة لكل شبهة وبدعة، وهي حجج تبطل كل بدعة وضلالة، سواء كانت علم الكلام أم خلق القرآن أم غير ذلك، كما أن لهم في رد علم الكلام حججا أخرى لم يذكرها الأشعري، قد ذكرنا طرفا منها في مواضع تقدمت.
ثم قال المالكي ص (138) : (ثم أخذ أبو الحسن الأشعري في الرد قائلا: " الجواب عن الكلام السابق من ثلاثة أوجه:
أحدها: قلب السؤال عليهم، بأن يقال: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل أيضا: " إنه من بحث عن ذلك، وتكلم فيه، فاجعلوه مبتدعا ضالا "، فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضلالا، إذ تكلمتم في شيء لم يتكلم فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم) اهـ كلامه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
وجواب هذا الوجه يسير من ثلاثة وجوه: أحدها: أن الكلام في أسماء الله وصفاته وأمور الغيب عامة توقيفي، لا يجوز أن يزاد فيها أو ينقص منها إلا عن طريق الوحي، فمن تكلم في هذا الباب من غير توقيف كان مخطئا، ولو قدر أنه أصاب؛ لتكلمه فيه من غير طريق الوحي، فإذا تقرر هذا فالكلام في هذا الباب بعلم الكلام فاسد باطل.
الثاني: أن علم الكلام وكتبه كتب المنطق والفلسفة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى يخصها بشيء، إلا أن علم الكلام قد احتوى على مسائل كثيرة وعظيمة، قد حذر النبي صلى الله عليه وسلم وشدد في آحادها، فكيف بها مجتمعة؟ كرد القرآن أو السنة بالرأي، أو ضرب بعضه ببعض، أو التشكيك في حكمه بمتشابهه، أو الكلام في الدين بالرأي، مع ما احتواه علم الكلام من مخالفة لكلام الله عز وجل، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا كاف في معرفة حكم الشارع فيه.
الثالث: أن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ساروا على ما سار عليه نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلما طرأ علم الكلام ودخل على المسلمين ضج أئمة الإسلام وعلماؤهم بإبطاله، وتحريمه، ورده، والتحذير منه، ومن أهله، وتكفير كثير من منتحليه لفساد عقائدهم، وقد تقدم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
ثم أورد المالكي الوجه الثاني لجواب أبي الحسن الأشعري على أهل السنة فقال: (والجواب الثاني: أن يقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يجهل شيئا مما ذكرتموه من الكلام في الجسم والعرض، والحركة والسكون، والجزء والطفرة، وإن لم يتكلم في كل واحد من ذلك كلاما معينا، وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة، غير أن هذه الأشياء التي ذكرتموها معينة أصولها، موجودة في القرآن والسنة جملة غير مفصلة) اهـ كلامه.
والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: أنه إذا كان أصل هذه الألفاظ موجودا في القرآن والسنة فلم الإعراض عنها، واستبدال عباراتهما بعبارات المتكلمين والفلاسفة اليونان؟
الثاني: أنا لو سلمنا - ولا نسلم - أن أصل هذه الألفاظ في الكتاب والسنة فقد تضمنت أمورا زائدة على أصلها، أو نقصت عنه، فهي غير موافقة، فيبقى حكم ذلك القدر الزائد مردودا، يحتاج دليلا لإثباته.
الثالث: أن غالب تلك الألفاظ محادة لما جاء عن الله جل وعلا، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، مناقضة لهما، فكيف يكون أصلها في الكتاب والسنة؟ معاذ الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)
فإن المتكلمين يقولون: إن الحركة والسكون من صفات المخلوقات، لهذا لا تجوز في حق الله عز وجل، ثم يبطلون بذلك جميع صفات الله سبحانه الفعلية، وهذا باطل فاسد، مخالف بالكتاب والسنة والإجماع، وللمتكلمين غير ذلك مما لا يستساغ ذكره.
ثم قال الأشعري: (أما الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجود في القرآن، وهما يدلان على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق، قال الله تعالى، مخبرا عن خليله إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه، في قصة أفول الكواكب والشمس والقمر، وتحركهما من مكان إلى مكان، ما دل على أن ربه عز وجل، لا يجوز عليه شيء من ذلك، وأن من جاز عليه الأفول والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله) اهـ كلامه.
والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: أن في هذا الكلام السابق محادة ومخالفة ومعارضة لما في الكتاب والسنة، وتحريفا لكلام الله عز وجل عن مواضعه، وهذا مصداق ما قدمنا قريبا.
الثاني: أن قول إبراهيم عليه السلام دال على خلاف ما استدل به الأشعري، فإنه عليه السلام لم ينكر حركة هذه الكواكب، وإنما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
أنكر أفولها، وغياب سلطانها بعد ظهوره، وهذا يدل على جواز الحركة والظهور، لا انتفائه.
قال سبحانه وتعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ - فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ - فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 76 - 78] .
الثالث: أن الكتاب والسنة قد دلا على ثبوت الصفات الفعلية لله جل وعلا، كصفة المجيء والنزول وغيرها، التي أنكرتها المعتزلة، وسبق إنكارها في كلام الأشعري المتقدم، ومن ذلك:
* قوله تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا - وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 21 - 22] .
* وقال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ} [البقرة: 210] .
* وقال عز وجل: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] .
وروى الإمام مالك في " الموطأ " عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل الله عز وجل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» ،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
وهذا حديث صحيح مخرج في " الصحيحين " [خ (1145) و (6321) و (7494) عن القعنبي وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي وإسماعيل بن أبي أويس كلهم عن مالك، م (758) عن يحيى بن يحيى عن مالك به] .
قال عباد بن العوام: (قدم علينا شريك بن عبد الله منذ نحو من خمسين سنة، قال: فقلت له: يا أبا عبد الله إن عندنا قوما من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث - يعني حديث النزول السابق - قال: فحدثني بنحو من عشرة أحاديث في هذا، وقال: " أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم عمن أخذوا؟ ") .
ثم قال الأشعري ص (139) : (أما الكلام في أصول التوحيد فمأخوذ أيضا من الكتاب، قال الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، وهذا الكلام موجز منبه على الحجة، بأنه واحد لا شريك له) اهـ.
والجواب:
أن أهل الكلام يظنون أن أصل التوحيد ومرجعه هو توحيد الربوبية، وهو الذي أرسلت به الرسل، ونزلت في بيانه الكتب، والحق في هذا أن الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم بعثوا بأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية - وهو توحيد العبادة - وتوحيد الأسماء والصفات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
ولم ينازع المشركون وغالب أقوام المرسلين في الأمم كلها في توحيد الربوبية، وإنما كان نزاعهم في توحيد الألوهية، قال الإمام القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الدمشقي (ت 792 هـ) في " شرح الطحاوية " (1 / 28- 29) : (وكثير من أهل النظر يزعمون أن دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] لاعتقادهم أن توحيد الربوبية، الذي قرروه هو توحيد الألوهية الذي بينه القرآن، ودعت إليه الرسل عليهم السلام.
وليس الأمر كذلك، بل التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الألوهية، المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25] ، {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [المؤمنون: 84 - 85] ، ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم) اهـ.
ثم قال المالكي ص (140) : (ثم أطال الأشعري الكلام على هذه المسألة في نحو خمس صفحات، ثم قال: " يقال لهم: النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصح عنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
حديث في أن القرآن غير مخلوق، أو هو مخلوق، فلم قلتم إنه غير مخلوق؟ ".
فإن قالوا: قاله بعض الصحابة، وبعض التابعين، قيل لهم: يلزم الصحابي والتابعي مثل ما يلزمكم من أن يكون مبتدعا ضالا، إذ قال ما لم يقله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإن قال قائل: فأنا أتوقف في ذلك، فلا أقول مخلوق، ولا غير مخلوق، قيل له: أنت في توقفك ذلك مبتدع ضال؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل: إن حدثت هذه الحادثة بعدي توقفوا فيها، ولا تقولوا فيها شيئا، ولا قال: ضللوا، وكفروا من قال بخلقه، أو من قال بنفي خلقه.) اهـ كلامه.
والجواب: أن الله عز وجل قد قبض نبيه صلى الله عليه وسلم بعد أن أكمل الدين، وأتم الشريعة، فقال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (لقد مات النبي صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه إلا وعندنا منه خبر) .
ولما قال المشركون لسلمان الفارسي رضي الله عنه: «قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)