[فصل في زعم المالكي أن من صفات الحنابلة ذم المناظرة والحوار لعدم قدرتهم عليه]
فصل
في زعم المالكي أن من صفات الحنابلة ذم المناظرة والحوار لعدم
قدرتهم عليه، والرد عليه ثم قال المالكي ص (162) في سياقه صفات الحنابلة: - ذم المناظرة والحوار: الحوار والمناظرة كانت سائدة عند المعتزلة، وبحوارهم ومجادلتهم جلبوا لجمهورهم كثيرا من الناس، ويبدو أنه لما رأى الحنابلة هذا الأمر قد تفاقم، وأنهم لا يستطيعون مناظرة المعتزلة، قالوا بتحريم ذلك من باب ردة الفعل فقط، فقط.
مع أن الله عز وجل في القرآن الكريم يأمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بطلب البراهين من الكفار {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 64] ، وهذه البراهين التي يطلبها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الكفار ليست في أمر هين من الأمور التي يتحدث عنها البربهاري، بل إنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يطلب البرهان على أن لله شريكا يستحق العبادة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
فإذا جاز طلب البرهان من المخالف على أن لله شريكا فمن باب أولى جواز طلب البراهين على أمور أقل أهمية، كالتي تختلف فيها الطوائف الإسلامية من قضايا الإيمانيات أو الأحكام.
والجدل المذموم إنما هو الجدل الذي لا يطلب صاحبه الحقيقة، وإنما يريد المغالبة والمكابرة، أما إن أعلن الطرف الآخر أنه يريد الحق، وجعل البحث العلمي هو السبيل الأمثل لحل المسائل المختلف فيها فقد أنصف، وتجب أو تستحب محاورته ومجادلته) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن المعتزلة كانت ذليلة منبوذة، لا يسمع لهم، ولا يجلس إليهم، لا من العامة، ولا من الخاصة، لا في عهد الإمام أحمد رحمه الله، ولا في عهد من قبله من التابعين وأتباعهم.
وكان الظهور والسواد والمحبة والأتباع والنصرة لأهل السنة، لذا لم يتمكن المعتزلة من نشر ضلالهم إلا بسيف المأمون، وحمل الناس عليه قسرا، فقتل العلماء - قتله الله - وأضل العامة، فأين البحث العلمي والمناظرة والحوار المراد منه الحق؟
ومع ذلك كله، وتعاقب ثلاثة خلفاء عليه، لم يتمكن المعتزلة من نشر ضلالهم، ولا ترويج بدعهم، وما إن انتهت المحنة إلا وعاد الناس لحضور مجالس علمائهم المتبعين الصادقين، ومنابذة المعتزلة المبتدعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
الملحدين، فأين ذلك الجمهور المزعوم للمعتزلة في ذلك الوقت والحين؟
الوجه الثاني: أن مناظرة أئمة السنة - حنابلة وغيرهم - للمعتزلة مشهورة، قد امتلأت بها الطروس والطباق في مجلس المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق بالله، وقبل ذلك وبعده.
وكذلك إفحام أئمة الإسلام للمعتزلة، وخروجهم حيارى مخذولين، فمتى غلبت المعتزلة أهل السنة في المناظرات؟ وأين؟
الثالث: أن الحنابلة لم ينفردوا بتحريم مناظرة أهل البدع وجدالهم، بل قد حرمه أئمة الإسلام السابقون من التابعين فمن بعدهم، قال أبو قلابة رحمه الله: (لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم) .
وقال الحسن البصري، ومحمد بن سيرين: (لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم) .
وقال البغوي (ت 510 هـ) رحمه الله في " شرح السنة " (1 / 216) : (واتفق علماء السلف من أهل السنة على النهي عن الجدال والخصومات في الصفات، وعلى الزجر عن الخوض في علم الكلام وتعلمه) اهـ.
وعقد جملة من الأئمة أبوابا في بعض مصنفاتهم لذمه والتحذير منه كالآجري في " الشريعة "، وابن بطة في " الإبانة الكبرى "،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
واللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة "، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله "، وأبي القاسم التيمي في " الحجة في بيان المحجة "، وغيرهم.
وقد ذكرنا هذا بنوع تفصيل في فصل سابق (ص 318 - 322) ، فلم خص المالكي الحنابلة بهذا وهو أمر عام عند السلف قبلهم؟
الرابع: أن الحوار والمناظرة والجدل في حكمها تفصيل، فتحل في حال، وتحرم في أحوال، وقد قدمت ذلك أيضا، فليرجع إليه من شاء.
الخامس: أن ما كانت تجادل فيه المعتزلة والمبتدعة عامة أهل السنة أمور عظام تخرج من الإسلام، وتولج في الكفر، كقولهم بخلق القرآن، وتعطيل الصفات وغيرها، وهذا بإجماع أئمة الإسلام، كما تقدم في غير موضع، فليس نزاعنا وجدالنا معهم في أمور هينة كما زعم المالكي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة التزهيد في التحاكم إلى القرآن الكريم]
فصل
في زعمه أن من صفات الحنابلة التزهيد في التحاكم إلى القرآن الكريم،
مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرجال، والرد عليه قال المالكي ص (164) في سياقه صفات الحنابلة بزعمه: (- التزهيد في التحاكم إلى القرآن الكريم، مع المبالغة في الأخذ بأقوال الرجال
القرآن الكريم أعلى مصدر تشريعي عند المسلمين، فقد اختلف المسلمون في ثبوت السنة، وفي الإجماع، وفي القياس، وفي قول الصحابي، وفي غير ذلك، لكن لم يختلفوا أن القرآن الكريم هو المصدر الرئيس الشرعي في كل أمر من الأمور الدينية، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء: 59] ، ففي الآية تحذير للمسلم بأن من لم يرض بالتحاكم إلى الله والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه يقدح في إيمانه بالله واليوم والآخر) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أنا إذا قبلنا جنس الخلاف وعددناه خلافا معتبرا لم يسلم لنا حتى القرآن، فإن الرافضة مجمعة على تحريفه وئقصه، وقد جمع الطبرسي روايات الشيعة وأقوالهم في كتاب ضخم سماه " فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب " ساق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
فيه أكثر من ألفي رواية في ذلك، وقد وقفت عليه.
بل جعل أبو الحسن العاملي - وهو أحد كبار أئمتهم - القول بتحريف القرآن ونقصه من ضروريات مذهب الشيعة، فقال: (وعندي في وضوح صحة هذا القول بعد تتبع الأخبار، وتفحص الآثار، بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وأنه من أكبر مقاصد غصب الخلافة) اهـ كلام العاملي.
فإذا تقرر هذا فاعلم أن المعتبر من الخلاف خلاف أئمة الإسلام وعلماء السنة، لا أئمة الضلالة والبدعة، وإلا لربما ارتقى الخلاف بهؤلاء إلى الإسلام كله، إذا اعتبروا خلاف اليهود والنصارى، وملل الكفر الباقية.
الثاني: أن من نازع في قبول السنة رد القرآن لأمره بالأخذ بها، ومرق من الدين، قال سبحانه: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] ، وقال جل وعلا: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .
والرد إليه صلى الله عليه وسلم في حياته بسؤاله، والوقوف عند جوابه، والرد إليه صلى الله عليه وسلم بعد مماته إلى سنته، كما قال بذلك أئمة المسلمين، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: " من رد السنة كفر ".
ووجوب الأخذ بالسنة، وأنها وحي تحرم مخالفتها إذا صحت وثبتت، ولم تكن منسوخة، محل إجماع، فمن ردها فقد كفر،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
وقد صنف الجلال السيوطي (ت 911 هـ) رحمه الله رسالة شهيرة سماها " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة " في وجوب الاحتجاج بها وكفر المخالف، قال الجلال السيوطي رحمه الله في مقدمته بعد الحمدلة: (اعلموا - يرحمكم الله - أن من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة، وإن مما فاح ريحه في هذا الزمان، وكان دارسا - بحمد الله تعالى - منذ أزمان، وهو أن قائلا رافضيا زنديقا أكثر في كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية - زادها الله علوا وشرفا - لا يحتج بها، وأن الحجة في القرآن خاصة.
وأورد على ذلك حديث: «ما جاءكم عني من حديث فاعرضوه على القرآن، فإن وجدتم له أصلا فخذوا به، وإلا فردوه» ، هكذا سمعت هذا الكلام بجملته منه، وسمعه منه خلائق غيري، فمنهم من لا يلقي لذلك بالا، ومنهم من لا يعرف أصل هذا الكلام، ولا من أين جاء، فأردت أن أوضح للناس أصل ذلك، وأبين بطلانه، وأنه من أعظم المهالك.
فاعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي صلى الله عليه وسلم قولا كان أو فعلا - بشرطه المعروف في الأصول - حجة كفر، وخرج عن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء الله من فرق الكفرة) اهـ كلامه.
وبقية كلامه، بل جميع كتابه رحمه الله مهم، نافع غاية النفع، مبين حكم هؤلاء المردة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
[فصل في سبب تزهيد الحنابلة في القرآن]
فصل
في سبب تزهيد الحنابلة في القرآن، وأن خصومهم أكثر تعظيما منهم له
عند المالكي، وبيان كذبه، والرد عليه ثم قال المالكي ص (164) : (وكان المخالفون للحنابلة أكثر تعظيما للقرآن، واستدلالا به منهم، فلما رأى الحنابلة ذلك، وأن القرآن الكريم تستدل به الطوائف المبتدعة لجئوا إلى التزهيد من التحاكم إلى القرآن الكريم، مع تضخيم الآثار، والأقوال المنسوبة لبعض التابعين أو العلماء.
بل بدعوا من يعود إلى القرآن الكريم، وقدموا عليه أقوال الرجال، يقول البربهاري: " إذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده، ويريد القرآن، فلا شك أنه رجل قد احتوى على الزندقة، فقم من عنده ودعه ") اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن مراد أئمة الإسلام بهذا ونحوه كقول البربهاري رحمه الله وغيره أمران:
1 - أن يرد الخصم السنة، ولا يحتج بها، ولا يقبلها، ولا يريد إلا القرآن فحسب،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
وهذا قد قدمنا بيان كفره، وأن من قبل القرآن ورد السنة الصحيحة فهو كافر، والواجب قبولها.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الفئة المارقة فقال: «يوشك أن يقعد الرجل على أريكته، ويحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدناه فيه حلالا استحللناه، وما وجدناه حراما حرمنا، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله» ، رواه الإمام أحمد في " مسنده " (4 / 132) ، والدارمي (592) ، والترمذي (2664) وابن ماجه (12) ، والحاكم (1 / 109) ، وجماعة، من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه.
2 - أن يستدل على الخصم بالقرآن، وتكون الآية ذات وجوه ومحامل، فيبين للخصم المراد منها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو آثار أصحابه وتابعيهم، فلا يقبلها، ويردها، يريد حمل القرآن على عقله وهواه.
ولا يقصد أئمة الإسلام غير هذين الأمرين، وهما ظاهران، وقد ساق الأئمة حنابلة وغيرهم كالدارمي في " السنة "، والبربهاري في " شرح السنة "، والآجري في " الشريعة "، واللالكائي في " السنة "، والبيهقي، وابن عبد البر في " جامع العلم "، والخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه " وفي غيره، والسيوطي في " مفتاح الجنة " عشرات الآثار في هذا الباب عن بعض الصحابة، وجماعة من التابعين، ومن بعدهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
والحنابلة أشد الناس احتجاجا بالقرآن، وتمسكا به، وبالسنة، وكيف يرد القرآن من يحتج بالسنة، وينتصر لها، ويذب عنها؟ وكيف يستقيم الاحتجاج بالسنة لأحد لا يحتج بالقرآن؟
وهذه " العقيدة الواسطية " لشيخ الإسلام ابن تيمية، مع أنها وريقات في المعتقد إلا أن فيها أكثر من (140) آية من القرآن محتجا بها.
ورادو السنة بزعم الاحتجاج بالقرآن ليس حرصا منهم على القرآن، وقياما بأمره، وتمسكا بأحكامه، وإلا لأخذوا بالسنة، وإيجاب الأخذ بها منصوص عليه فيه، وإنما أرادوا إسقاط السنة، وترويج ذلك على السذج ونحوهم؛ كي لا ينتصف منهم، ويبقى القرآن مجملا في كثير من أحكامه دون مبين مفصل، فيحرفوا ظاهره بأهوائهم وآرائهم.
الوجه الثاني: أن سلف الحنابلة وغيرهم من أئمة الإسلام في تقييد فهم القرآن بالسنة هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد أخرج ابن سعد في " الطبقات " من طريق عكرمة عن ابن عباس أن علي بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج فقال: (اذهب إليهم فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن، فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
فما ألزم به المالكي الحنابلة - لما أمروا بالتحاكم إلى السنة في فهم القرآن - أنهم يزهدون في القرآن ويردونه، يلزم عليا رضي الله عنه، بل يلزمه رضي الله عنه فوق ذلك.
وروى اللالكائي في " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " عنه رضي الله عنه قال: (سيأتي قوم يجادلونكم فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله) ، وروى الدارمي (121) واللالكائي (202) وابن عبد البر في " الجامع " (2 / 132) والخطيب في " الفقيه والمتفقه " وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (إنه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنة أعلم بكتاب الله) .
وهذه الآثار هنا وغيرها مما ورد في هذا الباب يبين مراد علماء الإسلام بأقوالهم تلك، كقول البربهاري رحمه الله وغيره، على الوجه الذي قدمناه في الوجه الأول.
[فصل في بيان قول البربهاري إن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن]
فصل ثم قال المالكي ص (164) : (وقال - يعني البربهاري: " وإن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن ".
أقول [القائل المالكي] : السنة عظيمة المنزلة، لكن ليست أهم من القرآن، وهي أحوج إلى القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
فالسنة تحاكم إلى القرآن، فيعرف ما ثبت عن رسول الله، وما لم يثبت، إذ إن من منهج المحدثين في معرفة ضعف بعض متون السنة مخالفتها للقرآن الكريم) اهـ.
والجواب من وجهين: أحدهما: أن القرآن الكريم لما كانت أحكام العبادات فيه والتشريع مجملة غالبا، وكانت السنة مفصلة، سواء كانت قولية أو فعلية أو تقريرا، كان القرآن أحوج إليها من هذا الوجه.
وخذ مثلا: أمر الله عز وجل في كتابه الكريم في آيات كثيرة بالصلاة والزكاة، ولكنه سبحانه لم يبين أركانها، وواجباتها، وشروطها، وعددها، وما يبطلها، وكم نصاب الزكاة؟ وما يزكى، وما يترك، وأجناس المزكيات، وغير ذلك مما لم تبينه إلا السنة، فالقرآن أحوج إلى السنة من السنة إليه لهذا الوجه، ولتضمن السنة أحكام القرآن مفصلة.
الثاني: أن هذا القول على هذا الوجه لم ينفرد به البربهاري، بل قاله قبله: مكحول الشامي (ت 113 هـ) أحد أئمة التابعين ومحدثيهم وفقهائهم، بل هو عند أبي حاتم الرازي، وسعيد بن عبد العزيز أفقه أهل الشام بإطلاق.
وقال يحيى بن أبي كثير (ت 231 هـ) وهو أحد كبار أئمة التابعين: (السنة قاضية على القرآن، وليس القرآن بقاض على السنة) رواه عنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)
الدارمي في " سننه " (587) ، وبوب عليه (باب السنة قاضية على القرآن) .
والمالكي يعلم مراد البربهاري، إلا أنه ارتضى التلبيس، فقد بين محقق " شرح السنة " - الردادي جزاه الله خيرا - للبربهاري (في الطبعة التي اعتمدها المالكي) مراد البربهاري، وساق ما ذكرته هنا وغيره في بيان ذلك.
والسنة الصحيحة غير المنسوخة لا تخالف القرآن، بل هي موافقة له، وما يراه بعضهم مخالفا فإن ذلك في تصوره وعقله، لا في حقيقة الأمر، أما ما لم يصح من السنة فلا ينظر فيه، وافق القرآن أم خالفه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 397)
[فصل في زعمه أن البربهاري يقدم الرجال على النبي صلى الله عليه وسلم]
فصل
في زعمه أن البربهاري يقدم الرجال على النبي صلى الله عليه وسلم،
والرد عليه قال المالكي ص (164 - 165) : (وقال [يعني البربهاري] : " التكبير على الجنائز أربع، وهو قول مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، والفقهاء، وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ".
أقول: انظروا كيف جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم آخر هؤلاء؟) اهـ كلام المالكي.
والجواب على هذا التلبيس من وجهين: أحدهما: أن البربهاري رحمه الله استدل على صحة قول هؤلاء الأئمة بأنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يستسغ أن يذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يعقب عليه بذكر قولهم.
الثاني: أن البربهاري قد ملأ كتابه " شرح السنة " - وهو مصدر المالكي - بتعظيم السنة، وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وتقديمها وعدم تقدمها، ووجوب الحاكم إليها، لا إلى أقوال الرجال أو غير ذلك، حتى قال المالكي لشدة ما رأى من تمسك البربهاري رحمه الله بالسنة بأنه يقدم السنة على القرآن، فكيف يجعله المالكي الآن يقدم أقوال الرجال عليها؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 398)
قال البربهاري رحمه الله في كتابه " شرح السنة " (104 - 105) : (ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة، وإن كان كثير العلم والكتب، واعلم رحمك الله أن من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة، فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من المتكلفين) اهـ.
[فصل في قول البربهاري إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار أو يرد الآثار أو يريد غير الآثار فاتهمه على الإسلام]
فصل ثم قال المالكي ص (165) : (وقال البربهاري أيضا: " وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، أو يرد الآثار، أو يريد غير الآثار، فاتهمه على الإسلام، ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع ".
أقول: وهل الذي يطعن على القرآن الكريم، أو لا يريد القرآن، ويريد أقوال الرجال، هل هذا مبتدع أم لا؟) اهـ كلام المالكي.
وأقول: إن كان أمر البربهاري بالأخذ بالسنة، وفهم القرآن على ضوئها، يلزم منه رد القرآن - كما زعم المالكي -، فأولى الناس بالطعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجماعة غيره من أئمة الإسلام المتقدمين على البربهاري؛ لأمرهم بفهم القرآن بالسنة، وجعلهم السنة قاضية على القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 399)
وإن كان دافع المالكي لقول ما سبق في البربهاري هو الغيرة على كتاب الله الكريم فأين غيرته - المزعومة - من الرافضة، وهو يلمعهم، ويهون اختلافاتنا معهم، وينتصر في غير موطن لهم، وهم مجمعون على الطعن في القرآن بأنه ناقص غير تام، ومجمعون على رد كتب السنة جميعا؛ لأنها من رواية الناصبة؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 400)
[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة التزهيد والتساهل في كبائر الذنوب والموبقات]
فصل
في زعمه أن من صفات الحنابلة التزهيد والتساهل في كبائر الذنوب
والموبقات، مع التشدد في أمور مختلف فيها، والرد عليه ثم قال المالكي ص (166) في سياقه ذكر صفات الحنابلة بزعمه، تحت عنوان " التزهيد والتساهل في كبائر الذنوب والموبقات، مع التشدد في أمور مختلف فيها ": (وهذا خلاف نصوص القرآن الكريم، فضلا عن السنة، قال البربهاري: " إذا رأيت الرجل من أهل السنة، رديء المذهب والطريق (1) فاسقا فاجرا، صاحب معاصي ضالا، وهو على السنة، فاصحبه، واجلس معه، فإنه ليس يضرك معصيته، وإذا رأيت الرجل مجتهدا في العبادة، متقشفا محترقا بالعبادة، صاحب هوى، فلا تجالسه، ولا تمشِ معه في طريق ") اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: بإصلاح ما حرفه المالكي في نقله من كتاب البربهاري رحمه الله وإتمامه، قال البربهاري ص (124) : (وإذا رأيت الرجل مجتهدا في العبادة، متقشفا محترقا بالعبادة، صاحب هوى، فلا تجالسه، ولا تقعد معه، ولا تسمع كلامه، ولا تمش معه--------------------------------------------
(1) هكذا عند المالكي، وفي كتاب البربهاري ص (123) : (رديء الطريق والمذهب) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 401)
في طريق، فإني لا آمن أن تستحلي طريقته، فتهلك معه.
ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى، فقال: " يا بني من أين جئت؟ ".
قال: من عند فلان.
قال: " يا بني، لأن أراك خرجت من بيت خنثى أحب إلي من أن أراك تخرج من بيت فلان وفلان، ولأن تلقى الله يا بني زانيا، فاسقا، سارقا، خائنا، أحب إلي من أن تلقاه بقول فلان وفلان ".
ألا ترى أن يونس بن عبيد قد علم أن الخنثى لا يضل ابنه عن دينه، وإلى صاحب البدعة يضله حتى يكفر؟) اهـ كلام البربهاري.
الثاني: أن هذا ليس تهوينا للكبائر والموبقات، وإنما هو تعظيم للبدع والمحدثات، وأنه مع عظم الزنا والسرقة وغيرهما من المعاصي والفجور، إلا أن البدع أعظم جرما، وصحبة أربابها أشد ضررا من وجهين:
أحدهما: اغترار الناس بالمبتدع إذا كان مظهرا للصلاح والعبادة، مما يغر بعض العامة، ومن لا بصيرة له.
الثاني: أن المبتدع يتخذ بدعته دينا يتدين به، ويدعو إليه، ويذب عنه، ويجادل فيه، فخطر التأثر به كبير، أما العصاة فإنهم إن لم يستروا معاصيهم ويخجلوا منها لم يدعوا إليها. وإن دعوا إليها لم يستجب لهم؛ لظهور قبحها للعامة والخاصة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 402)
وإن تأثر بهم أحد فهو أخف من تأثره ببدعة مبتدع ربما أخرجته من الإسلام جملة.
وليس بخاف على أحد أن علماء المسلمين جميعا ينهون عن الكبائر والمعاصي، وعن صحبة أربابها، وهم حين يجعلون البدع والمبتدعة أشر من العصاة والمعاصي فلبيان خطر البدع والمبتدعة، لا لتهوين المعاصي والكبائر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 403)