[فصل في زعمه أن البربهاري يقدم الزناة والفساق والخونة على علماء الحنفية]
فصل
في زعمه أن البربهاري يقدم الزناة والفساق والخونة على علماء الحنفية،
والمختلفين مع الحنابلة، والرد عليه ثم قال المالكي ص (166) : (وقال أيضا - يعني البربهاري -: " لأن تلقى الله زانيا، فاسقا، سارقا، خائنا، أحب إلي من أن تلقاه بقول فلان وفلان ".
أقول: ويقصد بفلان وفلان علماء الحنفية، أو المعتزلة، أو المختلفين مع الحنابلة، لكن البربهاري يلقانا بقوله، وقول الأوزاعي، وحماد بن زيد، وهم على فضلهم بشر يصح أن يقال فيهم فلان وفلان، وهذا تناقض، ولا بد من منهج يحمي من التناقض) اهـ.
والجواب من وجوه ثلاثة: أحدها: أن ما عابه المالكي على البربهاري ونسبه إليه ليس من قوله، وإنما هو من كلام يونس بن عبيد، أحد أئمة التابعين وحفاظهم، وحديثه مخرج في الصحاح الستة، وقد ذكرنا نصه في الفصل السابق.
الثاني: أن مراد يونس بن عبيد (بفلان وفلان) عمرو بن عبيد، كما في بعض نسخ كتاب البربهاري، وذلك مذكور في حاشية طبعته، وقد ذكر الذهبي قصة يونس بن عبيد مع أبيه، وفيها التصريح بعمرو بن عبيد، فذكر الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (6 / 294) :
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 404)
(أن خويلا - يعني ختن شعبة - قال: كنت عند يونس، فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله تنهانا عن مجالسة عمرو بن عبيد، وقد دخل عليه ابنك؟
قال: ابني؟
قال: نعم.
فتغيظ الشيخ، فلم أبرح حتى جاء ابنه، فقال: يا بني قد عرفت رأيي في عمرو ثم تدخل عليه؟
قال: كان معي فلان، وجعل يعتذر.
قال: أنهاك عن الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ولأن تلقى الله بهن أحب إلي من أن تلقاه برأي عمرو وأصحاب عمرو) اهـ.
فمراد هذا الإمام الكبير ظاهر، ولم يرد الحنفية الذين أقحمهم المالكي لهوى في نفسه ومرض، ويظهر هنا تحذير يونس رحمه الله لابنه من المعاصي، وتبيينه لابنه أنها مع عظمها ونهيه له عنها إلا أن بدعة عمرو بن عبيد أعظم؛ لأنها كفر.
الثالث: أن قياس المالكي عمرو بن عبيد وأصحابه من أهل البدع المرتدين بأئمة الإسلام كالأوزاعي وحماد بن زيد قياس فاسد، يدل على ضلاله وجهله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 405)
[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة التقارب مع اليهود والنصارى والتشدد على المسلمين]
فصل
في زعمه أن من صفات الحنابلة التقارب مع اليهود والنصارى،
والتشدد على المسلمين، والرد عليه ثم قال المالكي ص (167) في سياقه صفات الحنابلة بزعمه تحت عنوان " التقارب مع اليهود والنصارى، والتشدد على المسلمين ": (من سمات كتب العقائد عند غلاة الحنابلة أنهم يتساهلون مع اليهود والنصارى، ويفضلون مخالطتهم ومآكلتهم على إخوانهم المسلمين، نقل البربهاري أثرا تقول (1) " آكل مع يهودي ونصراني ولا آكل مع مبتدع ") اهـ.
والجواب من وجهين: أحدهما: أن صاحب هذا القول ليس بحنبلي، لا من الغلاة، ولا من المعتدلين، وهو الإمام العابد الكبير الفضيل بن عياض (ت 187 هـ) من أئمة العلم والزهد والحديث، احتج به الشيخان.
الثاني: أن عدم مآكلة المبتدع ومشاربته والأكل مع اليهودي والنصراني ليس لقرب اليهود والنصارى منا، ولا لخفة ضلالهم، ولكن مخافة إضلال هذا المبتدع لجليسه ومآكله؛ لاستدلاله على ضلالاته بمتشابه القرآن وتحريفه الكلم عن مواضعه فربما زل سامعه لجهله،--------------------------------------------
(1) كذا في كتاب المالكي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 406)
أما اليهودي والنصراني فضلالهما ظاهر بين.
هذا مراد الأئمة من هذا وأمثاله، ويراعون في كل ذلك المصلحة، ألم تر أن النبي صلى الله عليه وسلم هجر الثلاثة الذين خلفوا، واشتد عليهم في ذلك مع صلاحهم وصدقهم، ولم يهجر المنافقين مع كفرهم وكذبهم؟
فهل يقول أحد: إن المنافقين أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته الصالحين، أو أنه صلى الله عليه وسلم يقارب مع المنافقين، ويتشدد على المؤمنين؟
وإنما كانت مصلحة الثلاثة المخلفين في هجرهم؛ ليتوبوا ويصدقوا الله، ويتوب الله عليهم، ويعفو - سبحانه - عن زللهم، فيكمل أجرهم، ويستقيم أمرهم، أما المنافقون فلا خير فيهم، ولا رجاء لاستقامة حالهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 407)
[فصل في زعمه أنا لا نخشى إلا من المسلمين أما الكفار فلا]
فصل
في زعمه أنا لا نخشى إلا من المسلمين، أما الكفار فلا، والرد عليه ثم قال المالكي ص (167) : (ونحن إلى اليوم لا نخشى إلا من المسلمين، ولا نحذر إلا منهم، ولو جاء مسافر من بريطانيا أو أمريكا لما استنكرنا شيئا، لكن لو قال: جئت من سلطنة عمان، أو من دولة إيران، لنظرنا إليه شزرا؛ لأن عمان إباضية، وإيران فيها أغلبية شيعية، ولا بد أن نسأل صاحبنا: لماذا سافرت إلى هناك؟
ولو علمنا به قبل سفره لحذرناه منهم كثيرا، بينما لا نحذره من اليهود ولا النصارى، بل ولا من الملحدين، ولنا في هذا تأويلات واعتذارات لا يسعني استعراضها، ولا الجواب عليها) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن خشية المالكي من المسلمين، وتحذيره منهم، وعدم استنكاره على المسافرين لبريطانيا وأمريكا وغيرها من بلاد المشركين، أمر يخصه، يدل على ضعف ديانته وجهله.
أما الحنابلة وغيرهم من أئمة المسلمين فيحرمون السفر لبلاد الكفار، بريطانيا وأمريكا وغيرها، إلا لضرورة أو مصلحة راجحة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 408)
للمسلمين، قال الإمام ابن قيم الجوزية الحنبلي رحمه الله في " زاد المعاد " (3 / 122) : ومنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إقامة المسلمين بين المشركين إذا قدر على الهجرة من بينهم، وقال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين "، قيل: يا رسول الله ولم؟ قال: " لا تراءى ناراهما» .
وقال: «من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله» إلى آخر كلامه، ونحوه عند ابن قدامة رحمه الله في " المغني " (13 / 149 - 152) .
فإذا حرم البقاء في أرض المشركين وهي موطن ذلك المقيم، فكيف يجوز السفر من بلاد المسلمين إلى بلاد المشركين؟ وقد أفتى علماء بلادنا المعاصرون والسابقون - رحم الله ميتهم، وحفظ حيهم - بحرمة السفر إلى بلاد الكفار إلا لمسوغ شرعي ظاهر.
وأصدرت " اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء " بدار الإفتاء بالمملكة العربية السعودية عدة فتاوى تحرم السفر إلى بلاد الكفار، وما يتعلق بذلك، ومن جملة الموقعين عليها:
سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله.
وفضيلة الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله.
وفضيلة الشيخ عبد الله بن حسن بن قعود شفاه الله، ومتعه بالصحة والعافية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 409)
وفضيلة الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان حفظه الله.
وفضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله.
الثاني: أن السفر إلى بلاد المسلمين التي فيها مبتدعة قلوا أم كثروا إن لم يخش على دين المسافر إليها، جائز، وبدعتهم وضلالهم لا تجعل بلادهم بلاد كفر وشرك.
الثالث: أن ما نسبه المالكي إلى الحنابلة من تشدد على المسلمين، وتساهل مع الكافرين، باطل كما سبق، إلا أن المالكي هو الواقع فيه، فإن كتبه وأبحاثه الهزيلة كلها في الطعن في الصحابة، أو بني أمية، أو بني العباس، أو في علماء الحنابلة، أو أئمة السلف والتابعين، وغيرهم من مشايخ الإسلام، أما اليهود والنصارى فلم نر له شيئا فيهم قط، لا قليلا ولا كثيرا، وقد نبهنا على هذا في أول الكتاب عند ذكرنا تناقضات المالكي وكثرتها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 410)
[فصل في رميه الحنابلة بمخالفة المروءة لفرحهم بمصائب خصومهم من أهل البدع]
فصل
في رميه الحنابلة بمخالفة المروءة لفرحهم بمصائب خصومهم من
أهل البدع، والرد عليه ثم قال المالكي ص (168) : (روى الخلال الحنبلي في " كتاب السنة " (5 / 129) (1) أن أحمد بن حنبل [سئل] (2) هل يأثم الرجل يفرح بما ينزل بأصحاب ابن أبي دؤاد " المعتزلي "؟ فقال: ومن لا يفرح بهذا؟
قيل له: إن ابن المبارك قال: الذي ينتقم من الحجاج هو ينتقم للحجاج من الناس، قال: أي شيء يشبه هذا من الحجاج؟ هؤلاء أرادوا تبديل الدين.
أقول: أنا أستبعد هذا عن أحمد، لكن هذا الأثر وأمثاله يدل على فرح الحنابلة بحصول المصائب لمخالفيهم، وهذا خلاف المروءة، فضلا عن مخالفته لرحمة الإسلام وتعاليمه) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا أثر صحيح ثابت عن أحمد رضي الله عنه، فرواه الخلال عن أبي بكر المروذي، وهو عن أحمد، وهؤلاء أئمة ثقات كبار.--------------------------------------------
(1) كذا في كتاب المالكي، والصواب: (5) .
(2) ما بين المعقوفين ليس في كتاب المالكي، ولا يستقيم الكلام إلا به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 411)
الثاني: أنه لما كان المسلم يفرح بعز وحياة من يكون في عزه وحياته نصر للإسلام، وإظهار للمسلمين، ويحزن إذا تخلف ذلك، كان الفرح بما يكون لأصحاب ابن أبي دؤاد من مصائب مشروعا، بل مسنونا؛ لحملهم الناس على الكفر، وقتلهم علماء الأمة، وحفاظها، وسجنهم البقية الباقين وتعذيبهم، أفيكون هذا ممنوعا، ويكون فعل المعتزلة بالأمة والأئمة محمودا؟
الثالث: أن مراد ابن المبارك في قوله سابقا أن من يذكر الحجاج بما ليس فيه، ويبغي عليه، فإن الذي سينتقم من الحجاج وبغيه على المسلمين وعلمائهم سينتقم ممن يبغي على الحجاج نفسه، ولعن الحجاج وذكر ظلمه بحق ليس فيه مصلحة مرجوة للمسلمين، بخلاف الطعن في المبتدعة، وتحذير الناس منهم، وبيان ضلالهم، فإن هذا فيه سلامة معتقداتهم، وصونا لدينهم.
الرابع: أن زعم المالكي أن هذا خلاف المروءة ومخالف لرحمة الإسلام وتعاليمه باطل، وكيف تنتفي المروءة عنده إذا طعن في أعداء السنة وأهل البدع، ولا تنتفي عنه وهو يطعن في معاوية رضي الله عنه، بل في مسلمة الفتح جميعا، ويخرجهم من الصحبة، ويطعن في أئمة التابعين، وجماعات غيرهم من أئمة المسلمين؟
أما رحمة الإسلام ففي استقامة الناس على دين الله عز وجل، ودعوتهم إليه، وتحذيرهم مما يخالفه، بل ضرب رقاب أعدائه، ليبقى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 412)
صافيا كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولنا أسوة حسنة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بقتل ذلك الخارجي الذي كان يصلي، وفي ضرب عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عسل، وشجه لرأسه بالدرة، وقتال علي رضي الله عنه للخوارج، ففعلهم غاية البر والرحمة، إلا عند المنافقين والمرجفين والمبطلين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 413)
[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة الحكم الجائر على نيات الآخرين]
فصل
في زعمه أن من صفات الحنابلة الحكم الجائر على نيات الآخرين،
والرد عليه ثم قال المالكي ص (168) في سياقه صفات الحنابلة بزعمه، تحت عنوان " الحكم الجائر على نيات الآخرين ": (روى الخلال عن أحمد (5 / 121) : " ما أحد أضر على أهل الإسلام من الجهمية، ما يريدون إلا إبطال القرآن، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ".
أقول: وهذا وأشباهه أستبعده عن أحمد أيضا، وهو مروي بكثرة في كتب الحنابلة، وقد سبقت أحكام جائرة من هذا النوع في فقرات سابقة) اهـ كلام المالكي.
والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا الأثر ثابت عن الإمام أحمد، صحيح عنه، مشتهر به، وجاء نحوه عن غيره من السلف رحمهم الله، والمالكي يعلم هذا، لذا أشار إلى كثرة روايته في كتب الحنابلة، وهو مروي أيضا عند غيرهم، فيلزمه أحد أمرين:
* إما أن يكذبهم، ويرد رواياتهم عن الإمام أحمد بهذا الأثر وغيره.
وإما أن يصدقهم، ويأخذ بقولهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 414)
فإن كان الأول لم يوافقه على ذلك أحد، والحنابلة من أئمة الدين، وعلماء المسلمين فقهاء ومحدثين، والطعن فيهم طعن في جماعات من علماء المسلمين بغير حق.
وإن كان الثاني لزمه الطعن في الإمام أحمد، وهذا ما يحاول المالكي تجنبه؛ خوفا من المسلمين، وعلما منه بعدم رضاهم، بالطعن في أحد جبال العلم والحفظ والزهد والورع.
الثاني: أن حكم الإمام أحمد ليس حكما على النيات، ولا المغيبات، وإنما هو حكم على الجهمية بأعمالهم الظاهرة، وأقوالهم المشتهرة، بل والمتواترة.
فإنهم لم يتركوا آية في أسماء الله أو صفاته، أو في أمور الآخرة، أو في أمور الغيب عامة، إلا حرفوها، وأخرجوها عن ظاهرها إلى معان أخرى مخالفة لتأويلها الصحيح، ولبقية كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عليه السلف الصالح وأئمة الهدى.
وكذلك فعلوا بالسنة حين ردوها بأنواع التكلفات، وما قبلوه منها فعلوا به كما فعلوا بآيات القرآن، وهذا عين الإبطال، بل وأخبثه؛ لانخداع بعض العامة والرعاع بما قد يسمعونه منهم من متشابه القرآن وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 415)
[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة الأمر بقطيعة الرحم من أجل العقيدة]
فصل
في زعمه أن من صفات الحنابلة الأمر بقطيعة الرحم من أجل العقيدة،
والرد عليه قال المالكي ص (169) في سياقه صفات الحنابلة بزعمه، تحت عنوان " الأمر بقطيعة الرحم من أجل العقيدة ": (الله عز وجل أمر بصلة الرحم، ولو كان الأرحام كفارا، وأخص الأرحام هما الوالدان، فأمر الله عز وجل بالإحسان إلى الوالدين ولو كانا كافرين، لكن لا يطيعهما الإنسان إذا أمراه بالكفر، أما أصحاب العقائد من غلاة الحنابلة فيرون أنه يجب على الابن ألا يكلم أباه إذا كان هذا الوالد يرى أن القرآن مخلوق، أو توقف " السنة " للخلال (5 / 143)) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم لم يأمر بقطيعة الرحم من أجل العقيدة فحسب، بل وقتالهم وسفك دمائهم، والبراءة منهم، كما هو هدي أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام - نوح مع ابنه وقومه، وإبراهيم مع أبيه وقومه، ولوط مع زوجه، ومحمد صلى الله عليه وسلم مع قومه وعمه وبني عمه، وهكذا صحابته رضي الله عنهم، وأئمة الهدى المقتدين بهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 416)
قال سبحانه وتعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] .
قال الحافظ ابن كثير عندها في "تفسيره ":
(وقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية- {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [المجادلة: 22] إلى آخرها- في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح حين قتل أباه يوم بدر، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة: "ولو كان أبو عبيدة حيا لاستخلفته ".
وقيل في قوله تعالى: {وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ} [المجادلة: 22] : نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر.
{أَوْ أَبْنَاءَهُمْ} [المجادلة: 22] في الصدِّيق هَمَّ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن.
{أَوْ إِخْوَانَهُمْ} [المجادلة: 22] في مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ.
{أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] في عمر قتل قريبا له يومئذ أيضا.
وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ، فالله أعلم) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
ثم قال ابن كثير: (ومن هذا القبيل: حين استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين في أسارى بدر، فأشار الصديق بأن يفادوا، فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين وهم بنو العم والعشيرة، ولعل الله تعالى أن يهديهم.
وقال عمر: لا أرى ما رأى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! هل تمكنني من فلان- قريب لعمر - فأقتله، وتمكن عليا من عقيل، وتمكن فلانا من فلان، ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا موادة للمشركين، القصة بكمالها) .
ثم قال ابن كثير: (وفي قوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المجادلة: 22] سر بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى، عوضهم بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه، بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم) اهـ كلام ابن كثير رحمه الله.
والمحادّة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم: درجات، فمنها ما يكون بالكفر والشرك، كمحادة المشركين واليهود والنصارى، ومن ذلك أيضا: محادة الرافضة والجهمية والباطنية وأضرابهم.
ومن المحادة أيضا، دون ذلك، كمحادة أهل البدع، ممن لم تخرجهم بدعهم من الإسلام.
ومنها دون ذلك، كمحادة العصاة وأصحاب الكبائر، حتى جعل بعض الأئمة: سلاطين الجور المسلمين من المحادين كسفيان رحمه الله وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
ويجب في كل نوع: الهجر، وعدم الموادة، والبراءة إلى الله من أصحابها، ونصحهم، وزجرهم، إلا أنهم في ذلك درجات، حسب درجات محادتهم.
إلا إن كان في صلة أولئك: مصلحة شرعية راجحة، فتُراعى المصلحة، علها تتحقق.
الثاني: أن ما حكاه المالكي، وعزاه "للسنة" للخلال (5 / 143) : باطل غير صحيح، ففي ذلك الموضع، ما يخالف ما زعمه المالكي، وهذا نص ما عند الخلال في ذلك الموضع، قال رحمه الله: (أخبرنا محمد بن النقيب بن أبي حرب الجرجرائي قال: سألت أبا عبد الله عن رجل له والد واقفي، فقال: "يأمره ويرفق به ".
قلت: فإن أبى! يقطع لسانه عنه؟
قال: (نعم) اهـ.
ثم قال الخلال: (وأخبرنا محمد بن أبي حرب قال: سألت أبا عبد الله عن رجل له أخت أو عمة، ولها زوج واقفي؟
قال: "يلتقي بها، ويسلم عليها".
قلت: فإن كانت الدار له؟
قال: "يقف على الباب، ولا يدخل ") .
ثم قال الخلال: أخبرنا أحمد بن أصرم المزني قال: سمعت أبا عبد الله، قال له رجل: إن لي أخا واقفيا، فأقطع لساني عنه؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
قال: نعم، نعم " مرتين أو ثلاثا) اهـ النقل من "السنة" للخلال.
قلت: هذا جميع ما ذكره الخلال رحمه الله، في الموضع الذي عزا إليه المالكي، وذكر فيه ما ذكر، وليس فيه شيء مما زعمه!
فإذا ظهر هذا، علمت بغي المالكي أيضا في قوله ص (169) بعد كلامه السابق، حين قال معلقا: (وهذا ما لا أعلمه في طائفة من الطوائف؛ لما للوالدين من مكانة كبيرة حث عليها الإسلام.
وقد سمعنا في زماننا هذا بمن يهجر والديه لأدنى مخالفة، سواء في العقائد أو الأحكام!!
وهذه نتيجة طبيعية، لهذه الكتب يجب ألا نغضب منها!! ما دمنا نصحح مضامينها!!) اهـ كلامه.
وهذه نتيجة فاسدة، بمقدمة كاذبة، كما بينا سابقا.
ولا أدري هل المالكي يعني بمن سمع به في زماننا هذا، أنه يهجر والديه لأدنى مخالفة سواء في العقائد أو الأحكام: ذلك العاق! الذي كان يكره أباه ويعقه، لذبه عن معاوية، وشدته على زوجته، لانحرافها عنه أو لا؟!! والمالكي يعلم من أعني!!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
[فصل في زعمه أن من صفات الحنابلة النصب والرد عليه وبيان حكم الرافضة]
فصل
في زعمه أن من صفات الحنابلة: النصب! والرد عليه، وبيان حكم الرافضة ثم قال المالكي ص (170) في سياقه صفات الحنابلة بزعمه تحت عنوان "النصب ": (هذا الموضوع في غاية الأهمية؛ لأن أكبر الفرق الإسلامية التي بيننا وبينها خصومة شديدة، هي الشيعة.
صحيح أن جذور هذه الخصومة كانت في القرن الأول، إذ لجأ بنو أمية، إلى الفتك بمحبي أهل البيت وإذلالهم، فقتلوا حجر بن عدي صبرا في عهد معاوية؛ لأنه أنكر سب علي على المنابر، وقتلوا عمرو بن الحمق الخزاعي، وكان ممن لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهاجر إليه، وكذلك كان حجر بن عدي.
وقتلوا الحسن بن علي سيد شباب أهل الجنة بالسم، وقتلوا أخاه الحسين بالسيف، وارتكبوا مجزرة كربلاء) اهـ.
والجواب من وجوه: أحدها: أن جميع ما ذكره المالكي هنا، كان قبل أن يُخلق أحمد!
فلم يكن حينها أحمد! ولا صاحب لأحمد! فكيف تكون تلك أفعالا للحنابلة؟! بل صفة من صفاتهم؟!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
الثاني: أن من ولي قتل حجر بن عدي رضي الله عنه: بنو أمية، وليس الحنابلة!
أنا عمرو بن الحمق: فاختُلف في سبب موته، فقيل: قتل، وقيل: نهشته حية فمات، وقيل: إنه قتل حدا؛ لأنه أحد الأربعة الذين دخلوا على عثمان رضي الله عنه.
وعلى جميع الأحوال، فلا علاقة للحنابلة، ولا حتى علماء المسلمين أجمعين بهذه الفتن. وكذلك سم الحسن وقتل الحسين، رضي الله عنهما وأرضاهما.
وقتلهما مصيبة عظيمة، وقد قدمنا في هذا شيئا من التفصيل، في فصل تقدم.
الثالث: أن الحنابلة جميعا، وأهل السنة عامة، محبون لأهل البيت، مقدمون لهم، مكرمون لمقامهم، يحفظون وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم. وهم بنو هاشم، وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حرمت عليهم الزكاة، تطهيرًا لهم، وإكمالا لرفعتهم، وإظهارا لعزتهم، وفد ذكرت في مواضع تقدمت شيئا من النقل عن الحنابلة في ذلك.
الرابع: أن المالكي رمى الحنابلة بالنصب، وهم براء منه، ودافع عن الإباضية، وهم نواصب بلا شك، يجاهرون في كتبهم بسب علي بن أبي طالب - رضي الله عن علي - ولعنهم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
ويدافع كذلك عن الروافض، وهم نواصب، فسبهم للحسن بن علي رضي الله عنهما مشهور، وتسميتهم له بمسود وجوه المؤمنين! وخديعتهم للحسين رضي الله عنه وإظهارهم له النصرة والقتال، حتى خرج من مكة هو وأبناؤه- وكانوا بها آمنين- وبرز له عدوه: خلوا بينه وبينهم، ليسفك دمه الطاهر.
وطعن الرافضة في عبد الله وعبيد الله ابني العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم: ظاهر غير خافٍ، وكذلك طعنهم في أمّي المؤمنين عائشة بنت الصديق، وحفصة بنت الفاروق رضي الله عنهم جميعا- فهم الروافض والنواصب حقا.
وقد بين العلامة الحسين الموسوي، أحد علماء الحوزة النجفية في كتابه "كشف الأسرار"، وتبرئة الأئمة الأطهار": طعن الرافضة في النبي صلى الله عليه وسلم نفسه! وفي علي رضي الله عنه! وعزا ذلك كله لمصادرهم المعتمدة المعتبرة، بل ذكر أنه ما من أحد من آل البيت، إلا وقد طعنوا فيه وانتقصوه!
الخامس: عد الرافضة من فرق المسلمين، أو داخلة فيهم: غير مُسلَّم، فهم مجمعون على القول بخلق القرآن، وعلى نقص القرآن، وعلى الطعن في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وغير ذلك.
وآحاد هذه المسائل يكفر صاحبها بإجماع الأمة، وتقدم بيانه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)