سمة أخرى له، وهي سمة المعاناة؛ لأن مخلص الإنسان الأول لم يحقق انتصاراه إلى بعد هزيمة ظاهرية فقط.
لقد ارتدى الإنسان الأول درعه وشرع بالقتال مع قوى المادة والظلام والشر، وتكون درعه من خمسة من عناصره النورانية لم يشكل مجموعها درعه فحسب، بل شكل أيضًا جوهره وذاته الحقيقة وروحه، ولذلك يمكن وصفها بشكل رمزي على أنها أبناؤه الخمسة، وقد بذل الجهد خلال عملية انتقاء مجموعة متنوعة من الرموز والتعبير عن علاقة كانت في الحقيقة صعبة ومستحيلة فعلًا، ولا يمكن تحديدها داخل إطار صيغة منطقية.
عرفت العناصر النورانية باللغة السريانية باسم زيواني، وهي الهواء والريح والضوء والنار، وهزم الشيطان أمير الظلام، وحشوده أمام الإنسان الأول، وسلبوه درعه، أو وفق ما ذكرته رواية رمزية أخرى التهمت الشياطين أبناءه الخمسة، ومع ذلك كانت هذه الهزيمة مقدمة لانتصار، فقد اعتبرت طوعية إذا جاز التعبير؛ إذ نزل الإنسان الأول بمحض إرادته الحرة إلى عالم الظلام والمادة، وسمح بتبديل عناصره النورانية، وكانت نيته أن يصبح بذلك سمًّا قاتلًا للمادة، لقد التهم الظلام العناصر النورانية، وقدم لنفسه بفعله هذا مادة ذات اختلاف جوهري كانت لا تطاق كما أنها لم تفتقر إلى التشابية الأخرى، وحصل هنا كما يحصل مع القائد الذي يضحي بطليعة الجيش ويقدمها لقمة سائغة لعدو متقدم؛ لكي ينقذ الجزء الأساسي من جنوده، أو باستعارة عبارة ريفية مثل: الراعي الذي يتخلى للذئب عن شاة من قطيعه؛ كي لا يخسر القطيع كله.
وبالطريقة نفسها ضحى الإنسان الأول بروحه لشياطين الظلام، وسمح لها أن تلتهم أبناءه الخمسة، ومع هذا فقد كان ما حدث ضربة مروعة، فكثيرًا ما اتخذت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 369)
المزامير والتراتيب المانوية موضوعًا لها الحالة المخيفة التي وجد الإنسان الأول نفسه فيها، فقد وقع في هوة عميقة كانت أعمق بكثير من هوة المادة؛ إذ سلب من درعه النورانية وصعقته الضربة، وأحاطت به الحيوانات المفترسة، والشياطين المخيفة، وقيدته، وباتت مستعدة لأن تلتهمه، وصحى الإنسان الأول من غيبوبته، وأطلق دعاءً تكرر سبع مرات، وعندها استدعى إله العظمة مخلوقًا ثانيًا إلى حيز الوجود إنه صديق النور الذي استدعى البناء العظيم الذي استدعى الروح الحية.
وتقدمت الروح الحية نحو حدود الظلام مع أبنائها الخمسة الذين استدعتهم، وأطلقت من ذلك المكان صيحة مدوية إلى الإنسان الأول المحتجز تحت الأرض، والذي أجاب بدوره بهتاف مدوٍّ، واعتبرت هذه الدعوة وهذه الاستجابة على أنهما شخصيات سماويتان مقدستان، وتعرف دعوة واستجابة، أو بشكل أدق ما تم استدعاؤه، وما تم إجابته باللغة الإيرانية الوسيطة، وفي اللغة السريانية قريا وأنيا، وهما ستتحدان وتصعدان إلى أم الحياة، وإلى الروح الحية.
كان الحوار الذي تطور بين الدعوة والاستجابة ذا أهمية كبيرة، لأنه أرسى أساس الحالة التي تتكرر مرارًا، وفي كل مرة تجد روحًا على الأرض ذاتها في ضيق، فتطلق صيحة تنشد فيها الخلاص، تتلقى هتاف الحرية. ولقد حفظ الكاتب السرياني فيدور بار كونيه للأجيال أقوال ماني حول هذا، وما زال بالإمكان فهم نبرات صوته في المقطوعة الشعرية الصغير حيث يقول: "ثم صرخت صوت الحية بصوت عال، وكان صوت الروح الحية كالسيف الحاد، وقد كشف عن شكل الإنسان الأول، وقال مخاطبًا إياه، السلام عليك أيها الممتاز بين الأشرار، يا أيها اللامع وسط الظلام، رب قائم وسط وحوش
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 370)
الغضب لا يعرف شيئًا عن عظمته، وأجابه الإنسان الأول بعد ذلك مباشرة وقال: تعالى مع السلام، وأحضر أسباب الطمأنينة والسلام، وتكلم معه قائلًا كيف هي الأحوال مع آبائنا أو آلهتنا أبناء النور في مساكنهم".
لقد حددت تحية الروح الحية التباين بين وضع الحال للإنسان الأول وبين أصل الحقيقي وقدره، وأن أول سؤال يدل على قلق الإنسان الأول قد خص به أقرباءه أبناء النور، يعني: هل كانت تضحياته عديمة الجدوى، أم تم إنقاذه.
عودة الإنسان الأول القديم: مادة الروح الحية التي كانت بصحبة أم الحياة يدها اليمنى الإنسان الأول، حيث أمسك بها، وتم انتشاله من أعماق عالم الظلام، وارتفع عاليًا وعاليًا مع أم الحياة والروح الحية، وحلق مثل النور المنتصر المبنثق من الظلام حتى تمت إعادته إلى جنة النعيم مسكنه السماوي؛ حيث كان ينتظره أنسباؤه، كما أنه يوجد وصف آخر في تعليم المانوية يتعلق بهذه العودة، فقد جرى وصف هذه العودة في أحد المزامير المكتوبة كما يلي: كان ابنًا للأب الأول، وكان أميرًا ابنًا لملك، لقد سلم نفسه للأعداء، وتخلى عن ملكه جميعًا، ووضعه في القيود، وحزنت من أجله جميع المعاقل والممالك، وتوجه بالدعاء إلى الأم الحية، فتوسلت من أجله إلى رب الخليقة، إنه الابن الوسيم والبريء، فلماذا فعلت به الشياطين هكذا؟
ولسوء الحظ هنالك سقط في النص عند هذه النقطة، حيث كان من المفروض أن يكون هناك وصفًا لإنقاذ الإنسان الأول، ويستمر النص في نصحه له؛ ليجمع عناصره النورانية المبعثرة قائلًا: أجمع أطرافك، فلقد أعد الجمال السرمدي مطيته عن مظهر نوراني، ليبدأ زحفه، وأمسكته الأم وقبلته قائلة: ها قد عدت أيها الابن المنفي، أسرع واعبر إلى النور، فلطفك وعظمتك متلهفان إلى لقياها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 371)
ومن الواضح أن الوضع متطابق هنا مع الوضع الذي شاهدناه في أغنية اللؤلؤة، غير أن بهجة العودة تمت ممارستها هنا، وذلك عندما يتحد الابن الشاب مع أمه، كما أن الأثر العاطفي الجياش والنبيل بشكل غير اعتيادي أخاذ بهذا التصوير.
فالشاب الذي يشرع بالكفاح بشجاعة هو بطل فتى متوقد يرتدي درعًا متلألئًا، والهزيمة الفجائية ومرارتها، والضربة المميتة تنبه المفزع عندما يدرك حالته المخيفة وصيحة النجدة اليائسة والرعب في موطنه إزاء مصيره البشع والمشئوم، ثم وصول المنقذ والحوار القصير الرشيق بين المنقذ والمنقذ، والمشهد الحي للعودة عندما تعانقه الأم وتقبله، والابن الوحيد الذي اعتقدت أنه رحل إلى الأبد. كل ذلك سلسلة كاملة من الأحاسيس الملونة، والمسيرة بواسطة هذه المشاهد المتغيرة بشكل مثير، وتأثير المشهد الأخير مثير بشكل لا يمكن وصف وقعه على مستمعي المذمور، ويمكن تخيل ذلك إذا فهمت الطريقة التي تم من خلالها نيل إعجاب قلوب المؤمنين بهذه الأغاني المانوية.
ويعتبر موضوع الأم الإنسان الأول وتخليصه الموضوع الرئيسي في المسيولوجيا المانوية؛ فالإنسان الأول هو المخلص، وهو بنفسه بحاجة إلى افتدا، ء فتلك هي العقيدة القنطوسية للمخلص المفتدي، وأما بالنسبة لمظهر الإيجاب والافتداء للمخلص، فإن النصوص المانوية المكتوبة باللغة الإيرانية الوسيطة تستخدم عبارة واهمان، وزلوخ، وعبارة مانوا هميت وزروخ في الفارسية الوسيطة، ويشير كل منهما إلى نئوس العظيم، وهو مفهوم متأصل في الدين الإيراني القديم، ووجه نظر متطابقة مع وجهة نظر ماني، وموجودة إلى حد ما في غسا الزرادشتية.
وهو دليل يشير بالفعل إلى أن النظرية تعود للعهود الإيرانية الهندية؛ لأنها تتكرر في كتابات أوبانشاد الهندية بمثابة عنصر في خط أتمان براهمان في التفكير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 372)
المسيولوجي، ويبرز مفهوم نئوس العظيم في مجموع الفصول القبطية، ونتيجة لقهر قوى الظلام لذرات النور فقد نشأت حالة من الامتزاج مع الظلام بعد القتال، وهذا ثانية مصطلح من المصطلحات الإيرانية القديمة، وكلمة قومجشن تعني الامتزاج في النصوص الزرادشتية المكتوبة باللغة الإيرانية الوسيطة، وهي تعني حالة من الحالات عندما يتداخل فيها الخير والشر بعضهما في بعض.
وهكذا تسميها النصوص المانوية المكتوبة باللغة الإيرانية الوسيطة قومجشن أو أمجشن وبالطبع إن مفهوم المزج بين النور والظلام بين الفضاء المفهوم والمادة تُشكل أيضًا جزءًا من التراث الإيراني القديم للمانوية، ومن المؤكد أن فكرة وجود إله قاسى من المعاناة قد كانت عنصرًا من عناصر الدين الشعبي الإيراني، وذلك باعتماد هذه التسمية لتلك التطورات التي لا يمكن عزوها إلى الزرادشتية.
هذا؛ ويمكن إيجاد آثار ضعيفة لهذه الفكرة على نحو غير مميز في أرمينيا على حافة الحضارة الإيرانية، فقد وُجدت عقيدة شعبية تمحورت حول شخصية اسمها أرتوازد وهذا اسم إيراني صرف، وهو رمز مثبت للمعاناة، ويجب أن يضاف إلى هذا حقيقة أن الحقيقة الشعبية ليست متطابقة مع الدين، ومع ذلك فمن المحتمل أن الحكايات الشعبية الأرمينية القديمة تردد بالفعل المعتقدات المسيولوجية في هذه الحالة الخاصة. وعلى النقيض إن الشكل العاطفي القوي الذي اتخذه موضوع الإله المتألم في المانوية، يمكن عزوه لوضوح لتأثير عقيدة تموز الرافضية، التي ستتم الإشارة إليه ثانية في وقت لاحق إن شاء الله. غير أن هذا لا يدعو إلى إنكار أن بعض الأفكار من نوع مشابه كانت موجودة في الدين الإيراني. كان هذا عن فكرة الإنسان الأول القديم وهزيمته في أسطورة المانوية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 373)
استرداد ذرات النور
ويأتي الكلام عن العقيدة الثانية أو المبدأ الثاني استرداد ذرات النور:
وصل الآن سير التقدم الكوني إلى المرحلة التي تم عندها إنقاذ الإنسان الأول، وكانت عناصر النور ما تزال في مخاضات الظلام، وبالتالي فقد استمرت نفسه وروحه مكبلتين ومشوهتي، ن وقد تطلبتا أن يتم تحريرهما وإعادتهما إلى عالم النور، ونفذت الروح الحية هذه المهمة وقد دعيت هذه الروح في التعاليم الإيرانية باسم مهريازد أحيانًا أي: الإله مسرا.
هذا؛ وقد أعطته بعض المصادر الإغريقية اسم خالق الكوني المادي، وهي تسمية موائمة تمامًا بالنظر إلى حقيقة أنه كان بالتعبير الدقيق خالق الكون المرئي؛ لأنه عاقب شياطين الظلام الذين يدعون باسم أركون وسلخ جلودهم، وصنع المساء منها؛ بينما صنع الجبال من عظامهم والأرض من برازهم، وتشكل الكون من عشر سماوات وثمانية أفلاك ورفع واحد من أبناء الروح الحية السموات عالية، وكان اسمه حامل التألق، وهو صافد زيوا في السريانية.
وقام ابن آخر بتثبيت الأفلاك الثمانية على كتفه وهو سيكالا وأطلس باللغة اللاتينية، وبدأت الروح الحية مهمة التحرير؛ حيث طهرت الذرات النورانية التي لم تكن قد تلوثت، وصنعت الشمس والقمر منها، أو فلكي النور كما دُعي عادة، وحول الذرات التي كانت قد تلوثت بشكل جزئي، وحولت ذرات التي كانت قد تلوثت بشكل جزئي إلى نجوم.
وتم اشتقاق هذه الأفكار من علم هيئة الإيراني مسيولوجي كان مألوفًا لفترة طويلة، وبسبب أن الكواكب كانت قاسية، فقد كانت خمسة أيام من الأسبوع قاسية، ولم يكن لطيفًا من بينها سوى يومي الأحد والاثنين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 374)
وبقيت هناك تلك الذرات التي كانت قد عانت المزيد من مواجتها مع الظلام، واستلزم أمر إعادتها وجود إجراء معقد، وشرع إله العظمة بخلق فيض جديد كانت أهم شخصياته الرسول الثالث، واسمه أسقادا باللغة السريانية، وتعني: الرسول، ويسمى أحيانًا باسم مسرا في التعاليم الإيرانية.
وكان الرسول الثالث أبًا لعذارى الاثنتين عشرة للنور، واللواتي احتللن أمكنتهن على أنهن الاثنتا عشرة علامة لمنازل دائرة البروج، وتم اختراع قطعة ألهية أصيلة، وهي عبارة عن عجلة كونية ضخمة جدًّا، كأنها كوكب وتشبه ناعورة الماء، وحددت ذرات نوره للشمس والقمر، وبذخت ذرات النور المتقدة كعامود من نور يعرف باسم عامود المجد، وذلك في النصف الأول من الشهر، واتجه نحو القمر الذي أصبح بدرًا بعدما امتلأ وتضخم بذرات النور، وتم ترشيد ذرات النور خلال النصف الثاني من الشهر من القمر إلى الشمس، ومن هناك إلى جنة نور.
ويقوم وراء هذا كله حسب المعايير العلمية الحديثة مفاهيم ساذجة جدًّا، وهي الأفكار الإيرانية الهندية القديمة المتعلقة بتطهير الروح الإنسانية بوساطة هذا الصعود إلى الكواكب القمرية والشمسية، كما أن فكرة عامود النور الممتد من الأرض إلى السماء، والمؤلف من ذرات متصاعدة من النور هو مجرد فكرة قديمة عن طريق المجرة درب التبانة، المتشكل من أرواح الموتى المتصاعدة باستمرار نحو سماء النجوم الثابتة، وقد سيطر هذا التفسير المسيولوجي على العقائد في العصور القديمة بشكل عام، وبالنسبة لماني فإنه في هذه الحالة قد تبنى سلسلة من الأفكار، كانت عامة ومتداولة في العصور القديمة، ومتأصلة في إيران والشرق الأوسط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 375)
أسطورة إغواء الأراكنة
ثالثًا: أسطورة إغواء الأراكنة؛ أي: الحكام كان ما يسمى بأسطورة إغواء الأراكنة عنصرًا أسطوريًّا آخر لم يستطع أن يخفق في الظهور بشكل كبير إلى رجال الكنيسة المسيحيين بشكل خاص؛ لأنه قص كيف أبحر الرسول الثالث في مركبه الضوئي أي: القمر عبر قبة السماء، وأظهر نفسه للقوى الشياطنية المقيدة؛ حيث أظهر للأركانة الذكور جمال أنوثته المتألق على شكل عذراء النور في الإيرانية الوسيطة كانيا غراشن، وتجلى إلى الأراكنة الإناث في هيئة شاب عار متألق، ولهذا يعرض هذا الإله على شكل خنثى، وحقق نشاط الرسول الهدف المطلوب؛ فقد قذف الأركنة الذكور في أثناء إثارتهم الجنسية العنيفة بذرات النور على شكل نطف سقطت على الأرض؛ حيث سمح التراب للنباتات أن تنبعث عند ذلك مع نتيجة أن هذه النباتات استمرت تحتوي على نسبة كبيرة من الضوء هذه نقطة ينبغي ملاحظتها.
وأما الشياطين المؤنثة، والتي كانت حاملة من قبل فقد ولدت ذريتها قبل حلول الأوان، عندما رأت جمال الرسول، وبما أنه تم قذف هذه الشياطين إلى الأرض، فإنها قد التهمت براعم الأشجار، ومن ثم تمثلت ذرات الضوء التي كانت موجودة في ذلك المكان.
وخلاصة الأمر: هي أن الفكرة تستهدف أن تقول أن ذرات النور التي كانت ما تزال موجودة في المادة، قد تم توزيعها إلى بعض الحدود بين عالم الخضار، وبين ذرية القوى الشيطانية إلى حد ما أيضًا إن نظرة إلى عالم أسطورة الواقع وراء إغواء الأراكنة ستساعد على فهم هذا الموضوع قبل التعمق في دراسة نظام ماني العقائدي، ويسمى الرسول الثالث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 376)
باسم: نارياس يزدا في الفارسية وفي النصوص المكتوبة باللغة الإيرانية الوسيطة، بينما يسمى باسم لا ريسا يزد في الفارسية الوسيطة، وتلك هي الأشكال الغربية الإيرانية الوسيطة الأصيلة لأفذت نارسيه التي يرد ذكرها في الكتب البهلوية على أنها نيروسمعا.
وهنالك جزء في المدونات المتبقية للكاتب فيدورا باركونية التي تعالج قضايا الإله نرسيس، عندما أعطى هارموزد النساء للأتقياء، فهربن وذهبن إلى الشيطان أي: أهرامان، وعندما أحدث أهرامزن السلام والسعادة القويمين أعطى الشيطان أي: أهرامان السعادة للنساء أيضًا، ومع ذلك فإنما ترك الشيطان أهرامان النساء يشتهين ما أردن خشي أهرامزد من أن الجماع مع الصالحين سيكون كما اشتهينه، ولذلك خلق الإله نرسيس، وهو عبارة عن شاب في الخامسة عشر من عمره، وهو العمر المثالي حسب المفاهيم الإيرانية، ووضع عاريًا تمامًا على ظهر الشيطان أهرامان، حيث تشهده النسوة، ويشتهينه، وتنشده من الشيطان، وقد رفعت النسوة أيديهن إلى الشيطان أهرامان، وقلن يا أبانا الشيطان أعطنا هبة من الإله نرسيس.
وستتم دراسة هذا المظهر المسيولوجي لهذه الأسطورة عندما تتم دراسة وجهة نظر ماني حول مسائل الجنس، ومن المناسب في هذه المرحلة أن نوجد موافقات ممكنة مع المسيولوجية المانوية، أن الإله نرسيس المعتبر هنا على أنه إله مذكر وليس خنثى، يتم عرضه بواسطة إله على مرأى من المخلوقات المؤنثة التي تعتبر مخلوقات شريرة، تناقد الصالحين، وبينما يعتبر أهرومزد حامي الصالحين، وأهرامان حاميًا للنساء يتم إظهار نرسيس عاريًا للنساء؛ لإثارة شهوتهن، إذ تتغلب عليهن الرغبة بمضاجعته والاتصال به.
إن نقاط التباين هنا واضحة بقدر وضوح نقاط التوافق تمامًا، ولسنا بحاجة إلى أن نؤكدها، وقد ثبت بالمقارنة مع نص موائم من البنداهشن أنه من الممكن إعادة تركيب المسيولوجية الإيرانية الأصيلة، وأن نقرر أنها كانت زروانية، والشيء المجهول حتى الآن هو فيما إذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
كان ماني نفسه قد غير التفاصيل في المسيولوجية الزروانية، وتبنى تفاصيل أخرى، أو فيما إذا وجدت من قبل ترجمة متطابقة مع النمط المانوي في الزروانية، وعلى أية حال من الممكن إعادة موضوع إغواء الأراكنة إلى ذلك المصدر بالذات أي: إلى العقيدة الزروانية التي التقينا بها مرارًا من قبل.
هذا؛ وإن حقيقة أن المسيولوجية المانوية حين افترضت وجود صلة غريبة من ذرات النور والنطف قد احتاجت إلى موجب ليس مفاجئًا، فقد ارتكز ماني نفسه هنا على آراء معاصرة أيضًا، فقد كانت مدارس الطب الإغريقية القديمة تعتقد أن النطف الصادرة عن الحبل الشوكي قد تشكلت من سيلان ملتهب، وقامت خلف مثل هذا التأمل الطبي فكرة مسيولوجية ظهرت في الثقافة الإيرانية الهندية، وكان الأساس في جميع هذه النظريات هو أن النار هي العنصر الأسمى في الجسم الإنساني، وبما أن الإنسان هو عالم صغير يمثل الكوني الكلي فقد افترض أنه مركب من النار والهواء، والماء والتراب، وكانت الروح زفيرًا ملتهبًا، واعتبرت النطف على أنها نوع ملتهب من المواد.
واعتقد أيضًا أن الشمس والقمر والنجوم هي نوع ملتهب من المادة، ومن هنا أتت ذاتية الإنسان العليا، وهي ستعود إلى هنا. هذا، وليس من السهل القول فيما إذا كان ماني قد اقتبس هذه الآراء من مصادر إيرانية أو مصادر هلنستية، فمن المحتمل أن مثل هذه النظريات كانت مألوفة تمامًا بالنسبة إلى أتباع مذهب الغلطوسية في حران، وهم الذين أعطوا مقدارًا وفيرًا من الوقت للنظرية والتطبيق الطبي، ويمكن التسليم على أنها كانت زائعة في بلاد الرافدين عمومًا، وقد حققت تصديقًا وقبولًا على أيدي الأطباء الهنود والإيرانيين، فقد كان ماني ابن زمانه في مثل هذه المسائل مثله في غيره دائمًا، يعايش الواقع، ويبني دينه على النظريات والأساطير والأوهام، وما كان موجودًا في واقعه وفي الحضارات، والديانات من حوله؛ ليوجد دينًا يتفق مع الواقع يسيره الواقع، والحمد لله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة، ونعوذ بالله من الكفر، ومن الخذلان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
المقاييس المضادة للمادة
ونواصل مع تعاليم ماني فيما يعرف باسم المقاييس المضادة للمادة، والروح بمثابة مركز للفداء، والإيمان بالآخرة، والفلك.
لقد تطورت المادة في الشخص ذي الشهوة الجسدة خطة تأمرية استهدفت الاحتفاظ بذرة النور التي بقيت بها حتى الآن، وقضت هذه الخطة بتركيز جزء كبير من النور في خلقة الفرد، وذلك كقوة موازية للخلق السماوي، ولتنفيذ ذلك جرى اختيار شيطان مذكر اسمه أشقلون، وشيطانة مؤنثة اسمها نمارا إيد وكيما يتم تمثل ذرات النور التي كانت قد سقطت على الأرض، والتي كانت موجودة في إجهاضات الحكام ابتلع أشقلون جميع الحيوانات المخيفة التي كانت مذكرة في حين قدمت الحيوانات المخيفة المؤنثة لنا ما رأينا.
وبعد هذا جمع أشقلون نامرائيل فأنجب آدم وحواء أول المخلوقات البشرية، هكذا نشأ الجنس البشري بما لا شك فيه من مزيج مقزز للنفس من أعمال أكل لحوم البشر، والممارسات الجنسية، وكان جسد الإنسان بمثابة مظهر حيواني صرف للحكام، وكانت شهوته شهوة جنسية مسيرة له؛ تمشيًا مع خطة المادة للإنجاب والولادة، فهذا هو ميراث الإنسان من أصله الحيواني، لكن عالم النور لم يكن قادرًا ولا راغبًا بترك الإنسان تحت رحمة عالم الشر، فتجمع في آدم الجزء الأكبر من النور المحتجز والمتبقى، وذلك هو السبب في أنه أصبح الموضوع الأول لجهد الفداء من قبل عالم النور.
وجرى بذل الجهد حسب النمط نفسه لافتداء الإنسان الأول، فقد خلق آدم أعمى وأطرش، وغير مدرك تمامًا لوميض النور في داخله، وذلك استجابة لتحريض المادة، وكانت تحيط به ضحية من ضحايا الشياطين، فقد كان غارقًا في ثبات عميق، وظل كذلك حتى اقترب المخلص منه، ويتم وصف المخلص الذي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
هو إظهار وتمثيل للرسول الثالث بشكل متنوع، فهو يسمى حينًا باسم الله، أو أهرامزد، أو الإنسان الأول، أو يسوع النور المتألق، أو يسوع المتألق أحيانًا أخرى، وبالطبع إن اسمي أهرامزد ويسوع ينتميان كل على حدة إلى التقاليد الإيرانية والسريانية، ومن المؤكد أنه ابن الله والتجاسيد المعقول للمخلص داخل إطار النظام، فهو إما نئوس، أو واهمان من واهمين، وكان هدفه أن يجدد في آدم نئوسه الخاص به، أو روحه الخاصة به، كما يقال في اللغة الشائعة، فقد أيقظ بدعوته آدم من ثبات الموت، وهزه وفتح عينيه، وأعاد الحياة إليه، وحرره من الشياطين التي تلبثته بتعويذة، وأراه روح النور المحتجزة، والمتألمة في كل مادة، وأظهر له أصله المزدوج، كيف أن جسده قد اشتق من قوى الشر وروحه، أو نفسه أي: ذاته الروحانية من عالم النور السماوي، وعلمه المعرفة الفدائية، والمعرفة الروحية، ومعرفة ما كان وما هو كائن، وما سيكون، والعبارة الأخيرة هي صيغة هندية إيرانية نشهدها في الأدب الهندي القديم، وتتكرر في التعاليم الزرادشتية.
وأما بالنسبة للبقية، فيحمل وصف السابق حتى مع التفاصيل الطابع نفسه، وكما هو مبين في إيقاظ آدم النفس في الأدب المندعي، وتقول رواية سيدور برقونية: ثم التفت آدم نحو نفسه وأدرك ذاته ثم قال: الويل لمن كون جسدي، ولمن قيد روحي وللمتمردين الذين استعبدوني، ويظهر تعبير المتمردين في الأدب المندعي أيضًا بمثابة تعبير عن قوى الشر المعادية لعالم النور؛ حتى إنه تم تبنيه في لغة القرآن وتعابيره.
فهناك سلسلة من المشاهد المتوازنة مثل دعوة الروح الحية التي أيقظت الإنسان الأول، وإيقاظ آدم من قبل ابن الله يسوع، أو أهرامزد، أو النور الساطع، والنصح الذي أسداه المخلص لكل روح إنسانية مقيدة بأغلال المادة، كما أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
إيقاظ الإنسان الأول قد حدث عند المستوى الكوني الأعظم، وحدث إيقاظ الفرد عند المستوى الكوني الأصغر، وكان بين المستويين المستوى الذي تم فيه إيقاظ آدم، والذي اتحدت فيه جميع الأرواح البشرية في جهد موحد.
وتشكل المعركة والهزيمة والثبات العميق والإيقاظ والحوار وعودة الإنسان الأول، والنفس البشرية بعضها مع بعض سلسلة من الإجراءات تتبع بعضهًا بعضًا كمشاهد في مسرحية طقوسية، ولقد كانت مسرحية مثلت لآلاف السنين في بلاد الرافدين، وكانت وصفًا لفقدان الإله تموز، ولبعثه من الموت؛ حيث انطلق مثل محارب توجه نحو بلد معاد، انطلق هكذا نحو الموت، وسقط في قبضته، وبقي في جوف الأرض غارقًا في ثباته العيمق، تحيط به البهائم المتوحشة والشاطين، وذهبت محبوبته عشطار إلى الميدان لتيقظه فأيقظته بدعاء، وبحوار جرى بينهما، ثم انتشلته وحررته من سلطان عالم الموت، وهكذا عاد منتصرًا إلى عالم الحياة.
لقد مارست هذه الطقوس القديمة نفوذها على وصف عملية الفداء ليس في المانوية فحسب، بل في المسيحية السريانية أيضًا، كما أن الأديان التي اتخذت لنفسها مكانًا في بلاد الرافدين لم تستطع كليًّا أن تُفلت من تأثير هذه الحضارة الطبيعية المجيدة، وبقدر ما يعني الأمر ماني نجد أن دراما تموز قد زودته بنقطة البداية بمسيولوجيتها الرمزية لعملية الفداء، وليس أكثر من ذلك فقد أخذ تفسيره لعملية الفداء من تأمل لاهوتي هندي إيراني. زود هذه الرؤية الشرقية القديمة للحوادث التي تصل الأوجى بعملية الفداء، بدلالة فلسفية أكثر عمقًا.
أما فيما يتعلق بالتفاصيل فغالبًا ما نجد أنه من الصعب الحكم في أي من الصور والرموز المسيولوجية قد صدر عن بلاد الرافدين، وأيها في التحرير النهائي قد نشأ في دنيا المعتقدات الهندية الإيرانية، ويكفي أن نسوق بعض الأمثلة لتوضيح هذه النقطة:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
ومن ذلك أن الإنسان عندما سلب من حريته أصبح، وكأنه في السجن، وكان محاطًا بالخوف الشديد، كما كان مخمورًا بنوبة التضليل مثلما يفعل المخدر، وكان أيضًا مبهورًا من المعاناة، وكأنه في هاوية الظلام قد قهرته ضربة الفسوق، وكأنها لدغة أفعى، وتظهر جميع هذه الاستعارات الكلامية من جديد في المانوية، وهي متجمعة ومتغلغلة بشكل جلي في العقائد الرافدية خاصة في عقيدة تموز، وباسطاعتها بسهولة أكبر أن تربح الجولة لصالحها، وعليه لم يكن ماني مبدعًا لها؛ فقد وجدت من زمن طويل قبله، ولربما نالت رموزها العرفانية قبل قرون مضت.
وتقع المصطلحات التالية مثل: ظلام، وسجن، وسمالة، وإيقاظ مع مصطلحات أخرى مألوفة تحت عنوان المصطلحات الغنطوسية؛ لأنه بالنسبة للقدم، ولأصل التقوى الأنطوسية ليست هذه التعابير بدون أهمية؛ حيث تظهر هذه المصطلحات في السبيل الأخير للتطبيق الفني الصرف في محيط هندي الإيراني ومن ناحية أخرى، نجد أن الأهم من ذلك هو أن العقيدة الهندية الإيرانية تعرض على العالم المادي وجهة نظر تفرض استخدام لهذه اللغة الغنطوسية، وبالفعل إن الدين الهندي الإيراني يظهر كما هو معترف به على أنه واحد صارد عن عدة ينابيع، وأنه يهدف نحو تحقيق مفهوم عالمي متشائم؛ لاحتقار وازدراء الوجود المادي، ويتشوق إلى الآخرة والزهد الناشئين عن ذلك، وفيه حافز عميق لهجر العالم، وتصبح هذه النزعة الهندية النموذجية الطريق نحو الفداء، وتسمى باسم طريق المعرفة؛ لأنها ترتكز على التوضيح الفدائي، وهي أن الروح الفردية متطابقة مع العظيم أوبرهمة، وهذا الذي يحدوا بنا إلى العقيدة التي تأتي بعد الروح بمثابة مركز للفداء، وما بعدها من عقائد.
وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمته وبركاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
الدرس: 16 الديانة المانوية (3).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس عشر
(الديانة المانوية (3))
الروح بمثابة مركز للفداء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين الغر الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فها أنا ذا أمضي قدمًا في الكلام عن الديانة المانوية، من بعد الكلام عن حياة "مانو". وبدأنا الكلام عن مبادئه، ونواصل القول في مبادئه وتعاليمه.
وبقي لنا الكلام عن الروح بمثابة مركز للفداء وما بعدها:
إن الشيء النموذجي الذي يعتبر ميزة خاصة في الدين الهندي الإيراني هو أنه يجب على هذا التمذهب جعل الروح مركزًا للعملية الفدائية، ويروي كتاب (القفالايا القبطي) الفصول المؤلف من مائة وإحدى وأربعين فصلًا، والذي يعالج صعود الروح بعد الموت، ما يلي:
تشاهد الروح مخلصها ومنقذها حالما تكون قد غادرت الجسد، وتصعد مع صورة سيدها والملائكة الثلاثة الذين معها، وتمثل بنفسها أمام قاضي الحق وتتسلم النصر.
ولنتحدث بشكل أكثر دقة: إن النص السابق مزيج من نصين متزامنين شاملين بشكل متبادل، وحسبما قال أحدهم: إن الروح تحقق النصر عند صعودها على أيدي شكل مؤلف من ثمانية، وبرفقته ثلاثة ملائكة، ومع ذلك يؤكد مقطع آخر من (القفالايا): أن الإله الخامس هو رمز النور الذي يظهر نفسه في الهيئة ذاتها التي يظهر بها الرسول لكل روح تغادر الجسد ومعها الملائكة الثلاثة العظام المتألقين، ويحمل الأول من بين هؤلاء الملائكة جائزة الانتصار في يده كما يحمل الملاك الثاني نداء النور، ويحمل الملاك الثالث التاج والإكليل، وتاج النور، هؤلاء هم ملائكة النور الثلاثة الذين يأتون مع الشخصية النورانية هذه، ويظهرون أنفسهم للفرد المختار وللمريدين.
إن الشخصية النورانية -المسماة في المثال الأخير باسم الإله الخامس- هي إظهار نؤوس. كما جرى تجلية في الرسول، وهذا إذًا هو الأسلوب الذي تم به تخيل كيف يعمل المخلص الذي خلق اللحم في شخصية يسوع وماني ورسل الله الآخرين، كما يظهر ملائكة المرافقة الثلاثة من جديد في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
روايات أخرى، وتستحق الاهتمام كل من مواهبها المبينة مع جائزة الانتصار والتاج والإكليل، وتاج النور. وتعني جائزة الانتصار: أن تخليص الروح من الجسد يعتبر انتصارًا للمخلوق الجديد على المخلوق القديم، كما يمكن فهم الصراع ضد القديم إما في إطار معنى الصراع المادي، أو في إطار معنى المحاكمة، ويترك القرار في الحالة الثانية للقاضي وهي دعوى مسوغة دخلت أمام هيئة المحكمة؛ دفاعًا عن الروح الميتة. وهذه مصطلحات رمزية تم اشتقاقها من إجراء قانوني سائد في الشرق الأوسط.
ومن ناحية أخرى إن رداء النور والرموز الباقية تشير تمامًا إلى أصل ثقافي هندي إيراني، وتصف المزامير المانوية المكتوبة في الإيرانية المتوسطة كيف تقوم القاعة والعرش والإكليل والتاج والرداء بالاستعداد لروح الإنسان الصالح بعد موته، ويوضح هذا مفاهيم آلية قديمة تؤمن بالآخرة، كما أن الأفكار ذاتها المتعلقة بالقاعة السماوية والرداء والتاج، وقد تحقق البحث الحديث من وجود وصف مطابق تمامًا في الأدب الإيراني القديم.
الإيمان بالآخرة
وننتقل إلى الكلام عن الإيمان بالآخرة:
إن الإيمان الهندي بالآخرة ما كان له أن يكون إيمانًا هنديًّا حقيقيًّا لو لم تخصص نصيبًا للمخلوقات المؤنثة الجميلة التي يلتقي الصالحون بها في السماء، كما أن جرسة التراتيل المانوية ترينا أنها لم تهمل عزاري الجنة، ويجب أن نعيد إلى الذاكرة أيضًا أنه التقى في المانوية الإنسان الصالح مع ذاته السامية على شكل عذراء إلهية رائعة، رافقته في طريقه إلى الجنة.
ونقرأ هذا في قطعة صدغية مكتوبة، وتواصل هذه القطعة شرحها قائلةً: إنه سيقترب من الإنسان الصالح إثر موته ما لا يقل عن ثمانين ملكًا من الجنس الآخر، مزينين بالورود، ويحضونه على التقدم نحو جنة النور ليتذوق السعادة هناك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
إن أشد اللحظات تأثيرًا في جميع المعتقدات الإيرانية المتعلقة بالآخرة هي تلك التي يصادف فيها الإنسان الصالح المتوفى ذاته السامية على شكل فتاة جميلة في الربيع الخامس عشر من عمرها تخبره أنها هي روحه، ويتضح هنا تمامًا أن المفهوم والرمز المانويين هنا مقتبسان من الإيمان الإيراني القديم المتعلق بالآخرة.
ودعيت الفتاة السماوية التي تجسد أعمال الإنسان على الأرض، والتي تأثرت صفاتها ومظهرها بهذه الأعمال في النصوص الزرادشتية، باسم "كيونوسين" أي: سلوك الميت، كما تم تقديم الذات السامية في بقايا النصوص بما يعني سلوكها الخاص، هذا وإن التفاصيل فيها دلالات أيضًا.
ويشغل الرداء الممنوح للروح الصاعدة حسب الرأي المانوي دورًا هامًّا في النصوص الزرادشتية المكتوبة بالإيرانية المتوسطة، وفي النصوص الغمطوسية ذات المنشأ الإيراني، وهذا صحيح بشكل خاص بخصوص نشيد اللؤلؤة، وبناء عليه يوجد هنا رمز آخر اقتبسته المانوية من الغمطوسية الإيرانية، ودُعيت أعمال الإنسان الصالحة في اللاهوت الإيراني الهندي باسم "كنز في السماء". ويفسح هذا بدوره المجال للذات العليا؛ ليتم تسميتها باسم "خازن" وبرؤية أن الرداء الفخم هو مجرد رمز آخر لتلك الأعمال، وتُستخدم أغنية اللؤلؤة أحيانًا وصف الخزنة عند التحدث عن حراسها، وتعرف المانوية بعض الصديقين باسم "كنوز الأم المجيدة"؛ لأن أعمالهم هي الإشراف على الأعمال الصالحة، وخدمت أعمال تقويم بعض الآراء الشائعة العائدة للمصطلحات الغمطوسية والمانوية في تقديم المظاهر الرئيسة للإيمان المانوي بالآخرة بقدر ما يتعلق الأمر بأرواح الصالحين، وأما فيما يتعلق بأرواح الآخرين فقد كانت عقيدة ماني عقيدة تقمص.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
ولربما جاء هذا كمسألة استيعاب للبوذية، مع أنه يجب عدم استثناء تأثير الفيفا غروسية المحدثة، ومن الغريب أن التقمص قد دُعِي في النصوص القطبية بعبارة هي في الإغريقية تعني "إعادة الصياغة أو التشكيل" ومن المحتمل أن هنالك وراء هذا الاستخدام للكلمة أفكارًا إيرانيةً هندية قديمة حول كون الإنسان نَتاجًا لصانع الحداد سماوي، يوجب على كل روح أن تملأ بالعزيمة، تصبح فولاذية خلال النار، حتى تكون مهيأة لاجتياز عملية الانبعاث الروحي داخل الأوتون المشتعل، وتعالج الحكايات الإيرانية القديمة حول إله البرق الموضوع نفسه.
ولم يكن الإيمان المانوي بالآخرة حسبما تعلق بالفرد وأثَّر به متطابقًا مع المستقبل المعد للعالم بصورة عامة، والتفسير الذي يجب تتبعه حول هذه المسألة، هو أن ذرات النور الخالد لم يتم وقفها على الأرواح البشرية، بل كما تم الذكر من أنه كمية الضوء التي ضلت والتي لم تعد قد تم توزيعها في كل مكان من الطبيعة في النباتات والأشجار والفواكه، وفي المخلوقات الحيوانية والإنسانية أيضًا، وربطت المانوية هذه الروح الحية على الدوام مع معاناة وآلام يسوع، وهو يسوع عنصره أدنى من يسوع المتألق الذي سُلِب في عالم المادة، والممتزج مع العالم المادي.
كما اعتبرت الأشجار التي احتوت وفق النظرة المانوية على جزء كبير من النور صليبًا للمسيح، ويقول "فاوست": إن يسوع الذي هو حياة الإنسان ومخلصه معلق على كل شجرة، وإن آلام المسيح وصلبه ليس سوى قضية خاصة، أي: لحظة فردية في المسرحية الكونية للمعاناة والفداء، صداها والمعبر عنها هو يسوعُ الأدنى، وجرى التعبير عن هذا بالطريقة التالية: إننا نلاحظ في كل مكان سر يسوع المربوط إلى صليبه، حيث تظهر جروح المعاناة التي تتألم أرواحنا منها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
وهكذا جرى تفسير منحى العالم على أنه منسجم مع المراحل المختلفة لمعاناة إله كان هو في الوقت نفسه مخلصه، كما كانت قصة إنقاذه للجنس البشري حكاية لفداء هذا الإله؛ لأن الإله واحد مع جميع أرواح البشر.
إن عملية التحرير بطيئة، ولم تصل إلى تحقيق هدفها تمامًا، هذا الهدف الذي سيكون إعادة الجمع المتناسق لجميع ذرات النور، وإعادة اتحادها في عالم النور، لكن قبل أن يتحقق هذا ستكون نهاية العالم قد حلت، وستقوم مجموعة من الآلام الشديدة بنشر ذلك الحدث، وهي من نوع مشابه تمامًا لتلك الآلام المميزة للتأملات الرؤوية للديانتين اليهودية المتأخرة والمسيحة، ولإيران والشرق الأوسط، وإن مثل هذه المادة الوفيرة قد أخذها "ماني" مباشرةً مما يسمى باسم صفر الرؤيا لوقا 21، متى 24، مرقص 13.
ويمكن بوضوح استخلاص جزء من المواد من الأسفار الإيرانية، مثلًا: تتحدث قطعة تركية مانوية عن أيام الآخرة، عندما سيظهر مصر المزيف الذي يكون الثورُ مطيتَه، والحرب علامته، وتؤكد مختلف التقاليد الموروثة أن مِصر كان له بالفعل ثور يركبه، ويشير هذا المقطع إلى أن الإله مصر المزيف كان له مصر مزيف، وهو بمثابة نظيره الأخروي. ومن المحتمل أن الحدث المتعلق بمصر المزيف قد كان جزءًا مما يسمى بـ"اسم الحرب العظيمة" وهي الدرامة الرؤوية الأخيرة التي ظهرت إلى حيز الوجود بشكل خاص في المواعظ القبطية، وكانت عبارة "الحرب العظيمة" اسمًا قد اقتبسه ماني من المصطلحات الإيرانية، وهي العبارة نفسها التي استخدمت في الأوصاف الرؤوية الزروانية، وتم التنبئ بنتيجة هذه المواجهة الحاسمة على أنها انتصار لمعبد الصلاح، أي: جميع الصالحين، كما ستجتمع جماعة المصلحين المتبعثرة من جديد، وسيتم تجديد المعبد، وإنقاذ الكتب المقدسة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)