Arabic source text

📘 আল-আদিয়ানুল ওয়াদইয়াহ - জামিআতুল মাদিনাহ (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

📘 الأديان الوضعية - جامعة المدينة (جامعة المدينة العالمية)

📘 আল-আদিয়ানুল ওয়াদইয়াহ - জামিআতুল মাদিনাহ (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
أما الزند فهو الشرح المباشر للأستاق، وقد دون باللغة الفهلوية، وهي الفارسية في مراحلها المتوسطة، وبعض المتزمتين من الزرادشتيين، كانوا يتمسكون بالأبستان وحده ولا يعترفون بالزند، ويعتبرون من يعول عليه خارجا على أصول الشريعة، إلا أن الذي عليه كثير من الباحثين، ويعترف به الزرادشتيون اليوم وخاصة البارتون في الهند، هو أن الزند شرح للأستاق، حتى يكاد يتساوى معه، يقول صاحب كتاب (مروج الذهب): "وذلك أن الفرس حين آتاهم زرادشت به، أي بكتابهم المعروف الأفستا باللغة الأولى، وعمل له التفسير وهو الزند، وكان الزند بالتأويل غير المنزل، وكان من أورد في شريعتهم شيئا غير المنزل الذي هو الأفستا، وعدل إلى التأويل الذي هو الزند، قالوا هذا زندي.
وأما البازند فهو تفسير للزند، أي شرح لشرح الأستاق، وقد كتب باللغة الفهلوية، في مراحلها التالية للفتح الإسلامي، حوالي القرن الثاني والثالث الهجريين، أي حوالي السابع والثامن الميلادي على الراجح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)

أما الإياردة بكسر الهمزة وفتح الراء وكسرها وفتح الدال، فهي شرح للبازند، أي شرح لشرح الشرح أو تفسير لتفسير التفسير"، يقول العلامة المسعودي في كتابه (مروج الذهب): "ثم عمل علماؤهم بعد وفاة زرادشت، تفسيرا لتفسير التفسير، وسموا هذا التفسير إياردة".
رابعا: أسفار أخرى:
هذا؛ وقد أضاف المتأخرون من الزرادشتيين، إلى كتبهم المقدسة أسفارا أخرى، منها بتدهاش وسفر الأردارديارف، ونجد في هذه الأسفار المتأخرة، بعض مسائل مكملة للتعاليم الزرادشتية، ومن هنا فإن الزرادشتيين أضافوا أسفارا أخرى، غير المصدر الأساسي الأول وهو الأستاق، حكى فيه علماؤهم بعض أمور العقيدة والشريعة، بل بعض الأمور التي حدثت لهم وشئون البلاد، ونظرا لأن كاتبها من الكهنة الزرادشتيين، فقد أصبح من المصادر، التي يرجع إليها أيضا لمعرفة أمور عقيدتهم.
وبعد هذه النظرة حول أهم مصادر الزرادشتية، نذكر ما قاله جيمس هنري برستد في كتابه (انتصار الحضارة) ترجمة الدكتور أحمد فخري عن الزرادشتية يقول: "وكانت هذه الديانة، من أنبل الديانات التي ظهرت في العالم، دعت هذه الديانة كل إنسان، وأهابت به أن يختار أحد الطريقين، إما أن يملأ قلبه بالخير والنور، أو ينغمس في الشر والظلمة، وسواء اتخذ الإنسان هذا السبيل أو ذاك، فإنه سيلاقي جزاءه ويحاسب على ما أتاه، وكانت هذه العقيدة أقدم ديانة ظهرت في أسيا، تقول بالحساب بعد البعث، ولم تكن دعوة زرادشت إلا سموا بالعقائد القديمة، التي كانت منتشرة بين أهله، ورفعا لآلهتهم القديمة إلى المثل الأعلى، ولهذا أبقى زرادشت على احترام الآريين للنار وعبادتهم لها، على أنها رمز ظاهر للخير والنور، كما احتفظ أيضا بفكرة الكهنة مشعلي النار".
ولما لم يستطع زرادشت، أن يؤثر في قومه بدعوته الجديدة، هجر الميليين وذهب إلى الفرس يدعو إلى دينه الجديد، ولعله لم يجد في السنوات الأولى، إلا القليل من الاستجابة إليه، إذ تتضح آماله ومخاوفه في تلك المجموعة الصغيرة من التراتيل التي تركها، وهي على الأرجح، كل ما وصل إلينا من أقوال ذلك النبي، فنحن نعرف شدة شغف الآريين بتربية الخيول، ولهذا لا ندهش عندما نقرأ، أن زرادشت استطاع أخيرا، أن يجعل أحد الملوك الأقوياء، يؤمن به عندما شفى جوادا كسيحا كان الملك يعتز به، وقبل أن تحين ساعة هذا النبي، كانت عقيدته الجديدة قد لاقت نجاحا كبيرا وثبت قدمها، ولم يحل عام خمسمائة قبل الميلاد، حتى كانت الزرادشتية هي الديانة الأولى بين الإيرانيين، كما قبلها أباطرة الفرس أيضا، وليس من المستبعد أن يكون الملك دارا شيد مقبرة هذا النبي، ولسنا نعرف من أقوال زرادشت، غير التراتيل التي ذكرناها آنفا، وإلى جانبها بعض تعاليمه، التي احتفظت بها بعض المؤلفات، التي جمعت في العهد المسيحي المبكر، بعد وفاة هذا النبي بعدة قرون، ويجمع هذه التراتيل كتاب الأبستا، الذي يمكننا أن نسميه إنجيل الفرس.
ويتحدث الأستاذ ميل فيقول: "نشر متحف جيمي سنة 1924، قائلا عن الأفستا: إذا حاول الإنسان قراءة الأفستا، فإنه يدرك لأول وهلة أن قراءتها مستحيلة، ذلك لأن الفصل فيها لا يتلاءم ليكون وحده، ولا يتسق أي جزء مع جزء آخر، فهي أجزاء مفككة يتلو بعضها بعضا، يصدق عليها القول: أنها مجموعة جمل مفككة لا ينظمها عقد واحد، ولا يستطيع المترجم أن ينهض بترجمة الجاثات على وجه سليم وكامل، ويذهب بعض الباحثين، إلى أن العمل القيم في الأفستا، هو تخليص النصوص الموثوق فيها من غيرها، ثم تنسيق هذه النصوص، تنسيقا يحقق الوحدة فيها".
والزرادشتية عقيدة البارسس ولا يزالون يعتنقونها إلى اليوم، وكتابه المقدس هو زندا فستا، والكلمة مركبة من كلمتين، زندا ومعناها شرح وفستا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)

ومعناها النص الأصلي، ومن ثم فمعنى الكتاب النص والشرح، وكتاب البارسس المقدس يتضمن التاريخ الأدبي لأمة، في مدة طويلة من الزمن، مثلهم في ذلك مثل كتاب اليهود المقدس أي العهد القديم، ومن المعروف أن هذا الكتاب المقدس، ظل قرونا طويلة يعتمد على الرواية الشفوية قبل التدوين، وعلى ذلك فالوصول إلى النص الأصلي، أمر لا يمكن القطع به وإن جاز ترجيحه، يضاف إلى ذلك أنه غير مرتب ترتيبا زمنيا.
وفي الترجمة الإنجليزية التي قام بها الأستاذ شبيجل، لتروج بين جماعة البارسس بالهند، الذين يعرفون الإنجليزية، نجد الفنديداد هي الفصل الأول، وفيه أهورا مازدا يتحدث إلى زرادشت، ويمنحه أوامر الشريعة تفصيلا، ولكن لا يظن أحد أن هذا منقول عن النبي نفسه، إنما هو من وضع كاهن بعد موته بقرون، وأنه خلا من تعاليمه، ويأتي بعد الفنديداد الفسبرد والياسنا، وهذان للطقوس الدينية وهما تراتيل وكتاب صلوات، وخاصان برجال الدين فحسب دون غيرهم من العلمانيين، وتلاوة نصوصها لا تحتاج إلى جمهور لسماعها، وتنتظم الياسنا الجاثات، التي ينظر إليها الآن على أنها أجزاء الأفستا الوحيدة، التي هي في الواقع من عمل زرادشت، ويتلو هذه خردة أفستا أو الأفستا الصغيرة، التي تتضمن الياشات، وهي تتضمن تمجيد ملائكة أو آلهة صغار، كما تتضمن صلوات خاصة، وبعض المقطوعات عن الشعائر.
هذا؛ والأفستا المتأخرة ليست باللهجة القديمة، بينما هي بلهجة العصر الأكميني، ولما قامت الدولة الساسانية، ترتب على ذلك إحياء الديانة الزرادشتية في القرن الثالث المسيحي، قام رجال الدين من المجوس بترجمة النصوص الدينية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)

الزرادشتية القديمة إلى اللهجة البهلوية، فصاحب هذه الترجمة تشويه للنصوص الأصلية، وإضافات كثيرة من شروحهم لهذه النصوص، ومن ثم فلا يمكن الزعم أن هذه الترجمة البهلوية، تمثل تعاليم زرادشت تمثيلا صادقا، وتطور العقيدة على يديه.
والمصدر الذي يراه الباحثون المحدثون، هاما في تصوير العقيدة الزرادشتية، هو الياسنا، والياسنا تتضمن خمس مجموعات من التراتيل تسمى الجاثات، وعدد التراتيل سبع عشرة، ويذهب الباحثون إلى أن الجاثات، تتضمن العناصر القديمة للديانة الزرادشتية، التي يضمها كتاب الزندا فستا، ويقولون: إنها احتفظت ببعض أقوال زرادشت، وعلى ذلك فهي من خير المصادر لعقيدته، ويقولون: إنها منظومة بلغة قديمة جدا، وأوزان النظم فيها يختلف بعضها عن بعض، وأن طابع التأنق يبدو فيها، ويمثلونها بالمزامير في أنها تضمنت بعض المعلومات عن حياة الشخصيات.
وتحدث جيمس هنري برستد في (انتصار الحضارة) عن العقيدة الزرادشتية، فقال عن عناصر تكوينها: "تأمل زرادشت الصراع المستمر بين الخير والشر، هذا الصراع الذي كان يراه حوله أينما سار، والذي رآه ممثلا في ديانة الشعب الميدي، وفي عقائدهم وفي آلهتهم، وبدا له أن هذا الصراع قائم بين، مجموعة من قوى الخير ومجموعة من قوى الشر، واعتقد أن الخير ليس إلا كائنا إلهيا، أطلق عليه اسم مازدا، الذي كان اسما لأحد الآلهة القدامى، أو أهورا مازدا ومعناها رب الحكمة، الذي رأى فيه أنه هو الله، وكان يحيط بأهورا مازدا جماعة من الأعوان يشبهون الملائكة، وكان أعظمهم مكانة هو النور فيدعى مثرا، ويقف ضد أهورا مازدا وأعوانه جماعة شريرة قوية، أطلقوا عليها اسم أهرمن، وهو الذي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)

أخذه اليهود ثم المسيحيون من بعدهم، وعرفوه تحت اسم الشيطان، وهكذا نشأت عقيدة زرادشت، من الصراع القائم في الحياة عينها، ولذا أصبحت قوة هائلة".
والناظر إلى هذا القول، يظهر له بوضوح أن الزرادشتية، عقيدة جاء بها صاحبها من النظر إلى الحياة، التي أوحت له بعناصرها، ولكن هذا النظر إلى هذه العقيدة، تدحضه النصوص التي تصور زرادشت على أنه نبي، وهي النصوص التي يرجحون أصالتها، وقد ورد في الجاثات قوله: "إلى أي أرض أفر وإلى أي اتجاه يكون المهرب، إلى النبلاء والسادة وإن يقاطعونني، أم إلى الناس وهم غير راضين عني، أم إلى حكام الأرض الخونة، كيف أبلغ رضاك يا أهورا مازدا، أنا أعرف لماذا لا يصيبني النجاح، لأن عندي قطيعا صغيرا، ولذلك فعندي ناس قليلون، أجأر إليك أن ترعاه يا أهورا، مانحا إياي عونا يعطيه صديق لصديق، وعلمني بالحق كيف أحظى بالفكر الخير".
فهو في هذا النص يشكو، ولا يوجه شكواه إلا لربه، ونجده في نص آخر يشير إلى نفسه، بما يفهم منه أنه نبي ينزل عليه الوحي، فقال: "عرفت أنك الإله الواحد يا مازدا أهورا، عندما جاء إلي الفكر الخير، وسألني: من أنت ومن لك، وبأي آية تعين أيام الحساب بيني وبينك؟ فعندئذ قلت له: أولا أنا زرادشت، المبغض الحقيقي بأقصى ما لدي من قوة للرجل الفاسد، والسند القوي للصالح، وبذلك أنال الأشياء الآجلة في المملكة غير المتناهية، بثنائي وترتيلي لك يا مازدا، عرفت أنك الواحد الإله مازدا أهورا، عندما جاء إلي الفكر الخير، بهذا السؤال: لأي الأشياء ستتجه عزائمك؟ عنده أجبته: في كل تقديم تبجيل لنارك، وكلما كانت في قوة فتأملت في الحق، فأرني إذا الحق الذي أناديه".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)

والذين يذهبون إلى أن العقيدة هي من صنع زرادشت، يقولون: إن أهورا مازدا ليس من ابتداع زرادشت، لأن هذا الاسم كان موجودا من قبل باختلاف يسير في الحروف، كما ثبت ذلك بالنقوش الآشورية، التي هي أبعد في القدم من زرادشت، ومعناه في النقوش الله الواحد الحكيم، أما الفكر الخير والحق، فربما كانا إلهين من الآلهة الصغرى، ولكن المتأمل في النص يتضح له بجلاء، أنهما تابعان لأهورا مازدا أي الإله، ويبدو أن الفكر الخير ملك، وأن الحق صفة من صفات أهورا مازدا، ولا يطعن في هذا الرأي، الإشارة إلى النار المقدسة، لأنها تبدو في النص على أنها رمز، أما تقديسها فمن رواسب الشعائر القديمة، التي انتقلت إلى العقيدة، وتقديس النار يرجع إلى أيام، أن كانت القبائل الشمالية القديمة في حالة بداوة، وتنتقل من مكان إلى مكان تقيم فيه النيران، التي تبعث فيهم أعز مطلب وهو الدفء، في جو قاس شديد البرودة، فكانت لديهم مقدسة.
على أن هذا الرأي الذي ننصره، لا يستقيم دائما مع النصوص الموثوق بها وهي الجاثات، التي هي أناشيد موجهة إلى أهورا مازدا، ذلك لأنها نصوص قديمة تدين في وجودها، إلى الرواية الشفوية أولا، فترتب على ذلك شيء من الاضطراب، ومن هنا نجد ما يوهم التعارض، ومن الخير أن نذكر على سبيل المثال، نصا من ترجمة الدكتور مولتن، الذي ترجم الجاثات إلى الإنجليزية بعضها نثرا وبعضها شعرا، جاء في الجاثة الخمسين ما يأتي:
"أرجو أن يعلمني خالق الحكمة شرائعه، عن طريق الفكر الخير، حتى يجد لساني لها منفذا، فمن أجلك سأسرج أسرع الجياد المطهمة الممتلئة القوية، في إنجاز التسبيح لك، حتى تأتي إلى هنا يا مازدا، الحق والفكر الخير وتكون مستعدا لعوني، وبأشعار عرفت بحمية التقوى، سأمثل أمامك بيدين مبسوطتين أمامك، أنت أيها الحق بصلاة المؤمن، وأمامك بجهد الفكر الخير، وبهذه الصلوات أقدم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)

وأسبح لك يا مازدا والحق بأعمالي الفكر الخير، ولو كنت سيد مصيري كما أريد إذا، ليتجه التفكير نحو حماية العقلاء بنفس السبيل، تلك الأعمال التي سأصل إليها، وتلك التي تمت من قبل، وتلك أيها الفكر الخير، التي هي ثمينة في العين أشعة الشمس، وانبثاق الأيام الوضاحة، هي جميعا تسبح لك أيها الحق أهورا مازدا، سأعلن نفسي مادحا لك مازدا، وأظل أيها الحق كذلك ما دامت في قوة وقدرة، وأرجو أن يتم خالق العالم بالفكر الخير تحقيقا، وكل ما هو استجابة تامة لإرادته".
ففي هذا النص يبدو ظاهره، أن الحق والفكر الخير صفتان لأهورا مازدا، كما في العبارة الثانية، وذوا كيان مستقل عن أهورا مازدا في غيرها، ولكن المتأمل في النص يلاحظ فيه اضطرابا، ذلك لأن الفكر الخير في النص، يقوم بتعليم الحكمة، وبجهده في التعليم يكون السعي إلى أهورا مازدا، وشخصية على هذا الوجه المستقلة، وليست صفة لأهورا مازدا، فكيف إذا يكون صفة، اللهم إلا إذا كانت الرواية الشفوية، حرفت النص فشوهته، على أنه يمكن التماس تفسير، أن الفكر الخير في كل حالة شخصية مستقلة، بتقدير أنه ممثل لأهورا مازدا، وهذا يؤيد الرأي القائل، باستقلال شخصيته ويزيل اللبس والغموض.

‌‌فكرة الحساب والشفاعة، والأعياد والأخلاق عند الزرادشتيين
فكرة الحساب والشفاعة:
فنجد في الياسنا الرابعة والأربعين نصا، ننقله عن ترجمة الدكتور مولتن، يقول: "عن هذا أسألك فأبلغني يقينا، وقل على التحقيق أيها الإله المقدس، كيف أقوم بعبادة تليق بك أيها الملك المعبود، علمني أيها الواحد الحكيم كما يعلم السماوي الأرضي، كصديق حدثني كصديق، أو يأتي الحق الرءوف بعونه في حينه، ومع

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)

الفكر الخير السماوي، تنزل إلينا الحماية بقدرته الرحيمة، قل لي على التحقيق وأبلغني يقينا، فأنا أتوسل أيها الملك المقدس، عندما تنبلج أسمى الحياة عند مدخل مملكتك، هل من مقدرات الحكمة السماوية، إعطاء كل امرئ حقه، حقا إنه هو النبي المرسل، الذي توضع لروحه الساهرة كل خطايا البشر، ومع ذلك فدأبه كصديق، تحيا عوالم الحياة من جديد"، وهنا نجد الزرادشتية تعترف بيوم الحساب، إلا أنها تجعل في يدي نبيها، تقرير المصير لأخطاء البشر، وغير واضح إن كان هذا يتأتى عن طريق الشفاعة، فهو حق مقرر لنبي الزرادشتية كما يعلنه هذا النص.
ويخط ئ بولكيه في تشبيه هذه العقيدة بالعقيدة الإسلامية عن الشفاعة، التي تجعل مصير خطيئة الإنسان في يد الله، وهو سبحانه الذي يقرر الحكم فيها أولا وأخيرا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالشفاعة في الإسلام مقصورة على المسلمين وحدهم، لا على البشر كافة كما هي في النص الزرادشتي، هذه الفكرة الدينية فكرة الشفاعة، لا تنسب إلا لرسول، وهذه الرسالة تقررها الياسنا الحادية والثلاثون، في قولها: "العبادة للحق ولمازدا، أو لأي من الآلهة يكون هناك، القدر والواجب يحثانني أيها الفكر الخير، فالتمس لي كل قوة الله حربا على الفساد حتى ينال النصر".
وبهذا تبدو الديانة سماوية وبشرية في آن واحد، سماوية بشر بها نبي هو زرادشت، وبشرية لما نالها من التحريف، الذي شوه بعض معالمها وأساء إليها، لأنها ظلت قرونا طويلة، تنتقل من جيل إلى جيل بالرواية الشفوية، حتى دونت آخر الأمر، بعد أن عمل فيها الخيال وما ألف الناس، حقا إن هذه العقيدة وجدت لها نصيرا، في أوائل القرن الثالث الميلادي، بعد أن قامت الدولة الساسانية في إيران،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)

تلك الدولة التي رأت في انتصارها لهذا الدين، ما يدعم ويثبت كيانها، ولكن هذه العقيدة على الرغم من فوزها بهذا النصير، عاشت بين أيدي المجوسية، وهؤلاء إلى جانب ما نال العقيدة، من تشويه أثناء روايتها الشفوية، أضافوا إليها شروحا أتت بما يعرف بالزندا فاستا، وهذه الشروح تأثرت بوجه من الوجوه بالفكر اليوناني، الذي انتقل إلى فارس بصور مختلفة، منها هجرة بعض الإغريق إلى هذه البلاد، ثم تطورت هذه العقيدة بعد ذلك بتأثير الحكم الإسلامي، الذي بسط سلطانه على إيران منذ القرن السابع الميلادي، ونتج عن ذلك كتب دينية، ذات اتجاه يصور هذا التأثير الإسلامي.
ومهما يكن من أمر فإن العقيدة الزرادشتية، تعيش الآن في الهند بين طائفة تعرف بالبارسيس، والمعروف أن كهنة هذه الطائفة، غير ميالين إلى الاجتهاد في عقيدتهم، الأمر الذي يترتب عليه عاجلا أو آجلا، إلى إجبارهم إلى الأخذ بمعالم الحضارة الحديثة، وتنسيق الأفكار الدينية مع العقل الحديث، أو إلى ترك المثقفين لهذه العقيدة، والانحياز إلى عقيدة أخرى، تتلاءم مع تطورهم العقلي.
ونضيف قائلين: ولذا ففي الزرادشتية المتأخرة الإله الواحد، ليس متفردا في قدرته، وإنما قبالته كمصدر للخير يقف له مناوئا مصدر الشر، وعلى هذه الساحة المستعرة، كان القتال بين هاتين القوتين النور والنار والشر والظلام، وكلاهما مازدا وأهرمان يقف بجنوده المؤلفة من الملائكة أو من الشياطين، وهذا يعد حزب الإله وهذا يعد حزب الشيطان، ومن ثم آلت الزرادشتية إلى الثنائية، أو ما يعرف بالثنوية، حيث إله الخير والشر أو إله النور والظلام، كما حرصت الديانة الزرادشتية.
على أن يوقد في كل هيكل من هياكلها شعلة من النار، وأن تظل هذه الشعلة متوهجة مضيئة، يتعاهدها الموابذة كبار رجال الدين، والهرابذة وهم صغار

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 464)

رجال الدين، فيقومون لها خمس مرات في اليوم، وقودا من خشب ومشتملا على أعشاب ومواد عطرية، فيمتلئ الهيكل بعرفها الطيب وريحها الزكي، وترتل حولها الأدعية وتقام لها الصلوات، فانتهى الأمر في الزرادشتية، إلى تقديس وعبادة النار، والاعتقاد بأنها ابنة الإله أهورا مازدا، ولذلك فلا يمكن أن يخلو بيت من بيوت الزرادشتيين الآن، من موقد النار رمز الإله وابنة الإله في آن واحد، وكان يشارك النار في التقديس، ثلاثة عناصر أخرى من عناصر أرضية، وهي التراب والهواء والماء، وإن كانت في مستوى أقل من مستوى النار.
ورغم هذا يقول الزرادشتيون: إنهم يقدسون النار ولا يعبدونها، ومن أجل ذلك تحملوا تلك المهمة، وحافظوا على إشعال النار وإحراقها في المعابد، وكانوا يأتون الهيكل خمس مرات في اليوم، ليقدموا للنار وقودا من خشب الصندل وغيره، ولكن ما ورد في أدعيتهم وتراتيلهم، من خلال نظراتهم إلى النار يكذب هذا الادعاء، ويترتب القول بأن الزرادشتيين يتوجهون بالعبادة للنار، وقد بالغ الزرادشتيون في تقديس نار الهيكل، فأوجبوا على رجل الدين أن يتلثم عند اقترابه من النار، خشية أن يصل زفيره إليها فيلوثها، وكان عليه أن يتذكر حين يدنو منه هذه القوة الأرضية، أن هذا النور الفياض إنما يرمز إلى الإله أهورا مازدا، وهكذا قدس الزرادشتيون النار والشمس، وبقية العناصر الأربعة: التراب والهواء والماء، وقدسوا كذلك الثور والكلب.
يقول صاحب كتاب (الديانة الزرادشتية): "إن احترام النور يحتل مكانا قدسيا مرموقا في الديانة الزرادشتية، لاعتقادهم أن الإله أهورا مازدا قد خلق النور والإنسان في آن احد، وقدسوا كذلك الكلب، فالكلب في الديانة الزرادشتية له أكرم منزلة، أما عن بقية المقدسات، فالزرادشتيون ينظرون إلى الماء والتراب والهواء والنار نظرة تقديس".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 465)

يقول صاحب كتاب (زرادشت الحكيم): "وتكاد الطقوس والتعاليم الدينية الزرادشتية، تدور على محور واحد هو تقديس النار"، وفي موضع آخر يقول: "في جميع أنحاء إيران تقاد النيران، التي نظروا إليها نظرة قدسية خاصة، الأولى نار العظمة الربانية، التي كانت بهيكل كابول، والثانية نار الأبطال، وكانت تشعل في هيكل على جبل أزنون، على سواحل جزيرة أورمية على مقربة من مسقط رأس زرادشت، والثالثة نار العمال، وكانت تشعل على جبل يوتنت بخراسان، فالنار أصبحت مقدسة عند كل زرادشتي، بل توجهوا إليها بالعبادة والتضرع في صلواتهم".
أما عن تقديس بقية العناصر، فلم يقف الزرادشتيون عند تقديس الشمس والنار، بل إنهم كانوا يقدسون سائر العناصر الأربعة وهي التراب والماء والهواء، ولأمر ما لم تدفن جثة الميت في التراب، ولم تحرق في النار، ولم يذر رمادها في الهواء، كما يفعل بعض أرباب الديانات الأخرى قبل الهندوسية، ولكن الزرادشتيين نظرا لاعتقادهم نجاسة الميت، فإنهم لا يضعونه في العناصر المقدسة، ولا يجعلونه يمسك خشبة، أن ينجس الميت في اعتقادهم هذه العناصر الطاهرة.
ورغم كل هذا يزعم الزرادشتيون أنهم موحدون، لا يعبدون ولا يقدسون إلا إلها واحدا، وكان أول عهد يأخذه الزرادشتي على نفسه، كما جاء في الأفستا المقدسة: "لن أقدم على سلب أو نهب ولا تخريب أو تدمير، ولن آخذ بالثأر، وأقر أني أعبد الإله الواحد أهورا مازدا، وأني أعتقد دين زرادشت، وأقر أني سألتزم التفكير في الخير والكلام الطيب والعمل الصالح".
وهكذا انتهت عقيدة الزرادشتيين، إلى عبادة المخلوقات مع الإله أهورا مازدا، ووصفه بصفات النقص، وتقديس بعض أمور الطبيعة، من نار وماء وتراب وهواء

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 466)

وشمس، وأشياء أخرى مثل الثور والكلب، كما ينظر الزرادشتيون نظرة تقديس إلى العناصر الأربعة، وبهذا توجد سمة اعتقاد بأشياء طيبة وأخرى خبيثة، ويؤمن الزرادشتيون أيضا بالملائكة والشياطين، ففي الزرادشتية يوجد فضائل سبع تمثل الملائكة السبع الخيرة، هذه الفضائل هي: العقل الخير والنور والحكمة والخير والتقوى والخلود والأمر الصالح، وهناك جماعة الأرواح المقدسة، التي تتألف من ستة ملائكة ذكور وست ملائكة من الإناث، وتبيح الزرادشتية أن تتولى النساء وظائف الكهنوت، ويوجد في الزرادشتية ملائكة كثيرة.
وأما بالنسبة للشياطين؛ فالشيطان في الزرادشتية يدعى بأهرمان وله جنود كثيرون، فهو إله الشر الذي يقف ضد أهورا مازدا، وهو يستنهض عددا من الكائنات الشريرة، فراحوا يتهيئون للانقضاض على كل عمل طيب يصدر عن أهورا مازدا، فبعد خلق الكون كما يعتقد الزرادشتيون، حاول أهرمان إفساد نظام الكون، فاقتحم قبة السماء فشدها، وشتت النجوم وأفسد ماء البحر وجفف الينابيع وسم النبات، وبث الأفاعي في الصحارى وعاث في الأرض فسادا.
وهكذا يعتقد الزرادشتيون نفاذ قدرة أهرمان الشيطان، على إفساد الكون وعلى إلحاق الضرر، وقتما شاء بالمخلوقات وكما شاء، وعن عدد هؤلاء الشياطين كثر، يبلغ كما ذكر أحد الباحثين تسعة آلاف ومائة وتسع وتسعون شيطانا أسودا يساعدون روح الشر، ولكن هذه العقيدة وهذا العدد مخالف للمعتقد الصحيح، إذ إن الشيطان ليس له القدرة على ما زعمه الزرادشتيون، من إفساد نظام الكون الذي ينسبونه لأهرمان، فليس للشيطان سبيل على تشويه السماء، أو تشتيت النجوم أو إفساد ماء البحر، إلى غير ذلك من أمور الكون، وما هو إلا مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 467)

هذا؛ ويمكن القول بأن العبادات عند الزرادشتية كل ما يتوجه به المرء إلى إلهه ومعبوده يطلق عليه جانب العبادات، ومن أهم العبادات في الزرادشتية، عبادة النار وتقديسها، ويسمونها أتار، وتحاول كل أسرة أن تبقي نار بيتها متقدة أبدا، كما عبد الزرادشتيون الشمس وقدموا لها الصلوات؛ لأنها تمثل أهورا مازدا إله النور، فهم يتوجهون بالعبادة والدعاء إلى النار في تراتيلهم وصلواتهم، ويقولون: أيتها النار يا بنة أهورا مازدا.
وقد فرض زرادشت على أتباعه خمس صلوات في اليوم والليلة، وكان واحدة منها عند بزوغ الشمس، وواحدة عند الظهر، وواحدة عند غروب الشمس، والصلاة عنده دعاء، يوجه إلى أهورا مازدا في شتى المناسبات، وخلاصته ترجمة دعائه المأثور: "أرجو منك أيها الرب الخالق المطلق القدير، أن تغفر لي ما ارتكبت من سيئات، وما دار بخلدي من تفكير سيئ، وما صدر عني من قول أو عمل غير صالح، إلهي إنني أرجو منك أن تباعد بيني وبين الخطايا، حتى أحشر يوم الدين مع الأطهار الأخيار". وهكذا فإن من أهم أمور العبادة، الدعاء والتضرعات للنار المقدسة وعبادتها، وكذلك عبادة الصلوات الخمس، التي يقيمونها ويؤدونها أمام هيكل وموقد النار.
وليس في الزرادشتية صوم؛ لأنهم يعتقدون أن الصوم إرهاق للجسد، وتعطيل لعمل العقل، والزرادشتية دين كفاح نفس وعمل روحي ونظام دنيوي، لا يتطلب إلا عمل العقل، وعمل العقل مع صحة البدن، لهذا حرمت الزرادشتية الصوم، وعلى هذا فإن الصوم ممنوع عندهم، لأنه يتنافى في اعتقادهم مع المبادئ، التي دعت إليها الزرادشتية، من إنماء النسل والمحافظة على قوة البدن، وعلى مجابهة قوى الشر ومحاولة سحقها، ولا يستطيع أن يفعل ذلك ويقوم به إلا الرجال الأقوياء، والصوم كما يظنون يخالف ويضاد هذا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 468)

كذلك تدعو الزرادشتية إلى التصوف وإعانة الفقراء والمعدومين، تقول صاحبة كتاب (الدين في الهند والصين وإيران) عن تعاليم زرادشت: "إنها تحث الإنسان أن يؤدي الصدقة العملية، فإن من يعاون الفقير البائس، يسهم في إقامة دولة أهورا مازدا". وعندهم شرائع تحث على الزواج، والتوالد توالد الكائن البشري، من أجل نشر الديانة الزرادشتية، وتوطيد وترسيخ دعائم المملكة الدينية الإلهية، والانتصار للقضايا الخيرة.
وأما أعياد الزرادشتيين، فعندهم عيد النيروز 21 مارس أول أيام الربيع، وعيد كهنبار الذي يحتفل به في السنة ست مرات، وواجشت وهو احتفال يقام قبل مراسم كهنبار، ويوزدي ويسمى دار طلب المدين، وعيد آخر يسمى عيد السفك، وربما لهم أعياد أخر.
وأما الأخلاق عند الزرادشتية، فقد بات واضحا أن الزرادشتية، دعت إلى أخلاق فاضلة ونهت عن أخلاق سيئة، بل شددت النكير على مرتكبها، وأول ما تنادي به الزرادشتية من أخلاق الفكر الطيب والقول الطيب والعمل الطيب، ولذلك أصبحت هذه الثلاث علامة على الزرادشتية، حتى أصبح يعرف كل من يدين بهذا الدين، إذا تكلم بدت من فلتات لسانه هذه الكلمات الثلاث، الاعتقاد الصادق والكلم الطيب والعمل الصالح، هي أمهات الفضائل الجوهرية في الديانة الزرادشتية، كما نهت عن الأخلاق السيئة، التي تتناقض مع الفكر الطيب والقول الصالح والعمل الخير، ونهت عن الكبر وعن مصادقة الأشرار وعن الانغماس في الشهوات والملذات، وغير ذلك من الأخلاق السيئة، فيما يتوافق في اسمه وظاهره مع الإسلام الحنيف، الذي دعا إلى كل فضيلة ونهى عن كل رذيلة.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله صحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 469)

‌‌الدرس: 20 مقارنة بين عقائد المانوية والزرادشتية في: الله، والنفس، والمصير.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 470)

بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العشرون
(مقارنة بين عقائد المانوية والزرادشتية في: الله، والنفس، والمصير)

‌‌عقائد المانوية والزرادشتية في الله - عز جل-
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
بعد أن حدثتك عن زرادشت والزرادشتية؛ من حيث التأسيس والنشأة والتطور، ومن حيث المصادر والعقائد؛ ها أنا ذا أعقد مقارنة بين عقائد المانوية والزرادشتية؛ في الله والنفس والمصير. ونذكر عقيدة زرادشت في الله - عز جل، ثم نقارنها بعقائد المانوية.
وخلاصة ما جاء به زرادشت من جديد في الديانة، أنه أنكر الوثنية وجعل الخير المحض من صفات الله، ونزل بإله الشر إلى ما دون منزلة المساواة بينه وبين الإله الأعلى، وبشر بالثواب وأنذر بالعقاب، وقال بأن خلق الروح سابق لخلق الجسد، وحاول جهده أن يقصر الربانية على إله واحد، موصوف بأرفع ما يفهمه أبناء زمانه من صفات التنزيه، وليست المجوسية كلها من تعاليم زرادشت، أو تعليم كاهن واحد من كهان الأمة الفارسية، فقد سبقه الفرس إلى عقائدهم، في أصل الوجود وتنازع النور والظلام، ولكنه تولى هذه العقائد بالتطهير، وحملها على محمل جديد من التفسير والتعبير.
فالمجوس كانوا يعتقدون أن هرمز وأهرمن، مولودان لإله قديم يسمى زروان ويكنى به عن الزمان، وأنه اعتلج في جوفه وليدان، فنذر السيادة على الأرض والسماء لأسبقهما إلى الظهور، فاحتال أهرمن بخبثه وكيده، حتى شق له مخرجا من الوجود، قبل هرمز الطيب الكريم، فحقت لأهرمن سيادة الأرض والسماء، وعز على أبيهما أن ينقض نذره، فأصلحه بموعد ضربه لهذه السيادة، ينتهي بعد تسعة آلاف سنة، ويعود الحكم بعده لإله الخير خالد بغير انتهاء، ويؤذن له يومئذ في القضاء على إله الشر، وتبديل غياهب الظلام.
وزعموا أن مملكة النور ومملكة الظلام، كانتا قبل الخليقة منفصلتين، وأن هرمز طفق في مملكته يخلق عناصر الخير والرحمة، وأهرمن غافل عنه في قراره السحيق، فلما نظر ذات يوم ليستطلع خبر أخيه، راعه اللمعان من جانب مملكة أخيه، فأشفق على نفسه من العاقبة، وعلم أن النور يوشك أن ينتشر ويستفيض، فلا يترك له ملاذا يعتصم به، ويضمن فيه البقاء، فثار وثارت معه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 472)

خلائق الظلام وهي شياطين الشر والفساد، فأحبطت سعي هرمز وملأت الكون بالخبائث والأرزاء، وران هذا البلاء على الكون، حتى كانت معركة زرادشت، فكان البشير بانتهاء زمان وابتداء زمان، ولكنه لم يختم صراع العدوين اللدودين، بل آذن بتحول النصر من صف إلى صف، وتراجع الشر والظلام عن مملكة الخير والنور، وسيدوم هذا الصراع اثني عشر ألف سنة، ينجم على رأس كل ألف منها بشير من بيت زرادشت، فيعزز جحافل هرمز ويوقع الفشل في جحافل أهرمن، وتنقضي المدة فينكث أهرمن على عقبيه مخلدا في أسفل سافلين، لا فكاك له أبد الأبيد، من هاوية الظلمات وسجن المذلة والهوان.
وتدل تسمية الإلهين دلالة واضحة، على انتقال فكرة الإلهية طبقة فطبقة، من صورة التجسيم إلى صورة التنزيه، فإن هرمز مأخوذ من أهورا بمعنى السيد، ومازدا بمعنى الحكيم، وأهرمن مأخوذ من أنجرو بمعنى السيئ وماينوش بمعنى الفكر والروح، والمعنيان معا من عالم الفكر المجرد أو القريب من التجريد، ثم أصبحت كلمة أور مزدا مرادفة لروح القدس، وكلمة أهرمان مرادفة لروح الشر أو روح الأذى والفساد. وقيل في مجمل الأساطير المجوسية: إن أهرمان إنما هو فكرة سيئة، خطرت على بال زروان فكان منها إله الظلام.
ويخيل إلينا أن زرادشت، كان خليقا أن يسمو بعقيدة المجوس، إلى مقام أعلى من ذلك المقام في التنزيه، وأن يسقط بأهرمن من منزلة الند إلى منزلة المارد المطرود، لولا أن وجود أهرمن كان لازما، لبقاء الكهانة الفارسية، في عهود المحن والهزائم التي منيت بها الدولة، وتجرعت فيها الأمة غصص الذل والانكسار، فلو قال الموابذة للمؤمنين بهرمز: إنه هو الإله المتفرد في الكون بالتصريف والتقدير، لكفروا بدينهم وحاروا في أمرهم، ولكنهم يكبرون من قوة أهرمن، ويجعلون

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 473)

انتصاره عقوبة للناس على تركهم للخيرات وحبهم للشرور. ثم يبشرونهم بغلبة الإله الحكيم الرحيم بعد الهزيمة، فتهدأ وساوسهم إلى حين.
على أن زرادشت، قد استخلص من أخلاط المجوسية عقيدة وسطا، بين العقيدة الوثنية الأولى والعقيدة الإلهية الحديثة، سواء في تصحيح الفكرة الإلهية، أو مسائل الأخلاق ومسائل الثواب والعقاب، فالله في مذهب زرادشت، موصوف بأشرف صفات الكمال، التي يترقى إليها عقل بشري، يدين على حسب نشأته بالثنائية وقدم العنصرين في الوجود، فالخير عند زرادشت غالب دائم، والشر مغلوب منظور إلى أجل مسمى، وما زال أهرمن يهبط في مراتب القدرة والكفاية على هذا المذهب، حتى عاد كالمخلوق الذي ينازع الخالق سلطانه، ولا محيص له في النهاية من الخذلان.
وفي الزند فستا يقول زرادشت: " إنه سأل هرمز: يا هرمز الرحيم صانع العالم المشهود، يا أيها القدس الأقدس، أي شيء هو أقوى القوى جميعا في الملك والملكوت؟ فقال هرمز: إنه هو اسمي، الذي يتجلى في أرواح عليين، فهو أقوى القوى في عالم الملكوت، فسأله زرادشت أن يعلمه هذا الاسم، فقال له: إنه هو السر المسئول، وأما الأسماء الأخرى فأولها هو واهب الأنعام، وثانيها هو المكين، وثالثها هو الكامل، ورابعها هو القدس، والاسم الخامس هو الشريف، والاسم السادس هو الحكمة، والاسم السابع هو الحكيم، والاسم الثامن هو الخبرة، والاسم التاسع هو الخبير، والاسم العاشر هو الغني، والاسم الحادي عشر هو المغني، والاسم الثاني عشر هو السيد، والاسم الثالث عشر هو المنعم، والاسم الرابع عشر هو الطيب، والاسم الخامس عشر هو القهار، والاسم السادس عشر هو محق الحق، والاسم السابع عشر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 474)

هو البصر، والاسم الثامن عشر هو الشافي، والاسم التاسع عشر هو الخلاق، والاسم العشرون هو مزدا أو العليم بكل شيء".
وقد حرم زرادشت عبادة الأصنام والأوثان، وقدس النار على أنها هي أصفى وأطهر العناصر المخلوقة، لا على أنها هي الخلاق المعبود، وقال: "إن الخلائق العلوية كلها، كانت أرواحا صافية لا تشاب بالتجسيد، فخيرها الله بين أن يقصيها من منال أهرمن، أو يلبسها الجسد لتقدر على حربه والصمود في ميدانه، لأن عناصر الفساد لا تحارب بغير أجساد، فأبت أن تعتصم بمعزل عن الصراع القائم بين هرمز وأخيه، واختارت التجسد لتؤدي فريضة الجهاد في ذلك الصراع".
ويتخيل زرادشت هرمز أو أورمزد أو أهورا مازدا أو يزدان، على اختلاف اللهجات في نطقه، ومستويا على عرش النور، محفوظا بستة من الملائكة الأبرار، تدل أسماؤهم على أنهم صفات إلهية، كالحق والخلود والملك والنظام والصلاح والسلامة، ثم استعيرت لها سمات الذوات، بعد تداول الأسماء أو تداول الأنباء عما تفعله، وما تؤمر به وما تتلقاه من وحي الله، وتفيض أقوال زرادشت كلها باليقين من رسالته واصطفاء الله إياه، للتبشير بالدين الصحيح والقضاء على عبادة الأوثان، ومن أمثلة هذا اليقين قوله: "أنا وحدي صفيك الأمين، وكل من عداي فهو عدو لي مبين"، وإن الله أودع الطبائع عوامل الخير جميعا، فإن هي حادت عن سواء السبيل، كان إرسال الرسل للتذكير والتحذير، آخر حجة لله على الناس، وإن زرادشت هو هذه الحجة، التي أبرزها الله إلى حيز الوجود، لتهدي من ضل وتذكر من غفل، وتستصلح من فيه بقية للصلاح، وكلما انقضى ألف عام، برز إلى حيز الوجود خليفة له من سلالته،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 475)

ولكن الأرواح التي تحف بالعرش، هي التي تحمل بذرته إلى رحم عذراء، تلهمها تلك الأرواح أن تتطهر في تلك الساعة بالماء المقدس، في عين صافية مدخرة في ناحية الأرض ليومها الموعود.
ويتخيل زرادشت أنه يناجي هرمز ويسمع جوابه، ويسأله سؤال المتعلم المسترشد لمرشده وهاديه، فيناديه: "ربي هب لي عونك، كما يعين الصديق أخلص صديق، ويسأله ربي ألا تنبئني عن جزاء الأخيار، أيجزون يا ربي بالحسنة قبل يوم المعاد، أو يسأله من أقر الأرض فاستقرت، ورفع السماء فلا تسقط، ومن خلق الماء والزرع، ومن ألجم للرياح سحب الفضاء وهي أسرع الأشياء"، ولا يبعد أن يكون من أصحاب الطبائع، التي تغيب عن الوعي أو تسمع في حالة وعيها، أصواتا خفية من هاتف ظاهر أو محجوب، كما روي عن سقراط وأمثاله من الموهوبين والملهمين.
ورواية الخليقة في مذهب زرادشت، أن هرمز خلق الدنيا في ستة أدوار، فبدأ بخلق السماء ثم خلق الماء ثم خلق الأرض ثم خلق النبات ثم خلق الحيوان ثم خلق الإنسان، وأصل الإنسان رجل يسمى كيمورث، قتل في فتنة الخير والشر، فنبت من دمه ذكر يسمى ميشا وأنثى تسمى ميشانة، فتزاوجا وتناسلا، وساغ من أجل ذلك عند المجوس زواج الأخوين.
ويفرق المجوس بين الخلائق جريا على مذهبهم، في اشتراك الخلق بين خالق الطيبات وخالق الخبائث، أو بين إله النور وإله الظلام، فالأحياء النافعة من خلق أرمز، كالثور والكلب والطير البريء، والأحياء الضارة من خلق أهرمن، كالحية وما شابهها من الحشرات والهوام، والناس محاسبون على ما يعملون، فكل ما صنعوه من خير أو شر، فهو مكتوب في سجل محفوظ، وتوزن أعمالهم بعد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 476)