الدرس: 4 التفسير العلمي بين المؤيدين والمعارضين والمتساهلين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع
(التفسير العلمي بين المؤيدين والمعارضين والمتساهلين)
تتمة الكلام عن المعارضين والمنكرين للتفسير العلمي
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فكنا قد تعرضنا إلى إنكار الشاطبي لهذا اللون من التفسير العلمي:
لقد أخذ الشاطبي بعد هذا في ذكر ما استند إليه أرباب التفسير العلمي من الأدلة فقال: "وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء} (النحل: 89)، وقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء} (الأنعام: 38)، ونحو ذلك وبفواتح السور، وهي مما لم يُعهد عند العرب، وبما نُقل عن الناس فيها، وربما حُكي من ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره أشياء ".
ثم أخذ الشاطبي رحمه الله يفند هذه الأدلة فقال: "فأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد أو المراد بالكتاب في قوله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء} (الأنعام: 38) اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية، وأما فواتح السور فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدًا كعدد الجمل الذي تعرفوه من أهل الكتاب حسبما ذكره أصحاب السير، أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى وغير ذلك، وأما تفسيرها بما لا عهد به فلا يكون، ولم يدَّعِ ذلك العلم أحد ممن تقدم. فلا دليل فيها على ما ادعوا وما يُنقل عن علي أو غيره في هذا لا يثبت، فليس بجائز أن يُضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن يُنكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه على كل ما يُضاف علمه إلى العرب خاصة، فبه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه وتقوَّل على الله ورسوله فيه". هذه هي الخلاصة الشاملة لمقالة الشاطبي في هذا الموضوع؛ وذلك هو رأيه في التفسير العلمي الذي شغف به بعض العلماء المتقدمين والمتأخرين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
يقول الذهبي: "وأحسب أني وقد وضعت بين يدي القارئ مقالةَ كل فريق وما يستند إليه من أدلة قد أنرْتُ له الطريق، وأوضحت له السبيل". هذا عن إنكار بعض العلماء للتفسير في العصر القديم، أما في العصر الحديث أيضًا لم يقف العلماء في هذا العصر موقف الإجماع على قبول هذا اللون من التفسير بل نراهم مختلفين في قبوله، والقول به، كما كان الشأنُ بينَ مَن سبقَهُم من العلماء الأقدمين.
نجد هذِه المعارضة للتفسير العلمي في كثيرٍ من المحاورات والاعتراضات التي وُجهت إلى صاحب (الجواهر) وذكرها في تفسيره، كما نجد بعض أستاذتنا المعاصرين ينعون على من يأخذ بهذه الفكرة، ويقول بها، ومن بين هؤلاء أستاذنا الشيخ محمود شلتوت فقد تناول هذا الموضوع بالبحث في العدد 407، 408 من السنة التاسعة لمجلة الرسالة إبريل سنة 1941 وفيه يرد على من يذهب إلى هذا اللون من التفسير بحججٍ قويةٍ واضحة.
وهذا هو الأستاذ الشيخ أمين الخولي يتناول هذا الموضوع في كتابه (التفسير معالم حياتي منهجي اليوم) وفيه يرد على أنصار هذا المذهب في التفسيرِ بحججٍ قوية واضحة، وهذا هو المرحوم السيد محمد رشيد رضا نجده في مقدمة تفسيره ينعي على من تأثروا في تفسيرهم بنزعاتهم العلمية، فشغلوا تفاسيرهم بمباحث النحو، والفقه، ونكت المعاني والبيان، والإسرائيليات، وغير ذلك، ويَعُدُّ هَذَا صَارِفًا يصرف الناس عن القرآن وهديه، ثم ينعي على الفخر الرازي ما أورده في تفسيره من العلوم الحادثة في الملة، ويعد هذا صارفًا يصرف الإنسان عن القرآن وهديه، كما يتوجه بمثل هذا اللوم على من قلد الفخر الرازي في مسلكه من المعاصرين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
ويقول الذهبي: "أظنه أراد بذلك صاحب (الجواهر) وذلك حيث يقول: وقد زاد الفخر الرازي صارفًا آخر عن القرآن هو ما يورده في تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها، وقلده بعض المعاصرين بإيرادِ مثل هذا من علوم هذا العصر، وفنونه الكثيرة الواسعة، فهو يذكر فيما يسميه تفسير الآية فصولا طويلة بمناسبة كلمة مفردة كالسماء والأرض يذكر من علوم الفلك والنبات والحيوان تصد قارئها عما أنزل الله لأجله القرآن".
يقول الذهبي: "وأخيرًا فهذا هو شيخنا العلامة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي رحمه الله رحمة واسعة- نجده في تقريظه لكتاب (الإسلام والطب الحديث) لا يرضى عن هذا المسلك في التفسير رغم أنه مدح الكتاب، وأشاد بمجهود مؤلفه؛ وذلك حيث يقول: لست أريدُ من هذا -يعني ثناءه على الكتاب ومؤلفه- أن أقول: إن الكتاب الكريم اشتمل على جميع العلوم جملةً، وتفصيلا بالأسلوب التعليمي المعروف وإنما أريد أن أقول: إنه أتى بأصولٍ عامة لكل ما يهم الإنسان معرفته به ليبلغ درجة الكمال جسدًا وروحًا، وترك الباب مفتوحًا لأهل الذكر من المشتغلين بالعلوم المختلفة ليبينوا للناس جزئياتِهَا بقدر ما أوتوا منها في الزمان الذي هم موجودون فيه. وفي موضع آخر يقول: يجب أن لا نجر الآية إلى العلوم؛ كي نفسرها، ولا العلوم إلى الآية، ولكن إن اتفق ظاهر الآية مع حقيقةٍ علميةٍ ثابتة فسرناها بها، ومن هذا كله يتبين أن التفسير العلمي في العصر الحديث إن كان قد لقي قبولا ورواجًا عند بعض العلماء؛ فإنه لم يلق مثل هذا القبول والرواج عند كثير منهم، وقد علمتَ فيما سبق أي الرأيين أقرب إلى الحق وأحرى بالقبول". هكذا يقول الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
التفسير العلمي بين المؤيدين والمعارضين والمتساهلين
التفسير العلمي بين المؤيدين والمعارضين والمتساهلين الذين بالغوا في رفض التفسير العلمي قالوا: إن هذا تحميل لكتاب الله ما ليس من وظيفته خصوصًا بعد أن أعلن القرآن نفسه هذه الوظيفة، وحددها في مواضع كثيرة كقوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِين} (البقرة: 2) وكقوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (المائدة: 15، 16). فوظيفة القرآن إذًا إنقاذ الإنسانية من الضلال لا بيان ما يتعلق بهذه العلوم الكونية. وقالوا: إن العلوم الكونية خاضعة لطبيعة الجزر والمد، وهناك أبحاث كثيرة لا تزال قلقة حائرة بين إثبات ونفي.
فما قاله علماء الهيئة بالأمس ينقضه علماء الهيئة اليوم، وما قرره علماء الطبيعة في الماضي يقرر غيره علماء الطبيعة في الحاضر، وما أثبته المؤرخون قديمًا ينفيه المؤرخون حديثًا، وما أنكره وأسرفوا في إنكاره باسم العلم أصبحوا يثبتونه ويسرفون في إثباته باسم العلم أيضًا، وقالوا: فهل يليق بعد ذلك كله أن نبقى مخدوعين مغرورين بعلمهم الذي اصطلحوا عليه، وتحاكموا إليه، وقد سجنوا أنفسهم معه في سجنٍ ضيقٍ هو دائرة المادة، تلك الدائرة المسجونة هي أيضًا في حدود ما تفهم عقولهم، وتصل تجاربهم. وقد تكون عقولهم خاطئة وتجاربهم فاشلة، وقالوا أيضًا: هل يليق بعد ذلك كله أن نحاكم القرآن إلى هذه العلوم المادية القلقة الحائرة، بينما القرآن هو تلك الحقائق الإلهية العلوية الثابتة المتنزلة من أفق الحقِّ الأعلى الذي يعلم السر وأخفى. ذلك ما ذكره الزرقاني صاحب كتاب (مناهل العرفان في علوم القرآن) الجزء الثاني من صفحة 250 إلى 253.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
والزرقاني يعتبر عد العلوم الكونية من موضوعات علوم القرآن، ومعارفه خطأ جسيمًا، وإسرافا خطيرًا، فيقول: "ولكن بعض الباحثين طاب لهم أن يتوسعوا في علوم القرآن ومعارفه، فنظموا في سلكها ما بدا لهم من علوم الكون، وهم في ذلك مخطئون ومسرفون". هذا يعني ملخص مذهب الرافضين، وأدلة الرافضين لقبول التفسير العلمي للقرآن. فإذا ما جئنا إلى الصنف الثاني والذي يقف على طرف النقيض الآخر، وجدناهم يتساهلون في تفسير القرآن بتلك العلوم الحديثة لدرجة هي غاية في العجب كما رأينا في كتاب (الجواهر) حتى ليكاد أمرهم يصل إلى تلمس أي كلام في مجال العلوم الحديثة ليفسروا به أي آية قرآنية، ظانين أنهم بهذا المسلك يخدمون القرآن لسبقه العلماء فيما قالوا بأكثر من أربعة عشر قرنًا.
وإذا كان هؤلاء قد تساهلوا في قبول أيِّ كلامٍ ليفسروا به نصًّا قرآنيًّا بحجة إضافة براهين جديدة؛ للتدليل على صدقِ القرآن الكريم حتى ينكشف للناس أمجادٌ جديدةٌ للقرآن، ومعجزاتٌ حديثة له فيؤمنوا به، وبمن أنزله وبمن نزل عليه، إذا كان هؤلاء قد تساهلوا كل هذا التساهل؛ فإن ذلك مرفوضٌ منهم؛ فالأدلة على صدق القرآن أقوى من تلمس أيِّ كلامٍ ساقطٍ لا وزنَ له؛ لنقيم به دليلا على صحة القرآن؛ فإعجاز القرآن واضحٌ، وحجة هذا الإعجاز قوية، وهي غنيةٌ عن هذه التَّفَاهَات التي لا تصل إلى مجردِ نظرياتٍ علمية، فضلا عن استحالة أن تكون حقائق علمية ثابتة لا تقبل النقد.
الترجيح في هذه المسألة: نحن أمام رأيين وقَفَا على طرفِي نقيض في قضية التفسير العلمي، وقبل أن نرجح أي الرأيين أفضل نود أن نشير إلى عدة أمور:
الأمر الأول: هو أن التفسير العلمي ليس بدعة عصرية، فقد سلك الأقدمون من المفسرين في تفاسيرهم هذا النهج حيث فسروا القرآن بعلوم عصرهم كما يفعل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
البعض الآن، ومن ينظر في التفاسير ابتداءً من تفسير ابن جرير الطبري ومرورًا بتفاسير الزمخشري والفخر الرازي ثم البيضاوي ثم محمد عبده يجد فيها نماذج لهذا اللون من التفسير، ومن بعد الإمام محمد عبده اتسع المجال بصورة ظاهرة للغاية، ولنضرب لذلك ثلاثة أمثلة من تفاسير ابن جرير الطبري، والزمخشري، والفخر الرازي.
يقول ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِي الْكُنَّسِ} (التكوير: 15، 16) يقول: "اختلف أهل التأويل في الخنس الجوار الكنس، فقال بعضهم: هي النجوم الدراري الخمسة تخنس في مجراها فترجع وتُكنس، يعني: تُحبس في مجراها فتستتر في بيوتها كما تُكنس الظباء في المغارة. والنجوم الخمسة -كما يقولون- هي زحل، وعطارد، والزهري والمشتري وغير ذلك، وقال آخرون: هي بقر الوحش التي تُكنس في كُنَاسِها، وقال آخرون: هي الظباء، ثم عقب ابن جرير على هذه الأقوال بقوله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بأشياء تخنس أحيانًا، أي: تغيب وتجري أحيانًا وتُكنس أخرى، وكنوسها هو الإيواء في مكانها، والمكانس عند العرب هي المواضع التي تأوي إليها بقر الوحش والظباء، وغير منكر أن يُستعار ذلك في المواضع التي تكون بها النجوم من السماء، فإذا كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية دلالة على أن المراد بذلك النجوم دون البقر، ولا البقر دون الظباء؛ فالصواب أن يعم بذلك كل ما كانت صفته الخنوس أحيانًا والجري أخرى".
ويقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} (يس: 38): "أي لحد لها مؤقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة شُبه بمستقر المسافر إذا قطع سيره، أو لمنتهى لها من المشارق والمغارب؛ لأنها تتقصاها مشرقًا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
مشرقًا، ومغربًا مغربًا حتى تبلغ أقصاها، ثم ترجع فذلك حدها ومستقرها؛ لأنها لا تعدوه ولا تتجاوزه، أو لحدٍّ لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا، وهو المغرب وقيل: مستقرها، أي: أجلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها، فاستقرت عليه، وهو آخر السنة، وقيل: الوقت الذي يستقر فيه، وينقطع جريها، وهو يوم القيامة".
ويقول الفخر الرازي في تفسيرِ قوله تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} (الأعلى: 4، 5): "فيه مسألتان، المسألة الأولى: الغثاء ما يبس من النبت، فحملته الأودية والمياه، وألوت به الرياح. والمسألة الثانية: الحوة السواد، وقال بعضهم: الأحوى هو الذي يضرب إلى السواد إذا أصابته رطوبة، وفي أحوى قولان: أحدهما: أنه نعت لغثاء، أي صار بعد الخضرة يابسًا فتغير إلى السواد؛ وسبب ذلك السواد أمور أحدها: أن العشب إنما يجف عند استيلاء البرد على الهواء، ومن شدة البرودة أنها تبيض الرطب، وتسود اليابس. وثانيًا: أن يحملها السيل فيلصق بها أجزاء كدرة فتسود، وثالثها: أن يحملها الرياح؛ فتلصق بها الغبار الكثير فتسود. القول الثاني: وهو اختيار الفراء، وأبي عبيدة، وهو أن يكون الأحوى هو الأسود لشدة خضرته، كما قيل في: {مُدْهَامَّتَان} (الرحمن: 64) أي سوداوان لشدة خضرتهما، والتقدير: الذي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء كقوله: {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا} (الكهف: 1، 2) أي: أنزله قيمًا ولم يجعل له عوجًا.
الأمر الثاني: أسلوب القرآن في حديثه عن العلوم الكونية: فقد جاء هذا الأسلوب بطريقة عجيبة؛ بحيث توائم فكر الناس أيًّا كانت ثقافتهم، وتناسب علومهم ومعارفهم مهما تطورت وتقدمت، فإذا قرأَهُ العامة؛ وجدوا فيه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
هدايتهم، وإذا اطَّلَعَ عليه الخاصة في ضوء الاكتشافات الحديثة لم يجدوه متعارضًا معها؛ فيكون ذلك أدعى إلى تصديقه، واليقين بأنَّهُ من عند الله سبحانه وتعالى وقد اقتضَت الحكمة الإلهية في آياته الكونية أن ينزل القرآن بأسلوبٍ لا يصدم البدهي المسلَّم به عند الناس فيكذبوه، ولا ينافي الحقيقة الكونية؛ فيكون ذلك داعيًا إلى تكذيبه، إذ يسر الله سبيل الكشف لأولي العلم في مستقبل العصور.
وهذا من أعجب عجائب القرآن التي لا تنقضي، ومن أدل الدلائل على أن القرآن حقًّا من عند الله، فإن التعبير عن الحقيقة الكونية بأسلوبٍ يطابقُهَا تمامًا، أو يدل عليها أولو العلم، ثم لا يصدم الناس فيما يعتقدون، ولو كان ما يعتقدونه مخالفًا تلك الحقيقة، هذا الأسلوب القرآني في التعبير عن الحقائق الكونية، أو في دلالة أولي العلم عليها أمر يعجز عنه البشر، ولا يقدر عليه إلا الله الذي أنزل القرآن بالحق هدى للناس".
هذه الخاصةُ لأسلوب القرآن في الحديث عن العلوم الكونية لم يستطع الرافضون للتفسير العلمي، أو المتشددون فيه إنكارها، من هؤلاء الذين أنكروا التفسير العلمي الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني رحمه الله أيَّدَ أن خاصية أسلوب القرآن في الحديث عن العلوم الكونية أمر موجود ومعهود فيقول رحمه الله: "إن الأسلوب الذي اختاره القرآن في التعبير عن آيات الله الكونية أسلوب بارع جمع بين البيان والإجمال؛ حيث يمر النظم القرآني على سامعيه في كل جيل وقبيل، فإذا هو واضح فيما سيق له من دلالة الإنسان وهدايته إلى الله، ثم إذا هو مجمل التفاصيل يختلف الخلق في معرفة تفاريعه، ودقائقه باختلاف ما لديهم من مواهب، ووسائل، وعلوم وفنون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
ثم قال: "ولنضرب لذلك مثلا تلك الآية الحكيمة وهي قوله عز وجل: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون} (الذاريات: 49) فإنها مرت على بني الإنسان منذ نزلت إلى الآن، ففهموا منها جميعا أن الله يدل على قدرته وإبداعه وكماله بأنه خلق من الأشياء متنوعات مختلفة الأشكال والخصائص، لكنهم اختلفوا بعد ذلك؛ فالأوائل يُكثر عنهم أن الزوجين في الآية الكريمة هما الأمران المتقابلان معًا لا بخصوص الذكورة والأنوثة، روي عن الحسن: أنه فسر الزوجين بالليل والنهار، والسماء والأرض، والشمس والقمر، والبر والبحر، والحياة والموت، وهكذا. عدد أشياء وقال: كل اثنين منها زوج، والله تعالى فرد لا مثيل له، أما المتأخرون: ففهموا أن الزوجين في الآية هما الأمران المتقابلان للذكورة والأنوثة، ويقولون: إنه ما من شيء في الوجود إلا منه الذكر والأنثى، سواء في ذلك الإنسان والحيوان والجماد وغيرها مما لا نعلمه.
ويستدلون على ذلك بقوله سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُون} (يس: 36) ويقولون: إن أحدث نظرية في أصول الأكوان تقرر أن أصول جميع الكائنات تتكون من زوجين اثنين، وبلسان العلم الحديث: إلكترون وبروتون، فإذا عُلم أن التفسير العلمي للقرآن ليس بدعة عصرية، وأنه موجود منذ أن فسر العلماء هذا القرآن الكريم، وإذا عُلم أسلوب القرآن في حديثه عن الكونيات إذا عُلم كل ذلك، وتقرر في الأذهان نقول لهؤلاء الرافضين للتفسير العلمي: إن وظيفة القرآن هي هداية الناس، واستدلالهم على ذلك بقوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِين} (البقرة: 2) هو هداية للمتقين. نقول لهؤلاء الرافضين والرد على احتجاجهم: بأن وظيفة القرآن متمثلة في قوله: {هُدًى لِلْمُتَّقِين} هل العلوم الكونية تعتبر إضلالا للناس؟ وهل يعدو الأخذ بالثابت منها إلا وسائل لفهم القرآن واليقين بأنه الحق من الله، كما قال عز وجل:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَق} (فصلت: 53). إن لله كتابين بهما يهدي خلقه إليه؛ الكتاب الأول: هو الكتاب المسطور وهو القرآن، والكتاب الثاني: هو الكتاب المنظور وهو الكون العظيم، فلا تعارض بين الكتابين بل كل منهما يفسر الآخر.
أما قوله: إن العلوم الكونية خاضعة للمد والجزر، ولا تثبت على حال فما ثبت بالأمس ينقض اليوم، وما كان باطلا بالأمس يصير حقًا اليوم ويترتب على ذلك إن فسرنا القرآن بهذه العلوم المتقلبة تعريض القرآن لتلك التقلبات، والاضطرابات".
هذه دعوى المعارضين للتفسير العلمي لكن للرد على هؤلاء يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي أشهر البارزين في هذا المجال في كتابه (الإسلام في عصر العلم) 264 إلى 265 يقول: "إن بعض المعترضين على أهل التفسير العلمي لكونيات القرآن يتهمونهم بأنهم يبنون تفسيراتهم على نظريات علمية لم تثبت. وهذا إذا صدق على بعضهم فليس يصدق على جميعه وأغلبهم لا يفسرون النص القرآني وهو الحق إلا بالحقيقة الثابتة في العلم، مدركين أن الدقة والاحتياط لازمان في كل بحث، وأنهما في البحوث القرآنية ألزم منهما حتى في العلوم التجريبية؛ لأن أهل هذه العلوم بعضهم رقيبٌ على بعض، وهي رقابة تكاد تكون معدومة بين الباحثين في القرآن والحديث.
ثم إن أهل العلوم التجريبية عندهم الحكم بينهم الذي لا يخطئُ عند الاختلاف ألا وهو التجربة العلمية، والتحاكم إليها". يعني: هذا المؤلف يقول: إننا نفسر القرآن، أو النص القرآني بالحقيقة الثابتة في العلم وملتزمين بالدقة، والاحتياط ما لم يلتزمه الباحثون في القرآن والحديث، هذا خطأ من هذا المؤلف. ومن هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
الدكتور؛ لأن الدقة في أبحاث القرآن والحديث موجودة على مدى الحياة، وليس هناك توثيق علمي أدق من التوثيق العلمي في أبحاث القرآن والحديث.
وأيضًا يقول الأستاذ محمد كامل عبد الصمد: "ليس صحيحًا أن النظريات العلمية متغيرة دائمًا إلى الأبد، فلم تصبح نظرية كروية الأرض نظرية متغيرة مؤداها أنها مربعة، أو مثلثة، أو مسطحة، فكل الحقائق الفلكية التي تأكدت بالرصد والتصوير، ومثلها الحقائق الخاصة بالتشريح والفسيولوجيا كل هذه ثوابت، واكتشاف المفسر أنها تتوافق مع القرآن الكريم هو تأييد للقرآن وهو تثبيت للإيمان". يقول هذا في كتابه (الإعجاز العلمي في الإسلام) صفحة 25. ويقول أيضًا: "التفسير العلمي لا يؤثر في ثبات النص القرآني وإعجازه؛ لأن النص الكريم ثابت لا يعتريه تغيير ولا تبديل؛ لأنه محفوظ من الله مصداقًا لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون} (الحجر: 9)، فإن بدا عند التحقيق أن مفسرًا قد خرج بالتفسير عن إطارِ مدلولِ الحقيقة القرآنية؛ فإن النقض سيوجه حينئذ إلى هذه التفسيرات عينها، والذي سيرفضه الآخرون هو هذه الآراء البشرية ذاتها، ويبقى للنص القرآني قدسيتُهُ ومهابته، وروعته، وإعجازه دون أن يتأثر شيءٌ من ذلك بتأويل المفسرين العصريين".
أيضًا من الردود على الرافضين للتفسير العلمي أن هناك مبادئ معينة للبحث العلمي بينها لنا القرآن، كما أن هناك قواعد خاصة لقبول هذا النوع من التفسير، فليس الأمر عبثًا، وليس الباب مفتوحًا لمن هبَّ ودَبَّ. وقال كلامًا يريد به تفسير أعظم كتاب عرفه أهل السموات والأرض، هذه القواعد، ومبادئ البحث العلمي التي وضعها القرآن موجودة في قول الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36) هذه الآية تضع للبحث، والباحث ثلاثة أسس:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
الأساس الأول: صدق الخبر الذي يستند إليه الباحث، فلا يعتمد على كاذب، أو مضلل، وإلى هذا الأساس يشير قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ}. فعلى الباحث إذا استمع يجب أن يكون مصدر سمعه أهل الثقة والصدق وإلا فهو مسئول عما سمع، واعتمد عليه.
الأساس الثاني: التجارب المعملية والمشاهدات المرئية؛ ليتأكد الباحث من سلامة نتائج بحثه، وإلى هذا الأساس يشير قوله: {وَالْبَصَرَ}.
الأساس الثالث: ما يتوصل إليه العقل البشري من خلال التفكير والتدبر فيما ليس فيه خبر عن ثقة، أو تجربة متاحة، وإلى هذا الأساس يشير قوله: {وَالْفُؤَادَ}. وإلى جانب هذه الأسس وضع الإسلام مبادئ عامة لا بد من توافرها لتؤدي الأبحاث دورها المنشود منها وتؤتي الثمار المرجوة لها، من هذه المبادئ: حرية التفكير، وعدم التقليد الأعمى.
أما المبدأ الأول: وهو حرية التفكير، فقد وسع الإسلام دائرتها؛ بحيث لا تقتصر على البحث العلمي فقط، بل جعلها شاملة لكل شيء حتى في اعتناق الإسلام ذاته قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين} (البقرة: 256). وحينما شرع الإسلام للإنسان حرية التفكير؛ فإنه راعى في ذلك ناحيتين، الناحية الأولى: تكوين عقول الناس فهذا التكوين مكرم من الله عز وجل، الناحية الثانية: عدم إيجاد مؤثرات، وضغوط خارجية تؤثر على عقل الإنسان أيًا كانت تلك المؤثرات، وأيًّا كانت تلك الضغوط، فبعض الناس قد تقف أمامهم عقائد معينة، أو أنظمة خاصة تؤثر على تفكيرهم، وطريقة اختيارهم فأراد الله عز وجل ألا يجعل لذلك كله ميزانًا في اختيار ما يراه الإنسان صوابًا بعد مراعاة أسس البحث العلمي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
أما المبدأ الثاني: عدم التقليد الأعمى؛ فإن هذا التقليد ينافي الوصول إلى الحقيقة، ولقد نعى الله على الكفار هذا التقليد حيث قال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} (البقرة: 170، 171). واعتبر القرآن التقليد الأعمى للغير إنما يقود للخطأ، وربما يهوي بالإنسان إلى أسوأ مآل. قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} (لقمان: 21). إن حرية التفكير وتقدير الإنسان لعقله وذاته هي التي تميزه عن كائن آخر ألقى قياده لآخر يسخره كيفما شاء ويستخدمه كيفما يشاء.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
الدرس: 5 من قواعد التفسير العلمي - الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس
(من قواعد التفسير العلمي - الإعجاز العلمي للقرآن الكريم)
القواعد التي يجب أن تُراعى عند تفسير القرآن تفسيرًا علميًا
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فبينا أن الذين رفضوا التفسير العلمي رفضًا مطلقًا ليسوا على صواب، وكذلك المتساهلون في التفسير العلمي ليسوا على صواب، لكن لا مانع أن نفسر القرآن الكريم تفسيرًا علميًّا، لكن بحسب قواعد وضوابط يلتزم بها المفسر، وهو يفسر القرآن بالعلوم الحديثة؛ فلا بد أن يراعي هذه القواعد. نذكر من هذه القواعد:
أولًا: هذه النزعة التفسيرية محفوفة بالمخاطر صعبة المراس فيجب أن تؤخذ بالكثير من الحيطة والحذر، والتسلح بالعلوم الدينية والدنيوية معًا فلا يقتصر اهتمام أصحابها على ما برعوا فيه من علم دنيوي فقط؛ لأنهم أمام أخطرِ عملٍ يمارسه الإنسان ألا وهو بيانُ كتاب الله سبحانه وتعالى.
ثانيًا: القرآن كتاب هداية إلى أحسن حال، وأعظم مآل، وقد نزل ليضع الخطوط العريضة لهذا الحال وذاك المآل، وليس من وظيفة القرآن التعرض لتفاصيل العلوم الدنيوية؛ فتلك متروكة للناس واجتهادهم، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم للناس: ((إن كان شيئًا من أمرِ دنياكم، فشأنكم به، وإن كان من أمر دينكم فإليَّ)) أخرجه ابن ماجه في كتاب الرهون باب 15. لكننا نجد في القرآن لفتاتٍ علميةً تزرع في قلب المتشكك اليقين، وتزيد المؤمن إيمانًا على إيمانِهِ، فالقرآنُ منهجٌ إلهي لسعادة الفرد، وسلامة المجتمع فيه لفتات علميةٌ تخاطب العقل؛ لتثبت له أنه وحي يوحى من عند الله، لفتات كونية، وأخرى طبيعية، وغيرها أنزلت على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم لتكون معجزات ٍ خالدةً على مرِّ الزمان تثبِّت الإيمان بالله، وتزيد من يقين المؤمن بكتاب الله، وترفع دعائمَ بناءٍ شامخٍ في القلب والفكر على أن سيدنا محمدًا الأمي صدقًا وحقًّا رسول من عند الله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
ثالثًا: حينما يشير القرآن إلى تلك الكونيات؛ فإنه يتحدث عنها بأسلوب لا يتعارض إطلاقًا مع أيِّ حقيقةٍ علميةٍ ثابتة، وهذا شيء بدهي؛ لأن القرآن قول الله، والكون فعل الله، ويستحيل أن يتعارض قول الله مع فعل الله.
رابعًا: يجب علينا أن ننظر إلى ما في القرآن على أنه حقائق فما وافق من الاكتشافات الحديثة على وجه اليقين قبلناه فمعنى هذا أننا لا نريد أن نثبت القرآن بالعلم، بل إن العلم هو الذي يجب أن يثبت، ويلتمس الدليل من آيات القرآن؛ ذلك أن القرآن أصدق من أيِّ علمٍ من علومِ الدنيا، ومن أي علم في هذا العالم؛ لأن مكتشف هذا العلم أو مخترعه بشر، وقائل القرآن هو الله سبحانه وتعالى.
خامسًا: لا يجوز لنا أن نعدل عن حقيقة اللفظ القرآني، ونتجه إلى معنى مجازي إلا إذا كانت هناك قرائن قوية تحيل الأخذ بحقيقة اللفظ، وقد وقع كثيرٌ من العلماء في أخطاء جسيمة حينما عدلوا عن حقيقة اللفظ إلى معنى مجازي دون أي مبرر لذلك، وقد لوحظ على آيات القرآن أن التطابق بينها وبين العلوم الحديثة يكون أتم إذا ما روعيت هذه القاعدة بكل دقة.
سادسًا: الحقائق العلمية الثابتة التي لا تقبل النقد ولا التعديل هي المعتبرة في مجال التفسير العلمي للقرآن، أما النظريات التي تحت التجربة، والخاضعة للفحص، والتمحيص، فلا مكَانَ لَهَا في هذا المجال فالآيات القرآنيةُ حقائق ثابتة فلا تفسر إلا بحقائق ثابتة.
سابعًا: يجب مراعاة معاني المفردات على النحو الذي كانت مستعملة فيه أثناء نزول القرآن والحذر مما طرأ عليها من تطور بعد العهد النبوي.
ثامنًا: عدم التحرر من أي قاعدة نحوية؛ فالقرآن عربي نزل بلسان عربي جارٍ على ما أَلِفُوهُ من قواعد ودلالات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
تاسعًا: يجب مراعاة الأساليب البلاغية بصورها المتعددة، ودلالاتها المتنوعة.
عاشرًا: إن من خصائص الأسلوب القرآني أن عبارته حمالة أي تحتمل في كثير من الأحيان أكثر من معنى صحيح، ولا يوجد تناقض بين كل هذه المعاني. وعلى ذلك فمن المرفوض علميًّا قصر اللفظ على معنى واحدٍ وردِّ بقية المعاني الصحيحة الأخرى دون مرجح.
الحادي عشر: يجب الجمع بين كل الآيات القرآنية التي تتحدث عن موضوع واحد من هذه الموضوعات الكونية فلا تترك آية في نفس الموضوع بل لا تترك آية تتصل بالموضوع ولو من بعيد؛ لأن كثيرًا من الآيات لا يمكن فهمُهُ إلا بفهم كل ما يتصل بهذه الآية.
الثاني عشر: يستحيل أن يتعارض شيء من قرآن الله تعالى مع شيء ثابت من ثوابت هذا الكون؛ لأن القرآن كتاب الله المسطور، والكون كتابه المنظور؛ فهما صادران من مشكاة واحدة.
الثالث عشر: يستحيل أن تتعارض آية من القرآن الكريم مع آية أخرى منه ومن ظن ذلك فمرجع ظنه إلى جهله وسوء فهمه.
هذه هي قواعد التفسير للعلوم الحديثة، فإذا ما فسر مفسرٌ آية بما ظن أنه حقيقة علمية بينما الأمر ليس كذلك حيث ظهر له ما ينقض تفسيره هذا؛ فإن النقد حينئذ يجب أن يتوجه إلى التفسير لا إلى النص القرآني لأن النص القرآني ثابت لا يتغير، وألفاظه حمالة بوجوهٍ كثيرة؛ فلا نفرض عليه رأي باحث لم يعرف عن ذاته إلا النادر فضلًا عن جهله التام بأسرار هذا الكون العظيم، ومعاني القرآن الكريم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
هذه هي أهم قواعد التفسير العلمي الحديث فإذا ما طبقناها وعرفناها جاء التفسير غير مصادم للنص القرآني، وبهذا يتبين أنه لا عداوة بين العلم والدين، ولا تناقض أبدًا بين الدين والعلم؛ لأن القرآن لم يعارض العلم فليس هناك آية في القرآن تشيرُ إلى علومٍ كونية، وتتناقض مع العلم؛ فإن التناقض بين الدين والعلم غير متصور؛ لأنهما يعملان لتحقيق غرض واحد وهو تفسير الكون تفسيرًا صحيحًا، والعمل على تعميره بما يحقق سعادةَ من فيه، فإذا انفَصَلَ أحدهما عن الآخر لم يتحقق ذلك الهدف؛ إنهما جناحان لطائر واحد يريد أن يصل إلى أسعد حال، وأعظم مآل، وإن شئت قلت: هما كالإطارين لدراجة واحدة لا يمكن السير بها إلا بهما معا وفي حالة جيدة.
فالانقطاع للعبادة لا يعمر الكون، والعلم بدون الدين وأخلاقه يدمر هذا الكون، وعلى ذلك فلابد للإنسان، بل وللكون أيضًا من الدين والعلم معًا فما جدوى التدين إذا ترك الإنسان عمارة الكون، وأهمل تعلم ما به يقي نفسه من أمراض الجسد، وما به يستخدم كنوز الدنيا، وينتفع بها على أحسن وجه، وما جدوى العلم إذا لم يقترن بمبادئ تهذبه، وأخلاق تقومه ليرفع الإنسانية إلى أعلى عليين من مهبطها في أسفل سافلين.
إن أمامنا نماذج كثيرة ممن ظنوا أن الدين يعني الانقطاع للعبادة، ونماذج أخرى لمن ظنوا أن العلم يغني عن الدين، الأولون عاشوا الفقر والمرض والجهل والذل والآخرون عاشوا عيشة الخواء الروحي، والأمراض النفسية والتوترات العصبية، والاضطرابات السلوكية، فلم يغنِ عنهم علمهم هذا، بل كان هو السبب في معظم أمراضهم، وسوء أحوالهم. لقد هوى بهم هذا العلم الخالي من أخلاق الإسلام وتعاليم رب الكون لما فيه ومن فيه إلى مستنقعات الرذيلة، وشريعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
الغاب، فسفكوا دماء الأبرياء وهتكوا أعراض النساء، وجعلوا الحياة فوضى بلا مبدأ، ولا هدف حتى طمس الإنسانُ فطرته التي خُلِقَ عليها؛ فرأينا المرأة استرجلت، وشاهدنا من الرجال نوعًا ثالثًا فلا هم رجال لهم صفات الرجولة الشريفة، ولا هم نساء لهم صفات الأنوثة وأعضاؤها، وإنما هم بين بين لهم من الرجال أعضاؤهم، ومن النساء صفاتهن، وسلوكهن الشائن.
إن القول بالعداوة بين الدين والعلم برز بصورةٍ واضحةٍ في القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر حينما اكتشف العلماء كثيرًا من أسرار هذا الكون فظنوا أن الدينَ وهْمٌ، وأنهم ليسُوا بحاجةٍ إليهِ، واعتقدوا أن هذا النظام البديع للكون ناتج عن تلك الأسباب. إن هؤلاء الذين يزعمون أنهم باكتشافاتهم هذه قد وقفوا على أن الكون لا إله له، إنما هم في غاية الجهل؛ لأنهم لم يكتشفوا إلا أسلوب العمل في الطبيعة، وهذا في حد ذاته لا ينافي وجود الإله بل هو أدعى إلى القول بوجوده، وآكد للتساؤل عمن أوجد هذا الأسلوب، وأبدع تلك الأسرار، وسبب تلك الأسباب. لطائرة تقلع من مكان وتهبط في مكان ما أول شيء يتبادر إلى ذهنك؟ إنه هو هذا السؤال كيف أقلعت وكيف طارت وكيف هبطت؟ وبعد وقوفه على أسباب ذلك أيستطيع أن يزعم بعدم وجود قائد خلف هذا الإقلاع والطيران والهبوط إننا يجب أن نعترف بمن صنع تلك الطائرة وأجهزتها، ووضع قواعد إقلاعها وطيرانها وهبوطها فلا يمكن للطائرة أن تعمل كل هذا العمل إلا من خلال أياد كثيرة، وقفت وراءها.
إن فرية العداء بين الدين والعلم ظهرت واضحة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، لكن القرن العشرين يهدم فرية العداء بين الدين والعلم؛ لأن العلم قد وافق الحقائق الموجودة في الآيات القرآنية، إذًا لا عداء بين الدين والعلم، بل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)