الدرس: 21 شرح قول الله تعالى: {وهو الذي مرج البحرين … }.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي والعشرون
(شرح قو ل الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ … })
المعاني اللغوية وأقوال المفسرين حول الآية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
سنتعرض لأسرار المصب والحاجز بين النهر والبحر في القرآن الكريم؛ قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} (الفرقان: 53).
المعاني اللغوية وأقوال المفسرين في الآية. .
{مَرَجَ} يأتي بمعنيين بارزين، الأول: الخلط: قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} (ق: 5)، وجاء في (لسان العرب) {أَمْرٍ مَرِيجٍ}؛ أي: مختلط، وقال الأصفهاني في (المفردات): "أصل المرج الخلط"، وقال الزبيدي: "ومرج الله البحرين العذب والمالح، خلطهما حتى انتقيا"، وقال الزجاج: " {مَرَجَ} خلط؛ يعني: البحر المالح، والبحر العذب". وقال ابن جرير الطبري: "والله الذي خلط البحرين فأمرج أحدهما في الآخر وأفاضه فيه، وأصل المرج الخلط، ومنه قول الله تعالى: {فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ}؛ أي: مختلط". وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ}؛ يعني: خلع أحدهما على الآخر. وعن مجاهد: أفاض أحدهما على الآخر. وعن الضحاك بمثل قول ابن عباس، وذهب إلى هذا المعنى جمهور من المفسرين، منهم القرطبي، أبو حيان الألوسي، الخازن، الرازي، الشوكاني، الشنقيطي.
المعنى الثاني: مجيء وذهاب واضطراب، قال ابن فارس في معجم (مقاييس اللغة): "الميم والراء والجيم أصل صحيح يدل على مجيء وذهاب واضطراب، وقال: مرج الخاتم في الأصبع يعني: قلق، وقياس الباب كله، ومنه حديث
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
((ومرجتْ أمانات القوم وعهودهم)) اضطربت واختلطت"، وجاء نفس المعنى في (الصحاح) للجوهري، و (لسان العرب)، وبذلك قال الزبيدي والأصفهاني.
{وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} نتكلم عن البحر العذب والملح الأجاج.
البحر العذب هو النهر، وصفه القرآن الكريم بوصفين {عَذْبٌ} و {فُرَاتٌ}، ومعناهما أن ماء هذا البحر شديد العذوبة، ويدل عليه وصف {فُرَاتٌ}، وبهذا الوصف خرج ماء المصبّ، الذي يُمكن أن يقال: إن فيه عذوبة، ولكنه لا يُمكن أن يوصف بأنه فرات. وما كان من الماء ملحًا أجاجًا فهو ماء البحار، ووصفه القرآن الكريم بوصفين {مِلْحٌ} و {أُجَاجٌ}، {أُجَاجٌ} شديد الملوحة، وبهذا خرج ماء المصب؛ لأنه مزيج بين الملوحة والعذوبة، فلا ينطبق عليه وصف {مِلْحٌ أُجَاجٌ}.
وبهذه الأوصاف الأربعة تحدَّدت حدود الكتل المائية الثلاث:
1 - {هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ} ماء النهر.
2 - {هَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} ماء البحر.
3 - {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا}، البرزخ هو الحاجز المائي المحيط بالمصبّ.
- نأتي إلى الحجر المحجور:
الحِجر والحَجر هو المنع والتضييق، يُسمى العقل حجرًا؛ لأنه يمنع من إتيان ما لا ينبغي، قال تعالى: {هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} (الفجر: 5)، والسفيه يحجُر عليه القاضي من التصرف في ماله، فهو في ح ِ جر؛ أي: في ح َ جر والكسر أفصح،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
وجاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي ((لقد تحجَّرت واسعًا))، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وأحمد، قال ابن مندور ((لقد تحجَّرت واسعًا))؛ أي: ضيقت ما وسَّعه الله وخصصت به نفسك دون غيرك، ونستطيع أن نفهم الحجر هنا، بأن الكائنات الحية في منطقة اللقاء بين البحر والنهر، تعيش في حجر ضيق ممنوعة أن تخرج من هذا الحجر، ووصفت هذه المنطقة بأنها محجورة؛ أي: ممنوعة، ونفهم من هذا اللفظ معنى مستقلًّا عن الأول؛ أي: أنها أيضًا منقطعة ممنوعة على كائنات أخرى من أن تدخل إليها، فهي حجر حبس على الكائنات التي فيها، محجورة على الكائنات الحية بخارجها.
ويكون المعنى عندئذٍ: وجعل بين البحر والنهر برزخًا مائيًّا، هو الحاجز المائي المحيط بماء المصبِّ، وجعل الماء بين النهر والبحر حبسًا على كائناته الحية، ممنوعة عن الكائنات الحية الخاصة بالبحر والنهر.
ولم يتيسَّر للمفسرين الإحاطة بتفاصيل الأسرار التي ألمحت إليها الآية؛ لأنها كانت غائبة عن مشاهدتهم، وتعدَّدت أقوالهم في تفسير معانيها الخفية، فقال بعضهم في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ}؛ أي: خلطهما فهما يلتقيان، ويستند هذا القول إلى المعنى اللغوي للفظ {مَرَجَ}، وقررت طائفة أخرى من المفسرين أن معنى {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ}؛ أي: هو الذي أرسلهما في مجاريهما فلا يختلطان.
قال ابن الجوزي: "قال المفسرون: والمعنى أنه أرسلهما في مجاريهما، فلا يلتقيان، ولا يختلط الملح بالعذب، ولا العذب بالملح". وقال أبو السعود: " {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ}؛ أي: خلاهما متجاورين متلاصقين، بحيث لا يتمازجان، من مرج دابته؛ أي: أخلاها". وبمثله قال البيضاوي والشنقيطي في أحد قوليه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
وطنطاوي جوهري في تفسير الجواهر. والذين قرروا هذا المعنى، نظروا إلى قوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا}، وتقرير اختلاط الماءين، يبدو متعارضًا مع وجود البرزخ، والحجر المحجور، ولذلك رجَّح بعض المفسرين معنى الخلط، ورجح الآخرون معنى المنع، وكذلك الحال في تفسير البرزخ، فقد قرَّر بعض المفسرين أن {بَرْزَخًا} يعني: حاجزًا من الأرض، وبمثله قال أبو حيان، والرازي، والألوسي، والشنقيطي.
ولقد ردَّ ابن جرير الطبري هذا القول فقال: " لأن الله -تعالى ذكره- أخبر في أول الآية أنه {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} والمرج هو الخلط في كلام العرب، فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين والملح الأجاج أرضًا أو يبسًا؛ لم يكن هناك مرج للبحرين. وقد أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما، وبيَّن البرزخ، فقال: " {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} حاجزًا لا يراه أحد".
وقال ابن الجوزي عن هذا البرزخ: "مانع من قدرة الله لا يراه أحد"، وقال الزمخشري: "حائلًا من قدرته، كقوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} (لقمان: 10)، وبمثلهم قال الأكثرون منهم القرطبي والبقاعي.
فتأمَّل كيف عجز علم البشر عن إدراك تفاصيل ما قرَّره القرآن الكريم، فمن المفسرين من ذكر أن البرزخ أرضًا أو يبسًا حاجزًا من الأرض، ومنهم من أعلن عجزه عن تحديده وتفصيله، فقال: هو حاجز لا يراه أحد، وهذا يُبيِّن لنا أن العلم الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم ما هو فوق إدراك العقل البشري في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعد عصره بقرون، وكذلك الأمر في الحجر المحجور، فقد ذهب بعض المفسرين إلى حملها على المجاز، وذلك بسبب نقص العلم البشري طوال القرون الماضية؛ قال الزمخشري: "فإن قلت {حِجْرًا مَحْجُورًا} ما معناه؟ قلت: هي الكلمة التي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
يقولها المتعوذ، وقد فسرناها، وهي واقعة على سبيل المجاز، كأن كل واحد من البحرين يتعوَّذ من صاحبه ويقول: {حِجْرًا مَحْجُورًا} "، وبمثل ما قال الزمخشري قال غيره من المفسرين، كأبي حيان، والرازي، والألوسي، والشنقيطي.
التحقيق العلمي
شاهد الإنسان منذ القديم النهر يصب في البحر، ولاحظ أن ماء النهر يفقد بالتدريج، لونه المميز وطعمه الخاص كلما تعمق في البحر، ففهم من هذه المشاهدة أن النهر يمتزج بالتدريج بماء البحر، ولولا ذلك لكان النهر بحرًا عذبًا، يتسع كل يوم حتى يطغى على البحر.
ومع تقدم العلم وانطلاقه لاكتشاف أسرار الكون، أخذ يبحث عن كيفية اللقاء بين البحر والنهر، ودرس عيِّنات من الماء حيث يلتقي النهر بالبحر، ودرس درجات الملوحة والعذوبة بأجهزة دقيقة، وقاس درجات الحرارة، وحدد مقادير الكثافة، وجمع عينات من الكائنات الحية، وقام بتصنيفها، وحدد أماكن وجودها، ودرس قابليتها للعيش في البيئات النهرية والبحرية.
وبعد مسح لعدد كبير من مناطق اللقاء بين الأنهار والبحار، اتضحت للعلماء بعض الأسرار التي كانت محجوبة عن الأنظار، واكتشف الباحثون أن المياه تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
1 - مياه الأنهار: وهي شديدة العذوبة.
2 - مياه البحار: وهي شديدة الملوحة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
3 - مياه في منطقة المصبّ، مزيج من الملوحة والعذوبة، وهي منطقة فاصلة بين النهر والبحر، متحركة بينهما بحسب مدّ البحر وجزره، وفيضان النهر وجفافه، وتزداد الملوحة فيها كلما قربت من البحر، وتزداد درجة العذوبة كلما قربت من النهر.
4 - يوجد برزخ مائي يُحيط بمنطقة المصبّ، ويحافظ على هذه المنطقة بخصائصها المميزة لها، حتى ولو كان النهر يصب إلى البحر من مكان مرتفع في صورة شلال.
5 - عدم اللقاء المباشر بين ماء النهر وماء البحر في منطقة المصب، بالرغم من حركة المد والجزر وحالات الفيضان والانحسار، التي تُعتبر من أقوى عوامل المزج؛ لأن البرزخ المحيط بمنطقة المصب يفصل بينهما على الدوام.
6 - يمتزج ماء النهر بماء البحر بصورة بطيئة، مع جود المنطقة الفاصلة من مياه المصب، والبرزخ المائي الذي يُحيط بها، ويحافظ على جوِّدها.
7 - تختلف الكتل المائية الثلاث؛ ماء النهر، ماء البحر، ماء المصب؛ في الملوحة والعذوبة.
وقد شاهد الباحثون الذين قاموا بتصنيف الكائنات الحية الموجودة فيها، ما يلي:
أ- معظم الكائنات التي في البحر والنهر والمصب لا تستطيع أن تعيش في غير بيئتها، ويوجد بعض الأنواع القليلة مثل سمك السلامون وثعابين البحر، تستطيع أن تعيش في البيئات الثلاث، ولها قدرة على أن تتكيَّف مع كل بيئة، فعديدات الأشواك ومعديات الأرجل والسركانات توجد في المصبات، ولكنها يُمكن أن تعيش في المناطق البحرية عند مناسبة الظروف البيئية، أما النيريس وهي من عديدات الأشواك ومعديات الأرجل والقشريات فتعتبر حيوانات لمنطقة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
المصب ولا توجد في البحر، ومعظم كائنات البيئات الثلاث تموت إذا خرجت من بيئتها الخاصة بها.
ب- وبتصنيف البيئات الثلاث، باعتبار الكائنات التي تعيش فيها، تُعتبر منطقة المصب منطقة حجر على معظم الكائنات الحية التي تعيش فيها؛ لأن هذه الكائنات لا تستطيع أن تعيش إلا في نفس الوسط المائي المتناسب في ملوحته وعذوبته، مع درجة الضغط الأسموزي في تلك الكائنات، والضغط الأسموزي ظاهرة تتعلق بمقدار نفاذ الأملاح في الأغشية، وتموت إذا خرجت من المنطقة المناسبة لها، وهي منطقة المصب، وهي في نفس الوقت منطقة محجورة، على معظم الكائنات الحية التي تعيش في البحر والنهر؛ لأن هذه الكائنات تموت إذا دخلتها، بسبب اختلاف الضغط الأسموزي أيضًا.
وبعدُ: فإن هذا النظام البديع، قد جعله الله تعالى لحفظ الكتل المائية الملتقية، من أن يفسد بعضها خصائص البعض الآخر؛ ليبقى ذلك الاختلاف رحمة للناس وسائر الكائنات، وإذا كانت العين المجردة لا تستطيع أن ترى هذا الحاجز الذي يحفظ الله تعالى به منطقة المصبِّ؛ فإن الأقمار الصناعية اليوم قد زوَّدتنا بصورة باهرة تُبيِّن لنا حدود هذه الكتل المائية الثلاث، التي تزداد وضوحًا كلما ازداد الفارق في حرارة الماء وما يحمله من مواد. وبالرغم من أن الماء العذب يمتزج مع ماء البحر، فإن هناك حدودًا على طرفي منطقة الامتزاج المحدودة، التي تفرض قيودًا على ما يدخلها أو يخرج منها، وهذا الوصف ينطبق تمامًا على نظام المصبِّ.
ويوجد اليوم اختلاف حول التعريف الأساسي لهذا المصطلح، ولكن العلم الحديث أثبت وجود حدودٍ على طرفي منطقة الامتزاج.
فانظر كيف حارت العقول الكبيرة عدَّة قرون بعد نزول القرآن الكريم في فهم الدقائق والأسرار، وكيف جاء العلم مبينًا لتلك الأسرار، وصدق الله القائل:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} (النمل: 93)، وانظر كيف استقر المعنى بعد أن كان قلقًا، قال تعالى: {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} (الأنعام: 67)، وقال تعالى: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} (ص: 88)، فمن أخبر النبي الأمي في الأمة الأمية في البيئة الصحراوية، حيث لا وجود لنهر ولا لمصبِّه عن هذه الأسرار الدقيقة، عن الكتل المائية المختلفة التركيب {عَذْبٌ فُرَاتٌ} {مِلْحٌ أُجَاجٌ} {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا}، والحجر المكان المحجور لكائنات حية تعيش في هذه البيئات المائية الثلاث، وكم استغرق الإنسان من الزمن، وكم استخدم من الآلات الدقيقة والأجهزة الحديثة حتى تمكن من الوصول غلى هذه الحقائق، التي جَرَت على لسان النبي الأمي قبل ألف وأربعمائة عام بأوجز تعبير وأوضح بيان، من أين جاء هذا العلم لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، إن لم يكن من عند الله الذي {أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} (الطلاق: 12)
وصف الحاجز بين البحرين
قال تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} (الرحمن: 19 - 22)، وقال تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا} (النمل: 61).
- المعاني اللغوية وأقوال المفسرين:
قال ابن فارس: "الباء والحاء والراء هو البحر، قال الخليل: سُمي البحر بحرًا لاستبحاره، وهو انبساطه وسعته، ويقال: للماء إذا غلظ بعد عذوبة استبحر، وماء بحري؛ أي: ملح". وقال الأصفهاني: "وقال بعضهم: البحر يقال في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
الأصل لماء الملح دون العذب". قال ابن منظور: "وقد غلب على الملح حتى قلَّ في العذب، فإذا أُطلق البحر دلَّ على البحر المالح، وإذا قُيِّد دلَّ على ما قيد به"، والقرآن الكريم يستعمل لفظ الأنهار؛ للدلالة على المياه العذبة، ويُطلق البحر ليدل على البحر الملح، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} (إبراهيم: 32)، وكذلك إذا أُطلق البحر في الحديث، ((إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء)) يقصد بذلك البحر الملح.
- معنى كلمة البرزخ:
البرزخ هو الحاجز، وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أنه لا يُرى:
بعد ذلك نأتي إلى قوله: {لَا يَبْغِيَانِ} البغي قال ابن منظور: وأصل البغي مجاوزة الحد، وبمثله قال الجوهري والأصفهاني، {الْمَرْجَانُ}، قال ابن الجوزي: وحكى القاضي أبو يعلى أن {الْمَرْجَانُ} ضرب من اللؤلؤ كالقضبان، وروي عن الزجاج قوله: {الْمَرْجَانُ} أبيض شديد البياض، وقال ابن مسعود: {الْمَرْجَانُ} الخرز الأحمر، وقال أبو حيان: وقال أبو عبد الله وأبو مالك: {الْمَرْجَانُ} الحجر الأحمر، وقال الزجاج: حجر شديد البياض، وحكى القاضي أبو يعلى أنه ضرب من اللؤلؤ كالقضبان، وقال القرطبي: وقيل {الْمَرْجَانُ} عظام اللؤلؤ وكباره، قاله علي وابن عباس رضي الله عنهما، واللؤلؤ صغاره، وعنهما أيضًا بالعكس أن اللؤلؤ كبار اللؤلؤ، و {الْمَرْجَانُ} صغاره؛ قاله الضحاك وقتادة، وقال الألوسي: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ} صغار الدر و {الْمَرْجَانُ} كباره، وقد رووا ذلك عن علي ومجاهد وابن عباس، ورُوي أيضًا عن ابن عباس ومجاهد وقتادة العكس، وأظنّ أنه إن اعتبر في اللؤلؤ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
معنى التلألؤ واللمعان، وفي {الْمَرْجَانُ} معنى المرج والاختلاط، فالأوفق لذلك ما قيل ثانيًا فيهما، ورُوي عن ابن مسعود أنه قال: المرجان الخرز الأحم ر.
وحاصل ما سبق أن {الْمَرْجَانُ} نوع من الزينة يكون بألوان مختلفة؛ بيضاء وحمراء وكبيرًا وصغيرًا، وهو حجر يكون كالقضبان قد يكون صغيرًا كاللؤلؤ؛ أي: الخرز، وهو في الآية غير اللؤلؤ، وحرف العطف بينهما يقتضي المغايرة، والمرجان لا يوجد إلا في البحار المالحة.
وهيا إلى النص القرآني لنرى دقائق الأسرار التي كشفت عنها اليوم علم البحار، قال تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} تصف الآيات اللقاء بين البحار المالحة، ودليل ذلك:
أ- لقد أطلقت الآية {الْبَحْرَيْنِ}، فدلَّ ذلك على أن {الْبَحْرَيْنِ} ملحان.
ب- بيَّنت الآية الأخيرة أن {الْبَحْرَيْنِ} {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ}، وقد تبيَّن أن المرجان لا يكون إلا في البحار الملحة، فدل ذلك على أن الآية تتحدث عن بحرين ملحين.
ج- عندما ذكرت منطقة اللقاء بين البحر والنهر في سورة الفرقان، بيَّنت الآية أن بينهما شيئين:
1 - البرزخ، 2 - الحجر المحجور، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا}، أما في هذه الآيات من سورة الرحمن فقد بيَّنت أن الفاصل هو البرزخ؛ فدل ذلك على أن اللقاء هنا بين بحرين لا عذب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
وملح، بسبب اختلاف ما يحدث عند اللقاء في الحالتين، فمن الذي كان يعلم أن البحار الملحة تتمايز فيما بينها، رغم اتحادها في الأوصاف التي تدركها الأبصار والحواس، ملحة، زرقاء، ذات أمواج، وكيف تتمايز وهي تلتقي مع بعضها، والمعروف أن المياه إذا اختلطت في إناء واحد تجانست؛ فكيف وعوامل المزج في البحار كثيرة من مد وجزر، وأمواج، وتيارات، وأعاصير.
والآية تذكر اللقاء بين بحرين ملحين، يختلف كل منهما عن الآخر؛ إذ لو كان البحران لا يختلف أحدهما عن الآخر؛ لكان بحرًا واحدًا، ولكن التفريق بينهما في اللفظ القرآني دال على اختلاف بينهما مع كونهما ملحين.
و {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ}؛ أي: أن البحرين مختلطان، وهما في حالة ذهاب وإياب، واختلاط، واضطراب، وهذا ما كشفه العلم من مدٍّ وجزر في البحار يجعلها مضطربة بأكملها في مناطق الالتقاء، لكن البحار المختلطة تختلط مع بعضها ببطء شديد.
ومن يسمع هذه الآية فقط يتصور أن امتزاجًا واختلاطًا كبيرًا يحدث بين هذه البحار، يفقدها خصائصها المميزة بها، ولكن العليم الخبير يقرِّر في الآية بعدها {بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ}، ومع حالة الاختلاط والاطراد هذه التي توجد في البحار، فإن حاجزًا يحجز بينهما، يمنع كلًّا منهما أن يطغى ويتجاوز حدَّه، وهذا ما شاهده الإنسان بعدما تقدَّم في علومه وأجهزته، فقد وُجد ماءٌ ثالث يختلف في خصائصه عن خصائص كلٍّ من البحرين، ويفصل كل من البحرين الملحين المتمايزين في خصائصهما من حيث الملوحة والحرارة، والكثافة، والأحياء المائية، وقابلية ذوبان الأكسجين، ووُجد أن هذا الحاجز المائي متحرك بين البحرين على اختلاف فصول السنة، وهذا المعنى يندرج أيضًا تحت قوله تعالى: {مَرَجَ} الذي يعني أيضًا الذهاب، والإياب، والاختلاط، والاضطراب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
ومع وجود البرزخ فإن ماء البحرين المتجاورين يختلط ببطء شديد، ولكن دون أن يبغي أحد البحرين على الآخر؛ لأن البرزخ منطقة قد تتقلَّب فيها المياه العابرة من بحر إلى آخر، لتكتسب المياه المتنقلة من بحر إلى بحر آخر، صفات البحر الذي ستدخل إليه، وتفقد صفات البحر الذي جاء منه، وبهذا يمتنع طغيان بحر بخصائصه على البحر الآخر، مع أنهما يختلطان أثناء اللقاء، وصدق الله القائل: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ}.
ثم انظر كيف جاء الوصف القرآني في آية سورة الفرقان، مبينًا خصائص اللقاء بين البحر العذب والبحر المالح، وجاء الوصف الدقيق أيضًا في آيات سورة الرحمن، مبينًا خصائص اللقاء بين البحرين الملحين، فظهر في عصرنا اليوم سرُّ تلك الفوارق الدقيقة بين الوصفين.
وهذا ما بيَّنه الدارسون فيما يُسمى بمصبَّات الأنهار، التي تحاط ببرزخ مائي، يفصلهما عن البحر والنهر، وتعتبر منطقة حجر للكائنات الحية الخاصة بها، ومنطقة محجورة عن الكائنات الحية الخاصة بالبحر والنهر.
وبينت الآية الكريمة أن البحرين المذكورين فيها {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} والمرجان لا يكون إلا في البحار الملحة، ولذلك لا توجد بين البحرين الملحين، منطقة حجرًا محجورًا على الكائنات الحية؛ لأن الاختلاف في درجة الملوحة ليس شديدًا ليكون مانعًا لانتقال الكثير من الأحياء البحرية من بيئة إلى بيئة أخرى.
ولقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن هذا الحاجز الذي يفصل بين البحرين المذكورين، هو حاجز من قدرة الله لا يُرى، كما قال ابن الجوزي وغيره، وذلك بوضع عجز أكابر العلماء عن أن يُحيطوا بتفاصيل ودقائق ما ذكره القرآن، وصدق الله القائل: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} (البقرة: 255).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
وعندما شاء المولى أن يُرِيَ الإنسان تفاصيل هذه الآية، كشف لهم قدرًا من العلوم ازدادوا به علمًا في هذا المجال، ومع كل كشف يتضح للإنسان حدود علمه، ولله درُّ المفسرين الذين يقولون بعد كل تفسير: والله أعلم.
وقد أُشكل على المفسرين التوفيق بين وجود برزخ حاجز من طغيان بحر على آخر، وبين وجود حالة اختلاط بين البحرين، وهو ما يدل عليه لفظ {مَرَجَ}، لأن من قرر أن البحرين مختلطان، فقد أهمل دور البرزخ ووظيفته في منع البغي بين البحرين، ومن قرر وجود الحاجز المانع، اضطر إلى تأويل لفظ {مَرَجَ} إلى معنى غير معناه الأصلي، الدال على الاختلاط.
- التحقيق العلمي:
لقد توصَّل علماء البحار من بعد تقدم العلوم في هذا العصر، إلى اكتشاف الحاجز بين البحرين كما يلي:
هناك برزخ بين البحرين يتحرك بينهما، يسميه علماء البحار الجبهة، تشبيهًا له بالجبهة التي تفصل بين الجبهتين، وبهذا يُحافظ كل بحر على خصائصه التي قدَّرها الله له، ويكون مناسبًا لما فيه من كائنات حية، تعيش في تلك البيئة، وهناك اختلاط بين البحرين رغم وجود هذا البرزخ، لكنه اختلاط بطيء يجعل القدر الذي يُعبر من بحر إلى بحر آخر، يتحول إلى خصائص البحر الذي يُنتقل إليه، دون أن يؤثر على تلك الخصائص.
اكتشف علماء البحار سرَّ اختلاف تركيب البحار الملحة، على يد البعثة العلمية البحرية الإنجليزية في رحلة تشال تشالنجر، فعرف الإنسان أن المياه في البحار، تختلف في تركيبها عن بعضها، من حيث درجة الملوحة ودرجة الحرارة،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)
ومقادير الكثافة وأنواع الأحياء المائية، ولقد كانت هذه الأسرار ثمرة رحلة علمية، استمرت ثلاثة أعوام، وهي تجوب في جميع بحار العالم.
وأقام الإنسان مئات المحطات البحرية لدراسة خصائص البحار المختلفة، فقرَّر العلماء أن الاختلاف في هذه الخصائص يفصل مياه البحار المختلفة بعضها عن بعض، لكن لماذا لا تمتزج البحار وتتجانس رغم تأثير قوتي المد والجزر، التي تحرك مياه البحر مرتين كل يوم، وتجعل البحار في حالة ذهاب وإياب واختلاط واضطراب إلى جوانب العوامل الأخرى التي تجعل مياه البحر متحركة مضطربة على الدوام، ولأول مرة يظهر الجواب على صفحات الكتب العلمية في عام 1361 هجرية 1942 ميلادية، فقد أسفرت الدراسات الواسعة لخصائص البحار عن وجود خواص مائية تفصل بين البحار الملتقية، وتُحافظ على الخصائص المميزة لكل بحر من حيث الكثافة والملوحة والأحياء المائية والحرارة، وقابلية ذوبان الأكسجين في الماء، ويكون الاختلاط بين ماء البحار عبر هذه الحواجز بطريقة بطيئة، يتحوَّل معها الماء الذي يعبُر الحاجز، إلى خصائص البحر الذي دخل فيه.
وهكذا يحدث الاختلاط بين البحار الملحة، مع محافظة كل بحر على خصائصه وحدوده المحددة، لوجود تلك الحواجز المائية بين البحرين.
وأخيرًا تمكن الإنسان من تصوير هذه الحواجز المتحركة المتعرجة بين البحار العلمية عن طريق تقنية خاصة بالتصوير الحراري بواسطة الأقمار الصناعية.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 332)
الدرس: 22 تابع: شرح قوله تعالى: {وهو الذي مرج البحرين … } - قوله: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 333)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني والعشرون
(تابع: شرح قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ … } - قوله: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا})
ما جاء في بحث الظواهر البحرية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
كنا قد تكلمنا عن قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} (الرحمن: 19)، وكنا وصلنا إلى التحقيق العلمي في هذه الآية، فنكمل بما جاء في بحث الظواهر البحرية، هذا البحث مقدم للمؤتمر العالمي الأول ل لإعجاز العلمي في القرآن والسنة، من الشيخ عبد المجيد الزنداني والدكتور برسادة رعو.
جاء في هذا البحث ما يلي:
إن مياه البحار بالرغم من أنها تبدو متجانسة، إلا أن هناك فروقًا كبيرة بين بعض الكتل المائية في بعض مناطق البحار العالمية، وتتحرَّك هذه الكُتل على شكل وحدات متفرقة، تفصلها عن بعضها البعض حدود واضحة، وتحتفظ بخواصّها رغم تحركها إلى مسافات بعيدة، دون أن تمتزج مع بعضها.
وهناك نقطة مهمة أخرى، وهي الفرق الدقيق بين نوعي الحاجز، كما ظهر بالدراسات العلمية الحديثة ووُصف وصفًا دقيقًا؛ إذ لا توجد بين الكتل المائية في البحار، منطقة محدودة كتلك التي توجد في منطقة المصب.
ومن المهم جدًّا أن نجد ذكرًا للؤلؤ والمرجان، في هذه المنطقة من البحار، وألَّا نجد مثل ذلك عند بحث التقاء المياه العذبة مع المياه المالحة، ويدلّ ذلك على أن اللؤلؤ والمرجان يتكونان في المناطق البحرية النقية، ولا يتكونان في مناطق امتزاج المياه العذبة مع مياه البحر، وتؤكّد الدراسات الحديثة على أن المرجان يوجد فقط في المناطق المدارية دون الاستوائية غير الممطرة أو قليلة المطر، ولا ينمو في مناطق المياه العذبة، ومن المدهش جدًّا أن نرى هذا التمييز بين المنطقتين، دون الحاجة إلى فحص مياه البحار بالأجهزة الحديثة المعقدة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 335)
وللباحث محمد إبراهيم السمرة الأستاذ بكلية العلوم، قسم علوم البحار في جامعة قطر، دراسة ميدانية في خليج عمان، والخليج العربي، ذكر فيها نتائج دراسات كيميائية، قامت بها سفينة البحوث، مختبر البحار التابعة لجامعة قطر، في الخليج العربي وخليج عمان في الفترة 1404 و1406 هجرية، 1984 إلى 1986، وتضمن البحث مقارنة واقعية بين الخليجين بالأرقام والحسابات والرسومات والتحليل الكيميائي، وبين اختلاف خواص كل منهما عن الآخر، من الناحية الكيميائية والنباتات السائدة في كل منهما، ووضَّح البحث وجود منطقة بين الخليجين، تُسمى في علوم البحار منطقة المياه المختلطة وهي منطقة البرزخ.
وبيَّنت النتائج أن عمود الماء في هذه المنطقة، يتكون من طبقتين من المياه، إحداهما سطحية أصلها من خليج عمان، والأخرى سفلية أصلها من الخليج العربي، أما في المناطق البعيدة والتي لا يصل إليها تأثير عملية الاختلاط بين الخليجين؛ فإن عمود الماء يتكون من طبقة واحدة متجانسة وليس من طبقتين، وأكَّدت النتائج أنه برغم هذا الاختلاط في المناطق التي بها مياه مختلطة، ووجود نوعين من المياه فوق بعضهم البعض، فإن حاجزًا ثابتًا له استقرار الجاذبية وقوتها، يقع بين طبقتي المياه، ويمنع مزجهما أو تجانسهما؛ حيث يتكون بذلك مخلوط غير متجانس.
وأوضحت النتائج أن هذا الحاجز، إما أن يكون في الأعماق من عشرة إلى خمسين متر إذا كان اختلاط مياه الخليجين رأسيًّا؛ أي: أن أحدهما فوق الآخر، وإما أن يكون هذا الحاجز على السطح، إذا تجاورت المياه السطحية بكلٍّ من الخليجين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 336)
أوجه الإعجاز في قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ}
أوجه الإعجاز في الآية السابقة.
مما سبق يتبيَّن أن العلماء الدارسين لمناطق اللقاء بين الأنهار والبحار مناطق المصبَّات اكتشفوا أن ماء النهر والبحر في منطقة اللقاء بينهما، في حالة ذهاب وإياب واختلاط واضطراب، ويفصل بينهما ماء المصبّ، الذي يعتبر حجرًا على الكائنات الحية، التي فيه محجورًا على الكائنات الخاصة بالبحار والأنهار، وأن ماء المصب محاط ببرزخ مائي يفصل بين البحر والنهر، وذلك ما قرَّره القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة عام على لسان نبي أمي، عاش في أرض صحراوية ليس فيها نهر ولا مصب، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا} (الفرقان: 53).
فهل تيسَّر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في زمنه من أبحاث وآلات ودراسات ما تيسر للعلماء الذين اكتشفوا تلك الأسرار بالبحث والدراسة، والواقع أن الذي تيسر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من ذلك، فقد جاءه النبأ من العليم الخبير، الذي أنزل عليه {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (الفرقان: 6).
وقد دلَّ الوصف التاريخي في أول البحث عن تطور علوم البحار، على عدم وجود أيَّة معلومات علمية في هذا الموضوع، قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان عند نزول القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن علوم البحار لم تتقدم إلا في القرنين الأخيرين، وخاصة في النصف الأخير من القرن العشرين، وقبل ذلك كان البحر مجهولًا مخيفًا، تكثر عنه الأساطير والخرافات، وكل ما يهتم به راكبوه هو السلامة، والاهتداء إلى الطريق الصحيح أثناء رحلاتهم الطويلة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 337)
وما عرف الإنسان أن البحار الملحة بحار مختلفة إلا في الأربعينات من هذا القرن، بعد أن أقام الدارسون آلاف المحطات البحرية لتحليل عينات من مياه البحار، وقاسوا في كل منها الفروق في درجات الحرارة، ونسبة الملوحة، ومقدار الكثافة، ومقدار ذوبان الأكسجين في مياه البحار في كل المحطات، فأدرك بعدئذٍ أن البحار متنوعة.
وما عرف الإنسان البرزخ الذي يفصل بين البحار الملحة إلا بعد أن أقام محطات الدراسة البحرية المشار إليها، وبعد أن قضى وقتًا طويلًا في تتبُّع وجود هذه البرازخ المتعرجة المتحركة التي تتغير في موقعها الجغرافي بتغيّر فصول العام.
وما عرف الإنسان أن ماء البحرين منفصلان عن بعضهما بالحاجز المائي ومختلطان في نفس الوقت إلا بعد عكف يدرس بأجهزته وسفنه حركة المياه في مناطق الالتقاء بين البحار، وقام بتحليل تلك الكتل المائية في تلك المناطق، وما قرر الإنسان هذه القاعدة على كل البحار التي تلتقي، إلا بعد استقصاء ومسح علمي واسع، لهذه الظاهرة التي تحدث بين كل بحرين.
فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك تلك المحطات البحرية، وأجهزة تحليل كتل المياه، والقدرة على تتبع حركة الكتل المائية المتنوعة، وهل قام بعملية مسح شامل، وهو الذي لم يركب البحر قط، وعاش في زمن كانت الأساطير هي الغالبة على تفكير الإنسان، وخاصة في ميدان البحار، وصدق الله القائل: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت: 53).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 338)