على حسن هدايته وتوفيقه، ويتمنى كل كافر لو يستحيل ترابا؛ أملا في تحاشي هول هذا اليوم وهول المصير الأسود من بعده، ولكن هيهات هيهات أن يفر أحد من حساب الله وجزائه العادل.
ومن الآيات الكونية التي قدمها ربنا بين يدي سورة النبأ شاهدة له - سبحانه - بطلاقة القدرة في إبداعه لخلقه ومؤكدة إمكانية البعث بل حتميته وحقيقته قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} وهاتان الآيتان يمر عليهما الإنسان دون إدراك حقيقي لفضل الله تعالى في الإنعام بهما ولا بعمق الدلالة العلمية في كل منهما، لأن حقيقة ذلك لم يدركها العلماء المتخصصون إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين، وهذا السبق القرآني صورة من صور الإعجاز العلمي في كتاب الله، لكن سنبدأ أولا في شرح الدلالة اللغوية لألفاظ الآيتين الكريمتين، واستعراض سريع لأقوال المفسرين فيهما.
الدلالة اللغوية:
أول ً ا: المهاد والمهد في اللغة العربية الممهد الم وطأ من كل شيء، ويطلق على الفراش لبسطه وسهولة وطئه، يقال: م َ هـ َ د َ الفراش، ويقال: م َ هـ َّ د َ الفراش؛ أي بسطه ووطأه، وا لمهد ما يهيأ للصبي من فراش وث ير، وتمهيد الأمور إصلاحها وتسويتها يقال: مهدت لك كذا؛ أي هيئته وسويته، وتمهيد العذر هو بسطه وقبوله، وقد جاء ذكر لفظ المهد بتصريفاتها في القرآن الكريم خمس مرات على النحو التالي:
1 - {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} (آل عمران: 46).
2 - وقوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} (طه: 53).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
3 - قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} (الروم: 44).
4 - وقوله تعالى: {وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا} (المدثر: 14).
5 - وقوله تعالى: {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} (الذاريات: 48).
ثاني ً ا: الجبال، والأجبال جمع جبل وهو المرتفع عما حوله من الأرض ارتفاعا ملحوظا يجعله يعظم ويطول، ودونه التل، ودون التل الربوة والأك ن ة، ودون الأك ن ة النجد أو الهضبة، ودون الهضبة السهل، ويقال: أجبل القوم؛ أي صاروا إلى الجبال بمعنى وصلوا إليها أو دخلوها وسكنوا فيها، ويقال للحية: ابنة الجبل وأن الجبل مأواها، كما يقال لصدى الصوت: ابن الجبل؛ لأن الجبل يردده، ويقال للداهية: ابنة الجبل؛ لأنها تدخل على النفس كأنها الجبل، والجُبلة والجَبلة والجِب ْ لة والجِبِلة القوة البدنية أو صلابة الأرض، والجبال البدن يقال: فلان مجبول؛ أي خطير أو خ طير الجبال؛ أي عظيم البُدن أو عظيم الب َ دن تشبيها بالجبل، وتجبل ما عنده؛ أي استنظف، والجبل أيضا ساح ة البيت، أو الكثير من كل شيء يقال: مال جبل وحي جبل؛ أي كثير، والجبل الجبلة الجماعة من الناس وفيها قراءات قر ئ بها قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا} (يس: 62) بكسر الجيم والباء وتشديد اللام كما قرئ بضم أو فتح الجيم أو تسكين الباء جبْلا جَبْلا وهكذا، والجبلة الخلقة أو الفطرة وأصله الوجه وما استقبلك منه.
والأوتاد جمع وَتَد أو وتِد والكسر أولى، وفعله وتد والأمر منه تد بالكسر، والأوتاد قطع من خشب أو حديد غليظة الرأس مدببة النهاية تثبت بها أركان الخيمة في الأرض بدكها حتى يدفن أغلبها في الأرض ويبقى أقلها ظاهرا فوق السطح، تشد بذلك العمق أركان الخيمة إلى الأرض فتثبتها وتجعلها قادرة على مقاومة فعل الرياح والعواصف الهوجاء. ويأتي التعبير بـ {ذِي الْأَوْتَادِ} (الفجر: 10)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
استعارة مجازية بمعنى كثير الجنود والعساكر الذين يشدون الملك ويثبتونه، كما تشد الأوتاد أركان الخيام إلى الأرض فتثبتها نظر ً الكثرة خيامهم التي يضربون أوتادها في أرض معسكراتهم، كما قد تأتي في معنى صاحب الأبنية العظيمة الشاهقة التي تشبه في عمق أساساتها أوتاد الجبال وفي ارتفاعها علو الجبال؛ وذلك من مثل قول الحق: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ} (الفجر: 10).
أقوال المفسرين في هذه الآية
ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسير قول الحق: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا}؛ أي ممهدة للخلائق ذلول ً الهم قارة ساكنة ثابتة، وفي قوله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}؛ أي جعل لها أوتادا أرساها بها وثبتها وقررها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها. وذكر صاحب ا (تفسير الجلالين) غفر الله له ما كلاما متشابها؛ إذ قال ا: " {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا} أي فراشا كالممهد صالح ً اللحياة عليها، {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}؛ أي تثبت بها الأرض كما تثبت الخيام بالأوتاد؛ لئلا تميد بكم، والاستفهام للتقرير ".
وقال صاحب (الظلال) رحمه الله رحمة واسعة -: "والمهاد الممهد للسير، والمهاد اللين كالمهد، وكلاهما متقارب، وهي حقيقة محسوسة للإنسان في أي طور من أطوار الحضارة ومعرفتها، فلا تحتاج إلى علم غزير لإدراكها في صورتها الواقعية، وكون الجبال أوتاد ً اظاهرة تراها العين كذلك حتى من الإنسان البدائي، وهذه وتلك ذات وقع في الحس حين توجه إليها النفس، غير أن هذه الحقيقة أكبر وأوسع مدى مما يحسه الإنسان البدائي لأول وهلة بالحس المجرد، وكلما ارتقت معارف الإنسان وازدادت معرفته لطبيعة هذا الكون وأطواره كبرت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
هذه الحقيقة في نفسه وأدرك من ورائها التقدير الإلهي العظيم، والتدبير الدقيق المحكم، والتنسيق بين أفراد هذا الوجود وحاجاتهم، وإعداد هذه الأرض لتلقى الحياة الإنسانية وحضانتها، وإعداد هذا الإنسان للملائمة مع البيئة والتفاهم معها، وجعل الأرض مهادا للحياة، وللحياة الإنسانية بوجه خاص شاهد لا يمارى في شهادته لوجود العقل المدبر من وراء هذا الوجود الظاهر، فاختلال نسبة واحدة من النسب الملحوظة في خلق الأرض هكذا بجميع ظروفها، أو اختلال نسبة واحدة من النسب الملحوظة في خلق الحياة لتعيش في الأرض؛ الاختلال هنا أو هناك لا يجعل الأرض مهادا، ولا يبقى هذه الحقيقة التي يشير إليها القرآن الكريم هذه الإشارة المجملة ليدركها كل إنسان وفق درجة معرفته ومداركه.
وجعل الجبال أوتاد ً ايدركه الإنسان من الناحية الشكلية بنظره المجرد، فهي أشبه شيء بأوتاد الخيمة التي تشد إليها، أما حقيقتها فنتلقاها من القر آن وندرك منه أنها تثبت الأرض وتحفظ توازنها، وقد يكون هذا لأنها تعادل بين نسب الأغوار في البحار ونسب المرتفعات في الجبال، وقد يكون لأنها تعادل بين التقلصات الجوفية للأرض والتقلصات السطحية، وقد يكون لأنها تثقل الأرض في نقط معينة فلا تميد بفعل الزلازل والبراكين والاهتزازات الجوفية، وقد يكون لسبب آخر لم يكشف عنه بعد، وكم من قوانين وحقائق أشار إليها القرآن الكريم ثم عرف البشر طرف ًا منها بعد مئات السنين ".
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
الدرس: 16 تابع: شرح قوله تعالى: {ألم نجعل الأرض مهادا … } - قوله: {والجبال أرساها … }.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السادس عشر
(تابع: شرح قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا … } - قوله: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا … })
تتمة أقوال المفسرين في هذه الآية
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وص حبه ومن والاه، أما بعد:
سنكمل -إن شاء الله- أقوال بعض المفسرين الآخرين، ونتحدث عن الدلالة العلمية لقول الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}.
ل قد ذكر صاحب (صفوة البيان لمعاني القرآن) رحمه الله ما نصه: مهاد ً ا؛ أي فراشا موط أكالمهد لتمكينكم من الاستقرار عليها، والتقلب في أنحائها والانتفاع بما أودعناه لكم فيها، والمهاد مصدر بمعنى ما يمهد، وجعلت به الأرض مهادا مبالغة في جعلها موطئ ًا للناس والدواب يقيمون عليها أو بتقدير مضاف؛ أي ذات مهاد.
قوله: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} (النبأ: 7)؛ أي كالأوتاد للأرض؛ أي أرسيناها بالجبال لئلا تميد وتضطرب كما يرسى البيت بالأوتاد لئلا تعصف به الرياح، والأوتاد جمع و َ ت َ د أو و َ ت ِ د ووفعله كوعد.
وذكر أصحاب (المنتخب في تفسير القرآن الكريم) ما نصه: ألم يروا من آيات قدرتنا أنا جعلنا الأرض ممهدة للاستقرار عليها
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
والتقلب في أنحائها وجعلنا الجبال أوتادا للأرض تثبتها، وفي تعليق هامش أضافوا ما نصه: يبلغ سمك الجزء الصلب من القشرة الأرضية نحو 60 كيلو متر ً ا، وتكثر فيه التجاعيد فيرتفع حيث الجبال وينخفض ليكون بطون البحار وقيعان المحيطات، وهو في حالة من التوازن بسبب الضغوط الناتجة من الجبال، ولا يختل هذا التوازن إلا بعوامل التعرية فقشرة الأرض اليابسة ترسيها الجبال كما ترسي الأوتاد الخيم ة.
وذكر صاحب (صفوة التفسير) - بارك الله فيه - ما نصه: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا}؛ أي ألم نجعل هذه الأرض التي تسكنونها ممهدة للاستقرار عليها والتقلب في أنحائها، وجعلناها لكم كالفراش والبساط لتستقروا على ظهرها وتستفيدوا من سهولها الواسعة بأنواع المزروعات، {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}؛ أي وجعلنا الجبال كالأوتاد للأرض تثبتها لئلا تميد بكم كما يثبت البيت بالأوتاد، فالله سبحانه وتعالى شبه الجبال بالأوتاد؛ لأنها تمسك الأرض أن تميد.
من الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين
من الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين، وهما: قول الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}.
أول ًَ ا: في قول الحق تبارك وتعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا} استضاءة ب مفهوم ت حرك ألواح الغلاف الصخري للأرض، وصلت الدراسات الحديثة في هذا المجال إلى أن الأرض بدأت بمحيط غامر، ثم بتصدع قاع ذلك المحيط واندفاع ملايين الأطنان من الصهارة الصخرية عبر تلك الصدوع بدأ تحرك الألواح الصخرية المكونة لذلك القاع متباعدة عن بعضها البعض في أحد أطرافها، ومصطدمة في الأطراف المقابلة، ومنزلقة عبر بقية الأطراف، ونتج عن ذلك تكون أعداد من أقواس الجزر البركانية عند الأطراف المتصادمة، ثم نمت تلك الجزر البركانية بالتدريج إلى القارة الأم أو أم القارات التي تفتت بشبكة هائلة من الصدوع إلى القارات السبع التي نعرفها اليوم.
وظلت هذه القارات في الاندفاع متباعدة عن بعضها البعض حتى وصلت إلى أوضاعها الحالية التي لا تزال تتزحزح عنها إلى اليوم، وباستمرار هذه العملية تمايزت ألواح الغلاف الصخري للأرض إلى الألواح المحيطية وتلك القارية، وبتصادم ألواح قيعان المحيطات بكتل القارات تكونت سلاسل الجبال الشبيهة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
بجبال الأنديز على الحافة الغربية لأمريكا الجنوبية، وبتصادم ألواح القارات مع بعضها تكونت أعلى السلاسل الجبلية على سطح الأرض؛ من مثل: سلاسل جبال الهمالايا التي نتجت عن اصطدام كتلة الهند بكتلة قارتي آسيا وأوروبا.
ومع تكون الأطراف والمنظومات والسلاسل والأحزمة الجبلية ومجموعاتها المعقدة أصبح سطح الأرض على درجة من وعورة التضاريس لا تسمح بعمرانها، ثم بدأت عمليات التجوية والتحات والتعرية في بر ي تلك المجموعات الجبلية والأخذ من ارتفاعاتها باستمرار، وبنقل الفتات الصخري الناتج عن تلك العمليات إلى أحواض المحيطات والبحار، وبتحرك هذه العمليات بدأت دورة الصخور التي لا تزال تتكرر إلى يومنا الراهن لتكسو منخفضات الأرض بالتربة اللازمة للإنبات والزراعة، ول تركز العديد من الثروات المعدنية ولتزيد من ملوحة البحار والمحيطات بالتدريج حتى تجعلها صالحة لحياة البلايين من الكائنات الحية، ولتحفظ هذا الماء من الفساد ولتركز معادن المتبخرات في صخور الأرض.
ولما كانت عمليات التجوية والتحات والتعرية تزيل كميات كبيرة من الصخور المكونة لمرتفعات سطح الأرض كان من ضرورات الاتزان الأرضي أن تتحرك الصهارة الصخرية تحت الغلاف الصخري للأرض لتعوض فقدان الكتل التي تمت تعريتها، ولتحقق الاتزان الأرضي بتعديل الضغوط في داخل الأرض، ويؤدي ذلك إلى رفع الجبال بطريقة تدريجية، وباستمرار تفاعل تلك القوى المتصارعة من عمليات التجوية والتعرية المقترنة بعمليات تحرك الصهارة الصخرية تحت الغلاف الصخري للأرض وفي داخله، وعمليات رفع الجبال لتحقيق التوازن الأرضي لفترات زمنية طويلة؛ فإنها تنتهي بإنقاص سمك سلسلة الجبال إلى متوسط سمك لوح الغلاف الصخري الذي تتواجد عليه؛ وذلك بسحب جذور الجبال من نطاق الضعف الأرضي ورفعها حتى تظهر على سطح الأرض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
وبخروج جذور الجبال من نطاق الضعف الأرضي الذي كانت طافية فيه كما تطفو جبال الجليد في مياه المحيطات؛ فإن الجبال تفقد القدرة على الارتفاع إلى أعلى، وتظل عوامل التعرية في بريها حتى تسويها بسطح الأرض تقريبا، وحينئذ تنكشف جذور الجبال وبها من الثروات المعدنية ما لا يمكن أن يوجد إلا تحت مثل ظروف أوتاد الجبال التي تتميز بقدر هائل من الضغط والحرارة.
وعلى هذا النحو ف إن الجبال قد لعبت ولا تزال تلعب دورا مهما في بناء قارات الأرض، وفي الزيادة المستمرة لمساحة تلك القارات بإضافة الكتل الجبلية إلى حواف تلك القارات بطريقة مستمرة، ومعنى ذلك أن كل قارات الأرض بدأت بسلاسل من أقواس الجزر البركانية في وسط المحيط الغامر، وأنه باصطدام تلك الجزر كونت القارة الأم التي تفتت بشبكة هائلة من الصدوع إلى القارات السبع التي نعرفها اليوم، والتي ظلت تنزاح متباعدة عن بعضها البعض حتى وصلت إلى أماكنها الحالية، والتي لا تزال تتزحزح عنها وبقيت القارات على هيئة أطواف ومنظومات وسلاسل وأحزمة جبلية معقدة، وأن تلك المرتفعات جعلت سطح الأرض على درجة من وعورة التضاريس لا تسمح بعمرانها، ثم بدأت سلسلة من الصراع بين العمليات الأرضية الداخلية البانية للجبال والرافعة لها، والعمليات الهدمية الخارجية التي تعريها، وفي نهاية هذا الصراع تنتصر العوامل الهدمية الخارجية فتسوى الجبال وتخفض من ارتفاعاتها بالتدريج في محاولة للوصول بها إلى مستوى سطح البحر.
ولذلك فإن كل سهول ومنخفضات اليابسة الحالية كانت في يوم من الأيام جبالا شاهقة، ثم عرتها عوامل التجوية والتحات والتعرية حتى أوصلتها إلى مستوياتها الحالية، وأن الكتل الصخرية القديمة التي تعرف باسم الرواسخ أو المجن وهي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
كتل مستقرة نسبيا موجودة في أواسط القارات ما هي في الحقيقة إلا جذور السلاسل الجبلية القديمة التي تم تعريتها.
هذه العمليات المعقدة من الصراع بين القوى البانية في داخل الأرض والقوى الهدمية من خارجها؛ هي التي أدت بأمر من الخالق - سبحانه - إلى بناء القارات ورفعها فوق مستوى البحار والمحيطات على هيئة مجموعات من أطواف ومنظومات وسلاسل وأحزمة جبلية شاهقة ظلت تضاف إلى بعضها البعض بانتظام وبطء لتزيد من مساحة القارات التي كانت في بادئ الأمر جبلية وعرة لا تسمح وعورتها بعمرانها، ثم بدأت عوامل التعرية في الأخذ من تلك الجبال الشاهقة بالتدريج حتى حولتها إلى السهول الواسعة والهضاب والنجود المنخفضة والأودية المحفورة والرواسخ الثابتة التي تشكل أواسط القارات اليوم حتى وصلت الأرض إلى صورتها المناسبة للعمران، ولذلك يمن علينا ربنا - سبحانه - بتمهيد الأرض ويلوم المنكرين للبعث بتوجيه هذا اللوم من الاستفهام التقريري التوبيخي التقريعي الذي يقول فيه الحق: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا}؛ أي ألم نجعل لكم الأرض فراش ً اموط أكالمهد؛ لتمكينكم من الاستقرار عليها والتقلب في أنحائها، والانتفاع بما أودعناه لكم فيها؛ لأن الأرض لو بقيت جبالا شاهقة الارتفاع متشابكة التضاريس معدومة الممرات والمسالك لما أمكن العيش على سطحها، فسبحان الذي أنزل هذه اللفتة القرآنية المبهرة في محكم كتاب هـ من قبل ألف وأربعمائة من السنين، وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.
ثاني ً ا: في قول الحق تبارك وتعالى: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} من الأمور المشاهدة أن سطح الأرض ليس تام الاستواء، وذلك بسبب اختلاف التركيب الكيمائي والمعدني للصخور المكونة له، وبالتالي اختلاف كثافة الصخور المكونة لمختلف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
أجزاء الغلاف الصخري للأرض؛ فهناك قمم عالية للسلاسل الجبلية، وتنخفض تلك القمم السامقة إلى التلال ثم الرواب ي أو الربى جمع ربوة أو رابية أو الآكا م جمع أك م ة أوالنتوءات الأرضية، ثم الهضاب أو النجود، ثم السهول، ثم المنخفضات الأرضية والبحرية، ويختلف مع ذلك متوسط كثافة الصخور المكونة لكل شكل من هذه الأشكال الأرضية، ويبلغ ارتفاع أعلى قمة على سطح الأرض؛ وهي قمة جبل إفرست في سلسلة جبال الهمالايا 8840 متر ً اتقريب ً افوق مستوى سطح البحر، بينما يقدر منسوب أخفض نقطة على سطح اليابسة، وهي حوض البحر الميت بحوالي 395 متر ً المستوى م ائة تحت مستوى سطح البحر، بينما يصل منسوب قاعه إلى 800 متر تحت المستوى العادي لسطح البحر، ويقدر متوسط منسوب سطح اليابسة بنحو 840 متر ً افوق مستوى سطح البحر، ويبلغ منسوب أكثر أغوار المحيطات عمق ً ا 11020 متر ً افي قاع المحيط الهادي بالقرب من جزر الفلبين، بينما يبلغ متوسط أعماق المحيطات نحو أربعة كيلو مترات تحت مستوى سطح البحر، ويبلغ الفارق بين أعلى قمة على اليابسة وأخفض نقطة في قيعان المحيطات؛ أي أقل قليلا من 20 كيلو متر ً ا.
وهذا الفارق بين أعلى قمة على سطح اليابسة وأخفض نقطة في أغوار قيعان البحار العميقة والمحيطات إذا قورن بمتوسط نصف قطر الأرض والمقدر بنحو 6371 كيلو متر ً ا؛ فإن النسبة لا تكاد تتعدى 30%، وهذه النسبة الضئيلة تلعب دورا مهما في معاونة عوامل التعرية المختلفة على بر ي صخور مرتفعات الأرض، وإلقاء الفتات الناتج عنها في المنخفضات في دورات متعاقبة تعمل على تسوية سطح الأرض، وتكوين التربة، وتركيز الخامات المعدنية، وجعل الأرض صالحة للعمران.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
كذلك فإن الأدلة العلمية التي تراكمت على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين تشير إلى أن الغلاف الصخري للأرض في حالة توازن تام، وإذا تعرض هذا التوازن إلى الاختلال في أية نقطة على سطح الأرض؛ ف إ ن تعديله يتم مباشرة بتحرك القدر المناسب من الصهارة في نقاط الضعف الأرضي تحت نقطة الاختلال مباشرة منها أو إليها، ومن هذه الأدلة أن القشرة الأرضية تنخفض إلى أسفل على هيئة منخفضات أرضية عند تعرضها لأحمال زائدة، وترتفع إلى أعلى على هيئة نتوءات أرضية عند إزالة تلك الأحمال عنها، ويتم ذلك بما يسمى التضاغط والارتداد التضاغطي المرتد الذي يتم من أجل المحافظة على الاتزان الأرضي؛ ومن أمثلة ذلك ما ينتج عن تجمع الجليد بسمك كبير على اليابسة، ثم انصهار هـ، أو عند تخزين الماء بملايين الأمتار المكعبة أمام السدود ثم تصريفه، أو بتراكم ملايين الأطنان من الترسيبات أمام السدود ثم إزالتها، أو بتساقط نواتج الثورات البركانية العنيفة حول عدد من فوهات البراكين ثم تعريتها.
ففي العهد الحديث من عمر الأرض بدأت في الانصهار تراكمات الجليد السميكة التي كانت قد تجمعت على بعض أجزاء اليابسة من نصف الكرة الشمالي منذ نحو مليوني سنة، ونتيجة لذلك بدأت الأرض بالارتفاع التدريجي في مناطق الانصهار التدريجي للجليد؛ لتحقيق التوازن التضاغطي المرن للأرض؛ وهو من سنن الله فيها، وقد بلغ ارتفاع الأرض بذلك 330 متر ً افي منطقة خليج هتسون في شمال أمريكا الشمالية، ونحو مائ ة من الأمطار حول بحر البلطيق حيث لا يزال ارتفاع الأرض مستمرا، وأمام كثير من السدود التي أقيمت على مجاري الأنهار تسببت بلايين الأمتار المكعبة من المياه وملايين الأطنان من الرسوبيات التي تجمعت أمام تلك السدود في حدوث انخفاضات عامة في مناسيب المنطقة وزيادة ملحوظة في نشاطها الزلزالي، ويؤيد ذلك بأن ألواح الغلاف الصخري المكونة للقارات والتي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
يتراوح سمك كل ٍّ منها بين المائة والمائة وخمسين كيلو مترا يغلب على تركيبها صخور ذات كثافة منخفضة نسبيا، بينما يغلب على تركيب ألواح الغلاف الصخري المكونة لقيعان البحار والمحيطات صخور ذات كثافة عالية نسبيا؛ ولذلك لا يتجاوز سمك الواحد منها سبعين كيلو مترا فقط.
وكل من ألواح الغلاف الصخري القارية والمحيطية يطفو فوق نقاط الضعف الأرضي الأعلى كثافة، وهو نطاق مرن شبه منصهر عالي اللزوجة؛ ولذلك فهو يتأثر بالضغوط فوقه ويتحرك استجابة لها.
وفي المقابل فإن قشرة الأرض المكونة لكتل القارات يتراوح سمكها بين 30 و40 كيلو مترا تقريبا، ويغلب على تركيبها الصخور الجرانيتية والتي تغطى أحيانا بتتابعات رقيقة ومتفاوتة السمك من الصخور الرسوبية، ومتوسط كثافة الصخور الجرانيتية يبلغ 2.7 جرام للسنتيمتر المكعب، بينما يتراوح سمك قشرة الأرض المكونة لقيعان البحار والمحيطات بين ثمانية وخمسة كيلو مترات فقط، ويغلب على تركيبها الصخور البازلتية التي قد تتبادل مع الصخور الرسوبية، أو تتغطى بطبقات رقيقة منها، ويبلغ متوسط كثافة الصخور البازلتية 2.9 جرام للسنتيمتر المكعب؛ ولذلك تطفو كتل القارات فوق قيعان البحار والمحيطات.
وبنفس هذا التصور يمكن تفسير الاختلاف في تضاريس سطح الأرض على أساس من التباين في كثافة الصخور المكونة لكل شكل من أشكال تلك التضاريس؛ فالمرتفعات على سطح اليابسة لا بد وأن يغلب على تكوينها صخور أقل كثافة من الصخور المحيطة بها، ومن ثم فلا بد وأن يكون لها امتدادات من صخورها الخفيفة نسبيا في داخل الصخور الأعلى كثافة المحيطة بها، ومن هنا كان الاستنتاج بأن الجبال لا بد وأن لها جذورا عميقة تخترق الغلاف الصخري
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
للأرض بالكامل لتطفو في نطاق الضعف الأرضي، وهنا تحكمها قوانين الطفو كما تحكم جبال الجليد الطافية في مياه المحيطات، وقد أيدت قياسات عجلة الجاذبية الأرضية هذا الاستنتاج بإشارتها إلى ق م م أقل من المفرو ض نظري ًّ افي المناطق الجبلية، وإلى ق م م أعلى من المفروض في المنخفضات الأرضية وفوق قيعان البحار والمحيطات، وانكشاف جذور الجبال القديمة في أواسط القارات يعتبر من الشواهد المادية التي تثبت حدوث عمليات إعادة التعليل التضاغطي في الغلاف الصخري للأرض؛ وذلك لأنه مع بري عوامل التعرية لقمم تلك الجبال ظلت ترتفع إلى أعلى حتى ظهرت جذورها على سطح الأرض، وبفهم دورة حياة الجبال ثبت أن كل نتوء أرضي فوق مستوى سطح البحر له امتداد في داخل الغلاف الصخري للأرض يتراوح طوله بين 10 و15 ضعف ارتفاعه الخارجي.
وكلما كان الارتفاع فوق مستوى سطح البحر كبيرا تضاعف طول الجزء الغائر في الأرض امتدادا إ لى الداخل، وعلى ذلك فإن قم ة مثل: إفرست لا يكاد ارتفاعها فوق مستوى سطح البحر يصل إلى تسعة كيلو مترات لها امتداد في داخل الغلاف الصخري للأرض يزيد عن المائة والثلاثين كيلو مترًا، ويختلق هذا الامتداد الداخلي لتلك السلسلة الجبلية الغلاف الصخري للأرض بالكامل ليطفو في نطاق الضعف الأرضي، وهو نطاق شبه منصهر؛ أي مرن عالي الكثافة واللزوجة تحكمه في ذلك قوانين الطفو تمامًا كما تحكم جبال الجليد الطافية في مياه المحيطات، فكلما برت عوامل التعرية قمم الجبال ارتفعت تلك الجبال إلى أعلى، وتظل عملية الارتفاع تلك حتى يخرج جذر الجبل من نطاق الضعف الأرضي بالكامل؛ وحينئذ يتوقف الجبل عن الحركة، ويتم بريه حتى يصل سمكه إلى سمك اللوح الأرضي الذي يحمله؛ وبذلك يظهر جذر الجبل على سطح الأرض، وبه من الثروات الأرضية ما لا يمكن أن يتكون إلا تحت ظروف استثنائية من الضغط والحرارة لا تتوفر إلا تحت ظروف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
مشابهة للبيئة في جذور الجبال.
فسبحان الذي وصف الجبال من قبل ألف وأربعمائة سنة بالأوتاد، وهي لفظة واحدة تصف كلا من الشكل الخارجي للجبل وامتداده الداخلي ووظيفته؛ لأن الوتد أغلبه يدفن في الأرض وأقله يظهر على السطح، ووظيفته التثبيت، وقد جاءت علوم الأرض في العقود المتأخرة من القرن العشرين بالأدلة المادية التي تثبت أنه هكذا الجبال بعد أن ظل وصف الجبال إلى مشارف التسعينات من القرن العشرين قاصرًا على أنها مجرد نتوءات فوق سطح الأرض، واختلفوا في تحديد حد أدنى لارتفاع تلك النتوءات الأرضية اختلافا كبيرا بين 310 مترا و620 مترا، وبين اعتباره تعبيرا محددا أو نسبيا يعتمد على تضاريس المنطقة.
وفي السبق القرآني بوصف الجبال بأنها أوتاد تأكيد قاطع على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وأن النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولًا بالوحي، ومعلمًا من قِبل خالق السموات والأرض؛ حيث لم يكن لأحد من البشر أدنى إلمام بإمكانية وجود امتدادات داخلية للجبال، أو حتى مجرد التفكير في ذلك الأمر، ولا بدور الجبال في تثبيت الأرض إلا بعد نزول القران الكريم بأكثر من اثني عشر قرنًا، ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لهذا العلم غير الله الخالق -سبحانه- الذي أنزله على نبي أمي في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين من قبل ألف وأربعمائة سنة فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
أيضا هناك آية أخرى في القرآن الكريم تقول:} وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ {(النازعات: 32، 33) الجبل في اللغة هو المرتفع من الأرض ارتفاعا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
ملحوظا يجعله يعظم ويطول على ما حوله من الأرض، وجمعه جبال وأجبال، ودونه في الارتفاع التل، ودون التل الربوة أو الرابية أو الأكمة وجمعها آكام، ودون الأكمة الهضبة، ودون الهضبة السهل، ودون السهل المنخفض.
أما أرساها الفعل رسا يرسو فمعناه ثبت وقر، ويستخدم الفعل أرسى مجازا بمعنى تهدئة الأمور، وجاءت لفظة رواسي بهذا المعنى في القرآن الكريم؛ مثل قوله تعالى:} وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ {(المرسلات: 27) يعني جبال عالية مرتفعة. فإذا تتبعنا أقوال المفسرين في تفسير قول الحق -سبحانه-:} وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ {نجد أن ابن كثير -يرحمه الله- ذكر ما مختصره؛ أي قرها وأثبتها في أماكنها، وهو الحكيم العليم الرءوف بخلقه الرحيم، وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها كل ذلك متاعا لخلقه، ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدة احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد وينقضي الأجل.
وجاء في تفسير (الجلالين) ما نصه: أثبتها على وجه الأرض لتثبت، متاعا مفعول له لمقدر؛ أي فعل ذلك متعة أو مصدر؛ أي تمتيعًا لكم ولأنعامكم جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم. وجاء في (الظلال) ما مختصره: وإرساء جبالها متاعا للإنسان وأنعامه، وهي إشارة توحي بحقيقة التدبير والتقدير في بعض مظاهرها المكشوفة للجميع. وجاء في (صفوة البيان لمعاني القرآن) ما نصه:} وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا {؛ أي أرسى الجبال؛ أي أثبتها في الأرض؛ كي لا تميد وتضطرب، وقوله َ:} أَرْسَاهَا {تفسير للفعل المضمر قبله} مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ {؛ أي تمتيعا لكم ولأنعامكم. والآية تقريع لكفار مكة المنكرين للبعث زاعمين صعوبته بعد أن بين الله كمال سهولته بالنسبة إلى قدرته. وجاء في (المنتخب): والجبال ثبتها متاعا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
لكم ولأنعامكم. وجاء في (صفوة التفسير) ما نصه:} وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا {؛ أي والجبال أثبتها في الأرض، وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بأهلها متاعا لكم ولأنعامكم؛ أي فعل ذلك كله منفعة للعباد، وتحقيقا لمصالحهم ومصالح أنعامهم ومواشيهم.
من الدلالات العلمية لقوله تعالى:} وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا … }
من الدلالات العلمية لقوله تعالى:} وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ {
فهم المفسرون السابقون من قول الحق تبارك وتعالى:} وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا {أن الضمير في أرساها يعود على الجبال، ومن هنا قالوا: إن عملية الإرساء تتعلق بالجبال على أساس من أن الضمير في العربية يعود على أقرب اسم إليه، وانطلاقا من ذلك فقد فهموا من الآية الكريمة معنى تثبيت الجبال في الأرض وجعلها كالأوتاد لتستقر وتسكن بمن عليها فلا تميد ولا تضطرب.
وهذا الكلام يحمل في طياته أيضا تثبيت الأرض؛ لأن ضمير الغائب في الآيتين السابقتين، والذي جاء أربع مرات يعود على الأرض، ولا يستبعد أن يكون كذلك في آية الجبال؛ حيث يقول ربنا -سبحانه-:} وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ {(النازعات: 30 - 33) والصياغة هنا تحتمل معنى وبالجبال أرساها؛ فيكون المعنى إرساء الأرض بواسطة الجبال، بينما المعنى الأول يتعلق بإرساء الجبال على سطح الأرض، والمعنيان صحيحان صحة كاملة حسب معطيات علوم الأرض الحديثة؛ فالجبال مثبتة في الغلاف الصخري للأرض، وهي أيضا مثبتة لهذا الغلاف الصخري.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
الدرس: 17 تابع: شرح قوله تعالى: {والجبال أرساها … } - قوله: {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع عشر
(تابع: شرح قوله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا … } - قوله: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ})
تتمة الحديث عن الدلالات العلمية لقوله تعالى: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا … }
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
كنا قد بدأنا في الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين،
أول ً ا: في فهم معنى {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} (النازعات: 32) لمفهوم إرساء الجبال على سطح الأرض: في خلال القرنين الماضيين تراكمت الأدلة العلمية التي تُشير إلى أن الغلاف الصخري للأرض في حالة توازن تام، على الرغم من التباين الواضح في تضاريس سطحه، ومعنى ذلك أن كتلة المادة متساوية عبر كل أنصاف أقطار الأرض الممتدة من مركزها إلى مختلف النقاط على سطحها مهما تباينت تضاريس السطح؛ سواء كانت النقطة التي انتهى إليها نصف القطر أعلى قمة جبلية أو أخفض نقطة في أغوار المحيطات، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بتباين كثافة الصخور المكونة للأجزاء المختلفة من الغلاف الصخري للأرض، فالسلاسل الجبلية العالية تتكون من صخور أقل كثافة من الصخور المحيطة بها، والمناطق المنخفضة تتكون من صخور أعلى كثافة من صخور المناطق المرتفعة.
وقد أكد ذلك أن الجزء العلوي من الغلاف الصخري للأرض المعروف باسم قشرة الأرض يتباين كلٌّ من سمكه وكثافته في القارات عنها في قيعان البحار والمحيطات، فيتراوح سمك قشرة القارية بين 30 و40 كيلو متر ًا، ويبلغ على تركيبها الصخور الجرانيتية؛ بينما يتراوح سمك قشرة قاع المحيط بين 8.5 كيلو متر، ويبلغ على تركيبها الصخور البازلتية بمتوسط كثافته 2.9 جرام وسنتمتر مكعب. وبذلك تطفوا كتل القارات فوق قيعان البحار والمحيطات، وبالمثل فإن ألواح الغلاف الصخري الحاملة للقارات يتراوح سمكها بين 1000 و150 كيلو متر، ويغلب على تكوينها صخور ذات كثافة أقل نسبيًّا من الصخور المكونة لألواح قيعان البحار والمحيطات، والتي لا يتعدى سمكها 70 كيلو مترًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
وكلا الصنفين من الألواح المكونة لغلاف الأرض الصخري القارية والمحيطية يطفوا فوق نطاق أعلى كثافة، وهو نطاق شبه منصهر مرن يُعرف باسم نطاق الضعف الأرضي، وهذا النطاق يتأثر بالضغوط فوقه؛ نظرا لمرونته، فيتحرك إلى أسفل كلما زادت عليه الضغوط، وإلى أعلى كلما قلَّت.
ويتم ذلك بعمليتين متعاكستين تُسمى الأولى منهما باسم التضاغط المرتد، وتُسمى الثانية باسم الارتداد التضاغطي المرتد، وتتمَّان للمحافظة على الاتزان الأرضي، فإذا ارتفع الجبل بصخوره الخفيفة نسبيًّا إلى قمم سابقة؛ فلا بد من إزاحة كمٍّ مساوٍ لكتلته من المادة شبه المنصهرة في نطاق الضعف الأرضي الموجود أسفل الجبل مباشرة، مما يساعد الصخور المكونة للجبل على الاندفاع إلى أسفل بارتدادات عميقة تُسمى تجاوزًا باسم جذور الجبال، وهذه الجذور الجبلية تخترق الغلاف الصخري للأرض بالكامل؛ لتطفوا في نطاق الضعف الأرضي، كما تطفوا جبال الجليد في مياه المحيطات يحكمها في الحالين قوانين الطفو.
وبناء على كثافة الصخور المكونة للجبال بالنسبة إلى كثافة صخور نطاق الضعف الأرضي وكتلة الجبل نفسه يكون عمق الامتدادات الداخلية لصخور الجبل؛ أي: جذوره، وقد ثبت أن كل نتوءٍ على سطح الأرض له امتداد في داخلها يتراوح بين 10 و15 ضعف ارتفاع هذا النتوء فوق مستوى سطح البحر، وكلما زاد هذا الارتفاع الخارجي للتضاريس سطح الأرض زادت امتداداته الداخلية أضعافًا كثيرة، وهكذا تثبت الجبال على سطح الأرض بانغراسها في غلافها الصخري، وطفوها في نطاق الضعف الأرضي، كما تعين هي على تثبيت الأرض فتقلِّل من ترنحها في دورانها حول محورها، وتثبت ألواح الغلاف الصخري للأرض مع بعضها البعض بأوتاد الجبال، فتربط القارة بقاع المحيط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)