الدرس: 14 شرح قوله تعالى: {والبحر المسجور}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الرابع عشر
(شرح قوله تعالى: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ})
عرض موجز لسورة الطور التي ذكرت فيها الآية
الحمد لله، والصلاة والسلام عل ى سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
سنشرح قول الله تعالي: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} (الطور: 6).
هذا القسم بالبحر المسجور ضمن قسم لخمس من آيات الله في الخلق على حتمية وقوع العذاب بالمكذبين بالدين الخاتم، وعل ى أنه لا دافع أبدا لهذا العذاب عنهم، جاء هذا القسم القرآني العجيب في مطلع سورة الطور، وسورة الطور مكية وعدد آياتها 49 آية، ويدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة بأبعادها المختلفة من الإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، وبملائكته وكتبه ورسله، وبالبعث والجزاء، وبالخلود في الآخرة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا؛ شأنها في ذلك شأن كل السور التي أنزلت بمكة المكرمة.
وتبدأ السورة بعد هذا القسم بمشهد من مشاهد الآخرة فيه استعراض لحال المكذبين برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين -صل ى الله عليه وسلم- وهم يدفعون من ظهورهم إ لى نار جهنم دفعا، وقد كانوا من المكذبين بها، ثم تنتقل الآيات إ لى استعراض حال المتقين وهم يتنعمون في جنات النعيم ثوابا لهم على الإيمان بالله وتقواه.
وتنتهي السورة بخطاب إلى النبي الخاتم والرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم يحثه على المضي في دعوته إلى عبادة الله الخالق وحده بغير شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صا حبة ولا ولد، مهما ل اقاه في ذلك من مصاعب في مواجهة الكم الهائل من مؤامرات المتآمرين وكيد المكذبين وعنتهم، الذين يتهددهم الله تعالى بما سوف يلقونه من صنوف العذ اب يوم القيامة بل وبعذاب قبل ذلك في الحياة الدنيا.
ويأتي مسك الختام بمواساة وتعضيد لرسول الله - صل ى الله عليه وسلم - في صورة تكريم لم يسبق لنبي من الأنبياء ولا لرسول من الرسل أن نال من الله تكريما مثله، وذلك بقول
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
الحق - سبحانه - موجها الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم يقول تعالي: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} (الطور: 48، 49).
والآيات الست التي سبق بها القسم في مطلع سورة الطور هي على التوالي، {وَالطُّورِ} (الطور: 1)؛ وهو الجبل المكسو بالأشجار، والجبل غير المكسو بالخضرة لا يقال له طور، وإنما يقال له: جبل إذا كان شاهق الارتفاع بالنسبة للتضاريس حوله، ويسمى تل ًّ اإذا كان دون ذلك، وتليه الأَكْ ن ة أو الربوة أو النتوء الأرضي، ويلي هـ النجد أو الهضبة، ويلي ذلك السهل من تضاريس الأرض.
والمقصود بالقسم القرآني بالطور هنا هو على الرأي الأرجح طور سيناء الذي كلم الله تعالى عنده موسى عليه السلام والذي نزلت عليه الألواح، وأقسم الله بطور سيناء هذا؛ تكريم ً اله، وتذكيرا للناس بما فيه من الآيات والأنوار والتجليات والفيوضات الإلهية مما جعله بقعة مشرفة من بقاع الأرض لاختيار الله تعالى له وتجليه عليه.
والآية الثانية التي جاء بها القسم؛ هي قول الله تعالى: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} (الطور: 2) وقيل فيه: إ نه اللوح المحفوظ، وقيل: إنه القرآن الكريم الذي ختم الله - سبحانه - به وحي السماء، وقيل: هو التوراة التي تلقاها نبي الله موسي عليه السلام في الألواح التي أنزلت على جبل الطور، وقيل: هو إشارة إلى جميع الكتب التي أنزلها ربنا - سبحانه - على فترة من الرسل بلغ عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر، كما أخبرنا المصطفى عليه السلام؛ لأن أصلها واحد ورسالتها واحدة.
كذلك قيل في قول ربنا تبارك وتعالى: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} (الطور: 2) إنه صحائف أعمال العباد.
والقَسم الثالث جاء بالصيغة {فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} (الطور: 3)، والرق هو جلد رقيق يكتب فيه، وقد يشير إلى الورق الذي يكتب عليه وإلى الألواح التي ينقش فيه؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
لأن الرق هو كل ما يكتب فيه، والمنشور؛ أي المبسوط غير المطوي وغير المختوم عليه؛ بمعنى أنه مفتوح أمام الجميع يستطيعون قراءته، أو الاستماع إليه بغير حجر أو منع؛ مما يؤكد أن المقصود بقول ربنا تبارك وتعالى: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} (الطور: 2) هو القرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم يقر ؤ هـ الخلق جميع هم، ويستمعون إليه بغير قيود أو حدود من أي نوع.
وهكذا كانت الكتب السماوية التي سبقته بالنزول قبل ضياعها، وتعرض ما بقي منها من ذكريات إلى التحريف والتبديل والتغيير، وفي النشر إشارة إلى سلامة القرآن الكريم من كل نقص وعيب.
وجاء القسم الرابع بصياغة {وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ} (الطور: 4) وهو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة؛ أي في مقابلتها إلى أعل ى وعل ى استقامتها تماما، وهو أيضا حيال العرش إلى أسفل منه وعلى استقامته، تعمره الملائكة يصلي فيه كل يوم سبعون ألفًا منهم، ثم لا يعودون إليه؛ كما روى ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لأهل السماء كالكعبة المشرفة لأهل الأرض.
ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوما لأصحابه: ((هل تدرون ما البيت المعمور؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وسلم: فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم)).
ويروى عنه وصفا مشابها للبيت المعمور في حديث الإسراء والمعراج، كما جاء في الصحيحين في حديث أخرجه البخاري الحديث رقم3207 والحديث 3886 ومسلم في الحديث 415
وجاء القسم الخامس بصياغة {وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ} (الطور: 5) وفيه قيل: هو السماء القائمة بغير عمد مرئية؛ كما جاء على لسان الإمام علي رضي الله عنه ووافقه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
على ذلك كثير من المفسرين، وإن قال الربيع بن أنس: " إنه العرش الذي هو سقف لجميع المخلوقات".
أما القسم السادس وهو موضوع درسنا، والذي جاء بصياغة {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} (الطور: 6) فقد تعددت آراء المفسرين فيه، وقبل أن نتعرض لآراء المفسرين يحسن أن نستعرض الدلالة اللغوية للفظي البحر، والمسجور؛ المدلول اللغوي للبحر المسجور؛ البحر في اللغة ضد البر، وقيل: إنه سمي بهذا الاسم لعمقه واتساعه، والجمع أبحر وبحار وبحور، وكل نهر عظيم يسمى بحرًا؛ لأن أصل البحر هو كل مكان واسع جامع للماء الكثير، وإن كانت لفظة البحر تطلق في الأصل على الماء المالح دون العذب.
كذلك سمت العرب كل متوسع في شيء بحرا حتى قالوا للمتوسِع في علمه: بحرًا، وللتوسع في العلم: تبحر، وقالوا: فرس بحر؛ أي واسع الخطا سريع الجري، وقيل: ماء بحر؛ أي مالح، وأبحر الماء؛ أي ملح، وأبحر الرجل؛ أي ركب البحر، وبحر أذن الناقة؛ أي شقها شقا واسعا فشبهها بسعة البحر على وجه المجاز والمبالغة، ومن هنا سميت البحيرة وهي الناقة إذا ولدت عشرة أبطن شقوا أذنها، وتطلق فلا تركب ولا يحمل عليها، والبحيرة ابنة السائبة، وحكمها حكم أمها عند العرب في الجاهلية.
أما وصف البحر بصفة المسجور؛ فالصفة مستمدة من الفعل سجر، والسجر تهييج النار، يقال: سجر التنور؛ أي أوقَد عليه حتى أحماه، والسجور ماء يسجر به التنور من أنواع الوقود، وكذلك يقال: سجر الماء النهر؛ أي ملأه، ومنه البحر المسجور؛ أي المملوء بالماء المكفوف عن اليابسة، والساجور خشبة تجعل في عنق الكلب فيقال له: كلب مُسَوْجَر؛ أي محكوم، والمسوجر المغلق المحكم الإغلاق من كل شيء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
من شروح المفسرين لقوله تعالى: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ}
من شروح المفسرين لقول الله تعالى: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} (الطور: 6):
في تفسير القسم القرآني بالبحر المسجور أشار ابن كثير رحمه الله إلى قول الربيع بن أنس أنه هو الماء الذي تحت العرش، الذي ينزل الله منه المطر الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم معادها؛ أي أنه بحر من ماء خاص محبوس عند رب العالمين ينزله -سبحانه- يوم البعث فينبت كل مخلوق بواسطة هذا الماء من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من حبتها على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل.
وأضاف ابن كثير: "وقال الجمهور: هو هذا البحر". واختلف في معنى المسجور؛ فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة نارًا كقوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} (التكوير: 6)؛ أي أضرمت، فتصير نارا تتأجج محيطة بأهل الموقف، كما روي عن علي وابن عباس. وقال العلاء بن بدر: "إنما سمي البحر المسجور؛ لأنه لا يشرب منه ماء ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة". وعن سعيد بن جبير: " {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} يعني المرسل". وقال قتادة: "المسجور؛ المملوء". واختاره ابن جرير.
وقيل: المراد بالمسجور الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا يغمرها فيغرق أهلها؛ قاله ابن عباس، وبه يقول السدي وغيره؛ وعليه يدل الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله أن ينفضح عليهم؛ فيكفه الله عز وجل). وذكر صاحب (تفسير الجلالين) -رحمهما الله- في شرح دلالة القسم القرآني {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ}؛ أي المملوء وذكر أنه قول قتادة وقال: "قال مجاهد: الموقد الذي سيسجر يوم القيامة؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} (التكوير: 6) ".
وقال صاحب (الظلال) رحمه الله رحمة واسعة- كلامًا مشابهًا يشير إلى أن البحر المسجور هو المملوء بالماء في الدنيا، أو المتقد بالنار في الآخرة، أو أن هذا التعبير يشير إلى خلق آخر كالبيت المعمور يعلمه الله. وذكر صاحب (صفوة البيان لمعاني القرآن) غفر الله له في تفسير قول الحق -سبحانه-: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} ما نصه: أي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
المملوء ماء، يقال: سجر النهر؛ أي ملأه وهو البحر المحيط والمراد الجنس، وقيل: الموقد نارا عند قيام الساعة، كما قال تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} (التكوير: 6)؛ أي أوقدت نارا، ووصف البحر بذلك؛ إعلامًا بأن البحار عند فناء الدنيا تحمى بنار من تحتها فتبخر مياهها وتندلع النار في تجاويفها وتصير كلها حمما.
وذكر صاحب (صفوة التفاسير) بارك الله في عمره في قوله: {وَإِذَا الْبِحَارُ فجِّرَتْ}؛ أي أنه الموقد نارا يوم القيامة لقوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} (التكوير: 6)؛ أي أضرمت حتى تصير نارا ملتهبة تتأجج وتحيط بأهل النار.
البحر المسجور في منظور العلوم الحديثة:
من المعاني اللغوية للبحر المسجور هو المملوء بالماء والمكفوف عن اليابسة، وهو معنى صحيح من الناحية العلمية صحة كاملة كما أثبتته الدراسات العلمية في القرن العشرين، ومن المعاني اللغوية لهذا القسم القرآني المبهر أيضا يعني أن البحر قد أوقد عليه حتى حمي قاعه فأصبح مسجورا، وهو كذلك من الحقائق العلمية التي اكتشفها الإنسان في العقود المتأخرة من القرن العشرين، والتي لم يكن لبشر إلمام بها قبل ذلك أبدا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
أولًا: والبحر المسجور بمعنى المملوء بالماء والمكفوف عن اليابسة، الأرض هي أغنى كواكب المجموعة الشمسية بالماء الذي تقدر كميته بحوالي 1360 إلى 1385 مليون كيلو مترا مكعبا، وهذا الماء قد أخرجه ربنا -سبحانه- كله من داخل الأرض على هيئة بخار ماء اندفع من فوهات البراكين، وعبر صدوع الأرض العميقة ليلاقي الطبقات العليا الباردة من نطاق التغييرات الجوية، والذي يمتد من سطح البحر إلى ارتفاع حوالي ستة عشر كيلو مترا فوق خط الاستواء، وحوالي عشرة كيلو مترات فوق قطبي الأرض.
وتنخفض درجة الحرارة في هذا النطاق باستمرار مع الارتفاع حتى تصل إلى ستين درجة مئوية تحت الصفر في قمته فوق خط الاستواء، وهذا النطاق يحوي حوالي ثلثي كتلة الغلاف الغازي للأرض 66% والمقدرة بأكثر قليلًَا من خمسة آلاف مليون مليون طن، وهو النطاق الذي يتكثف فيه بخار الماء الصاعد من الأرض، والذي تتكون فيه السحب، وينزل منه كل من المطر والبرَد والثلج، وتتم فيه ظواهر الرعد والبرق، وتتكون العواصف والدوامات الهوائية وغير ذلك من الظواهر الجوية.
ولولا تبرد هذا النطاق مع الارتفاع ما عاد إلينا بخار الماء الصاعد من الأرض أبدا، وحينما عاد إلينا بخار الماء مطرا وثلجا وبردا انحدر على سطح الأرض؛ ليشق له عددًا من المجاري المائية، ثم فاض إلى منخفضات الأرض الواسعة؛ ليكون البحار والمحيطات، وبتكرار عملية التبخر من أسطح تلك البحار والمحيطات ومن أسطح اليابسة بما عليها من مختلف صور التجمعات المائية والكائنات الحية بدأت دورة الماء حول الأرض من أجل التنقية المستمرة لهذا الماء، وتلطيف الجو وتفتيت الصخور وتسوية سطح الأرض وتكوين التربة وتركيز عدد من الثروات المعدنية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
وغير ذلك من المهام التي أوكلها الخالق لتلك الدورة المعجزة التي تحمل 280 ألف كيلو مترا مكعبا من ماء الأرض إلى غلافها الجوي سنويا؛ لتردها إلى الأرض ماء طهورًا منها 230 ألف كيلو مترا مكعبا تتبخر من أسطح البحار والمحيطات 60 ألف كيلو مترا مكعبًا من أسطح اليابسة يعود منها 238 ألف كيلو مترا مكعبا إلى البحار والمحيطات، و96 ألف كيلو مترا مكعبا إلى اليابسة التي يفيض منها، و36 ألف كيلو مترا مكعبا من الماء إلى البحار والمحيطات، وهو نفس مقدار الفارق بين التبخر من البحار والمحيطات والمطر.
هذه الدورة المحكَمة للماء حول الأرض أدت إلى خزن أغلب ماء الأرض في بحارها ومحيطاتها حوالي 97.02 وإبقاء أقله على اليابسة، وبهذه الدورة للماء حول الأرض تملح ماء البحار والمحيطات، وبقيت نسبة ضئيلة من مجموع ماء الأرض على هيئة ماء عذب على اليابسة، وحتى هذه النسبة الضئيلة من ماء الأرض العذب قد حبس أغلبها على هيئة سمك هائل من الجليد فوق قطبي الأرض وفي قمم الجبال، والباقي مختزن في الطبقات المسامية والمنتجة من صخور القشرة الأرضية على هيئة ماء تحت سطحه، وفي بحيرات الماء العذب والأنهار والجداول، وعلى هيئة رطوبة في تربة الأرض، والباقي يتوزع بين حجرات الماء العذب ورطوبة الغلاف الغازي للأرض.
وتوزيع ماء الأرض بهذه النسب التي اقتضتها حكمة الله الخالق قد تم بدقة بالغة بين البيئات المختلفة بالقدر الكافي لمتطلبات الحياة في كل بيئة من تلك البيئات، وبالأقدار الموزونة التي لو اختلت قليلا بزيادة أو نقص لغمرت الأرض وغطت سطحها بالكامل أو انحسرت تاركة مساحات هائلة من اليابسة، ولقصرت دون متطلبات الحياة عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
ومن هذا القبيل يحسب العلماء أن الجليد المتجمع فوق قطبي الأرض وفي قمم الجبال المرتفعة فوق سطحها إذا انصهر، وهذا لا يحتاج إلى مجرد الارتفاع في درجة حرارة صيف تلك المناطق بحوالي خمس درجات مئوية، وإذا حدث ذلك فإن كم الماء الناتج سوف يؤدي إلى رفع منسوب الماء في البحار والمحيطات إلى أكثر من مائة متر فيغرق أغلب المناطق الآهلة بالسكان، والممتدة حول شواطئ تلك البحار والمحيطات إلى عمق لا يكاد يتجاوز الخمسمائة كيلو مترا في أغلب الأحيان.
وليس هذا من قبيل الخيال عميقا لا يكاد يتجاوز نسبة الخمسمائة أو العدد الخمسمائة كيلو مترا في أغلب الأحيان، وليس هذا من قبيل الخيال العلمي؛ فقد مرت بالأرض فترات كانت مياه البحار فيها أكثر غمرًا لليابسة من حدود شواطئها الحالية.
كما مرت فترات أخرى كان منسوب الماء في البحار والمحيطات أكثر انخفاضًا من منسوبها الحالي؛ مما أدى إلى انحصار مساحة البحار والمحيطات وزيادة مساحة اليابسة، والضابط في الحالين كان كم الجليد المتجمع فوق قطبي الأرض، وفي قمم الجبال، وفوق بعض الأجزاء الأخرى من اليابسة؛ فكلما زاد كم الجليد انخفض منسوب الماء في البحار والمحيطات؛ فانحصرت عن اليابسة التي تزيد مساحتها زيادة ملحوظة، وكلما قل كم الجليد ارتفع منسوب المياه في البحار والمحيطات وطغت على اليابسة التي تتضاءل مساحتها تضاؤلًا ملحوظًا.
من هنا كان تفسير القسم القرآني بـ {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} بأن الله تعالى يمن علينا، وهو صاحب الفضل والمنة بأنه ملأ منخفضات الأرض بماء البحار والمحيطات، وحجز هذا الماء عن مزيد من الطغيان على اليابسة؛ وذلك بحبس كميات من هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
الماء في هيئات متعددة؛ أهمها ذلك السمك الهائل من الجليد المتجمع فوق قطبي الأرض، وعلى قمم الجبال، والذي يصل إلى أربعة كيلو مترات في قطب الأرض الجنوبي، وإلى ثلاثة آلاف وثمانمائة من الأمتار في القطب الشمالي.
ولولا ذلك لغطى ماء الأرض أغلب سطحها، ولما بقيت مساحة كافية من اليابسة للحياة بمختلف أشكالها الإنسانية والحيوانية والنباتية، وهي إحدى آيات الله البالغة في الأرض، ووذلك من أجل إعدادها لتكون صالحة للعمران. من هنا كان تفسير القسم بـ {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} بمعنى المملوء بالماء المكفوف عن اليابسة ينطبق مع عدد من الحقائق العلمية الثابتة التي تشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق، وتشهد لسيدنا محمد بن عبد الله بالنبوة وبالرسالة عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وهذا التفسير واحد من التفسيرات الأخرى لقوله: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ}.
وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
الدرس: 15 تابع: شرح قوله تعالى: {والبحر المسجور} - قوله: {ألم نجعل الأرض مهادا … }.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس عشر
(تابع: شرح قوله تعالى: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} - قوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا … })
تتمة الحديث عن شرح المفسرين لقوله تعالى: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ}
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وص حبه ومن والاه، أما بعد:
سنواصل الحديث عن قول الله تعالى: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} (الطور: 6):
بينا أن البحر المسجور بمعنى المملوء بالماء والمكفوف عن اليابسة، هذا هو إحدى التفسيرات لكلمة {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ}.
ثاني ً ا: {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} بمعنى القائم على قاع أحمته الصهارة الصخرية المندفعة من داخل الأرض؛ فجعلته شديد الحرارة، في العقود المتأخرة من القرن العشرين تم اكتشاف حقيقة تمزق الغلاف الصخري للأرض بشبكة هائلة من الصدوع العملاقة المزدوجة، والتي ت كون فيما بينها ما يعرف باسم أودية الخسف أو الأغوار، وأ ن هذه الأغوار العميقة تحيط بالكرة الأرضية إحاطة كاملة، ويشبهها العلماء باللحام على كرة التنس مع فارق التشبيه، وتمتد هذه الأغوار في كافة الاتجاهات لعشرات الآلاف من الكيلو مترات، ولكنها تنتشر أكثر ما تنتشر في قيعان محيطات الأرض، وفي قيعان عدد من بحارها، ويتراوح عمق الصدوع المشكِّلة لتلك الأغوار بين 65 و75 كيلو متر ً اتحت قيعان البحار والمحيطات وبين 100 و150 كيلو متر ً اعلى اليابسة؛ أي في صخور القارات.
وتعمل هذه الصدوع على تمزيق الغلاف الصخري للأرض بالكامل وتقطيعه إلى عدد من الألواح الصخرية التي تطفو فوق نطاق من الصخور شبه المنصهرة، يسميه العلماء باسم نطاق الضعف الأرضي، وهو نطاق لدن عالي الكثافة واللزوجة تتحرك بداخله تيارات الحم ل من أسف ل إلى أعلى حيث تتبرد وتعاود النزول إلى أسفل، وهي بتلك الحركة الدائبة تدفع بكل لوح من ألواح الغلاف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
الصخري للأرض إلى التباعد عن اللوح المجاور في أحد جوانبه في ظاهرة تسمى ظاهرة اتساع قيعان البحار والمحيطات، ومصطدم ً افي الجانب المقابل باللوح الصخري المجاور ل ليكون سلسلة من السلاسل الجبلية، ومنزلق ً اعن الألواح المجاورة في الجانبين الآخرين، وباستمرار تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض تتسع قيعان البحار والمحيطات باستمرار عند خطوط التباعد بينها، وتندفع الصهارة الصخرية بملايين الأطنان في درجات حرارة تتعدى الألف درجة مئوية؛ لتساعد على دفع جانبي المحيط يمنة ويسرة، وتملأ المسافات الناتجة عن عملية توسيع قيعان البحار والمحيطات بهذه الملايين من أطنان الصهارة الصخرية المندفعة من باطن الأرض على هيئة ثورات بركانية عارمة تحت الماء تسجر قيعان جميع محيطات الأرض، وقيعان أعداد من بحارها مثل البحر الأحمر، وتجدد مادتها الصخرية باستمرار.
وقد أدى هذا النشاط البركاني فوق قيعان كل المحيطات، وفوق قيعان عدد من البحار النشطة إلى تكون سلاسل من الحيود المرتفعة في أواسط تلك المحيطات والبحار تتكون في غالبيتها من الصخور البركانية، وقد ترتفع قممها في بعض الأماكن على هيئة أعداد من الجزر البركانية؛ من مثل: جزر كل من إندونيسيا ماليزيا الفلبين اليابان هاواي وغيرها، وفي المقابل تصطدم ألواح الغلاف الصخري عند حدودها المقابلة لمناطق اتساع قيعان البحار والمحيطات، ويؤدي هذا التصادم إلى اندفاع قيعان المحيطات تحت كتل القارات وانصهارها بالتدريج مما يؤدي إلى تكون جيوب عميقة عند التقاء قاع المحيط بالكتلة القارية تتجمع فيها كميات هائلة من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة التي تطوى وتتكسر؛ لترتفع على هيئة السلاسل الجبلية على حواف القارات؛ من مثل: سلسلة جبال الإمبيز في غربي أمريكا الجنوبية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
وهنا يستهلك قاع المحيط بالتدريج تحت الكتلة القارية، وإذا توقفت عملية توسع قاع المحيط؛ ف إ ن هذا القاع قد يستهلك بأكمله تحت القارة مما يؤدي إلى تصادم قارتين ببعضهما، وينش أعن هذا التصادم أعلى السلاسل الجبلية؛ من مثل: جبال الهمالايا التي نتجت عن اصطدام الهند بالقارة الآسيوية بعد استهلاك قاع المحيط الذي كان يفصل بينهما بالكامل في أزمنة أرضية سحيقة، ويصاحب كل من عمليتي توسع قاع المحيط في محوره الوسطى واصطدامه عند أطرافه بعدد من الهزات الأرضية والثورات والطفوح البركانية التي تبلغ أشدها عند خطوط التصادم، وتبلغ جبال أواسط المحيطات أكثر من أربعة وستين ألف ً امن الكيلو مترات في الطول، بينما يبلغ طول الصدوع العميقة التي اندفعت منها الطفوح البركانية لتكون تلك السلاسل الجبلية في أواسط المحيطات أضعاف هذا الرقم، وتتكون هذه السلاسل أساس ً امن الصخور البركانية المختلطة بالقليل من الرسوبيات البحرية، وتحيط كل سلسلة من هذه السلاسل المندفعة من قاع المحيط بواد خسيف مكون بفعل الصدوع العملاقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بعمق يتراوح بين خمسة وستين كيلو متر ً اوسبعين كيلو متر ً اليخترق الغلاف الصخري للأرض بالكامل، ويصل إلى نطاق الضعف الأرضي الذي تندفع منه الصهارة الصخرية بملايين الأطنان في درجة حرارة تزيد عن الألف درجة مئوية لتسجر قيعان كل محيطات الأرض، وقيعان عدد من بحارها النشطة باستمرار.
ومع تجدد اندفاع الصهارة الصخرية عبر مستويات هذه الصدوع العملاقة يتسع قاع المحيط باستمرار، وتتجدد مادته بدفع الصخور القديمة في اتجاه شاطئ المحيط يمنة ويسرة ليحل محلها أحزمة أحدث عمر ً اتتكون من تجمد تلك الصهارة الجديدة، وتترتب بصورة متوازية على جانب ي أغوار المحيطات والبحار، ويهبط كل جانب من جانبي قاع المحيط المتسع بنصف معدل اتساعه الكلي في وسطه،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
وذلك تحت كل قارة من القارتين أو القارات المحيطة بشاطئيه، وب ذلك يمتلئ محور المحيط بالصهارة الصخرية الحديثة المندفعة عبر مستويات الصدوع الممزقة لقاعه فتسجره، بينما تندفع الصخور الأقدم بالتدريج في اتجاه الشاطئين حيث توجد أقدم صخور ذلك القاع، والتي تستهلك باستمرار تحت القارات المحيطة.
وهذه الصدوع العملاقة التي تمزق قيعان كل محيطات الأرض، وقيعان عدد من بحارها؛ مثل: البحر الأحمر؛ توجد أيضا على اليابسة، ولكن بنسب أقل منها فوق قيعان البحار والمحيطات، وتعمل على تكوين عدد من الأغوار والبحار الطولية؛ من مثل: أغوار شرقي إ فريقيا والبحر الأحمر التي تعمل على تفتيت الكتل القارية باتساعها التدريجي؛ لتتحول تلك البحار الطويلة إلى بحار أكبر، ثم إلى محيطات تفصل بين الكتل القارية التي كانت متصلة على هيئة قارة واحدة، وتحاط تلك الخسوف القارية العملاقة بعدد من القمم البركانية السا م قة؛ ب ذلك ثبت ل كل من علماء الأرض والبحر بالأدلة المادية الملموسة أن كل محيطات الأرض بما في ذلك المحيطان المتجمدان الشمالي والجنوبي، وأن أعداد ًا من بحارها؛ من مثل: البحر الأحمر قيعانها مسجرة بالصهارة الصخرية المندفعة بملايين الأطنان من داخل النطاق الضعيف في الأرض عبر شبكة الصدوع العملاقة التي تمزق الغلاف الصخري للأرض بالكامل، وتصل إلى نطاق الضعف الأرضي.
وتتركز هذه الشبكة من الصدوع العملاقة أساسًا في قيعان البحار والمحيطات، وأ ن كم المياه في تلك الأحواض العملاقة على ضخامته لا يستطيع أن يطفئ جذوة تلك الطفوح من الصهارة الصخرية المندفعة من داخل الأرض إطفاء كاملًا، وأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
هذه الجذوة على شدة حرارتها أكثر من ألف درجة مئوية لا تستطيع أن تبخر هذا الماء بالكامل؛ وذلك لأنه عندما يتبخر الماء باندفاع الصهارة فيه فإنه يرتفع إلى أعلى ليلامس ماء أبرد فيتك ث ف ويعود إلى قاع البحر مرة أخرى؛ ليعاود الكرة من جديد، وهكذا ليبقى هذا الاتزان الدقيق بين الأضداد من الماء والحرارة العالية هو من أكثر ظواهر الأرض إبهارا للعلماء في زماننا، وهي حقيقة لم يتمكن الإنسان من اكتشافها إلا في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين.
ومن الغريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا النبي الأمي الذي لم يركب البحر في حياته الشريفة مرة واحدة، فضل ً اعن الغوص إلى أعماق البحار قال في حديث شريف أخرجه كل من الأئمة أبو داود في (سننه) والبيهقي في (سننه) وابن شيبة في (مصنفه) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ما نصه: ((لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز في سبيل الله؛ فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا)) وجاء الحديث في (مصنف ابن شيبة) بالنص: ((إن تحت البحر نارا ثم ماء ثم نارا)).
ويعجب الإنسان المتبصر لهذا السبق في كل من القران الكريم والأحاديث النبوية الشريفة بالإشارة إلى حقيقة من حقائق الأرض التي لم يتوصل الإنسان إلى إدراكها إلا في نهايات القرن العشرين، هذا السبق الذي لا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدر ً اغير الله الخالق الذي أنزل هذا القرآن الكريم بعلمه على خاتم أنبيا ئ هـ ورسله، وعلم هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم من حقائق هذا الكون ما لم يكن لأحد من الخلق إلمام به قبل العقود الثلاثة المتأخرة من القرن العشرين؛ لكي تبقى هذه الومضات النورانية في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم شهادات مادية ملموسة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي حفظه تعالى على مدى أربعة عشر قرن ً اأو يزيد، وتعهد بذلك إلى قيام الساعة وحفظه بنفس لغة الوحي اللغة العربية كلمة كلمة وحرف ً احرف ً ابصفائه الرباني وإشراقاته النورانية دون أدنى تغيير أو تبديل أو تحريف.
وأ ن هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم -عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- كان موصول ً ابالوحي، ومعلَّم ً امن ق بل خالق السموات والأرض، ف سبحان الذي أنزل في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة من السنين هذا القسم القرآني بالبحر المسجور، وسبحان الذي علم خاتم أنبيا ئ هـ ورسله بهذه الحقيقة فقال قولته الصادقة: ((إن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا)) وسبحان الذي أكد على صدق القرآن الكريم وعلى صدق هذا النبي الخاتم في كل ما رواه عن ربه، فأنزل في محكم كتابه قوله الحق: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (النساء: 166)، وقوله - سبحانه - مخاطب ً اخاتم أنبيا ئ هـ ورسله: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} (الفرقان: 6)، وقوله - سبحانه -: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (النمل: 93)، وقوله تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (سبأ: 6)، وقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} (يوسف: 104)، {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} (ص: 88)، وقوله - سبحانه -: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت: 41، 42)، وقوله - سبحانه -: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت: 53).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
عرض موجز لسورة النبأ التي ذكرت فيها الآية
نأتي بعد ذلك إلى قول الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} (النبأ: 6، 7):
هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في مقدمات سورة النبأ، وهي سورة مكية، وعدد آياتها أربعون آية، ويدور محورها حول قضية العقيدة، والعقيدة هي تلك القضية الغيبية التي لا يمكن للإنسان أن يصل فيها إلى تصور صحيح بغير هداية ربانية، ومن هنا كانت من قواعد الدين الذي من لوازم صحته أن يكون وحي ً ارباني ًّ اخالص ً الا يداخله أدنى قدر من التصورات البشرية.
ومن أصول العقيدة الإسلامية الإيمان بالبعث وبالحساب والجزاء وبالخلود في حياة قادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا، والإيمان بالبعث هو موضوع سورة النبأ ومحورها الأساسي، وذلك لأن إنكار البعث كان حجة كفار قريش كما كان حجة الكفار والمتشككين عبر التاريخ في نبذهم للدين كفرا برب العالمين، وجهلا بطلاقة قدرته التي لا تحدها حدود، أو قياس ً اللقدرة الإلهية بقدرات البشر المحدودة ظلما وعدوانا وجهلا بمدلول الألوهية الحقة، ومن ثم عجز الكافرون عن تصور إمكانية البعث أو تعاجزوا عنه؛ انصياع ً الشهواتهم التي يرون ممارستها دون أدنى مسئولية أو مساءلة، فانطلقوا في إنكار البعث وما يستتبعه من الحساب والجزاء، وفي التشكيك في كل ذلك، وهو من صلب الدين الذي جاء به آلاف من الأنبياء ومئات من المرسلين، وتكامل في بعثة النبي والرسول الخاتم - صلى الله وسلم وبارك عليه.
ومن أجل التأكيد على حقيقة البعث بعد الموت، وما يستتبعه من حساب وجزاء ابتدأت سورة النبأ باستنكار تساؤل الكافرين عنه تساؤل المنكر له أوالمتشكك في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
إمكانية وقوعه، وألمحت بالتهديد القاطع لكل منكر أو متشكك في تلك الحقيقة الربانية الحاسمة، ثم أوردت عدد ً امن الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية في إبداع الخلق لتكون شاهدة على أن الخالق المبدع قادر على إفناء خلقه وعلى إعادة بعثه، ولذلك أكدت السورة على حقيقة يوم البعث وأهواله وسمته باسم يوم الفصل؛ لأنه يوم قد وقته ربنا - سبحانه - للفصل بين العباد حيث سيجمع له كافة الخلق من الأولين والآخرين بعد فنائهم أجمعين، وفناء الكون كله من حولهم؛ وذلك لحسابهم على ما قد قدموا في حياتهم الدنيا، ولجزائهم الجزاء الأوفى على ذلك.
ثم تعرج بنا السورة على بعض صور العقاب الذي أعده ربنا - سبحانه - للطاغين من الكفار والمشركين والمتجبرين في الأرض من المنكرين لدين الله والمكذبين بآياته والغافلين عن حسابه، وذلك بإدخالهم إلى جهنم وبئس المصير التي تترصد بهم وتستعد لاستقبالهم، وفيها من صور العذاب المهين ما نسال الله تعالى أن يجيرنا منه.
وللمقارنة بين مصير هؤلاء الطاغين المكذبين ومصير عباد الله الصالحين تحدثت السورة عن شيء من جزاء المتقين الذي تضمن جنات ونعيم مقيم فضل ً اورحمة من رب العالمين. وختمت السورة الكريمة بتصوير شيء من أهوال يوم القيامة، وبدعوة الناس كافة إلى الاستعداد لهذا اليوم الذي سوف يعود الخلق فيه إلى الله؛ ليقفوا جميع ً ابين يديه للحساب، وأن يأخذوا حذرهم حتى تحسن عودتهم ويهون حسابهم فينجوا من العذاب المهين ويتنعموا في جنات النعيم المقيم. وتضمن ختام سورة النبأ التحذير من عذاب يوم القيامة حيث ينظر كل إنسان صحيفة أعماله في هذه الحياة، وفيها كل ما قد قدمت يداه فيحمد المتقون الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)