شرح قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}
بعد ذلك نأتي إلى شرح قوله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36).
أولًا: نأتي إلى كلام فضيلة الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي، في حكمة تقديم {السَّمْعَ} على َ {الْبَصَر} َ في القرآن الكريم.
ينقل صاحب كتاب (الإعجاز العلمي في القرآن والسنة) جمع وتخريج المهندس نايف منير فارس، ينقل عن الشيخ الشعراوي هذه الحكمة، فيقول: الإنسان حين يفقد بصره يفقد كل شيء، يعيش في ظلام دائم، لا يرى شيئًا على وجه الإطلاق يصطدم بكل شيء، ولكن حين يفقد سمعه فإنه يرى، وحينئذٍ تكون المصيبة أهون، ولكن الله سبحانه وتعالى حين يذكر السمع يقدمه دائمًا على البصر، إن هذا من إعجاز القرآن الكريم، لقد فضل الله سبحانه وتعالى السمع على البصر؛ لأنه أول ما يؤدي وظيفته في الدنيا؛ لأنه أداة الاستعداد في الآخرة، فالأذن لا تنام أبدًا، إن السمع أول عضو يؤدي وظيفته في الدنيا، فالطفل ساعة الولادة يسمع عكس العين، فإنها لا تؤدِّي مهمتها لحظة مجيء الطفل إلى الدنيا.
فكأنَّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يقول لنا: إن السمع هو الذي يؤدي مهمته أولًا، فإذا جئت بجوار طفل ولد منذ ساعات وأحدثت صوتًا مزعجًا، فإنه ينزعج ويبكي، ولكن إذا قربت يدك من عين الطفل بعد الميلاد مباشرة، فإنه لا يتحرك ولا يحسّ بالخطر، هذه واحدة.
وإذا نام الإنسان فإن كل شيء يسكن فيه إلا سمعه، إنك إذا أردت أن توقظ النائم، ووضعت يدك قرب عينه فإنه لا يحس، ولكنك إذا أحدثت ضجيجًا بجانب أذنه، فإنه يقوم من نومه فزعًا، هذه الثانية.
أما الثالثة فهي أن الأذن هي الصلة بين الإنسان والدنيا، فالله سبحانه حين أراد أن يجعل أهل الكهف ينامون مئات السنين، قال: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 339)
سِنِينَ عَدَدًا} (الكهف: 11)، ومن هنا عندما تعطَّل السمع، استطاعوا النوم مئات السنين دون أي إزعاج، ذلك أن ضجيج الحركة في النهار، يمنع الإنسان النوم العميق، وسكونها بالليل يجعله ينام نومًا عميقًا، وهي لا تنام ولا تغفل أبدًا.
على أن هناك شيئًا آخر نلاحظه، هو أن الله سبحانه وتعالى يأتي بكلمة {السَّمْعَ} مفردة دائمًا، وكلمة الأبصار مجموعة، يقول الله سبحانه وتعالى في سورة فصلت: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ} (فصلت: 22)، لماذا تأتي كلمة {السَّمْعَ} مفردة وكلمة {وَالْبَصَرَ} مجموعة، مع أنه يمكن أن يقول أسماعكم وأبصاركم، وكان من المنطقي أن يكون هناك سمع وبصر أو أسماع وأبصار، ولكن الله سبحانه وتعالى بهذا التعبير الدقيق، أراد أن يكشف لنا دقة القرآن الكريم، فالبصر حاسَّة يتحكم فيها الإنسان بإرادته، فأنا أستطيع أن أ ُ بصر ولا أ ُ بصر، وأستطيع أن أُغمض عيني عما لا أريد أن أراه أو أدير وجهي، أو أدير عيني بعيدًا عن الشيء الذي أريد أن أتجاهله، ولكن الأذن ليس لها اختيار في أن تسمع أو لا تسمع، فأنت في حجرة يتكلم فيها عشرة أشخاص، تصل أصواتهم جميعًا إلى أذنيك، سواء أردت أو لم ترد، أنت تستطيع أن تدير بصرك، فترى منهم من تريد أن تراه، ولا ترى مَن لا تريد رؤيته، ولكنك لا تستطيع أن تسمع ما تريد أن تسمعه، ولا تسمع ما لا تريد، قد تتجاهله وتحاول أن تبدو وكأنك لم تسمعه، ولكنه يصل إلى أذنيك، سواء أردت أو لم ترد.
إذًا فالأبصار تتعدد، أنا أرى هذا وأنت ترى هذا وثالث يرى هذا، إلى آخر تعدد الأبصار، وإنسان يغمض عينيه فلا يرى شيئًا، ولكن بالنسبة للسمع فنحن جميعًا، ما دمنا جالسين في مكان واحد، فكلنا نسمع نفس الشيء، ومن هنا اختلف البصر، ولكن توحَّد السمع؛ كل واحد له بصر ينظر به إلى المكان الذي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 340)
يريده، ولكننا كلنا نتوحَّد في السمع، حين نريد وما لا نريد أن نسمع، ومن هنا جاءت كلمة الأبصار، بينما توحَّدت كلمة السمع ولم تأت كلمة الأسماع، على أن الأذن مفضلة على العين؛ لأنها لا تنام، والشيء الذي لا ينام أرقى في الخلق من الشيء الذي ينام، فالأذن لا تنام أبدًا منذ ساعة الخلق؛ إنها تعمل منذ الدقيقة الأولى للحياة، بينما باقي أعضاء الجسم بعضها ينتظر أيامًا وبعضها ينتظر سنوات، والأذن لا تنام، فأنت حين تكون نائمًا تنام كل أعضاء جسمك، ولكن الأذن تبقى متيقظة، فإذا أحدث أحد صوتًا بجانبك وأنت نائم، قمت من النوم على الفور، ولكن إذا توقفت الأذن عن العمل؛ فإن ضجيج النهار وأصوات الناس، وكل ما يحدث في هذه الدنيا من ضجيج لا يوقظ النائم؛ لأن آلة الاستدعاء وهي الأذن معطلة.
كما أن الأذن هي آلة الاستدعاء يوم القيامة حين يُنفخ في الصور، والعين تحتاج إلى نور حتى ترى،؛ تنعكس الأشعة على الأشياء ثم تدخل إلى العين فترى، فإذا كانت الدنيا ظلامًا فإن العين لا ترى، ولكن الأذن تؤدِّي مهمتها في الليل والنهار، في الضوء والظلام، والإنسان متيقظ والإنسان نائم، فهي لا تنام أبدًا ولا تتوقف أبدًا.
ذكر السمع قبل البصر في القرآن الكريم والحديث الشريف
ذكر السمع قبل البصر في آيات خلق الإنسان في القرآن الكريم والحديث.
عظَّم الله سبحانه وتعالى حاسَّتي السمع والبصر، عندما وصف ذاته العليَّة في أول سورة الإسراء، فقال: {إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء: 1)، وقد خصَّ الله تعالى هاتين الحاستين بالذكر، في العديد من آيات القرآن؛ لأنهما أدوات تلقي الإيمان وقبول الهداية، وقد تلقى كليم الله رسالته بحاسة السمع، وقد جاء ذكر السمع قبل البصر في العديد من آيات القرآن، ولكن في حالة سلب النعمة يوم الحساب - كما قال علماء الدين - يأتي ذكر البصر مقدمًا على السمع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 341)
ومن هذا المنطق بدأت فكرة البحث، في مراحل النمو الجنيني، ولأن خلق السمع والبصر مقام إنشاء، فقد توقعت أن يرد ذكر السمع قبل البصر في آيات الخلق، وفعلًا جاء خلق السمع والبصر في خمس سور في القرآن الكريم، هي النحل آية 78، المؤمنون آية 78، السجدة من 7 إلى 9، الملك 23، الإنسان 2، وكلها جاء فيها ذكر السمع قبل البصر، وكذلك في الحديث الصحيح جاء ذكر السمع قبل البصر، وبالبحث في مراجع علم الأجنة، وجدنا أن المسميات التي وضعها العلماء الغربيون في القرن العشرين، ترجمتها الحرفية هي ما جاء في الحديث الصحيح، منذ أكثر من 1423 سنة، فقد جاءت كلمة شق سمعه وبصره فائقة الإعجاز؛ لأن شق البصر يوجد في الأنبوبة العصبية قبل انغلاقها، ثم تبرز من الشق حويصلة البصر، أما شق السمع فإن الأذن الخارجية، تتكون حول شقٍّ في العنق يُسمى الشق الأول، ثم تنمو لأعلى حتى تحاذي العينين.
أما تصوير الوجه وتعديل وضع العينين، فجاء مصداقًا للحديث الشريف بعد اليوم الثاني والأربعين، لكي تتضح المعالم الآدمية ويتم نمو جهاز السمع؛ الأذن الخارجية والوسطى والداخلية في الحياة الجنينية، فتختفي السدادة الموجودة في قناة السمع الخارجية، وتتعظم العُظيمات الثلاثة الموجودة في الأذن الوسطى، وتتعظم قوقعة الأذن الداخلية، فتصبح كلها مثل عظام الشخص البالغ، وكذلك تتم إحاطة ألياف السمع العصبية إحاطة تامة، بغمد الميلين في الحياة الجنينية؛ وبذلك تصل حاسة السمع إلى تمام النضج الوظيفي قبل حاسة البصر؛ بحيث يسمع الجنين وهو في الرحم، ابتداء من الأسبوع الرابع والعشرين.
أما الإبصار فلا يتم في الحياة الجنينية؛ لأن الجنين في ظلمات ثلاث؛ من ظلمة جدار البطن وجدار الرحم والأغشية المحيطة بالجنين، ويكون الوليد ضعيف البصر. ولا يتم نمو البقعة الصفراء المسئولة عن الإبصار المركزي إلا في وجود
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 342)
الضوء، وتُحاط ألياف العصب البصري إحاطة تامة، بغمد الميلين بعد ثلاثة أو أربعة شهور من الولادة، وتزيد شدة الإبصار تدريجيًّا، حتى تصل إلى خمس أبصار البالغ في ستة شهور، ولكن حاسة السمع تسود على حاسة البصر حتى هذا العمر.
أما ما يترتب على حاسة السمع فهو الكلام؛ لأن السمع نوع من الإحساس، يتم تحويله إلى لغة قبل أن يتم تخزينها في المخ، ولذلك فإن الطفل الذي لا يسمع لا يتكلم أبدًا، أما من يتكلم بلسان الأم، فمن السهل عليه بحاسة السمع أن يُحاكي لغات أخرى، وبدون أن يعلم كيف تكتب هذه اللغات.
- تفسير علمي لقصة أهل الكهف:
وافق مجلس جامعة عين شمس بالقاهرة، على ترشيح بحث يحاول فهم وبيان أوجه الإعجاز، في قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا}، هذا البحث قام به الدكتور هشام محمد مهابة دكتوراه الصحة العامة، وأستاذ مشارك بكلية الطب جامعة عين شمس.
يذكر الباحث في البداية، أن القرآن الكريم الذي لا تنقطع عجائبه، ذكر قصة أهل الكهف،؛ ردًّا على بعض المشركين الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها، اختبارًا له لتأكيد نبوته، وقد قصَّ سبحانه وتعالى قصتهم، ثم اختتمها بقوله تعالى: {فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} (الكهف: 22)، وذلك لأن ما جاء الله به هو الحق، وأنه يغطي كل جوانب قصتهم، وأن ما يحاوله الباحث هو فهم حال أهل الكهف بعد لجوئهم إليه، وحتى بعثهم الله من رقودهم، وذلك من خلال تدبُّر قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 343)
وتشير المراجع العلمية إلى أن التعرض للبرودة الشديدة، يؤدي إلى انخفاض كبير في درجة حرارة الإنسان، والشخص الذي انخفضت حرارته انخفاضًا كبيرًا، يصبح شبيهًا بالميت، إلا أنه يكون محميًّا إلى حدّ ما، من نقص الأكسجين وانخفاض ضغط الدم وفشل الدورة الدموية، وفي حالات عديدة فإن الشفاء التام، قد يحدث خاصة للشباب من هذه الحالات، ولهذا لا يجب اعتبار أي إنسان تعرض للبرودة الشديدة، وانخفضت درجة حرارته انخفاضًا شديدًا ميتًا، وذلك حتى يتم دفنه تمامًا، وإجراء الإسعافات اللازمة له، وقد أصبح اليوم لحفظ الأعضاء ضرورة كبيرة.
ويذكر الباحث أن قصة أهل الكهف هي دليل على البعث، وهي أيضًا دليل على قدرته جل شأنه، على حماية أوليائه من أي مكروه، وقد بدأت بقوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا} (الكهف: 9)، وقد أجمعت كتب التفسير على أن معنى هذه الآية، لا تحسب أيها الرسول أن قصة أهل الكهف، هي أعجب آيات الله في خلقه، فهناك آيات من جنسها هي أعجب منها، فقد ذكر الله تعالى في سورة البقرة قصة مماثلة، هي قصة عزير عليه السلام، الذي أماته الله سبحانه وتعالى مائة عام ثم بعثه، ومن الواضح أن بعث الله للعزير كان من الموت فالآيات صريحة.
ولو أن أهل الكهف كانوا نيامًا فقط لاحتاجوا إلى الماء والغذاء، ولأيقظتهم الحاجة إلى التبول بعد بضع ساعات، ولكن الله سبحانه وتعالى قد أوقف جميع الوظائف الحيوية، وأبقى الأجسام في صورة حياة، كما يتم حفظ الأعضاء اليوم، مثل ضغط الدم، والقرنية، والكلى، والكبد، والقلب، وغيرها، لحين زراعتها في أشخاص آخرين، وكذلك ما نراه اليوم من إمكانية حفظ الأجنة، وإلى عودة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 344)
الحياة لأشخاص دُفنوا تحت الجليد لعدة أيام، ثم عادت إليهم الحياة بعد تدفئتهم، خاصة لصغار السن، فيمكن بالتبريد وقف جميع عمليات الهدم، التي تتسبب في دمار الأنسجة.
الإعجاز العلمي في القرآن الكريم في السمع والبصر والفؤاد
قال الله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} ذُكرت كلمة {السَّمْعَ} ومشتقاتها وتصاريفها في القرآن الكريم مائة وخمس وثمانون مرة، بينما وردت فيه كلمة {الْبَصَرَ} ومشتقاتها وتصاريفها مائة وثماني وأربعون مرة، وحيثما وردت كلمة السمع في القرآن الكريم، عنت دائمًا سماع الكلام والأصوات، وإدراك ما تنقله من معلومات؛ بينما لم تعنِ كلمة البصر رؤية الضوء والأجسام والصور بالعينين، إلا في ثماني وثمانين حالة فقط؛ إذ أنها دلت في باقي المرات، على التبصر العقلي والفكري في ظواهر الكون والحياة، أو فيما يتلقاه المرء ويسمعه من آيات وأقوال، وقد ترافقت كلمتا السمع والبصر في ثمانية وثلاثين آية كريمة.
كما قال تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} (السجدة: 9)، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} (المؤمنون: 78)، وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ} (الأحقاف: 26)، وقال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل: 78)، وقال تعالى: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 345)
قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} (الملك: 23)، وقال تعالى: {أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} (يونس: 31)، وقال تعالى: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} (هود: 20)، وقال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} (الإنسان: 2).
وقد وردت كلمة الصمم مترافقة مع كلمة العمى في ثماني آيات، سبقت في معظمها كلمة الصمم كلمة العمى، كما في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (محمد: 23)، وقال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} (البقرة: 171)، وقال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} (البقرة: 18)، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} (الفرقان: 73).
ومن الملاحظ في هذه الآيات الكونية أن كلم ة السمع قد سبقت كلم ة البصر، وبلا استثناء، فلا بد وأن نتساءل هل لهذا السبق من دلالة خاصة، قد تبدو الإجابة عن هذا السؤال وللوهلة الأولى، وعلى ضوء المعلومات الأولية التي نعرفها عن هذين الحسيين صعبة وعسيرة الفهم، فمن المعلوم فسيولوجيًّا وتشريحيًّا أن العصب البصري الواحد يحتوي على أكثر من مليون ليف عصبي، بينما لا يحتوي العصب السمعي إلا على ثلاثين ألف ليف فقط، كما أن من المعروف فسيولوجيًّا، أن ثُلثي عدد الأعصاب الحسية في الجسم هي أعصاب بصرية، ولا يرد إلى الجسم من مجموع المعلومات الحسية عن طريق الجهاز السمعي أكثر من 12%، بينما يرد إلى الجسم عن طريق الجهاز البصري، حوالي 70% من مجموع المعلومات الحسية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 346)
إذًا لماذا هذا التقدم بحاسة السمع، وإراده قبل حس البصر في كل الآيات تقريبًا، فلا بد وأن هناك سبب لم نعرفه بعدُ، ولكننا لو تبصرنا بالحقائق العلمية، التي عُرفت حديثا في علوم الأجنة والتشريح والفسيولوجي والطب، لتمكنا من إيجاد الأجوبة، ولاتضح لنا الإعجاز العلمي في هذه الآيات الكريمة. فمما عرفناه حتى الآن من هذه الحقائق:
1 - تتطور آلتا حسي السمع والبصر في وقت متزامن تقريبًا في الحياة الجنينية الأولى؛ إذ تظهر الصحيفة السمعية في أواخر الأسبوع الثالث، وهي أول مكونات آلة السمع، بينما تظهر الصحيفة البصرية في أول الأسبوع الرابع من حياة الجنين، وتتطور الأذن الداخلية للجنين من هذه الصحيفة السمعية؛ فيظهر في الأسبوع الرابع الكيس الغشائي لحلزون الأذن الذي ينمو طوليًّا ويلتف لفتين ونصف مكونًا الحلزون الكامل في الأسبوع الثامن، ثم تتم إحاطة الحلزون بغلاف غضروفي في الأسبوع الثامن عشر، وينمو هذا حتى يصل حجمه الحجم الطبيعي له عند البالغين في نهاية الأسبوع الحادي والعشرين، عندما ينمو فيه عضو الكردي، وهو عضو حس السمع، وتظهر فيه الخلايا الشعرية الحسية، التي تحاط بنهايات العصب السمعي.
وبذا تكون الأذن الداخلية قد نمت ونضجت، لتصل إلى حجمها الطبيعي عند البالغين، وأصبحت جاهزة للقيام بوظيفة السمع المخصصة لها، في الشهر الخامس من عمر الجنين، وهذا القسم من الأذن يتمكن منفردًا من التحسس للأصوات، ونقل إشاراتها إلى الدماغ؛ لإدراكها دون أية ضرورة لمساهمة الأذنين الوسطى والخارجية من الأديم الظاهر، والأذن الوسطى من الأديم المتوسط، فتتولَّد عُظيمات وعضلات الأذن الوسطى، وبوق وغشاء الطبلة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 347)
والصماغ السمعي الخارجي خلال الأسابيع من عشرة إلى عشرين، ثم يتم اتصالها بالأذن الداخلية في الأسبوع الحادي والعشرين.
أما العين فلا يتمُّ تكامل طبقتها الشبكية الحساسة للضوء، إلا بعد الأسبوع الخامس والعشرين، ولا تتغطى ألياف العصب البصري بالطبقة النخاعية، لتتمكن من نقل الإشارات العصبية البصرية بكفاءة، إلا بعد عشرة أسابيع من ولادة الجنين، كما يبقى جفنا عيني الجنين مغلقين، حتى الأسبوع السادس والعشرين من الحياة الجنينية.
يتضح مما تقدَّم أن الأذن الداخلية للجنين، تنضج وتصبح قادرة على السمع في الشهر الخامس، بينما لا تفتح العين ولا تتطور طبقاتها الحساسة للضوء إلا في الشهر السابع، وحتى عند ذلك لن يكون العصب البصري مكتملًا؛ لينقل الإشارات العصبية الضوئية بكفاءة، ولن تبصر العين؛ لأنها غارقة في ظلمات ثلاثة.
السمع والبصر:
لقد ثبت علميًّا أن الأذن الداخلية للجنين، تتحسس للأصوات في الشهر الخامس، ويسمع الجنين أصوات حركات أمعاء وقلب أمه، وتتولد نتيجة هذا السمع إشارات عصبية سمعية، في الأذن الداخلية، والعصب السمعي والمنطقة السمعية في المخ، يمكن تسجيلها بآلات التسجيل المختبرية، وهذا برهان علمي، يُثبت سماع الجنين للأصوات، في هذه المرحلة المبكرة من عمره، ولم تُسجل مثل هذه الإشارات العصبية، في الجهاز البصري للجنين إلا بعد ولادته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 348)
كما أن من المهم أن نعرف، أن الأصوات تصل إلى الأذن الداخلية عادة عن طريقين، الطريق الأول: هو طريق الأذن الخارجية ثم الوسطى، والمملو ءا ن بالهواء في الإنسان الطبيعي. الطريق الثاني: هو طريق عظام الجمجمة، فالاهتزازات الصوتية تنتقل بالطريقة الأولى بواسطة الهواء، وتنتقل بالطريقة الثانية بواسطة عظام الجمجمة، وهي ناقلة جيدة للأصوات، ولكن الأذن الخارجية للجنين مملوءة ببعض الألياف وبسائل السلا، ولكن من السوائل هي الأخرى ناقلة جيدة للأصوات، فعند غمر رءوسنا بالماء عند السباحة، نتمكن من سماع الأصوات جيدًا.
من ذلك يتضح أن الجنين يمكنه أن يسمع الأصوات، التي قد تصل إلى أذنيه الداخلية، إما عن طريق الجمجمة، أو عن طريق الأذن الخارجية المملوءة بسائل السلا والأنسجة من الناحية الأخرى، لا يتمكن الجنين من أن يُبصر خلال حياته الجنينية، لا لظلام محيطه فقط، بل لانسداد أجفانه، وعدم نضوج شبكية عينيه، وعدم اكتمال العصب البصري حتى وقت متأخر من حياته الجنينية.
- اكتمال حاستي السمع والبصر:
يمكن للجنين أن يسمع الأصوات بالطريقة الطبيعية بعد بضعة أيام من ولادته، بعد أن تمتصَّ كل السوائل وفضلات الأنسجة المتبقية في أذنه الوسطى والمحيطة بعظيماتها، ثم يصبح السمع حادًّا بعد أيام قلائل من ولادة الطفل. ومن الملاحظ أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يبدأ بسماع الأصوات وهو في رحم أمه، فجميع الحيوانات لا تبدأ بسماع الأصوات إلا بعد ولادتها بفترة، وفيما يلي بعض الأمثلة التي توضح ذلك:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 349)
فالإنسان يسمع الأصوات قبل ولادته، بأكثر من ست ة عشر أسبوعًا، وخنزير غينيا بعد ولادته بحوالي خمسة إلى ست ساعات، والقط يسمعها بعد ولادته بحوالي خمسة إلى ستة أيام، والأرنب يسمعها بعد ولادته بسبعة أيام، والكلب يسمعها بعد ولادته بعشرة أيام.
أما حاسة البصر فهي ضعيفة جدًّا عند الولادة؛ إذ تكاد أن تكون معدومة، ويصعب على الوليد تمييز الضوء من الظلام، ولا يرى إلا صورًا مشوَّشة للمرئيات، وتتحرك عيناه دون أن يتمكن من تركيز بصره وتثبيته على الجسم المنظور، ولكنه يبدأ في الشهر الثالث أو الشهر الرابع، تمييز شكل أمه أو قنينة حليبه وتتبُّع حركاتهما، وعند الشهر السادس يتمكن من تفريق وجوه الأشخاص، إلا أن الوليد في هذا السن يكون بعيد البصر، ثم يستمر بصره على النمو والتطور حتى السنة العاشرة من عمره.
- تطور المناطق السمعية والبصرية المخية:
لقد ثبت الآن أن المنطقة السمعية المخية تتطور وتتكامل وظائفها قبل مثيلتها البصرية، وقد أمكن تسجيل إشارات عصبية سمعية من المنطقة السمعية لقشرة المخ عند تنبيه الجنين بمنبه صوتي في بداية الشهر الجنيني الخامس، وتحفز الأصوات التي يسمعها الجنين خلال النصف الثاني من حياته الجنينية، هذه المنطقة السمعية لتنمو وتتطور وتتكامل عضويًّا ووظائفيًّا، ومن الناحية الأخرى لا تنبه المنطقة البصرية للمخ، في هذه الفترة بأي منبهات، ولذلك فهي لا تتطور كثيرًا ولا تنضج ولا تتكامل، فمن المعلوم فسيولوجيا أن المنبهات النوعية التي ترد أيَّ طريق عصبي حسي، تحفزه على النمو والنضوج، وبهذه الطريقة يحفز
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 350)
الجهاز العصبي على النمو منذ الشهر الخامس الجنيني، ولا يحفز الجهاز البصري بمثل ذلك إلا بعد ولادة الوليد.
ولهذه الأسباب يتعلم الطفل المعلومات الصوتية في أوائل حياته قبل تعلُّمه المعلومات البصرية، ويتعلمها ويحفظها أسرع بكثير من تعلمه المعلومات المرئية، فهو مثلًا يفهم الكلام الذي يسمعه ويدركه ويعيه، أكثر من فهمه للرسوم والصور والكتابات التي يراها، ويحفظ الأغاني والأناشيد بسرعة، ويتمكَّن من تعلم النطق في وقت مبكر جدًّا، بالنسبة لتعلمه القراءة والكتابة، وكل ذلك لأن مناطق دماغه السمعية نضجت قبل مناطقه البصرية، قال تعالى: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} (الحاقة: 12).
وإلى هنا وصلنا إلى نهاية دروس مادة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 351)