فإذا استهلك قاع محيط فاصل بين قارتين، ارتطمت ال قارت ان ببعضهما، ونتج عن ذلك أعلى السلاسل الجبلية التي تربط بأوتادها القارتين المصطدمتين، فتقلل من حركة الألواح الصخرية الحاملة لهما، وبذلك تصبح الحياة على سطحي القارتين المرتطمتين أكثر استقرارًا، وكلما مرت عوامل التجوية واتحاد والتعرية قمة الجبل دفعته قوانين الطفو إلى أعلى؛ حتى يتم خروج جذور؛ يعني أوتاد الجبل من نطاق الضعف في الأرض بالكامل، وحينئذ يتوقف الجبل عن الارتفاع، وتستمر العوامل الخارجية في تعريته حتى يصل سمكه إلى سمك لوح الغلاف الصخري الذي يحمله، فيضم إلى باقي صخور القارة الموجودة في الموجود فيها على هيئة راسخ من رواسخ الأرض.
ثانيًا: قوله {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} بمفهوم إرساء ألواح الغلاف الصخري للأرض بواسطة الجبال؛ اختلف العلماء في فهم دور الجبال في إرساء الأرض اختلافًا كبيرًا، وذلك لأن كتل الجبال على سطح الأرض على الرغم من ضخامتها تتضاءل أمام كتلة الأرض المقدرة بحوالي ستة ألاف مليون مليون طن، وكذلك فإن ارتفاع أعلى قمم الأرض، وهو أقل قليلًا من تسعة كيلو مترات لا يكاد يُذكر بجوار متوسط نصف قطر الأرض، فإذا جُمع ارتفاع أعلى قمم الأرض إلى أعمق أغوار المحيطات أكثر قليلًا من أحد عشر كيلو مترًا، فإنه لا يكاد يصل إلى كيلو متر، ونسبته إلى متوسط قطر الأرض لا تتعدى 3%.
من هنا يبرز التساؤل كيف يمكن للجبال أن تثبت الأرض بكتلتها الهائلة، وأبعادها الشاسعة في الوقت الذي لا تكاد كتلة وأبعاد الجبال أن تبلغ من ذلك شيئًا.
في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين تمت بلورة مفهوم تحرك ألواح الغلاف الصخري للأرض، فقد اتضح أن هذا الغلاف ممزق بشبكة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
هائلة من الصدوع، تمتد إلى عشرات الآلاف من الكيلو مترات؛ لتحيط بالكرة الأرضية إحاطة كاملة بعمق يتراوح بين 65 و150 كيلو مترًا، فتقسمه إلى عدد من الألواح الصخرية التي تطفوا فوق نطاق الضعف الأرضي، وتتحرك في هذا النطاق من نطاق الأرض التيارات الحرارية على هيئة دوَّامات عاتية من تيارات الحمل تُدفع، أو تدفع بألواح الغلاف الصخري؛ لتباعد بينها عند أحد أطرافها، وتصدمها ببعض عند حوافها المقابلة لحواف التباعد، وتجعلها تنزلق عبر بعضها البعض عند الحافتين الأخرتين.
ويعين على تسارع حركة ألواح الصخري للأرض دوران الأرض حول محورها أمام الشمس، كما يعين على ذلك اندفاع الصهارى الصخرية لملايين الأطنان عبر الصدوع الفاصلة بين حدود الألواح المتباعدة عن بعضها البعض، فيتكون باستمرار أحزمة متوازية من الصخور البركانية التي تتوزَّع بانتظام حول مستويات الصدوع الفاصلة بين الألواح المتباعدة، في ظاهرة تُعرف باسم ظاهرة اتساع قيعان البحار والمحيطات.
وتتكون الصخور الأحدث عمرًا حول مستويات التصدع المتباعدة باستمرار، وتدفع الصخور الأقدم عمرًا في اتجاه اللوح المقابل عند خط الاصطدام، وهنا يهبط قاع المحيط تحت القارة إذا كان اللوح المقابل يحمل قارة، ويتم ذلك بنفس معدل اتساع قاع المحيط في كل جهة من جهتي الاتساع حول مستوى تصدع وسط المحيط، الذي تتكوَّن حوله سلاسل من الجروف البركانية تمتدُّ فوق قاع المحيط بعشرات الآلاف من الكيلو مترات، وتُعرف باسم حواف أواسط المحيطات.
وينتج عن هبوط قاع المحيط تحت اللوح الصخري الحامل للقارة تكوُّنُ أعمق أجزاء هذا المحيط على هيئة جب عميق يُعرف باسم الجب البحري، ونظرًا لعمقه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
يتجمَّع في هذا الجب كم هائل من الرسوبات البحرية التي تتضاغط وتتلاحم، مكونة تتابعات سميكة جدًّا من الصخور الرسوبية، ويتبادل مع هذه الصخور الرسوبية ويتداخل فيها كمٌّ هائل من الصخور النارية التي تعمل على تحوُّل أجزاء منها إلى صهور متحولة.
وتنتج الصخور البركانية عن الانصهار الجزئي لقاع المحيطات المندفع هابطًا تحت القارة، وتنتج الصخور المتداخلة عن كل من الصهارى الناتجة عن هذا الهبوط، وعن الإزاحة من نطاق الضعف الأراضي بدخول اللوح الهابط فيه.
هذا الخليط من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة يُكشط باستمرار من فوق قاعِ المحيط الهابط بحركته المستمرة تحت اللوح الصخري الحامل للقارة، فيُطوى، ويتكسر هذا السمك الهائل من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة، ويضاف إلى حافة القارة مكونًا سلسلة، أو عددًا من السلاسل الجبلية ذات الجذور العميقة التي تربط كتلة القارة بقاع المحيط؛ فتهدّئ من حركة اللوحين، وتعين على استقرار اللوح الصخري الحامل للقارة استقرارًا، ولو جزئيًّا يسمح بإعماره، وتتوقف حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض بالكامل عندما تصل دورة ب ناء الجبال إلى نهايتها حين تتحرك قارتان مفصولتان بمحيط كبير في اتجاه بعضهما البعض حتى يستهلك قاع المحيط كاملًا بدخوله تحت إحدى القارتين حتى تصطدما، فيتكون بذلك أعلى السلاسل الجبلية ارتفاعًا، كما حدث عند ارتطام اللوح القاري الحامل للهند للوح القاري الحامل لقارتي آسيا وأوروبا، ونتج عن ذلك الارتطام تكون سلسلة جبال هملايا.
من هنا اتضح دور الجبال في إرساء ألواح الغلاف الصخري للأرض وتثبيتها، ولولا ذلك ما استقامت الحياة على سطح الأرض أبدًا؛ لأن حركة هذه الألواح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
كانت في بدء خلق الأرض على درجة من السرعة والعنف لا تسمح لتربة أن تتجمَّع، ولا لنبتة أن تنبت، ولا لحيوان أو إنسان أن يعيش، خاصة وأن سرعة دوران الأرض حول محورها كانت في القديم أعلى من معدلاتها الحالية بكثير، لدرجة أن طول الليل والنهار معًا عند بدئ خلق الأرض كان يُقدر بأربع ساعات فقط، وأن عدد الأيام في السنة كان أكثر من ألفين ومائتين يوم، وهذه السرعة الفائقة لدوران الأرض حول محورها كانت بلا شكّ تزيد من سرعة انزلاق ألواح الغلاف الصخري للأرض فوق نطاق الضعف الأرض، وهي تُدفع أساسًا ب ظاهرة اتساع قيعان البحار، والمحيطات، وبملايين الأطنان من الصهارى الصخرية والحمم البركانية المندفعة عبر صدوع تلك القيعان، وبتسارع حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض تسارعت الحركات البانية للجبال، وبتسارع بنائها هدأت حركة هذه الألواح وهيئت الأرض لاستقبال الحياة.
وقبل مقدم الإنسان كانت غالبية ألواح الغلاف الصخري للأرض قد استقرت؛ لكثرة تكون السلاسل والمنظومات الجبلية، وأخذت الأرض هيئتها لاستقبال هذا المخلوق المقرر الذي حمَّله الله تعالى أمانة ومسئولية الاستخلاف في الأرض.
تثبيت الحبال لكوكب الأرض
بعد ذلك نأتي إلى عنصر آخر؛ وهو تثبيت الحبال لكوكب الأرض:
تسائل العلماء عن إمكانية وجود دور الجبال في اتزان حركة الأرض ككوكب، وجعلها قرارًا صالحًا للحياة، وجاء الرد بالإيجاب؛ لأنه نتيجة لدوران الأرض حول محورها فإن القوة الطاردة المركزية الناشئة عن هذا الدوران تبلغ ذروتها عند خط استواء الأرض، مما يؤدِّي إلى التقليل من دور الجاذبية والعكس تمامًا يتم عند القطبين، ولذلك فإن الأرض انبعجت قليلًا عند خط الاستواء؛ حيث تقلُّ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
قوة الجاذبية، وتطغى القوة الطاردة المركزية، وتفلطحت قليلًا عند القطبين؛ حيث تطغى قوة الجاذبية، وتتضاءل القوة الطاردة المركزية.
ونتيجة لاستمرار هذه العمليات، فإن طول قُطر الأرض الاستوائي يزداد باستمرار، بينما يقلُّ طول قطرها القطبي، وإن كان ذلك يتم بمعدلات بطيئة جدًّا إلا أنه قد أخرج الأرض عن شكلها الكروي إلى شبه كروي، وشبه الكره لا يمكن لها أن تكون منتظمة في دورانها حول محورها؛ لأن الانبعاج الاستوائي للأرض يجعل محور دورانها يغيِّر اتجاهه رويدًا رويدًا في حركة معقدة مردُّها إلى تأثير جاذبية أجرام المجموعة الشمسية، وبخاصة الشمس والقمر على الأرض، وتُعرف هذه الحركة باسم الحركة البدارية، أو حركة الترن ح والبدارية، وتنشأ هذه الحركة عن ترنّح الأرض في حركة بطيئة تتمايل فيها من اليمين إلى اليسار بالنسبة إلى محورها العمودي الذي يكون لولبيًّا دون أن يُشير طرفاه الشمالي والجنوبي إلى نقطة ثابتة في الشمال أو في الجنوب.
ونتيجة للتقدم أو التقهقر فإن محور دوران الأرض يرسم بنهايته دائرة حول قطب البروج تتمّ في فترة زمنية قدرها حوالي 62 ألف سنة من سنيننا ومن السنين التي نعرفهويتبع ترنُّح الأرض حول مدارها مسارًا متعرجًا بسبب جذب كلٍّ من الشمس والقمر للأرض، وتبعًا للمتغيرات المستمرة في مقدار واتجاه القوة البدارية لكل منهما، ويؤدي ذلك إلى ابتعاد الدائرة الوهمية التي يرسمها محور الأرض أثناء دورانها وترنحها، فتتحول إلى دائرة مؤلفة من أعداد من الأقواس المتساوية التي يبلغ عددها في الدورة الكاملة 1400 ذبذبة، ويستغرق رسم القوس الواحد 18.6 سنة أي: أن هذه الدائرة تتمُّ في حوالي 62 ألف سنة وتسمى باسم حركة الميثان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
وقد أثبتت الدراسات الفلكية أن لمحور دوران الأرض عددًا من الحركات الترنحية التي تستغرق أوقاتًا مختلفة يبلغ أقصرها عشرة أيام، ويبلغ أطولها 18.6 من سنيننا التي نعرفها، ووجود الجبال ذات الجذور الغائرة في الغلاف الصخري للأرض يُقلِّل من شدة ترنح الأرض في دورانها حول محورها، ويجعل حركتها أكثر انتظامًا وسلاسة تمامًا، كما تفعل قطع الرصاص التي توضع حول إطار السيارة لانتظام حركتها، وقلة رجرجتها، وبذلك أصبحت الأرض مؤهلة للعمران.
وهنا يتضح وجه من أوجه الإعجاز العلمي في القرآن الكريم الذي أُنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبي أمي، وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين، وذلك في قول الله: {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا}، وقد تكرر هذا المعنى في تسعة مواضع أخرى من كتاب الله وصفت فيها الجبال بأنها رواسي، وهذه الآيات الكريمة يقول فيها ربنا تبارك وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الرعد: 3)، وقوله تعالى {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} (الحجر: 19)، وقوله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (النحل: 15)، وقوله تعالى: {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (النمل: 62)، وقوله تعال ى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} (لقمان: 10)، وقوله تعالى {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} (فصلت: 10)، وقوله تعال ى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (ق: 7)، وقوله تعال ى: {وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا} (المرسلات: 27).
وهذه حقائق لم يتوصل الإنسان إلى إدراك شيء منها إلا في القرنين الماضيين بصفة عامة، وفي أواخر القرن العشرين بصفة خاصة، ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لهذا السبق العلمي غير الخالق سبحانه، وفي هذا من التأكيد القاطع والحزم الجازم ما فيه؛ لأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العليَّة على مدى أربعة عشر قرنًا، أو يزيد، وإلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وأن خاتم الأنبياء والمرسلين تلقَّى هذا القرآن عن ربه بواسطة الوحي الذي بقي موصولًا به حتى أتاه اليقين، وأنه -عليه أفضل السلام وأزكى التسليم- كان كما يصفه القرآن الكريم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3، 4).
عرض موجز لسورة الزمر التي ذكرت فيها الآية
نأتي بعد ذلك إلىشرح قول الله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} (الزمر: 5) هذه الآية تُبيِّن لنا كروية الأرض، هذا النص القرآني الكريم جاء في مقدمة سورة الزمر والتي سُمِّيت بهذا الاسم لحديثها عن زمر المتقين السعداء المكرمين من أهل الجنة، وزمر العصاة الأشقياء المهانين من أهل النار، وحال كل منهم في يوم الحساب.
وسورة الزمر مكية، وعدد آياتها خمس وسبعون آية، ويدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة، شأنها في ذلك شأن كل السور المكية، ولذلك فهي تركز على عقيدة التوحيد الخالصة لله بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع، ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
صاحبة، ولا ولد، واستهلَّت السورة بالحديث عن القرآن الكريم الذي أنزله ربنا سبحانه بالحق على خاتم الأنبياء والمرسلين، هداية للناس كافة، وإنذارًا من رب العالمين، وجعله معجزة خالدة إلى يوم القيامة، وملأه بالأنوار الإلهية، والإشراقات النورانية التي منها الأمر إلى الناس كافة بالتبعية لهذا النبي الخاتم والرسول الخاتم، وبإخلاص الدين لله، وتنزيهه جلَّ في علاه عن كل وصف لا يليق بجلاله.
ذكرت السورة عددًا كبيرًا من الأدلة المادية الملموسة التي تشهد للخالق سبحانه بطلاقة القدرة وببديع الصنعة، وبإحكام الخلق، وبالتالي تشهد له سبحانه بالألوهية، والربوبية، والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه، ومن هذه الأدلة المادية خلق السماوات والأرض بالحق، وخلق كل شيء حسب ما يشاء سبحانه: تكوير الأرض، وتبادل الليل والنهار عليها، تسخير كلٍّ من الشمس والقمر، وخلق البشر كلهم من نفس واحدة، وخلق زوجها منها، وكذلك الزوجية في كل خلق، وإنزال ثمانية أزواج من الأنعام، ووصف مراحل الجنين التي يمرُّ بها الإنسان وخلقه في ظلمات ثلاث، إنزال الماء من السماء خزن بعضه في صخور الأرض إخراج الزرع ودورة حياته، حتمية الموت على كل مخلوف، تكافؤ النوم مع الوفاة، واليقظة من النوم على البعث بعد الموت، وقبض الأرض، وطيّ السماوات يوم القيامة.
وتحدثت السورة الكريمة كذلك عن الإيمان الذي يرتضيه ربنا من عباده، والكفر الذي لا يرضاه، وعن علم الله تعالى بكلِّ ما في الصدور، وعن قدرته سبحانه على محاسبة كل مخلوق بعمله، وعن طبائع النفس البشرية في السراء والضراء، وعن الفروق بين كلٍّ من الإيمان والكفر، وبين المؤمن والكافر في مواقفهما في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
الدنيا والآخرة، وبين الإخلاص في العبادة وبين الإغراق في المعاصي، وبين كلٍّ من التوحيد والشرك، وبين الذي يعملون والذين لا يعلمون.
وتحدثت السورة الكريمة كذلك عن العديد من مشاهد القيامة وأهوالها، كما تحدثت عن نفختي الصعق والبعث، وما يعقبُهُما من أحداث مروَّعة، وعن يوم الحشر حين يُساق المتقون إلى الجنة زمرًا، ويساق المجرمون إلى جهنم زمرًا، ولكن شتان بين سَوْقِ التكريم وسوق الإهانة، والإذلال، والتجريم. ويتمُّ ذلك كله في حضرة الأنبياء والشهداء، والملائكة حافين من حول العرش والوجود كله خاضع لربه، متجه إليه بالحمد والثناء، راجٍ رحمته مُشفق من عذابه، راضٍ بحكمه، حامد لقضائه.
ومن الأدلة المادية المطروحة في سورة الزمر للاستدلال على طلاقة القدرة الإلهية على الخلق، وبالتالي على الشهادة للخالق سبحانه بالألوهية، والربوبية، والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} (الزمر: 5).
هذه الآية آية جامعة، وسوف نوضح بمشيئة الله الإشارة القرآنية الكريمة إلى كُروية الأرض، وإلى دورانها حول محورها أمام الشمس، وذلك من قبل ألف وأربعمائة سنة في زمن ساد الاعتقاد بالاستواء التام للأرض، بلا أدنى انحناء، وبثباتها الدائم دون أدنى حركة، وتمت الإشارة إلى تلك الحقيقة الأرضية في كتاب الله بأسلوب لا يوزع العقلية البدوية في زمن تنزُّل الوحي، فجاء التكوير صفة لكل من الليل والنهار، وكلاهما من الفترات الزمنية التي تعتري الأرض، فإذا تكور كان ذلك إشارة ضمنية رقيقة إلى كروية الأرض، وإذا تكور أحدهما
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
على الآخر كان في ذلك إشارة إلى تبادلهما، وهي إشارة ضمنية رائعة إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس دون أن تثير بلبلة في زمن لم تكن من مجتمعات الإنسانية بصفة عامة، والمجتمعات في جزيرة العرب بصفة خاصة أي حظ من الثقافة العلمية.
الإشارات الكونية في سورة الزمر
في سياق الاستشهاد على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق، والاستدلال من ذلك على وحدانية الخالق سبحانه، وعلى حتمية البعث وضرورته، جاء في سورة الزمر عدد من الإشارات إلى الكون وبعض مكوناته وظواهره، يمكن إيجازها فيما يلي:
1 - وصف عملية خلق السماوات والأرض بأنها تمَّت بالحق؛ أي: حسب قوانين وسنن منضبطة تشهد لخالقها بأنه الحق سبحانه.
2 - الإشارة الضمنية الرقيقة إلى كُروية الأرض، وإلى دورانها حول محورها أمام الشمس، وإلى جريها في مدارها، وجري كلٍّ من الشمس والقمر، وبالتالي كل أجرام السماء إلى أجل مسمى.
3 - التأكيد على خلق البشر كلهم من نفس واحدة.
4 - ذكر عملية إنزال ثمانية أزواج من الأنعام، والإنزال هنا قد يُشير إلى إنزال الشيفرة الوراثية الخاصة بكل منها.
5 - الإشارة إلى خلق جنين الإنسان في ظُلمات ثلاث، وهو ما أثبته علم الأجنة مؤخرًا.
6 - التأكيد على عدم المساواة بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وأن الذين يتدبَّرون، ويفهمون، ويتذكرون هم أولو الألباب والنهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
7 - الإشارة إلى أن أصل الماء تحت سطح الأرض هو ماء المطر الذي يسلكه ربنا تبارك وتعالى ينابيع في الأرض، ثم يُخرج به زرعًا مختلفة الأنواع والألوان والثمار، ثم بعد النضج يلبث الزرع ويجف بعد نضارته، ويصفرّ لونه، ثم يتحطَّم ويصبح فتاتًا متكسرًا.
8 - المقارنة بين النوم والموت وبين اليقظة من النوم والبعث في الآخرة، مما يشير إلى مفارقة الروح للجسد في حالتي النوم والممات، ثم يُعاد إرسالها للنائم لحظة يقظته، وإمساكها عن جسد الميت لحظة وفاته، ثم إعادتها إليه في لحظة البعث.
9 - التأكيد على أن الله تعالى هو خالق كل شيء، وأنه على كل شيء وكيل.
10 - الإشارة إلى أن الأرض سوف تكون في قبضة الخالق سبحانه في يوم القيامة، وأن السماوات سوف تكون مطويات بيمينه، وهذا من أمور الغيب المطلق، ولكنه حديث الخالق الباعث الشهيد.
11 - الإشارة إلى أن الأرض في الآخرة سوف تشرق بنور ربها، كما أشرقت أرض الدنيا بنوره، والعلوم المكتسبة تؤكِّد أن الأصل في الكون الحالي هو الظلام، وأن نور النهار هو نعمة يمنُّ بها الله على عباده.
الدلالة اللغوية لقوله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ}
يقال في اللغة العربية: كار الشيء يكوّره كورًا، وكرورا، يكوره تكويرًا؛ أي: أداره، وضم بعضه إلى بعض، ككور العمامة؛ أي: جعلها كالكرة. ويقال: ضمنه فكوره: إذا ألقاه مجتمعًا، كما يقال: اكتار الفرس إذا أدار ذنبه في عدوِه؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
أي: في جريه، وقيل الإبل الكثيرة كور وكوارة وكوارة النحل معروفة، إلى غير ذلك.
وقوله: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} (التكوير: 1) أي: جعلت كالكرة بانسحاب ألسنة اللهب المن د فعة منها إلى آلاف الكيلو مترات فوق سطحها، إلى داخلها؛ كناية عن بدء انطفاء جذوتها، كما أن الشمس كجرم سماوي يدور حول محوره ويجري في مداره قد فقد شيئًا من تكوُّره، ومع تباطؤ حركة الشمس قد تستعيد شيئًا من ذلك التكوُّر.
من شروح المفسرين في تفسير الآية
من شروح المفسرين في تفسير قوله تعالى {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} (الزمر: 5).
ذكر ابن كثير -يرحمه الله- ما مختصره يُخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض، وما بين ذلك من الأشياء، وبأنه مالك الملك المتصرف فيه يُقلب ليله ونهاره، يكور الليل على النهار، ويكور النهار على الليل؛ أي: سخرهما يجريان متعاقبين ولا يفترقان، كل منهما يطلب الآخر طلبًا، ويضيف: وقوله عز وجل: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} (لقمان: 29) إلى مدة؛ أي: إلى مدة معلومة عند الله، ثم ينقضي يوم القيامة ألا هو العزيز الغفار؛ أي: مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه، ثم تاب وأناب إليه.
وذكر صاحب (تفسير الجلالين) ما نصه: " ولحكمة لا عبثًا باطلًا، متعلق بخلق يكور؛ أي: يدخل الليل في النهار فيزيد، ويكور النهار يدخله على الليل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
فيزيد"، وجاء في هامش التعليق؛ التعليق التالي من أحد المحققين قوله تعالى: {يكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} ما ذكره المؤلف الجلال المحلي في معنى التكوير هو معنى الإيلاج الوارد في مثل قوله تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} (الحج: 61).
هذا تفسير غير موافق لمعنى اللغة لأن التكوير والإيلاج ليس بمعنًى واحد، إلا فما معنى قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} قال في (القاموس): التكوير في اللغة طرح الشيء بعضه على بعض، ومنه كور العمامة، فيكون معنى الآية: أن الله تعالى سخر الليل على النهار يتعاقبان، يذهب أحدهما فيعقبه الآخر إلى يوم القيامة، وفي الآية إشارة واضحة إلى أن الأرض لا تخلوا من ليل في مكان ونهار في آخر، على مدار الساعة.
وذكر صاحب (الظلال) رحمه الله رحمة واسعة- ما نصه: خلق السماوات والأرض بالحق، وأنزل معهم، وهو قوله: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} (البقرة: 213) في سورة البقرة، فهو الحق الواحد في ذلك الكون، وفي هذا الكتاب، وكلاهما صادر من مصدر واحد، وكلاهما آية على وحدة المبدع العزيز الحكيم، يكور الليل على النهار، ويكور النهار على الليل، وهو تعبير عجيب يقصر الناظر فيه قصرًا على الالتفات إلى ما كشف حديثًا عن كروية الأرضية، فهو يصوِّر حقيقة مادية ملحوظة على وجه الأرض، فالأرض الكروية تدور حول نفسها في مواجهة الشمس، فالجزء الذي يُواجه الشمس من سطحها المكوَّر يغمره الضوء ويكون نهارًا، ولكن هذا الجزء لا يثبت؛ لأن الأرض تدور، وكلما تحركت بدأ الليل يغمر السطح الذي كان عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
النهار، وهذا السطح مكور، فالنهار كان عليه مكورًا، والليل يتبعه مكورًا كذلك.
وبعد فترة يبدأ النهار من الناحية الأخرى يتكور على الليل، وهكذا في حركة دائمة، يكور الليل على النهار ويكور النهار على، الليل واللفظ يرسم الشكل، ويحدد الوضع، ويعين نوع طبيعة الأرض وحركتها، وكروية الأرض ودورانها يفسران هذا التعبير تفسيرًا أدق من أي تفسير آخر.
وذكر صاحب (صفوة البيان) رحمه الله ما نصه: يكور الليل على النهار تكوير الشيء إدارته، وضمّ بعضه إلى بعض، ككور العمامة؛ أي: أن هذا يكرّ على هذا، وهذا يكرّ على هذا، كرورًا متتابعًا كتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض، إلا أن أطوار العمامة مجتمعة، وفيما نحن فيه متعاورة، وقيل: المعنى يزيد الليل على النهار، ويضمه إليه بأن يجعل بعض أجزاء الليل نهارًا، فيطول النهار عن الليل، ويزيد النهار عن الليل ويضمه إليه بأن يجعل بعض أجزاء النهر ليلًا فيطول الليل عن النهار، وكقوله تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ}.
وذكر أصحاب (المنتخب في تفسير القرآن) ما نصه: "خلق السماوات والأرض ملتبسًا بالحق، والصواب على ناموس ثابت يلفُّ الليل على النهار، ويلف النهار على الليل على صورة الكرة، وذلَّل الشمس والقمر لإرادته ومصلحة عباده، كل منهما يسير في فلكه إلى وقت محدد عنده، وهو يوم القيامة، إلا هو دون غيره الغالب على كل شيء، فلا يخرج شيء عن إرادته التي بلغ الغاية في الصفح عن المذنبين من عباده ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
وجاء في هامش هذا التعليق: تشير هذه الآية الكريمة إلى أن الأرض كروية تدور حول نفسها؛ لأن مادة التكوير معناها لفُّ الشيء على الشيء على سبيل التتابع، ولو كانت الأرض غير كروية مسطحة مثلًا؛ لخيَّم الليل، أو طلع النهار على جميع أجزائها دفعة واحدة {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ}.
وذكر صاحب (صفوة التفاسير): " {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ}؛ أي: خلقها على أكمل الوجوه، وأبدع الصفات بالحق الواضح، والبرهان الساطع، {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ}؛ أي: يغشى الليل على النهار، ويغشى النهار على الليل، وكأنه يلفُّ عليه لفَّ اللباس على اللابس". قال القرطبي: "وتكوير الليل على النهار تغشيته إيَّاه حتى يظهر ضوءه، ويغشى النهار على الليل، فيُذهب ظلمته".
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
الدرس: 18 تابع: شرح قوله تعالى: {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل} - قوله: {وأوحى ربك إلى النحل … }.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن عشر
(تابع: ش رح قوله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} - قوله: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ … })
أول من قال بكروية الأرض
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
كنا تحدثنا عن قول الله تعالى {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} وذكرنا المفردات اللغوية وذكرنا أقوال المفسرين في هذه الآية. نأتي إلى: كروية الأرض في المعارف المكتسبة.
كان أول من قال بكروية الأرض فلاسفة الحضارة العراقية القديمة المعروفة باسم حضارة ما بين النهرين في حدود سنة 2000 قبل الميلاد، وعنهم أخذ فلاسفة اليونان، ومنهم فيثاغورث الذي نادى بها في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، مؤكدًا أن الشكل الكروي هو أكثر الأشكال الهندسية انتظامًا؛ لكمال انتظام جميع أجزاء الكرة بالنسبة إلى مركزها، وعلى ذلك فإن الأرض وجميع أجرام السماء لا بد أن تكون كروية الشكل.
وبقي هذا الرأي شائعًا في الحضارة اليونانية القديمة حتى القرن الرابع قبل الميلاد، إلى أن عارضه أرسطو، أشاع بين الناس الاعتقاد باستواء الأرض ب ل اأدنى انحناء.
وفي عهد الخليفتين العباسيين الرشيد والمأمون في القرن الهجري الثاني، وأوائل القرن الثالث نادى عددٌ من علماء المسلمين، ومنهم البيروني، وابن سينا والكندي، والرازي، وغيرهم بكروية الأرض التي استدلوا عليها بعدد من الظواهر الطبيعية التي منها ما يلي:
1 - استدارة حدّ ظل الأرض حتى يقع على سطح القمر في أوقات كسوفه.
2 - اختلاف ارتفاع النجم القطبي بتغير مكان الراصد له قربًا من خطِّ الاستواء، أو بعدًا عنه.
3 - تغيير شكل قُبَّة السماء من حيث مواقع النجوم، وتوزيعها فيها باقتراب الراصد لها من أحد القطبين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
4 - رؤية الأفق دومًا على هيئة دائرة تامَّة الاستدارة، واتَّساع دائرته بارتفاع الرَّائي فوق سطح الأرض.
5 - ظهور قمم الجبال البعيدة قبل سفوحها بتحرك الرائي إليها، واختفاء أسافل السفن قبل أعاليها في تحركها بعيدًا عن الناظر إليها.
وقام علماء المسلمين في هذا العصر الذهبي بقياس محيط الأرض بدقة فائقة، وبتقدير مسافة درجة الطول في صحراء العراق، وعلى طول ساحل البحر الأحمر، وكانوا في ذلك سابقين للحضارة الغربية بتسعة قرون على الأقل؛ فقد أعلن الخليفة المأمون لأول مرة في تاريخ العلم ب منهجية استقرائية دقيقة أن الأرض كروية، لكنها ليست كاملة الاستدارة.
ثم جاء نيوتن في القرن السابع عشر الميلادي يتحدث عن نقص تكوُّر الأرض من منطلق آخر؛ إذ ذكر أن مادة الأرض خاضعة لقوَّتين متعارضتين: قوة الجاذبية التي تشدُّ مادة الأرض إلى مركزها، والقوة الطاردة المركزية الناشئة عن دوران الأرض حول محورها، والتي تدفعها إلى الخارج، والقوة الأخيرة تبلغ ذروتها عند خط استواء الأرض، فتؤدِّي إلى انبعاجها قليلًا بينما تنقص إلى أقل قدر لها عند القطبين فيتفلطحان قليلًا، ثم جاء تصوير الأرض من الفضاء في أواخر القرن العشرين ليؤكد كلًّا من كروية الأرض، وانبعاجها قليلًا عند خط الاستواء.
كروية الأرض في القرآن الكريم
من الحقائق الثابتة عن الأرض أنها مكورة؛ كرة أو شبه كرة، ولكن نظرًا لضخامة أبعادها فإن الإنسان يراها مسطَّحة ب غير أدنى انحناء، وهكذا ساد الاعتقاد بين الناس بهذا التصوُّر للأرض إلى زمن الوحي للقرآن الكريم، وإلى قرون متطاولة من بعد ذلك بين العوام إلى يومنا هذا، على الرغم من وجود عدد من الملاحظات القديمة التي تُشير إلى كرويتها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
ولذلك فإن القرآن الكريم يتحدَّث عن هذه الحقيقة بطريقة غير مباشرة، وبصياغة ضمنيّة لطيفة، ولكنها في نفس الوقت بالغة الشمول، والدقة، والإحكام، وجاء ذلك في عدد من آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن تكور كل من الليل والنهار على الآخر، وولوجه فيه، وانسلاخه منه، وعن مدِّ الأرض وبسطها، وج حوها، وعن كسرة المشارق والمغارب فيها مع بقاء قمة عُظمى، ونهايتين لكل منهما، ومن تلك الآيات قوله تعال ى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} (الزمر: 5).
ومعنى {اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ}؛ أي: يغشى كل واحد منهما الآخر، كأنه يلفّه عليه، وهو وصف واضح الدلالة على كروية الأرض، وعلى دورانها حول محورها أمام الشمس، وذلك لأن كلًّا من الليل والنهار عبارة عن فترة زمنية تعتري نصف الأرض في تبادل مستمر، ولو لم تكن الأرض مكورة لما تكوَّر أيٌّ منهما، ولو لم تكن الأرض تدور حول محورها أمام الشمس ما تبادل الليل والنهار، وكلاهما ظرف زمان وليسا جسمًا ماديًّا يمكن أن يكور، بل يتشكَّل بشكل نصف الأرض الذي يعتريه.
ولما كان القرآن الكريم يُثبت أن الله تعالى يكوِّر الليل على النهار ويكور النهار على الليل، وهما فترتان زمنيتان تعتريان الأرض؛ فلا بد للأرض من أن تكون مكورة، ولا بد لها من الدوران حول محورها أمام الشمس، ومن هنا كان التعبير القرآني بتكوير كل من الليل والنهار فيه إعلام صادق عن كروية الأرض، وعن دورانها حول محورها أمام الشمس بأسلوب رقيق لا يُفزع العقلية السائدة في ذلك الزمان التي لم تكن مستعدَّة لقبول تلك الحقيقة؛ فضلًا عن استيعابها، تلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
الحقيقة التي أصبحت من البديهيات في زماننا، وإن بقي بعض الجُهَّال على إنكارها إلى يومنا هذا، وسوف يبقون على ذلك إلى قيام الساعة، والتكوير يعني: جعلُ الشيء على هيئة مكورة، هيئة الكرة أو شبه الكرة، إما مباشرة أو عن طريق لفِّ شيء على شيء آخر في اتجاه دائري شامل؛ أي: في اتجاه كروي.
وعلى ذلك فإن من معاني {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ}؛ أي: أن الله تعالى ينشر بالتدريج ظلمة الليل على مكان النهار من سطح الأرض المكوَّر، فيحوِّله إلى ليل مكور كما ينشر نور النهار على مكان ظلمة الليل من سطح الأرض المكور، فيحوله نهارًا مكورًا، وبذلك يتتابع كل من الليل والنهار على سطح الأرض الكروي بطريقة دورية مما يؤكِّد حقيقتي كروية الأرض ودورانها حول محورها أمام الشمس بأسلوب لا يفزع الأفراد، ولا يصدم المجتمعات التي بدأ القرآن الكريم يتنزَّل في زمانها، والتي لم يكن لها حظّ من المعرفة بالكون وحقائقه.
والإشارات القرآنية الضمنية إلى حقيقة كروية الأرض ليست مقصورة على الآية الخامسة من سورة الزمر وحدها، وذلك لأن الله تعالى يؤكِّد في عدد من آيات القرآن الكريم على مد الأرض؛ أي: على بسطها بغير حافَّة تنتهي إليها، وهذا لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت الأرض كروية الشكل؛ لأن الشكل الوحيد لا نهاية لبسطه هو الشكل الكروي، وفي ذلك يقول الحق سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا} (الرعد: 3)، ويقول سبحانه {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} (الحجر: 19)، ويقول سبحانه {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (ق: 7).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)