كذلك يؤكد القرآن الكريم كروية الأرض في آيات التطابق؛ أي: تطابق كل من السماوات والأراضين، ولا يكون التطابق بغير انحناء وتكوير، وفي ذلك يقول ربنا: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} (الملك: 3)؛ أي: متطابقة يغلِّف الخارج منها الداخل فيها، ويشير القرآن الكريم إلى اتفاق لأرض في ذلك بقول الله سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} (الطلاق: 12)؛ أي: سبع أراضين متطابقة حول مركز واحد، يُغلِّف الخارج منها الداخل فيها. كذلك تشير آيات المشرق والمغرب التي ذكرت بالإفراد والتثنية والجمع إلى حقيقة كروية الأرض، وإلى دورانها حول محورها أمام الشمس، وإلى اتجاه هذا الدوران، وفي ذلك يقول الحق سبحانه: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} (الشعراء: 28)، ويقول {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} (الرحمن: 17)، ويقول سبحانه {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} (المعارج: 40، 41) فالمشرق هو جهة طلوع الشمس والمغرب جهة غيابها، ووجود كلٍّ من المشرق والمغرب يؤيِّد كروية الأرض، وتبادلهما يؤكد دورانها حول محورها أمام الشمس من الغرب إلى الشرق، والأرض لها مشرق حقيقي واحد، ومغرب حقيقي واحد عموديان على اتجاه الشمال الحقيقي الذي حدَّده لنا الخالق سبحانه بالنجم القطبي، وفي الوقت الذي تشرق فيه الشمس على جهة ما من الأرض تكون قد غربت في نفس اللحظة عن جهة أخرى.
ولما كانت الأرض منبعجة قليلًا عند خط الاستواء كانت هناك قمَّة عُظمى للشروق وأخرى للغروب {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} (المزمل: 9)، ولما كانت الشمس تُشرق على الأرض في الفصول المختلفة من نقاط المختلفة، كما تغرب عنها من نقاط مختلفة، وذلك يُسبب ميل محور دوران الأرض بزاوية مقدارها 23.5 درجة على مستوى فلك دورانها حول الشمس؛ كانت هناك مشارق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
عديدة ومغارب عديدة {رَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ}، وكانت هناك نهايتان عظميان لكل من الشروق والغروب تتبادلان، فيصبح المشرق مغربًا، ثم يصبح المغرب مشرقًا، قال تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} وينتشر بين هاتين النهاتين العظميين نقاط متعددة لكل من الشروق والغروب على كلٍّ من خطوط الطول وخطوط العرض، وعلى مدار السنة؛ لأن دوران الأرض حول محورها أمام الشمس يجعل النور المنبثق عن ضوء هذا النجم ينتقل على سطح الأرض الكروي باستمرار من خطِّ عرض إلى آخر، ومن خط طول إلى آخر محدثًا عددًا غير نهائي من المشارق والمغارب المتعاقبة في كل يوم، كما يقول {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}.
ووجود كلٍّ من جهتي المشرق والمغرب والنهايات العظمى لكل منهما وتبادلهما، فيصبح المشرق مغربًا، والمغرب مشرقًا، وما بينهما من مشارق ومغارب عديدة، وتتابع تلك المشارق والمغارب على سطح الأرض يؤكد كلًّا من كروية الأرض، ودورانها حول محورها أمام الشمس، وميل محور دورانها على مستوى فلك دورانها، وكل ما ينتج عن ذلك من تعاقب الليل والنهار، وتبادل الفصول المناخية، واختلاف مطالع الشمس ومغاربها على مدار السنة، وكل ذلك من الحقائق الكونية التي لم تكن معروفة وقت تنزُّل القرآن الكريم، ولا لقرون متطاولة من بعده إلا بصورة بدائية، ولنفر محدودين جدًّا من أبناء الحضارات السابقة التي لم تصل كتاباتهم إلى شبه الجزيرة العربية، إلا بعد حركة الترجمة التي بدأت في منتصف القرن الهجري الثاني؛ أي: منتصف القرن الثامن الميلادي في عهد الدولة العباسية.
وورود مثل هذه الحقائق الكونية في ثنايا الآيات القرآنية الكريمة بهذه الإشارات اللطيفة، والدقيقة في نفس الوقت لمِّمَّا يؤكِّد أن القرآن الكريم هو كلام الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
الخالق، وأن النبي الخاتم، والرسول الخاتم الذي تلقَّاه كان موصولًا بالوحي ومُعَلَّمًا من قبل خالق السماوات والأرض، وهذه من الحقائق الاعتقادية التي يحتاجها إنسان اليوم التي توفِّر له من أسباب التقدم العلمي والتقني مما لم يتوفَّر لجيل من البشر من قبل، ولكنه في ظل هذا التقدم فَقَدَ الصلة بخالقه، ففقد الكثير من القيم الأخلاقية النبيلة، والضوابط السلوكية الصحيحة التي تدعوا إلى الارتقاء بالإنسان إلى مراتب التكريم التي رفعه إليها رب العالمين، وتعينه على إقامة عدل الله في الأرض بدلًا من المظالم العديدة التي تجتاحها في كثير من أجزائها اليوم، وبدلًا من الخراب والدمار الذي يصيبها، والدماء التي تغرقها في ظل غَلَبة أهل الباطل على أهل الحق، وفقدان هؤلاء الكفار والمشركين لأدنى علم بالدين الذي يرتضيه رب العالمين من عباده.
ولعل في الإشارة إلى مثل هذا السبق القرآني بالعديد من حقائق الكون ومظاهره ما يمكنه أن يمهِّد الطريق إلى الدعوة لهذا الدين، وإلى تصحيح فهم الآخرين لحقيقته من أجل تحديد هذا الكم الهائل من الكراهية للإسلام والمسلمين، والتي غرسها، ولا يزال يغرسها شياطين الإنس والجن في قلوب الأبرياء والمساكين من بني البشر، فبدءوا بالصراخ بصراع الحضارات وبنهاية العالم، وبضرورة إشعال حرب عالمية ثالثة بين الغرب والإسلام، والغرب في قمة من التوحُّد على الباطل، والتقدم العلمي والتقني، والتفوق الاقتصادي والعسكري مع غيبة كاملة للدين، وانحصار للأخلاق الكريمة والقيم النبيلة، وغيبة كاملة لخشية الله، وللإيمان بوحي السماء، وبالبعث والحساب، ولمعنى الأخوة الإنسانية.
والعالم الإسلامي اليوم يمر بأكثر فترات تاريخه فرقة وتمزقًا وانحصارًا ماديًّا وعلميًّا وتقنيًّا، وتخلفًا عسكريًّا، والمعركة التي يتوهمونها تُدعى معركة أرمجدون، وهي معركة وهمية جاء ذكرها في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي، وهو رجل مجهول الهوية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
في آخر العهد الجديد من كتاب (نصارى اليوم) يشعلونها من أجل القضاء على دين الله الحق {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 21) بهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن كروية الأرض.
إعجاز القرآن في آية تكو ن الشراب الذي يخرج من بطون النحل
إعجاز القرآن الكريم في آية تكون الشراب الذي يخرج من بطون النحل؛ قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل 68، 69).
أقوال المفسرين في هذه الآية:
قال البغوي والبيضاوي في تفسير الآية: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}؛ أي: ألهمها، وقذف في أنفسها ففهمته، أو جعل في غرائزها ذلك، كما قال السمعاني؛ أي: اتخذي من الجبال بيوتًا، ومن الشجر ومما يعرشون؛ أي يبنون، من الجبال بيوتًا؛ أي: أوكارًا مع ما فيها من الخلايا.
قوله {وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}؛ أي: يرفعه الناس من سقف، وقيل: المراد به ما يرفعه الناس ويبنونه للنحل، والمعنى: اتخذي أيتها النحل لنفسك بيوتًا من الجبال والشجر إذا لم يكن لك أرباب، وإلا فاتخذي ما يعرشونه لك، وقد جرت العادة أن أهلها يبنون لها الأماكن، فهي تأوي إليها.
قوله: {ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ}؛ أي: من كل ثمرة تشتهينها حلوها ومرها.
قوله: {فَاسْلُكِي} ما أكلت منها {سُبُلَ رَبِّكِ}؛ أي: مسالكه التي برأها بحيث يحين فيها بقدرته القاهرة الثمرة المرة عسلًا من أجوافك، أو فاسلكي الطرق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
التي ألهمك في عمل العسل، أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تتوعَّر عليك.
قوله: {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} قيل: هي نعت الطرق، يقال: هي مذللة للنحل سهلة المسالك. قال مجاهد: "لا يتوعر عليها مكان سلكته". وقال آخرون: الذلل نعت النحل يقول: أي مطيعة منقادة بالتسفير.
قوله: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ} يعني: العسل مختلف ألوانه أبيض، وأحمر، وأصفر.
{فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ}؛ أي: في العسل. عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن أخي استطلق بطنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسقه عسلًا، فسقاه، ثم جاء فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة، فقال: اسقه عسلًا. قال: فقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا، فسقاه فبرأ)).
قال عبد الله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، وروي عنه أنه قال: عليكم بالشفاءين: القرآن والعسل.
التحقيق العلمي
أثبت العلماء بإعجاب ودهشة أن النحل أمة منظمة حقَّ ة، وأنها مأمورة وميسرة إلى نظام من المعلومات يُعينها على اجتياز الآفاق من حولها، والعودة إلى خليتها وبيتها دونما خطأ، وترتَّب على هذه الملاحظة أن عكف العلماء على دراسة لهذا النظام المعلوماتي للنحل، فوجدوا ما يتفق مع القرآن الكريم بعد بحوث طويلة على النحو الآتي:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
فتجد النحل الشغالة المختصة بجمع الرحيق بهدف الاستطلاع والبحث عن أماكن الرحيق الجيد، حتى تعثر عليه، وعلى مسافات تصل إلى عدة أميال، تعود النحلة إلى خليتها، وتدخل فتجتمع حولها وخلفها جمهور الشغالات، كأنها دعتهم إلى مؤتمر هام يتحلَّق الجميع على قرص الشمع حول النحلة الشغالة الداعية، وتشرع هي في الدوران حول نفسها عددًا محدد من الدورات، وهي تميل بزاوية محددة من ناحية قرص الشمس.
واصل العلماء البحث مع النحل، فوضعوا خلاياه على مسافات محددة من مصدر الرحيق الواحد في مكان البحث؛ فلاحظوا أن تغير مكان الرحيق يترتب عليه تغيرًا في عدد دوران النحلة حول نفسها تغيرًا في سرعة الدوران، وتغيرًا في ميل جناحها على ناحية الشمس.
فالنحل ينطلق بزاوية ارتفاع محددة إلى مسافة في السماء، تُحدد بعدد من الدورات، ثم ينطلق موازيًا للأرض مسافة محددة، ثم يهبط كأنه قذيفة موجهة إلى حيث يوجد الأزهار، وقد ثبت أن النحل يُوظِّف عدَّة حواس لأداء مهمته تلك، فهو يشمُّ ويتذوَّق ويبصق، وحتى يُصدر أصواتًا إنه يشم، فما هي أعضاء الشم التي يمتلكها: إنها خلايا متخصصة تنتشر على قرون استشعار، وهي الخلايا؛ أي: الأعضاء التي يستطيع بها النحل تمييز رائحة الزهرة في الحقل، وكذلك يستطيع بها أن يميِّز رائحة الخلية التي ينتمي إليها. إن الرائحة الأسرية، أو رائحة المستعمرة عبارة عن مادة تسمى فرمون، تفرزه ملكة الخلية من غُددها الفكية، وهي المادة التي تجذب بها الذكور التي تلاحقها في طيران الزفاف الملكي، وهي المادة نفسها التي تنثُرها الملكة في الخلية على الشغالات، فتصيبها بالعقم، فلا يكون لهنَّ عمل في الإنجاب، وهي المادة نفسها التي تشيع في أرجاء الخلية، ويعرفها كل فرد يعيش في هذه الخلية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
هكذا تعمل هذه الرائحة المميزة بمثابة كلمة السر، أو بطاقة الهوية لهذه الخلية، فإذا دخلت نحلة غريبة عن الخلية كان من السهل على العاملات المسئولات عن الحراسة أن يكتشفن وجودها، وعلى التوِّ يهاجمنها ويطردنها.
وللنحل قدرات واضحة على تذوُّق الرحيق والمواد السائلة الأخرى، ولديه القدرة على الإبصار ويميز بين البياض والسواد وبين بعض الألوان، وخصوصًا بين اللونين الأزرق والأصفر، ويستطيع أن يبصر ما لا يبصره الإنسان مثل بصر الأشعة فوق البنفسجية، وهكذا بالشم والتذوق والإبصار تستطيع شغالات النحل أن تُزاول أعمالها النشطة بين عالم الأزهار الذي تعشقه وتحبه، فتزوره مرات ومرات كل يوم في الأيام الدفيئة الوادعة.
لكن ماذا يجري للنحلة الشغالة عندما تخرج من بيتها للمرة الأولى في حياتها، حيث تخرج للبحث عن الرزق؛ إنها قبل أن تُغادر موقع البيت في الخلية تستدير إليه، وتقف، وتحلّق أمامه فترة، وكأنها تُشعر نفسها بأنها سوف لا تستطيع أن تعود إلى هذا البيت، فهي تقف وتستدير وتُحلق أمامه حتى ينطبع في ذاكرتها، ثم هي بعد ذلك تطير من حوله في دوائر تأخذ في الاتساع شيئًا فشيئًا، وإضافة إلى هذه الحيطة، فإنها لا تبتعد كثيرًا عن بيتها في هذه الرحلة الأولى، بل تعمد إلى الطيران القريب من المنطقة المتاخمة للخلية.
ولقد أثارت معرفة الطرق التي تسلكها شغالات النحل في رحلات الذهاب والإياب عقول الناس منذ سنوات بعيدة، وحاول العلماء أن يفسِّروا هذا الأمر، ويقترحوا له الاقتراحات، وكان من أشهر العلماء كارلثون فريتش الذي قضى كل عمره أو معظم عمره يجري تجارب وبحوثًا لفك ألغاز، وأسرار مسارات النحل، ومعرفة اللغات التي تتفهَّم أفراده مع بعضها بواسطتها، ومن أجل ذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
نال جائزة نوبل عام 1973، وقد اكتشف فريتش وتلامذته خلال بحوثهم، ومحاولاتهم، وتجاربهم أن شغالات النحل الاستكشافية تستطيع أن تُخبر زميلاتها في الخلية بالأخبار الآتية:
1 - وجود أزهار مرغوبة في حقل محدد.
2 - تحديد المسافة بين موقع الخلية وموضع هذه الأزهار.
3 - نوع الأزهار المقصودة.
4 - اتجاه الطيران للوصول إلى ذلك الموقع.
واستخلص فريتش ومساعدوه أن هناك نوعين من الحركات تؤديهما الشغالات بعد عودتهنَّ من الرحلات الاستكشافية، هما: الرقص الدائري، والرقص الاهتزازي، هذا كان فريتش في بحوثه الأولى في العشرينات، يعتقد بأهمية الروائح في اهتداء النحل إلى غذائه في رحلات جني الرحيق، وهي الروائح التي يشمها من شقيقاته المستكشفات، لكنه عدل عن هذا الرأي في الأربعينات إلى أهمية لغة الرقص، وتقوم الشغالات بأداء الرقص الدائري في الخلية إذا كانت المسافة بين موضع الرحيق، وبين موضع الخلية لا يتجاوز خمسين مترًا، تدخل الشغالات الخلية، فتفرغ حمولتها من حبوب اللقاح، ثم تقف على أحد الأقراص الشمعية، وتبدأ في الدوران حول نفسها في دائرة ضيقة مغيرة اتجاهها بثبات، فتدور إلى اليمين تارة، وتارة أخرى إلى اليسار راقصة في اتجاه عقرب الساعة، وفي اتجاه معاكس في تتابع سريع، فترسم بذلك دائرة، أو دائرتين في كل اتجاه، وذلك وسط ضجيج صاخب في الخلية حيث يتراص النحل وراءها، محاولًا أن يلمس بطنها بقرون استشعاره، آخذًا في أداء حركات الرقص معها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)
فتبدو هذه النحلة الراقصة الأولى كما لو كانت تجرُّ خلفها ذيلًا طويلًا من النحل المتحرك حركة مستمرة.
ويدوم هذا الرقص الجماعي ثوانٍ، أو قد يصل إلى دقيقة كاملة، وأخيرًا تنسلُّ من أخواتها وتصل إلى فتحة الخلية؛ لتخرج وتذهب في رحلة جديدة بحثًا عن الغذاء.
وفي لحظات تقوم الشغالات اللاتي كنَّ يُتابعن أختهنَّ الراقصة تلك بالتوجه نحو فتحة الدخول، ومغادرة الخلية جميعًا نحو موضع الغذاء المحدد.
وهناك نوع آخر من الرقص رصده فريتش ومساعدوه، وهو الرقص الاهتزازي، واستخلصوا في نتائج تجاربهم أنه النوع الذي به تبلغ النحلة الشغالة عن تقدير المسافة بين الخلية ومصدر الغذاء، وخصوصًا المسافات البعيدة التي تزيد عن خمسين مترًا، فتدخل الشغالة من فتحة الخلية وتقف وسط أخواتها على قرص الشمع، وتسير مسافة قصيرة في خطٍّ مستقيم، وتحرك بطنها بسرعة من جانب لآخر، ثم تتحرك في قوس إلى اليسار، ثم في خط مستقيم ثانية، ثم تتحرك في قوس إلى اليمين.
ولقد اكتشف الباحثون أن هنالك ارتباط بين عدد اللفات الكاملة أثناء هذا الرقص الاهتزازي، وبين تحديد المسافة المطلوبة، فإذا كانت المسافة 100 متر كان عدد الرقصات من 9 إلى 10 لفات كل 15 ثانية، وإذا كانت 200 متر كان عدد الرقصات 7 لفات كل 15 ثانية، وإذا كانت المسافة كيلو مترًا واحدًا يتناقص عدد اللفات إلى 4.5 لفات كل 15 ثانية، وإذا كانت المسافة 6 كيلو مترات يكون عدد اللفات لفتين فقط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)
ولاحظ فريتش ومساعدوه خلال مراقبة الرقص الاهتزازي لشغالات النحل أن الواحدة منهنَّ تُغيِّر اتجاه الجزء المستقيم من الرقص مع تقدم النهار، فاستدلوا بذلك أن موضع الشمس في السماء له أثر في هذا السلوك على النحو التالي: إذا كان موضع الغذاء في اتجاه الشمس بالنسبة لبيت النحل كان اتجاه مسار الجزء المستقيم من الرقصة إلى أعلى، وإذا كان موضع الغذاء في الاتجاه المضادّ للشمس لبيت النحل؛ كان اتجاه مسار الجزء المستقيم من الرقصة إلى أسفل، وإذا كان موضع الغذاء منحرفًا عن اتجاه الشمس بالنسبة لبيت النحل؛ فإن النحلة تنحرف من الجزء المستقيم في رقصتها عن الخط العمودي بزاوية تساوي الزاوية الواقعة بين خط مرسوم بين الخلية والشمس، وخط آخر بين الخلية والغذاء، وأما الخلط بين الخلية والشمس فيُعبَّر عنه خط الجاذبية الأرضية.
وإذا كان اليوم غائمًا والشمس محتجبة، أو أن شغالات النحل تسرح في الفترة المتأخرة من النهار حيث الضوء الضعيف؛ فإن النحل يستطيع أن يهتدي بالمساحات الصافية من السماء في هذا الموضوع، وذلك لأن عين النحلة قادرة على تحديد مواضع الأجسام المضيئة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)
الدرس: 19 تابع: شرح قوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل … }.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع عشر
(تابع: شرح قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ … })
عسل النحل، وغذاء الملكات، وشمع النحل، والعَكْبَر أو صمغ النحل
الحمد الله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
شرحنا بعض أجزاء من قوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 68، 69).
إ ن أهم أنواع الشراب الخارج من بطون النحل هو عسل النحل، والعسل سائل يدخل في تركيبه أكثر من سبعين مادة مختلفة، ويعتبر مصدرًا للمواد السكرية على مدى آلاف السنين، ونظير العسل يخرج من بطن النحلة سوائل أخرى يصدق عليها الوصف أنها شراب وذات قيمة غذ ائية وطبية ترجع لنوع النبات أساسًا، وتتباين خواص العسل تبعًا لما يلي:
أنواع الأزهار والأشجار التي يجمع النحل منها الرحيق، الإقليم من الأرض الذي تقع فيه هذه النباتات، سلالة النحل، الظروف الجوية السائدة أيام جمع الرحيق، ويختلف لون العسل تبعًا لنوع الأزهار التي أخذت النحلة منها الرحيق، وينسب العسل في هذه الحالة إلى اسم النبات فيقال مثلًا: عسل البرسيم الحجازي، وقد يكون عديم اللون، وقد يكون أحمر مصفر، أو عنبري اللون، فعسل التفاح لونه أصفر باهت، وعسل الأقرطيون لونه زيتوني غامق، وعسل كرمب السلجم لونه أخضر مصفر، وعسل الهندباء لونه أصفر ذهبي، وعسل الخلنج لونه أصفر داكن أو أحمر بني، وعسل الحنطة السوداء لونه أصفر داكن مع صبغات حمراء إلى بني داكن، وعسل الزيزفون لونه شفاف أو أسمر أو أصفر أو أصفر فاتح أو أخضر، وعسل شجرة الغبيراء لونه أحمر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)
غذاء الملكات:
سائل أبيض اللون يسمى أيضًا لبن النحل؛ لأنه يشبه اللبن الكثيف أو القشدة، وتنتجه فتيات النحل؛ أي الشغالات الشاب ة من أجل إطعام الملكة وبعض اليرقات الصغيرة، وإذا غذيت به اليرقة طيلة عمرها ستة أيام نشأت ملكة طويلة الجسد رشيقة القوام ومبايضها خصيبة كاملة، أما إذا غذيت اليرقة به ثلاثة أيام فقط وغذيت في الأيام الثلاثة الباقية بخبز النحل الذي هو حبوب اللقاح المعجونة بالعسل؛ فإنها تنشأ شغالات عقيمة مبايضها ضامرة، ويحدث هذا كذلك بالنسبة للذكور، ولكن الذكور تنشأ من بيض غير ملقح، فهي تنال نظامًا غذائي ًّ اكالشغالات قبل تحولها إلى حشرات يافعة. والغذاء الملكي سريع التلف، ويتأثر بدرجة الحرارة والضوء والهواء، ويتدهور بسرعة في درجة الحرارة العادية، وبعد عدة أسابيع يصبح لونه مصفرًا أو بني ًّ ابرائحة قوية نتيجة لتحلل البروتين الذي يحتويه، وتزيد سرعة التحلل بزيادة الرطوبة الجوية التي تساعد على تكاثر جراثيم العسل.
شمع النحل:
شمع النحل سائل قبل أن يتعرض للهواء؛ فإذا تعرض له جف، وهو المادة المعروفة منذ القدم، واستعملها الناس في أغراض شتى؛ سواء كانت أغراضًا عقائدية أو أغراضًا معيشية. أما بالنسبة للنحل؛ فالشمع هو المادة الأساسية لاستقرار مجتمع النحل بالخلية، إضافة إلى عناصر أخرى كضرورة وجود الملكة ووجود الشغالات؛ فطالما توجد أقراص الشمع في الخلية ت ظ ل هذه الخلية تزاول حياتها دون اضطراب أو هرج.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)
العَكْبَر أو صمغ النحل:
العكبر أحد منتجات النحل تجمعه من صمغ الأشجار، وتقوم بمزجه بلعابها وبشيء من الشمع، فتخرج مادة فيها دواء وشفاء، ويجمع النحل هذا العكبر من لحاء القشور والبراعم الزهرية لعدة نباتات؛ منها: أشجار البلوط والحور والصنوبر وغيرها. أما تركيبه الكيميائي فهو معقد جد ًّ ا؛ إذ يحتوي على أكثر من 300 مركب اكتشف حتى الآن، ويتكون العكبر إجمالًا من 55 % من المواد الراتنجية، 30 % من الشمع، 10 % من مركبات متنوعة زيوت عطرية، 5%من حبوب التمر.
العكبر مضاد للجراثيم:
أظهرت الدراسات العلمية بجلاء خواص العكبر الفعالة المثبطة لجرثوم المكورات العنقودية؛ وهي من الجراثيم الشائعة التي تصيب الإنسان، كما أكدت أن استعماله مع المضادات الحيوية الأخرى يزيد من نشاط وفعالية تلك المضادات الحيوية، كما أثبتت الأبحاث أيضًا أنه مضاد للفطور حيث يحتوي العكبر على مواد لا يقل تأثيرها الفعال في مقاومة الفطور عن أحدث الأدوية المتوفرة لدى الأطباء حاليًا. كما تبين أن للعكبر تأثيرًا مضادًا على مرض السرطان؛ وقاية ً وعلاجًا إذ يحتوي على الفلافيو مويدات والأحماض الدهنية والأحماض العطرية، وإسترات هذه الأحماض، ويعزو لهذه الفلافيو مويدات التأثير المثبط للخلايا السرطانية، كما وجد أن له تأثيرًا في الوقاية من العقم وأمراض العيون.
ويعزو الباحثون تلك الفوائد إلى خواص العكبر المضادة للأكسدة، والمعروف أن مضادات الأكسدة تقوم بفعل يمكن أن يقي الجسم من تصلب الشرايين والسرطان والهرم؛ يعني الشيخوخة وغيرها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)
ويدخل العكبر الآن في كثير من المستحضرات الجلدية؛ مثل: مستحضرات التجميل والدهونات والمراهم والشامبو ومعاجين الأسنان وغيرها. وبعد؛ أليس عجيبًا أن يخرج من بطون النحل خمس مواد مختلفة فيها شفاء للإنسان؛ إنه صنع الله الذي أتقن كل شيء.
وجه الإعجاز في الآيتين الكريمتين
وجه الإعجاز:
لفت القرآن الكريم بهذا نظر البشرية إلى قدرة النحل على معرفة الطريق نحو الغذاء بوسائل تفاهم جماعي، ومما عرفناه من ذلك وسيلة رقص النحلة لتتحرك بزوايا خاصة يدرك بها من حولها موضع الغذاء، ويتفق الخطاب بالتأنيث {اتَّخِذِي} {كُلِي} {فَاسْلُكِي} {بُطُونِهَا} مع المعرفة الحديثة؛ ل أن الذي يقوم بالبحث وجلب الغذاء هي الشغالة وليس الذكر، والسائد عند الناس أنها تتغذى على رحيق الأزهار، ولكن القرآن الكريم لم يقل: اشربي، بل يخالف السائد ويعبر بتعبير معجز يتفق مع الحقيقة التي كشفها العلم الحديث من تغذي النحل على حبوب اللقاح أساسًا بلفظ {كُلِي}، وجعل ما تتغذى عليه أساسًا لصنع الثمار فعبر عنه كأصل للثمار بعبارة {كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ}. ويرجع القرآن الكريم كافة أنواع ذلك العسل الذي اعتاد الناس منذ القدم اتخاذه علاجًا لأمراض وأحوال طبية مختلفة إلى أنواع النبات أساسًا بتعبير {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ}.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)
الإعجاز في النص الكريم ذو مناح عديدة؛ وأهم مسألتين هما:
المسألة الأولى: قوله - جل وعلا -: {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} فقد سبق القرآن العلم في لفت أنظار البشرية إلى قدرة النحل على سلوك الطرق، وحث العلماء على البحث في ذلك، فاكتشفوا تفرد النحل بالنظام المعلوماتي الذي ييسر له شق الطرق البعيدة بسهولة ويسر، وهكذا تأكد للكافة أن كلمة القرآن هي الحق {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا}؛ أي ميسرة سهلة على النحل بما زوده الله من نظام دقيق للمعلومات، وقدرة فائقة على تحديد المكان المطلوب الوصول إليه، وربما لا يتوفر لأنواع أخرى من الحشرات.
المسألة الثانية: قوله - جل وعلا -: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} ظل كثير من الناس لا يعرف من منتجات النحل سوى العسل فقط؛ لذلك انصرف فهمهم من الآية إلى العسل وقالوا: بأن الشراب المقصود هنا هو العسل، ولكن العلم الحديث يوضح أن هناك أنواع ًا وأنماطًا من الشراب بالإضافة إلى العسل، والقارئ للآية القرآنية بلغتها العربية يعرف أن لفظة شراب جاءت نكرة؛ أي غير معرفة ب ـ" أل " ويدل هذا على إطلاق المعنى على كل ما هو شراب أو سائل يخرج من النحل.
إذًا فاللفظة الواردة في هذه الآية ذات مدلولات كثيرة وليس مدلولًا واحدًا، وشراب النحل يخرج من منطقة البطن التي توجد بها حوصلة العسل وغدد إنتاج مواد أخرى، وأما التعبير {مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} فيعني أن هذا الشراب له ألوان مختلفة، وقد فهم الناس قديمًا أن الألوان المختلفة تعني ألوان العسل وهذا فهم صائب، لكن اللغة العربية غنية بمكوناتها، ومن هذه المكونات المعاني المجازية للفظ فالألوان في اللغة العربية قد تعني الأنماط والأشكال، وذلك إضافة إلى معناها الصريح المباشر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)
أهم ال نتائج: تمكن العلماء في العصر الحديث من اكتشاف أن النحل مختلف الأنماط والأشكال، وأشار القرآن في حديثه عن النحل أنها تسلك سبلا م ع ينة حيث قال: {فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} وقد أثبت العلماء بإعجاب ودهشة أن النحل أمة منظمة، كما أنها مسيرة إلى نظام من المعلومات يعينها على اجتياز الآفاق من حولها، ثم العودة ثانيًا إلى خليتها وفق أنظمة محكمة وقوانين دقيقة تؤدى في مهارة ودقة مما يتوافق مع إشارة القرآن الكريم المعجزة. لقد عبر القرآن في حديثه عن غذاء النحل بقوله: {ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} ولم يقل: اشربي وهذا يخالف السائد؛ وهو أن النحل يتغذى على رحيق الأزهار، وقد تجلت دقة التعبير القرآني في العصر الحديث حيث ثبت أن النحل يتغذى على حبوب اللقاح التي هي أصل لكل الثمار. أيضًا يتجلى الإعجاز القرآني في حديثه عن النحل في قوله أيضًا: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} في نقطتين:
الأول: أن شراب النحل يخرج من منطقة البطن التي توجد بها حويصلة العسل وغدد إنتاج مواد أخرى.
الثانية: أن النحل يخرج أشربة أخرى غير عسل النحل، وهذا ما يشير إليه لفظ {مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} وقد اكتشف العلماء أهم أنواع الشراب الخارجي من بطون النحل وهي:
1 - غذاء الملكات.
2 - الشمع.
3 - العكبر.
4 - عسل النحل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)
أهم مكونات النحل هو العسل؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا} فإن الذي يخرج من النحل الذي أهم شيء هو العسل، لكن الحقيقة أن منتجات النحلة ليس فقط العسل، صحيح أن العسل أهمها قال تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ} العسل، الشمع، شمع العسل، الكعبر، ثم الرحيق، رحيق اللقاح، ثم أيضًا سم النحل، كل هذه لها فوائد طبية ثبتت في العلم التجريبي الحالي. حتى سم النحل؛ نعم سم النحل يفيد لعلاج التهاب المفاصل المزمن، وهناك دراسات كثيرة في فائدته في كثير من أمراض الروماتيزم، والذي يهمنا العسل؛ فإذًا هو شفاء للناس، وللآن لم تكتشف بعض أسرار العسل؛ فهو إضافة لكونه غذاء فهو شفاء، فالباري عز وجل قال: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} يعني هو كدواء فيه شفاء.
ولقد ذكر القرآن الكريم كلمة الشفاء في القرآن عدة مرات في مواضع كثيرة؛ {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (الإسراء: 82)، وقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} (فصلت: 44)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} (يونس: 57)، هذه شفاء نفسي إيماني روحاني قد يتحول إلى مادي أيضًا، ولكن في قوله تعالى: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاس} في قوله: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ} هذه الآية صريحة كعلاج ودواء إضافة إلى أنه ك غذ اء.
قال ابن القيم رحمه الله: "والعسل فيه منافع عظيمة؛ فإنه جلاء للأوساخ التي في العرو ق والأمعاء وغيرها، محلل للرطوبات أكلًا وطلاءً، نافعًا للمشايخ وأصحاب البلغم، ومن كان مزاجه باردًا رطبًا هو مغذ ملين للطبيعة، حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه، مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة، منق للكبد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)
والصدر، مدر للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، وإذا شرب حارًا بدهن الورد نفع من نهش الهوام وشرب الأفيون، وإن شرب وحده ممزوجًا بماء نقع من عضة الكلب وأكل الفطر القتال، وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك إن جعل فيه القثاء والخيار والقرع والباذنجان، ويحفظ كثيرًا من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويسمى الحافظ الأمين.
وإذا لط خ به البدن المقمل والشعر قتل قمله وصيبانه وطول الشعر ويحسِّن الشعر، وإن اكتحل به جلى ظلمة البصر، وإن استن به بيض الأسنان وصقلها وحفظ صحتها وصحة اللثة، ويفتح أفواه العروق ويدر الطمث، ولعقه على الريق يذهب البلغم ويغسل خمل المعدة، ويدفع الفضلات عنها، ويسخنها تسخينًا معتدلًا، ويفتح سددها، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، وهو أقل ضررًا لسدد الكبد والطحال من كل حلو، وهو مع هذا كله مأمون الغائلة قليل المضار مضر بالعرض للصفراويين ودفعها بالخل ونحوه فيعود حينئذٍ نافعًا له جيدًا.
العسل شفاء للناس:
الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} وقد أكدت الأبحاث العلمية الحديثة فوائد العسل في عدد من المجلات، ومن أحدث هذه الأبحاث تلك التي قام بها أستاذ جامعي في جامعة نيوزيلندا يدعى البروفيسور " بيتر م ولان " وقد قضى وزملا ؤ هـ في مخابر البحث ثمانية عشر عامًا في تجاربهم العملية على العسل، وخرجوا بأكثر من خمسة عشر بحثًا علمي ًّ انشرت في أشهر المجلات الطبية في العالم، ونشر آخرها في شهر أبريل سنة 2001.
هذا عالم غير مسلم، وربما لم يعلم بما جاء في القرآن الكريم يقضي ثمانية عشر عامًا في البحث العلمي ليثبث فوائد العسل في علاج الجروح والقروح وغيرها،
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
وتسخر له الإمكانيات المادية للخروج بتلك الأبحاث، وهي على ما أعتقد من أكثر الأبحاث العلمية التي أجريت على العسل دقة وموضوعية، وهو الآن يحاضر في الجامعات الأمر ي كية حول العسل، ويستمع إليه المتخصصون بدهشة بعد أن كانت أمر ي كا وأوروبا الغربية تتجاهل البحث في العسل، فكانت خلال العشرين سنة الماضية أبحاث قليلة متفرقة هنا وهناك؛ إلا أن هذا البحث النيوزيلندي قام بخدمات جليلة، وبخدمات ربما من حيث لا يدري لإظهار الإعجاز القرآني في موضوع العسل، يقول البروفيسور "مولان": " إ ن كل أنواع العسل تعمل في قتل الجراثيم رغم أن بعضها قد يكون أكثر فعالية من غيرها، وإن العسل يقضي على تلك الجراثيم الموجودة في الجروح". وفي دراسة أخرى قدمت في شهر نوفمبر في مجلة في أورلاندو في 4/ 4/2001 استخدم العسل كمصدر للسكريات أثناء التمارين الرياضية في مسابقة ركوب الدراجات، وقد زاد تناول العسل من قدرة التحمل على ركوب الدراجات بنسبة 6%، وبالطبع فإن هذه الفروق البسيطة لها أهمية كبرى في السباقات الرياضية.
وهناك حديث رواه البخاري ومسلم، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن أخي استطلق بطنه - يعني عنده إسهال - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسقه عسلًا فسقاه ثم جاءه فقال: إني سقيته عسلًا فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال صلى الله عليه وسلم: اسقه عسلًا فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك فسقاه فبرأ)).
فقد نشرت مجلة بي إن جي الإنجليزية الشهيرة دراسة على 169 طفلًا مصابًا بالتهاب المعدة والأمعاء، وجد الباحثون أن الإسهال الناجم عن التهاب المعدة والأمعاء استمر 93 ساعة عند الذين لم يشربوا العسل، في حين شفى الله الذين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)