Arabic source text

📘 আল-ইজাযুল ইলমী ফিল কুরআনিল কারীম - জামিয়াতুল মদীনা (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

📘 الإعجاز العلمي في القرآن الكريم - جامعة المدينة (جامعة المدينة العالمية)

📘 আল-ইজাযুল ইলমী ফিল কুরআনিল কারীম - জামিয়াতুল মদীনা (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الذي أبدَعَ هذا الخلقَ قادِرٌ على إفنائِه، وعلى إعادةِ خلْقِهِ من جديد، كَمَا تأتي هذه الآيات الكونية في مَقَامِ الاستدلال على وحدانيةِ الخالق العظيم بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع وتتراءى هذه الوحدانية لكل ذي بصيرةٍ في جميع جنبات الكون، وفي كل أمر من أموره في السموات، وفي الأرض، في الأنفس، وفي الآفاق في كل سنة من سنن الكون، وفي كل ناموس من نواميسه، وفي كل جزئية من جزئياته من الذرة إلى الخلية الحية إلى المجرة.
كما تتراءى في وحدة بناء الكون ووحدة لبناته، وتآصل عناصرِهِ التي تُرَدُّ كلها إلى غاز الإيدروجين، وفي وحدة كُلٍّ من المادة والطاقة، وفي تواصل كل من المكان والزمان، وفي وحدة بناء الخلية الحية، وفي وحدة الحياة والممات والمصير لكل حي. وتتراءى وحدانية الخالق سبحانه وتعالى في تعميم الزوجية على جميع المخلوقات من الأحياء والجمادات حتى يبقى الخالقُ في علاه متفردًا بالوحدانية المطلقة، فوق جميع خلقِهِ، ومع تسليمنا بكل ذلك؛ فإن القرآن الكريم يبقَى كلام الله الخالق الذي أوحي به إلى خاتم أنبيائه ورسله، وتعهد سبحانه وتعالى بحفظه باللغة نفسها التي أوحاه بها -اللغة العربية- فحفظه كلمة كلمة، وحرفًا حرفًا؛ تحقيقًا للوعد الإلهي الذي قطعه ربنا سبحانه على ذاته العلية فقال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9).
ولمَّا كان القرآنُ الكريم هو كلام الله الخالق، وكان الكون من صنعتِه، وإبداع خلقه؛ فلابد أن يكون كل حرف وكلمة، وآية في القرآن الكريم حقًّا مطلقًا، وأن تكون كل الإشارات الكونية فيه ناطقةً بالحقيقة المطلقة للكون، ومكوناته، ولو وعى المسلمون ذلك حقَّ الوعي؛ لكان لهم السبق في الكشف عن العديد من حقائق هذا الكون قبل غيرهم من الأمم بقرون عديدة. ويظل هذا السبق من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

أفضل وسائل الدعوة إلى دين الله الخاتم في زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه".

‌‌العلوم المكتسبة وعملية الانفجار العظيم
العلوم المكتسبة وعملية الانفجار العظيم التي تشير إليها الآية {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا} (الأنبياء: 30):
يقول الدكتور زغلول النجار: "للعلوم المكتسبة شواهد تؤيد مفهوم الانفجار العظيم، منها ما يلي:
1 - توسع الكون كدليلٍ على الانفجار العظيم: على الرغم من تأكيد القرآن الكريم من قبل ألف وأربعمائة سنة حقيقة توسع الكون، بقول الحق سبحانه: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47) فقد بقي الفلكيون إلى مطلع العشرينيات من القرن الماضي مصرين على ثبات الكون وعدم تغيره. وفي السنوات من 1914 إلى 1925 م أثبت الفلكي الأمريكي "سليفر" أن معظم المجرات التي قام برصدها خارج مجرتنا "درب التبانة" أو "سكة التبانة" تتباعد عنا، وعن بعضها بعضا بسرعات كبيرة. وفي سنة 1929 تمكن "إدوان" من تأكيدِ ظاهرةِ توسع الكون، وتوصل إلى الاستنتاج الصحيح أن سرعة تباعد المجرات الخارجية عن مجرتِنَا تتناسب تناسبًا طرديًّا مع بعدها عنا. وفي سنة 1934 اشترك هو وأحد مساعديه في قياس أبعاد، وسرعات تحرك 32 من تلك المجرات الخارجية بعيدًا عن مجرتنا، وعن بعضها بعضًا من جانب آخر استطاع علماء كل من الفيزياء النظرية، والفلكية تأكيد حقيقة توسع الكون بتوظيف القوانين الرياضية في عددٍ من الحسابات النظرية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

ففي سنة 1917 م أطلق "ألبرت أينشتين" نظرية النسبية العامة لشرح طبيعة الجاذبية كقوة مؤثرة في الكون المدرك، وأشارت المعادلات الرياضية المستنتجة من تلك النظرية إلى أن الكون الذي نحيا فيه كون غير ثابت فهو إما أن يتمدد. وإما أن ينكمش وفقًا لعدد من القوانين المحددة له، وجاءت هذه النتيجة على عكس ما كان يعتقد "أينشتين"، وجميع معاصريه من الفلكيين، وعلماء الفيزياء النظرية، ولقد أصاب أينشتين الذعر حينما أدرك أن معادلاته تنبئ رغم أنفه بأن الكون في حالة تمددٍ مستمرٍّ؛ فعمد إلى إدخال معامل من عنده أطلق عليها اسم الثابت الكوني ليلغي به تمدد الكون، ويؤكد ثباته، واستقراره برغم دوران الأجرام التي يحتويها وحركاتها المتعددة، ثم عاد "أينشتين" ليعترفَ أمام سيلِ ملاحظات الفلكيين عن تمدد الكون بأن تصرفه هذا كان أكبر خطأ علمي اقترفه في حياته.
في السنوات من 1917 إلى 1924 م قام الروسي "إلكسندر فريدمان" بإدخال عدد من التحسينات على معادلات "أينشتين" وقدم نموذجين لتفسيرِ نشأة الكون يبدأ كلٌّ منهما بحالةٍ متفردةٍ تتميز بكثافة لا نهائية، وتمدد منها إلى حالات ذات كثافة أقل، وتحدث "فريدمان" عن انحناء الكون، وعن تحدبه تبعًا لكمية المادة الموجودة فيه؛ فإن كانت تلك المادة أقل من قدر معين وجب أن يستمر تمدد الكون إلى الأبد، وفي هذه الحالة يكون نظام الكون مفتوحا أما إذا كانت كمية المادة بالكون أقل من المادة التي هي أقل التي يسمونها الكمية حرجة غدت الجاذبية على قدر من القوة؛ بحيث تجذب الكون إلى درجةٍ تتوقف عندها عملية التمدد في لحظةٍ معينةٍ من المستقبل؛ عندها يبدأ الكونُ في الانطواء على ذاتِهِ؛ ليعود إلى حالة الكثافة اللانهائية الأولى التي بدأ بها. وفي هذه الحالة يكون نظام الكون مغلقًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)

وقد أثبت كل من "وليم ديسيتر" و"أرثر إدينجيتن" في سنة 1935 م أن الكون كما صورته معادلات "أينشتين" هو كون غير ثابت، ولكن تصور كل منهما للكون كان تصورًا بدائيًّا فبينما كان نموذج "أينشتين" للكون نموذجًا ماديًّا دون حركة ونموذج "ديسيتر" حركيًّا دون مادة؛ جاء نموذج "إدينجيتن" وسطًا بين النموذجين بمعنى: أن الكون بدأ بحالة ساكنة، ثم أخذ في التمدد نظرًا لطغيان قوى الدفع للخارج على قوى الجاذبية، ولكن انطلاقًا من فكر الإلحاد السائد في عصره؛ اضطر "إدينجيتن" إلى أن يفترض للكون ماضيًا لا نهائيًا ليتخلص من حقيقة الخلق، ومن شبح نظرية الانفجار الكبير، والذي سماه باسم البداية الكارثة. في السنوات من 1932 إلى 1934 م اقترح "ريتشارد فولمان" نموذجًا متذبذبًا للكون يبدأ وينتهي بعملية الانفجار الكبير، وأخيرًا اقترح "ألان جوث" نموذج الكون المتضخم، والذي يقترح فيه أن الكون المبكر تمدد في أولِ الانفجار تمددًا رأسيًّا سريعًا جدًّا مع سطوع فائق، ثم أخذت معدلات التوسع في التباطؤ إلى معدلاتها الحالية.
ومن منطلق إنكار الخلق ينادي الفلكيونَ المعاصرونَ بفكرةِ الكون المفتوح، أي: الذي يتمدد إلى ما لا نهاية، ولكن تقديرات الكتل المفقودة في حسابات توازن الكون المدرك تؤكد انغلاق الكون، هذا الانغلاق الذي سيقفُ بتمدده عند لحظة في المستقبل يعود الكون فيها إلى الانكماش، والتكدس على ذاتِهِ ليعاود سيرته الأولى؛ وبالتدريج بدأت فكرةُ تمدد الكون إلى حدٍّ ما في المستقبل تلقى القبول من الغالبية الساحقة من علماء الفلك، والفيزياء الفلكية والنظرية، وإن بقيت أعداد منهم تدعوا إلى ثباتِ الكون حتى مشارف الخمسينيات من القرن العشرين. ومن هذه الأعداد مجموعة علماء الفلك في جامعة "كمبوردج" المكونة من كل من "هيرنان بوندي" و"توماس جولد" و"فريد هويل" وقد قام هذا الفريق بنشر سلسلة من المقالات، والبحوث في السنوات 1946 و 48 و 49 دفاعًا عن النموذج الثابت للكون، ثم اضطروا إلى الاعتراف بحقيقةِ تمدده بعد ذلك بسنوات قليلة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

ومن عجائب القدر بهؤلاء الجاحدين لحقيقة الخلق، المتنكرين لجلال الخالق سبحانه، المنادين كذبًا بأزلية العالم أن يكون أحد زعمائهم وهو "فريد هويل" الذي حمل لواء الادعاء بثبات الكون واستقراره، وأزليته لسنوات طويلة هو الذي يعلن بنفسه في سخريةٍ لاذعةٍ تعبير الانفجار الكبير للكون، وذلك في سلسلة أحاديث له عَبْرَ الإذاعة البريطانية في سنة 1950 م كان ينتقد فيها ظاهرة تمدد الكون، ويحاول إثبات بطلانها، ثم جاء بعد ذلك بسنوات ليكون من أشد المدافعين لها. وكانت نظرية خلق الكون من جرم أولي واحد عالي الكثافة قد توصل إليها البلجيكي "جورج لوميتر" وذلك في رسالة تقدم بها إلى معهد "مساشوسيشي" للتقنية دافع فيها، وفي عدد من بحوثه التالية عن حقيقة تمدد الكون، ولم تلقَ أبحاثه أي انتباه إلى أن جاء "إيدينجيتن" في سنة 1930 م ليلفت إليها الأنظار ومن هنا أطلق على "لوميتر" لقب صاحب فكرة الانفجار الكبير في صورتها الأولى".

‌‌بقايا الإشعاع الكوني كدليل على الانفجار العظيم
في سنة 1948 أعلن كل من "جورج جامو" وزميله "رالف ألفر" أن تركيز العناصر في الجزء المدرك من الكون يشير إلى أن الجرم الأولي الذي بدأ به الكون كان تحت ضغط، وفي درجة حرارة لا يكاد العقل البشري أن يتصورهما وعند انفجاره انتقلت تلك الحرارة إلى سحابةِ الدخان الكوني التي نتجت عن ذلك الانفجار، وسمحت بعدد من التفاعلات النووية التي أدَّتْ إلى تكون العناصر الأولية من مثل "الإيدروجين" و"الهيليوم".
وفي السنة نفسها 1948 قدم كل من "إلفر" و"هيرمان" اقتراحا بأن الجرم الابتدائي للكون كان له إشعاع حراري يشابه إشعاع الأجسام المعتمة، وأن هذا الإشعاع

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

تناقصَتْ شدته مع استمرار تمدد الكون وتبرده، ولكن لابد وأن تبقى منه بقية في صفحة السماء؛ إذ أمكن البحث عنها وتسجيلها، كانت تلك البقية الإشعاعية من أقوى الأدلة على بدءِ خلق الكون بعملية الانفجار الكبير. وفي سنة 1964 تمكن اثنان من علماء مختبرات "بِل" للأبحاث، وهما "أرنو بنزياس" و"روبرت ويلسون" بمحض المصادفة من اكتشاف تلك البقايا الأثرية للإشعاع الحراري الكوني على هيئة ضوضاء لاسلكية محيرة تفد بانتظام إلى الهوائي الذي كانا قد نصباه لغاية أخرى من جميع الجهات في السماء حيثما وجه الهوائي، وقدروها بثلاث درجات مطلقة 270 درجة مئوية تحت الصفر المئوي.
في الوقت نفسه كان كل من روبرت دايك" وتلميذه "بيبلز" قد استنتجا من معادلاتهم الرياضية الفلكية: أن النسب المقدرة لغازي الإيدروجين والهيليوم في الكون تؤكد الكمية الهائلة من الإشعاع التي نتجت عن الانفجار الكبير، وتدعم نظريته، ومع تمدد الكون ضعف هذا الإشعاع بالتدريج، وانخفضت درجة حرارته إلى بضع درجات قليلة فوق الصفر المطلق الذي يساوي 273 درجة تحت الصفر المئوي. في سنة 1965 م قام كل من "بنزياس" و"ويلسون" بتصحيح قيمةِ البقايا الأثرية للإشعاع الحراري الكوني، وأثبتا أنها من الموجات الكهرومغناطيسية المتناهية في القصر.

‌‌تصور بقايا الدخان الكوني دليل على عملية الانفجار العظيم
في سنة 1989 م أرسلت مؤسسة ناسا الأمريكية إلى الفضاء مركبة فضائية لجمع المعلومات حول الإشعاع الحراري الكوني، أطلق عليها اسم مكتشف الخلفية الإشعاعية، وزود بأجهزةٍ فائقة الحساسية أثبتت وجود تلك الأشعة الأثرية المتبقية عن عملية الانفجار العظيم. وكان في هذا الاكتشاف التفسير المنطقي لسبب الأزيز اللاسلكي المنتظم الذي يعج به الكون، والذي يأتي إلينَا من مختلفِ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

أطراف الكون المدركة، والذي بقي على هيئة صدى لعملية الانفجار الكبير، وقد قَامت هذه المركبةُ الفضائية بإرسال ملايين الصور إلى الأرض عن بقايا الدخان للأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم من على مسافة تقدر بعشرة مليارات من السنين الضوئية.
وقد منح كل من "بنزياس" و"ويسلون" جائزة نوبل سنة 1978 م على اكتشافهما الذي كان فيه الدليل المادي الملموس لدعم نظرية الانفجار الكبير والارتقاء بها إلى مقام الحقيقة شبه المؤكدة، ودفع بالغالبية الساحقة من علماء الفلك، والفيزياء الفلكية إلى الاعتقاد بصحتها، وسبحان الخالق الذي أنزل في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا}. وبدء خلق الكون بعملية انفجار كبرى هو من دلائل طلاقة القدرة الإلهية؛ لأنه من المعروف أن الانفجار بطبيعتِهِ يؤدي إلى تناثر المادة وبعثرتها، ولا يخلف وراءه إلا الدمار.
أما هذا الانفجار الكوني الفتق بعد الرتق، فقد أدى إلى إبداع نظامي كوني له تصميم دقيق محكم الأبعاد والعلاقات، والتفاعلات، منضبط الكتل، والأحجام والمسافات، منتظم الحركة والجري، والتداخلات، مبني على الوتيرةِ نفسِهَا من أدق دقائقه إلى أكبر وحداته على الرغم من تعاظم أبعاده، وكثرة أجرامه وتعقيد علاقاته، وانفجارٌ هذه نتائجه لا يمكن أن يكون قد تمَّ بغير تدبير حكيم وتقدير مسبق عظيم، لا يقدر عليه إلا رب العالمين. وقد أشار العالم البريطاني المعاصر "ستيفن هوكونج" إلى شيءٍ من ذلك في كتابه المعنون (تاريخ موجز للزمن) الذي نشره في كندا سنة 1988م، ولكن إشاراته جاءت على استحياءٍ شديد؛ نظرًا لجَوِّ الإلحاد الذي يسود الغرب بصفة عامة في زمن العلم والتقنية الذي نعيشه،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

والكتاب مملوء بالاستنتاجات المؤكدة لحقيقة الخلق، وعظيمة الخالق، وإن جاءت كلها مغلفة بسحابةٍ من الاستحياء، والتردد الشديدين.

‌‌القرآن الكريم وخلق السموات والأرض
في ظل سيادة الاعتقاد الخاطئ بأن الكون الذي نحيا فيه كان منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد، وأنه كون لا نهائي لا تحده حدود، وأنه كونٌ ساكن ثابت في مكانِه لا يتغير، وأن النجوم مثبتةٌ في السماء التي تدور بنجومِهَا كقطعة واحدة حول الأرض، وأن الكون شاملٌ للعناصر الأربعة التراب، والماء، والهواء والنار، وحول هذه الكُرَات الأربع تدور السماء بنجومها، وغير ذلك من الخرافات والأساطير.
في هذا الوقت جاء القرآن الكريم مؤكدا أن الكون مخلوق له بداية، ولابد أن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، وأنه محدود بحدود لا يتجاوزها، وإن كنا لا نستطيع أن ندركها. ومؤكِّدًا أن جميع أجرام السماء في حركة دائبة وجري مستمر إلى أجل مسمى وأن السماء ذاتها في توسع دائب إلى أجل مسمى، وأن السموات والأرض كانتا في الأصل جرمًا واحدًا، ففتقهما الله؛ فتحولت مادة هذا الجرم الأولي إلى الدخان الذي خلقت منه الأرض والسماء، وأن هذا الكون سوف يطوى ليعود كهيئتِهِ الأولى جرمًا واحدًا مفردًا، يتفتق مرة أخرى إلى سحابة من الدخان، تخلق منها أرض غير أرضنا الحالية، وسموات غير السموات التي تظلنا في حياتنا الدنيا.
وهنا تتوقف رحلة الحياة الأولى وتبدأ رحلة الآخرة. وفيها الحياة أبدية خالدة خلودًا بلا موت قال سبحانه: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} وقال

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (فصلت: 11) وقال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنبياء: 104) وقال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسموات وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} (إبراهيم: 48).
هذه الآيات القرآنية الكريمة تشير إلى عدد من حقائق الكون الكبرى والتي منها ابتداء خلق الكون من جرم أولي واحد مرحلة الرتق الأول فتق هذا الجرم الأولي، أي انفجاره مرحلة الفتق الأول تحول المادة في الجرم الأول عند فتقه إلى دخان مرحلة الدخان، خلق كل من الأرض والسموات من الدخان الكوني مرحلة الإتيان بكل من الأرض والسماء، توسع الكون منذ اللحظة الأولى لخلقه وإلى أن يشاء الله، حتمية عودة الكون بكل ما فيه وما فيه إلى جرم ابتدائي واحد مشابه تماما للجرم الأولي الذي ابتدئ منه الخلق مرحلة الرتق الثاني أو طي السماء أو الانسحاق الشديد للكون، حتمية فتق هذا الجرم الثاني أي انفجاره مرحلة الفتق للرتق الثاني حتمية تحول الرتق الثاني بعد فتقه إلى سحابة من الدخان الكوني، إعادة خلق أرض غير أرضنا الحالية وسموات غير السموات التي تظللنا اليوم وبداية رحلة الآخرة وهي دار الخلود.
{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} والرتق في اللغة عكس الفتق لأن الرتق هو الضم والالتحام والالتئام سواء كان ذلك طبيعيا أو صناعيا، والفتق لغة هو الفصل والشق والانشطار، والقرآن الكريم هنا يعطي الصورة الكاملة الجامعة لهذا الحدوث الكوني العظيم ويترك التفاصيل لجهود العلماء والمفكرين الذين يفكرون في خلق السموات والأرض. هذا السبق القرآني بحقيقة الفتق بعد الرتق يجعلنا نرتقي بنظرية الانفجار الكوني العظيم إلى مقام الحقيقة ونكون هنا قد انتصرنا بالقرآن الكريم للعلم المكتسب، وليس

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

العكس، والسبب في لجوءنا إلى تلك النظرية لحسن فهم دلالة الآية القرآنية رقم 30 من سورة الأنبياء هو أن العلوم المكتسبة لا يمكن لها أن تتجاوز مرحلة التنظير في القضايا التي لا تخضع لحس الإنسان المباشر.
هذا السبق القرآني بالإشارة إلى حقيقة الفتق بعد الرتق أو ما يعبر عنه بالانفجار الكوني العظيم، وإلى حقيقة توسيع السماء أو تمدد الكون وإلى حقيقة الخلق من الدخان وإلى حقيقة الرتق بعد الفتق وإلى حقيقة إعادة خلق أرض غير الأرض وسموات غير السموات الحالية، وإلى العديد غيرها من الحقائق التي صاحبت خلق السموات والأرض هذه الآية الكونية {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا} (الأنبياء: 30) تشهد بإعجاز القرآن وأنه من عند الله سبحانه، أفلا يعقلون، أفلا يفكرون، أفلا يتدبرون.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

‌‌الدرس: 9 شرح قوله تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان … }.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع
(شرح قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ … })

‌‌المفسرون وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ … }
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
سنشرح قول الله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} (فصلت: 11).
سنبدأ أولًا بمعرفة أقوال المفسرين في هذه الآية، يقول الألوسي: قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}؛ أي: قصد إليها وتوجه دون إرادة تأثيرها في غيرها؛؛ أي: ثم استوى إلى خلق السماء.
قوله: {وَهِيَ دُخَانٌ} يقول الألوسي: وأيًّا ما كان فليس الدخان كائنًا من النار التي هي إحدى العناصر؛ لأنها من توابع الأرض ولم تكن موجودة إذ ذاك.
قوله: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا}؛ أي: بما خلقت فيكما من المنافع، فليس المعنى على إتيان ذاتهما وإيجادهما، بل إتيان ما فيهما مما ذكر بمعنى إظهاره، وخص الاستواء بالسماء مع أن الخطاب المترتب عليه متوجه إليهما معًا، اكتفاءً بذكر تقدير الأرض، وتقدير ما فيها.
قوله: {طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} تمثيلًا لتحتم تأثير قدرته تعالى فيهما، واستحالة امتناعهما من ذلك لا إثبات الطوع والكره لهما، وهما مصدران وقعا موقع الحال؛ أي: طائعتين أو كارهتين.
وقوله تعالى: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}؛ أي: منقادين تمثيلًا لكلام تأثرهما عن القدرة الربانية، وحصولهما كما أمرا به وتصويرًا لكون وجودهما كما هما عليه، جاريًا على مقتضى الحكمة البالغة، فإن الطوع منبئ عن ذلك والكره موهم لخلافه، وقيل: طائعين وقيل: طائعين بجمع المذكر السالم مع اختصاصه بالعقلاء باعتبار كونهما في معرض الخطاب والجواب، ولا وجه للتأنيث عند إخبارهم عن أنفسهم لكون التأنيث بحسب اللفظ فقط. انتهى كلام الألوسي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

بعد ذلك نأتي إلى قول مفسر آخر من (ظلال القرآن) يقول سيد قطب: الاستواء هنا القصد، والقصد من جانب الله تعالى هو توجه الإرادة، وثم قد لا تكون للترتيب الزمني، ولكن للارتقاء المعنوي، والسماء في الحس أرفع وأرقى.
قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} إن هناك اعتقادًا قبل خلق النجوم، كان هناك ما يسمى السديم، وهذا السديم غاز وغاز دخان، والسدم ليس الذي بها من غاز وغبار إلا ما تبقى من خلق النجوم.
إن نظرية الخلق تقول: إن المجرة كانت من غاز وغبار، ومن هاذين تكونت بالتكثف النجوم، وبقيت لها بقية، ومن هذه البقية كان السدم ولا يزال من هذه البقية منتشرًا في هذه المجرة الواسعة مقدار من غاز وغبار يساوي ما تكونت منه النجوم.
ولا تزال النجوم تجر منه بالجاذبية إليه، فهي تكنس السماء منه كنسًا، ولكن الكناسين برغم أعمالهم الهائلة قليلون بالنسبة لما يراد كنسه من مساحات أكبر وأشد هونًا، وهذا الكلام قد يكون صحيحًا؛ لأنه أقرب ما يكون إلى مدلول الحقيقة القرآنية {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} وإلى أنَّ خلق السماوات تم في زمن طويل في يومين من أيام الله، ثم نقف أمام الحقيقة الهائلة، وهي قول الله تعالى: {فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}.
إنها إيماءة عجيبة إلى انقياد هذا الكون للناموس، وإلى اتصال حقيقة هذا الكون بخالقه اتصال الطاعة والاستسلام لكلمته ومشيئته، فليس هناك إذن إلا هذا الإنسان، الذي يخضع للناموس كرهًا في أغلب الأحيان، إنه خاضع حتمًا لهذا الناموس لا يملك أن يخرج عنه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

وهو ترس صغير جدًّا في عجلة الكون الهائلة، والقوانين الكلية تسري عليه رضي أم كره، ولكنه هو وحده الذي لا ينقاد طائعًا طاعة الأرض والسماء، إنما يحاول أن ينفلت وينحرف عن المجرى الهين اللين؛ فيصطدم بالناموس التي لا بد أن تغلبه وقد تحطمه وتسحقه، فيستسلم خاضعًا غير طائع إلا عباد الله الذين تصطلح قلوبهم، وكيانهم وحركاتهم وتصوراتهم وإراداتهم ورغباتهم واتجاهاتهم تصطلح كلها مع النواميس الكلية؛ فتأتي طائعة وتسير هينة لينة مع عجلة الكون الهائلة، متجهة إلى ربها مع الموكب، متصلة بما فيه من قوى، وحينئذ تصنع الأعاجيب وتأتي بالخوارق؛ لأنها مصطلِحة مع الناموس مستمدة من قوته الهائلة، وهي منه وهو مشتمل عليها في الطريق إلى الله طائعين.
إننا نخضع كرهًا فليتنا نخضع طوعًا، ليتنا نلبي تلبية الأرض والسماء في رضا في فرح باللقاء مع روح الوجود الخاضعة المطيعة الملبية المستسلمة لله رب العالمين.
إنها تأتي أحيانًا حركات مضحكة، عجلة القدر تدور بطريقتها وبسرعتها، ولوجهتها وتدير الكون كله معها وفق سنن ثابتة، ونأتي نحن فنريد أن نسرع أو أن نبطئ نحن من بين هذا الموكب الضخم الهائل، نحن بما يطرأ على نفوسنا حين تنفك عن العجلة، وتنحرف عن خط السير من قلق واستعجال وأنانية وطمع ورغبة ورهبة، ونظل نشرد هنا وهناك، والكوكب ماض ونحتك بهذا الترس وذاك ونتألم، ونصطدم هنا وهناك ونتحطم، والعجلة ماضية في سرعتها وبطريقتها إلى وجهتها، وتذهب قواتنا وجهودنا كلها سدى، فأما حين تؤمن قلوبنا حقًّا وتستلم لله حقًّا، وتتصل بروح الوجود حقًّا، فإننا حينئذ نعرف دورنا على حقيقته، وننسق بين خطانا وخطوات القدر، ونتحرك في اللحظة المناسبة بالسرعة المناسبة في المدى المناسب تتحرك أو نتحرك بقوة الوجود كله مستمدة من خالق الوجود، ونصنع أعمالًا عظيمة فعلًا دون أن يدركنا الغرور؛ لأننا نعرف

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

مصدر القوة التي صنعنا بها هذه الأعمال العظيمة، ونوقن أنها ليست قوتنا الذاتية؛ إنما هي كانت هكذا؛ لأنها متصلة بالقوة العظمى ويا للرضا ويا للسعادة ويا للراحة ويا للطمأنينة التي تغمر قلوبنا يومئذٍ في رحلتنا القصيرة على هذا الكوكب الطائع الملبي السائر معنا في رحلته الكبرى إلى ربه في نهاية المطاف.
ويا للسلام الذي يفيض في أرواحنا ونحن نعيش في كون صديق كله مستسلم لربه، ونحن معه مستسلمون لا تَشِذُّ خطانا عن خطاه، ولا يعادينا ولا نعاديه؛ ولأننا معه في الاتجاه وصدق الله العظيم حينما قال: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}. انتهى الكلام من (ظلال القرآن) للسيد قطب.
هذا ما قاله بعض المفسرين عن هذه الآية، نأتي بعد ذلك ماذا قال أصحاب التفسير العلمي الحديث في هذه الآية عن دخانية السماء عن الفيزياء الفلكية والدخانية في الكون، عن تصوير الدخان الكوني عن انتشار مختلف صور الطاقة بالكون، عن وحدة القوى بالكون؛ هذا ما سنبينه في هذا الدرس إن شاء الله.
في الثلث الأول من القرن العشرين لاحظ الفلكيون عملية توسيع الكون، التي دار من حولها جدل طويل حتى سلم العلماء بحقيقتها، وقد سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى تلك الحقيقة من قبل ألف وأربعمائة سنة بقول الحق سبحانه: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47)، وكانت هذه الآية الكريمة قد نزلت والعالم كله ينادي بثبات الكون وعدم تغيره.
وظل هذا الاعتقاد سائدًا حتى منتصف القرن العشرين حين أثبتت الأرصاد الفلكية حقيقة توسع الكون، وتباعد مجراته عنا، وعن بعضها البعض بمعدلات تقترب أحيانًا من سرعة الضوء المقدرة بنحو ثلاث مائة ألف كيلو متر في الثانية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

وقد أيدت كل من المعادلات الرياضية، وقوانين الفيزياء النظرية استنتاجات الفلكيين في ذلك، وانطلاقًا من هذه الملاحظة الصحيحة نادى كل من علماء الفلك والفيزياء الفلكية والنظرية بأننا إذا عدنا بهذا الاتساع الكوني إلى الوراء مع الزمن فلا بد أن تلتقي كل صور المادة والطاقة الموجودة في الكون المدرك منها وغير المدرك، وتتكدس على بعضها البعض في جرم ابتدائي واحد يتناهى في الصغر إلى ما يقرب الصفر أو العدم، وتنكمش في هذه النقطة أبعاد كل من المكان والزمان، حتى تتلاشى مرحلة الرتق.
وهذا الجرم الابتدائي كان في حالة من الكثافة والحرارة، تتوقف عندهما كل القوانين الفيزيائية المعروفة، ومن ثم فإن العقل البشري لا يكاد يتصورهما، فانفجر هذا الجرم الأولي بأمر من الله تعالى في ظاهرة يسميها العلماء عملية الانفجار الكوني العظيم، ويسميها القرآن الكريم باسم الفتق، فقد سبق القرآن الكريم كل المعارف الإنسانية بالإشارة إلى ذلك الحدث الكوني العظيم من قبل ألف وأربعمائة من السنين، بقول الحق تبارك وتعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} (الأنبياء: 30).
وتشير دراسات الفيزياء النظرية في أواخر القرن العشرين إلى أن جرمًا بمواصفات الجرم الابتدائي للكون عندما ينفجر لا بد وأن يتحول إلى سحابة من الدخان، الذي تخلقت منه الأرض وكل أجرام السماء.
وقد سبق القرآن الكريم بألف وأربعمائة سنة كل المعارف الإنسانية، بإشارته لمرحلة الدخان في قول الحق تبارك وتعالى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (فصلت: 9 - 12).
وفي 8 نوفمبر سنة 1989 ميلادية أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية مركبة فضائية باسم مكتشف الخلفية الإشعاعية للكون، وذلك في مدار على ارتفاع ستمائة كيلو متر حول الأرض بعيدًا عن تأثير كل من السحب والملوثات في النطق الدنيا من الغلاف الغازي للأرض، وقد قامت هذه المركبة الفضائية بإرسال ملايين الصور والمعلومات إلى الأرض عن آثار الدخان الأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم للكون من على بعد عشرة مليارات من السنين الضوئية، وهي حالة دخانية معتمة سادت الكون قبل خلق الأرض والسماوات، فسبحان الذي أنزل من قبل ألف أربعمائة سنة قوله الحق: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}.

‌‌دخانية السماء بعد الانفجار الكوني العظيم
أي: بعد فتق الرتق بعد التسليم بحقيقة توسع الكون وبرد ذلك التوسع إلى الوراء مع الزمن، حتى الوصول إلى جرم ابتدائي واحد متناهٍ في الضآلة حجمًا إلى الصفر، أو ما يقرب من العدم، ومتناه في الكثافة والحرارة إلى حد لا يكاد العقل الإنساني أن يتخيله؛ لتوقف كل قوانين الفيزياء المعروفة عند مرحلة الرتق، وبعد التسليم بانفجار هذا الجرم الابتدائي مرحلة الفتق في ظاهرة كونية يسميها العلماء الانفجار الكوني الكبير بدأ كل من علماء الفلك والفيزياء الفلكية والنظرية في تحليل مسار الأحوال الكونية بعد هذا الحدث الكوني الرهيب، ومع إيماننا بأن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

تلك الأحداث الموهلة في تاريخ الكون تقع في صميم الغيب الذي أخبر ربنا تبارك وتعالى عنه بقوله عز وجل: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} (الكهف: 51) إلا أن السنن التي فطر الله تعالى الكون عليها، لها من الاقتراب والاستمرار، والثبات ما يمكن أن يعين الإنسان على الوصول إلى شيء من التصور الصحيح لتلك الأحداث الغيبية الموهلة في أبعاد التاريخ الكوني، على الرغم من حس الإنسان المحدود، وقدرات عقله المحدودة، ومحدودية كل من زمانه ومكانه.
كذلك فإن التقنيات المتطورة من مثل الصواريخ العابرة لمسافات كبيرة في السماء والأقمار الصناعية التي تطلقها تلك الصواريخ والأجهزة القياسية والتسجيلية الدقيقة، التي تحملها قد ساعدت على الوصول إلى تصوير الدخان الكوني الأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم، والتي وجدت بقايا أثرية له على أطراف الجزء المدرك من الكون، وعلى أبعاد تصل إلى عشرة مليارات من السنين الضوئية لتثبت دقة التعبير القرآني بلفظة دخان، التي وصف بها حالة الكون قبل خلق السماوات والأرض.

‌‌الفيزياء الفلكية ودخانية الكون
بعد الانفجار العظيم تحول الكون إلى غلالة من الدخان الذي خلقت منه الأرض والسماوات، وتشير الحسابات الفيزيائية إلى أن حجم الكون قبل الانفجار العظيم كاد يقترب من الصفر، وكان في حالة غريبة من تكدس كل من المادة والطاقة، وتلاشى كل من المكان والزمان تتوقف عندها كل قوانين الفيزياء المعروفة مرحلة الرتق، ثم انفجر هذا الجرم الابتدائي الأول في ظاهرة كبرى تعرف بظاهرة الانفجار الكوني العظيم، التي هي مرحلة الفتق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

وبانفجاره تحول إلى كرة من الإشعاع، والجسيمات الأولية أخذت في التمدد والتبرد بسرعات فائقة، حتى تحولت إلى غلالة من الدخان، فبعد ثانية واحدة من واقعة الانفجار العظيم تقدِّر الحسابات الفيزيائية انخفاض درجة حرارة الكون من تريليونات الدرجة المطلقة إلى عشرة بلايين من الدرجات المطلقة وعندها تحول الكون إلى غلالة من الدخان المكون من الفوتونات، والإلكترونات والنيترينوات، وأضداد هذه الجسيمات في زوجية واضحة مع قليل من البروتونات والنيترونات.
ولولا استمرار الكون في التوسع والتبرد بمعدلات منضبطة بدقة فائقة، لأفنت الجسيمات الأولية للمادة وأضدادها بعضها بعضًا وانتهى الكون، ولكنه حفظ بحفظ الله الذي أتقن كل شيء خلقه، والنيترونات يمكن أن توجد في الكون على هيئة ما يسمى باسم المادة الداكنة.
وقد نادى ألنجوس في سنة 1981م بأن التمدد عند بدء الانفجار العظيم كان بمعدلات فائقة التصور، أدت إلى زيادة قطر الكون بمعدل عشر مرة في الجزء من الثانية، وتشير حسابات الفيزياء النظرية إلى معدلات أعلى من ذلك، وإلى الاستمرار في انخفاض درجة حرارة الكون إلى بليون؛ يعني ألف مليون درجة مطلقة بعد ذلك بقليل، وعند تلك الدرجة ابتعدت البروتونات والنيترونات؛ لتكوين نوى ذرات الأيدروجين الثقيل أو الديتريون التي تحللت إلى الإدروجين أو اتحدت مع مزيج من البروتونات، والنيترونات؛ لتكون نوى ذرات الهيليوم، والقليل من نوى ذرات عناصر أعلى، مثل نوى ذرات الليثيوم، ونوى ذرات البرليوم، ولكن بقيت النسبة الغالبة لنوى ذرات غازى الإدروجين والهليوم.
وتشير الحسابات النظرية إلى أنه بعد ذلك بقليل توقف إنتاج كل من الهليوم، والعناصر التالية له، واستمر الكون في الاتساع والتمدد والتبرد لفترة زمنية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

طويلة، ومع التبرد انخفضت درجة حرارة الكون إلى آلاف قليلة من الدرجات المطلقة، حين بدأت ذرات العناصر في التكون والتجمع، وبدأ الدخان الكوني في التكدس على هيئة أعداد من السدم الكونية الهائلة، ومع استمرار عملية الاتساع والتبرد في الكون، بدأت أجزاء من تلك السدم في التكثف على ذاتها بفعل الجاذبية، وبالدوران حول نفسها بسرعات متزايدة بالتدريج، حتى تخلقت بداخلها كتل من الغازات المتكثفة، ومع استمرار دوران تلك الكتل الكثيفة في داخل السدم، بدأت كميات من غازي الإدروجين والهليوم الموجودة بداخلها في التكدس على ذاتها بمعدلات أكبر، مما أدى إلى مزيد من الارتفاع في درجات حرارتها، حتى وصلت إلى الدرجات اللازمة؛ لبدء عملية الاندماج النووي، فتكونت النجوم المنتجة للضوء والحرارة.
وفي النجوم الكبيرة الكتلة استمرت عملية الاندماج النووي؛ لتخليق العناصر الأعلى في وزنها الذري بالتدرج مثل الكربون والأكسجين، وما يليهما حتى يتحول لب النجم بالكامل إلى الحديد، فينفجر هذا النجم المستعر على هيئة المستعر الأعظم، وتتناثر أشلاء المستعرات العظمى وما بها من عناصر ثقيلة في داخل المجرة؛ لتتكون منها الكواكب والكويكبات بينما يبقى منها في غازات المجرة ما يمكن أن يدخل في بناء نجم آخر بإذن الله.
وتحتوي شمسنا اليوم على نحو 2 % من كتلتها للعناصر الأثقل في أوزانها الذرية، من غازي الإدروجين والهليوم، وهما المكونان الأساسيان لها، وهذه العناصر الثقيلة لم تتكون كلها بالقط في داخل الشمس، بل جاءت إليها من بقايا انفجار بعض من المستعرات العظمى.
وعلى الرغم من تكدس كل من المادة والطاقة في أجرام السماء، مثل النجوم وتوابعها، فإن الكون المدرك يبدو لنا متجانسًا على نطاق واسع في كل الاتجاهات، وتحده خلفية إشعاعية متساوية حيثما نظر الراصد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)