Arabic source text

📘 আল-ইজাযুল ইলমী ফিল কুরআনিল কারীম - জামিয়াতুল মদীনা (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

📘 الإعجاز العلمي في القرآن الكريم - جامعة المدينة (جامعة المدينة العالمية)

📘 আল-ইজাযুল ইলমী ফিল কুরআনিল কারীম - জামিয়াতুল মদীনা (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
سادسا: أننا معشر المسلمين قصرنا كثيرا في التبليغ عن الله، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وقد كلفنا بذلك ونحن نجني ثمار ذلك التقصير كله اليوم حروبا طاحنة على كل أرض إسلامية من فلسطين إلى البلقان، ومنها إلى أرض الشيشان، وكشمير وأفغانستان، وأراكان، وجنوب الفلبين، والسودان، والصومال وغيرها.
ونجني أيضًا حصارا لأكثر من دولة مسلمة، ومصادرة لبلايين الدولارات من أموال المسلمين، واحتلالا عسكريا لكل من أرض فلسطين والعراق وأفغانستان وسبتة ومليلية وجزيرة ليا من الأراضي المغربية، والعديد من الجزر الأسيوية وجزر بحر إيجة التركية، وتضييقا على الملايين من الأقليات الإسلامية ومطاردة المسلمين في كل مكان من أماكن العالم، وإحكام التآمر عليهم وليست جرائم الغربيين البشعة في سجون جوانتانامو وأبو غريب وغيرها من سجون عراقية وأفغانية عديدة إلا صورة مصغرة لما يخفيه الغرب الكافر أو المشرك للمسلمين من مصير.
سابعا: إن في إثارة قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين استنهاض لعقول المسلمين واستثارة للتفكير الإبداعي فيها، وتشجيع على استعادة الاهتمام بقضية العلوم والتقنية التي تخلفت فيها الأمة مؤخرا تخلفا كبيرا، في الوقت الذي تقدمت فيها دول الكفر والشرك والضلال تقدما مذهلا، حتى أصبح كم المعارف المتاحة يتضاعف كل خمس سنوات تقريبا وتقنياتها تجدد مرة كل ثلاث سنوات تقريبا؛ وبذلك أخذت الهوة الفاصلة بيننا وبينهم في مجال العلوم والتقنية تزداد اتساعا وعمقا يوما بعد يوم، وأصبحت مخاطر ذلك علينا تتضاعف مع تزايد تلك الهوة عمقا واتساعا، وعلى المسلمين مسارعة العمل على جبر هذه الهوة بأسرع وقت ممكن، وإحدى وسائلنا في ذلك الاهتمام بقضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)

‌‌الدرس: 7 الفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)

بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس السابع
(الفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي)

‌‌بيان الفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
نبدأ ببيان الفرق بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي:
يحتوي القرآن الكريم على أكثر من ألف آية صريحة تتحدث عن الكون ومكوناته وظواهره، بالإضافة إلى آيات أخرى كثيرة، تقترب دلالاتها من الصراحة، وهذه الآيات لم ترد من قبيل الإخبار العلمي المباشر للإنسان؛ وذلك لأن الكشف العلمي قد ترك لاجتهاد الإنسان، وتحصيله عبر فترات زمنية طويلة نظرا لمحدودية القدرات الإنسانية، وللطبيعة التراكمية للمعارف الكونية.
ويؤكد ذلك أن تلك الآيات الكونية قد جاءت في مقامِ الاستدلال على طلاقة القدرة الإلهية في إبداع الخلق، وعلى وحدانية الخالق العظيم، وعلى أن هذا الخالق المبدع سبحانه قادر على إفناءِ خلقه، وعلى إعادةِ هذا الخلق من جديد، وهذه الآيات تحتاج إلى تفسير، كما يحتاج غيرها من آيات هذا الذكر الحكيم، وهي بحكم طبيعتها لا يمكن أن تُفْهم فهمًا دقيقًا في إطار اللغة وحدها على أهمية ذلك؛ ومن هنا كان لزامًا علينا أن نوظف المعارف الكونية النافعة، والمتاحة في تفسير تلك الآيات الكونية الواردة في كتاب الله، ولما كانت المعارف الكونية في تطورٍ مستمرٍ؛ وجب على أمة الإسلام أن ينهض منها في كل جيل نفر من علماء المسلمين الذين يتزودون بالأدوات اللازمة للتعرض لتفسير كتاب الله من مثل الإلمام التام باللغة العربية، وعلومها المختلفة، وبأصول الدين، وبأسباب النزول، وبالناسخ والمنسوخ، وبالمأثور من التفسير، وبجهود السابقين من كبار المفسرين وبالقدر اللازم من العلوم المتاحة عن الكون ومكوناته، وغير ذلك مما يحتاجه كل من يتشرف بالقيام بمثل هذه المهمة العظيمة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)

وفي التفسير العلمي للآيات الكونية نوظف كل المعارف المتاحة من الحقائق والثوابت العلمية، ولكن بما أن العلم لم يصل إلى الحقيقة في كل أمر من الأمور، ولا يزال أمامه من الغيوب أكثر الكثير؛ فلا أرى -هكذا يقول الدكتور زغلول- حرجًا في مجال التفسير العلمي للقرآن الكريم من توظيف النظريات، والفروض المنطقية السائدة، والمشاهدات المتكررة؛ وذلك لأن التفسير يبقى جهدًا بشريًّا، لحسن فهم دلالة الآية القرآنية لمن أصاب فيه أجران، ولمن أخطأ أجر واحد، والخطأ في التفسير لا يمكن أن ينسحب على جلال القرآن الكريم. أما الإعجاز العلمي للقرآن: فلا يجوز أن يوظف فيه إلا القطعي من الثوابت العلمية؛ وذلك لأن المقصود بالإعجاز العلمي هو إثبات أن القرآن الكريم الذي أوحي به إلى نبي أمي صلى الله عليه وسلم في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين من قبل أربعة عشر قرنًا يحوي من حقائق هذا الكون ما لم يتمكن الإنسان من الوصول إليه إلا منذ عقود قليلة، وبعد مجاهدات طويلة وهذا لا يمكن لعاقل أن يتصور له مصدرًا إلا بوحي من الله الخالق البارئ المصور؛ وعلى ذلك فلا يجوز توظيف غير الحقائق القطعية الثابتة في مجال الإعجاز العلمي للقرآن الكريم؛ باستثناء آيات الخلق، والإفناء، والبعث بأبعادها الثلاثة، خلق الكون، خلق الحياة، خلق الإنسان وإفناء ذلك كله ثم بعثه، وذلك لأن هذه القضايا لا يمكن أن تخضع مباشرة لإدراك الإنسان.
ومن ثم فإن العلوم المكتسبة لا يمكن أن تتجاوز فيها مرحلة التنظير، وتتعدد النظريات في مجال الخلق بتعدد خلفيات واضعيها، ويبقى للمسلم نور من الله في آية قرآنية كريمة، أو في حديث نبوي صحيح منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن أن يعينه على الارتقاء بإحدى هذه النظريات إلى مقام الحقيقة؛ لا لأن العلوم المكتسبة قد وصلت فيها إلى الحقيقة، ولكن لمجرد وجود إشارة لها في كتاب الله، أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهنا أيضًا لا بد من التأكيد على صعوبة التعرض لقضايا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)

الإعجاز العلمي في كتاب الله إلا من قبل المتخصصين كل في حقل تخصصه، فلا يقوى فرد واحد على معالجة كل القضايا الكونية التي تعرض لها القرآن الكريم من خلقِ الكونِ وإفنائه إلى خلق مراحل الجنين الإنساني المتعاقبة، إلى العديد من الظواهر الكونية المتكررة إلى غير ذلك من مختلف الآيات الكونية الواردة في كتاب الله. هذا هو الفرق بين الإعجاز العلمي، والتفسير العلمي للقرآن الكريم.

‌‌قضية توسيع الكون
نأتي إلى موضوع يتعلق بتوسيع الكون؛ وذلك في قول الله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47):
قال المفسرون في معنى هذه الآية: حينما نقرأ في تفسير الفخر الرازي جزء 14 صـ 227 نجد أنه يقول: "وإنا لموسعون يقول: فيه وجوه أحدها أنه من السعة، أي: أوسعناها بحيث صارت الأرض، وما يحيط بها من الماء، والهواء بالنسبة إلى السماء وسعتها كحلقة في فلاة والبناء الواسع الفضاء عجيب؛ فإن القبة الواسعة لا يقدر عليها البناءون لأنهم يحتاجون إلى إقامة آلة يصح بها استدارتها ويثبت بها تماسك أجزائها إلى أن يتصل بعضها ببعض". هكذا قال الفخر الرازي، ثم بعد ذلك يقول الصاوي في حاشيته على الجلالين: "وإنا لموسعون من أوسع متعديًا، والفعل محذوف، أي: لموسعون السماء". (حاشية الصاوي على الجلالين) جزء 4 صـ 127، 128.
يقول صاحب (الظلال): "إن الآية عودة إلى المعرض الكوني الذي افتتحت به السورة في سورة من سوره الكثيرة التي يظهرها ويجليها القرآن للقلوب، واستطراد في الإشارة إلى آيات الله هنا وهناك يصل آية نوح بآية السماء وآية

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)

الأرض وآية الخلائق، ثم يخلص به إلى ذلك الهتاف بالبشر ليفروا إلى الله موحدين متجردين يقول: يقول الله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} الأيد القوة والقوة أوضح ما ينبئ عنه بناء السماء الهائل المتماسك المتناسق بأي مدلول من مدلول كلمة السماء، سواء كانت تعني مدارات النجوم والكواكب أم تعني مجموعة من المجموعات النجمية التي يطلق عليها اسم المجرة، وتحوي مئات الملايين من النجوم أم تعني طبقة من طبقات هذا الفضاء الذي تتناثر فيه النجوم والكواكب، أم غير هذا من مدلولات كلمة السماء والسعة كذلك ظاهرة فهذه النجوم ذات الأحجام الهائلة والتي تعد بالملايين لا تعدو أن تكون ذرات متناثرة في هذا الفضاء الرحيب. ولعل في الإشارة إلى السعة إيحاء آخر إلى مخازن الأرزاق التي قيل من قال: إنها في السماء، ولو أن السماء مجرد رمز إلى ما عند الله ولكن التعبير القرآني يلقي ظلالا معينة يبدو أنها مقصودة في التعبير لخطاب المشاعر البشرية خطابا موحيا". انتهى كلام صاحب (الظلال) في سورة الذاريات جزء 27 صـ 3385 طبعة دار الشروق.
يقول الدكتور زغلول النجار: "هذه الآية تشير إلى أن الكون الذي نحيا فيه يتسع باستمرار، وأننا إذا عدنا بهذا الاتساع إلى الوراء مع الزمن فلابد وأن يتكدس على هيئة جرم واحد". ثم يتحدث الدكتور زغلول النجار عن بدايات تعرف الإنسان على ظاهرة توسع الكون يقول: "إلى مطلع العقد الثاني من القرن العشرين ظل علماء الفلك ينادون بثبات الكون وعدم تغيره في محاولة يائسة لنفي الخلق والتنكر للخالق، حتى ثبت عكس ذلك بتطبيق ظاهرة "دوبلر" على حركة المجرات الخارجة عن مجرتنا، ففي النصف الأول من القرن التاسع عشر كان العالم النمساوي "دوبلر" قد لاحظ أنه عند مرور قطار سريع يطلق صفارته فإن الراصد للقطار يسمع صوتا متصلا ذا طبقة صوتية ثابتة، ولكن هذه الطبقة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)

الصوتية ترتفع كلما اقترب القطار من الراصد وتهبط كلما ابتعد عنه. وفسر "دوبلر" السبب في ذلك بأن صفارة القطار تطلق عددا من الموجات الصوتية المتلاحقة في الهواء، وأن هذه الموجات تتضاغط تضاغطا شديدا كلما اقترب مصدر الصوت من الراصد، فترتفع بذلك طبقة الصوت وعلى النقيض من ذلك فإنه كلما ابتعد مصدر الصوت تمددت تلك الموجات الصوتية حتى تصل إلى سمع الراصد فتنخفض بذلك طبقة الصوت.
ولاحظ "دوبلر" أن تلك الظاهرة تنطبق أيضًا على الموجات الضوئية، فعندما يصل إلى عين الراصد ضوء منبعث من مصدر متحرك بسرعة كافية يحدث تغير في تردد ذلك الضوء، فإذا كان المصدر يتحرك مقتربا من الراصد فإن الموجات الضوئية تتضاغط وينزاح الضوء المدرك نحو التردد العالي، أي نحو الطيف الأزرق وتعرف هذه الظاهرة باسم الزحزحة الزرقاء، وإذا كان المصدر يتحرك مبتعدا عن الراصد فإن الموجات الضوئية تتمدد وينزاح الضوء المدرك نحو التردد المنخفض، أي نحو الطرف الأحمر من الطيف، وتعرف هذه الظاهرة باسم الزحزحة الحمراء، وقد اتضحت أهمية تلك الظاهرة عندما بدأ الفلكيون في استخدام أسلوب التحليل الطيفي للضوء القادم من النجوم الخارجة عن مجرتنا، في دراسة تلك الأجرام السماوية البعيدة جدا عنا.
وفي سنة 1914 أدرك الفلكي الأمريكي "سليفر" أنه بتطبيق ظاهرة "دوبلر" على الضوء القادم إلينا من النجوم في عدد من المجرات البعيدة عنا، ثبت له أن معظم المجرات التي قام برصدها تتباعد عنا وعن بعضها البعض بسرعات كبيرة، وبدأ الفلكيون في مناقشة دلالة ذلك، وهل يمكن أن يشير إلى تمدد الكون المدرك بمعنى تباعد مجراته عنا وعن بعضها البعض بسرعات كبيرة، وبحلول سنة 1925 تمكن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)

هذا الفلكي نفسه "سليفر" من إثبات أن أربعين مجرة قام برصدها تتحرك فعلا في معظمها بسرعات فائقة متباعدة عن مجرتنا سكة التبانة، وعن بعضها البعض. وفي سنة 1929 تمكن "إدوان هيبل" من الوصول إلى الاستنتاج الفلكي الدقيق الذي مؤداه أن سرعة تباعد المجرات عنا تتناسب تناسبا طرديا مع بعدها عنا، والذي عرف من بعد باسم قانون "هيبل"، وبتطبيق هذا القانون تمكن "هيبل" من قياس أبعاد وسرعات تحرك 32 من تلك المجرات الخارجية وسرعة تباعدها عنا، وذلك بمشاركة من عالم كان يعمل معه في مرصد جبل "ويلسون" بولاية كاليفورنيا اسمه "ميلتون هوماسون" وذلك في بحث نشراه معا في سنة 1934 وقد أشار تباعد المجرات عنا وعن بعضها البعض إلى حقيقة توسع الكون المدرك، التي أثارت جدلا واسعا بين علماء الفلك الذين انقسموا فيها بين مؤيد ومعارض، حتى ثبتت ثبوتا قاطعا بالعديد من المعادلات الرياضية والقراءات الفلكية في صفحة السماء.
وفي سنة 1917 أطلق "ألبرت أينشتاين" نظريته عن النسبية العامة لشرح طبيعة الجاذبية، وأشارت النظرية إلى أن الكون الذي نحيا فيه غير ثابت، فهو إما أن يتمدد أو ينكمش وفقا لعدد من القوانين المحددة له، وجاء ذلك على عكس ما كان "أينشتاين" وجميع معاصريه من الفلكيين وعلماء الفيزياء النظرية يعتقدونه انطلاقا من محاولاتهم اليائسة لمعارضة الخلق، وقد أصاب "أينشتاين" الذعر عندما اكتشف أن معادلاته تنبئ رغم أنفه بأن الكون في حالة تمدد مستمر، ولذلك عمد إلى إدخال معامل من عنده أطلق عليه اسم الثابت الكوني ليلغي حقيقة تمدد الكون؛ من أجل الادعاء لثباته واستقراره، برغم دوران الأجرام التي يحتويها، ثم عاد ليعترف بأن تصرفه هذا كان أكبر خطأ علمي اقترفه في حياته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)

وقد قام العالم الهولندي "وليام ديسيتر" بنشر بحث في نفس السنة 1917 م استنتج فيه تمدد الكون انطلاقا من النظرية النسبية ذاتها، ومنذ ذلك التاريخ بدأ الاعتقاد في تمدد الكون يلقى القبول من أعداد كبيرة من العلماء، فقد أجبرت ملاحظات كل من "سليفر" و"ديسيتر" وكل من "هوب" و"هيوماسن" جميع الفلكيين الممارسين وعدد من المشتغلين بالفيزياء النظرية وفي مقدمتهم ألبرت "أينشتاين" نفسه على التسليم بحقيقة توسع الكون، أما مجموعة البحث العلمي بجامعة كومبوردش المكونة من كل من "هرنان جوندي" و"توماس جولد" و"فريد هويل" فقد ظلت إلى مشارف الخمسينيات من القرن العشرين تنادي بثبات الكون، ثم اضطرت اضطرارا إلى الاعتراف بحقيقة توسع الكون المدرك، وسبحان الله الخالق الذي أنزل في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة من السنين قوله الحق: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47) تشير هذه الآية الكريمة إلى عدد من الحقائق الكونية التي لم تكن معروفة لأحد من الخلق وقت تنزل القرآن الكريم، ولا لقرون متطاولة من بعد تنزله، منها:
أولا: أن السماء بناء محكم التشييد دقيق التماسك والترابط وليست فراغا كما كان يعتقد إلى عهد قريب. وقد ثبت علميا أن المسافات بين أجرام السماء مليئة بغلالة رقيقة جدا من الغازات، التي يغلب عليها غاز الأيدروجين وينتشر في هذه الغلالة الغازية بعض الجسيمات المتناهية في الصغر من المواد الصلبة على هيئة هباءات من غبار دقيق الحبيبات، يغلب على تركيبه ذرات من الكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والتيتانيوم والحديد، بالإضافة إلى جزئيات من بخار الماء والأمونيا والفورمالدهيد وغيرها من المركبات الكيميائية، وبالإضافة إلى المادة التي تملأ المسافات بين النجوم، فإن المجالات المغناطيسية تنتشر بين كل أجرام السماء لتربط بينها في بناء محكم التشييد متناسق الأطراف. وهذه حقيقة لم يدركها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)

العلماء إلا في القرن العشرين بل في العقود المتأخرة منه، وعلى الرغم من قلة كثافة المادة في المسافات بين النجوم، والتي تصل إلى ذرة واحدة من الغاز في كل سنتيمتر مكعب تقريبا، وإلى أقل من ذلك بالنسبة للمواد الصلبة كالغبار الكوني، إذا ما قورن بحوالي مليون مليون مليون أي عشر جزيء في كل سنتيمتر مكعب من الهواء عند سطح الأرض، فإن كمية المادة في المسافات بين النجوم تبلغ قدرا مذهلا للغاية، فهي تقدر في مجرتنا سكة التبانة وحدها بعشرة بلايين ضعف ما في شمسنا من مادة، مما يمثل حوالي 5% من مجموع كتلة تلك المجرة.
ثانيًا: إن في الإشارة القرآنية الكريمة {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} (الذاريات: 47) أي بقوة وحكمة واقتدار تلميحا إلى ضخامة الكون المذهلة وإحكام صنعه، وانضباط حركاته ودقة كل أمر من أموره، وثبات سننه وتماسك أجزائه وحفظه من التصدع أو الانهيار، فالسماء لغة هي كل ما علاك فأظلك ومضمونا هي كل ما حول الأرض من أجرام ومادة وطاقة السماء التي لا يدرك العلم الكسبي إلا جزءا يسيرا منها، ويحصي العلماء أن بهذا الجزء المدرك من السماء الدنيا مائتي بليون مجرة على أقل تقدير، بعضها أكبر كثيرا من مجرتنا درب التبانة أو سكة التبانة، وبعضها أصغر قليلا منها، وتتراوح أعداد النجوم في المجرات بين المليون والعشرة ملايين وملايين الملايين. وتمر هذه النجوم في مراحل من النمو مختلفة من الميلاد إلى الطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة ثم الوفاة، ولما كان لأقرب النجوم إلينا وهي شمسنا توابع من الكواكب والكويكبات والأقمار وغيرها فإن القياس يقتضي أن يكون للنجوم الأخرى توابع، قد اكتشف عدد منها بالفعل ويبقى الكثير منها ما لم يتم اكتشافه بعد.
ثالثًا: تشير هذه الآية الكريمة إلى أن الكون الشاسع الاتساع الدقيق البناء المحكم الحركة والمنضبط في كل أمر من أموره، والثابت في سننه وقوانينه قد خلقه الله

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)

تعالى بعلمه وحكمته وقدرته، وهو سبحانه الذي يحفظه من الزوال والانهيار، وهو القادر على كل شيء، والجزء المدرك لنا من هذا الكون شاسع الاتساع بصورة لا يكاد عقل الإنسان إدراكها؛ إذ المسافات فيه تقدر ببلايين السنين الضوئية، وهو مستمر في الاتساع اليوم وإلى ما شاء الله. والتعبير القرآني {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} يشير إلى تلك السعة المذهلة. كما يشير إلى حقيقة توسع هذا الكون باستمرار إلى ما شاء الله، وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، حيث ثبت لعلماء كل من الفيزياء النظرية والفلك أن المجرات تتباعد عنا وعن بعضها البعض بسرعات تتزايد بتزايد بعدها عن مجرتنا، وتقترب أحيانا من سرعة الضوء المقدرة بحوالي ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية، والمجرات من حولنا تتراجع متباعدة عنا، وقد أدرك العلماء تلك الحقيقة من ظاهرة انزياح الموجات الطيفية للضوء الصادر عن نجوم المجرات الخارجة عنا في اتجاه الطيف الأحمر، وقد أمكن قياس سرعة تحرك تلك المجرات في تراجعها عنا من خلال قياس خطوط الطيف لعدد من النجوم في تلك المجرات، وثبت أنها تتراوح ما بين 60 ألف كيلو متر في الثانية و 272 ألف كيلو متر في الثانية. وقد وجد العلماء أن مقدار الحيود في أطياف النجوم إلى الطيف الأحمر يعبر عن سرعة ابتعاد تلك النجوم عنا، وأن هذه السرعة ذاتها يمكن استخدامها مقياسا لأبعاد تلك النجوم عنا.
رابعًا: تشير ظاهرة توسع الكون إلى تخلق كل من المادة والطاقة لتملأ المساحات الناتجة عن هذا التوسع، وذلك لأن كوننا تنتشر المادة فيه بكثافات متفاوتة ولكنها متصلة بغير انقطاع، فلا يوجد فيه مكان بلا زمان كما لا يوجد فيه مكان وزمان بغير مادة وطاقة، ولا يستطيع العلم حتى يومنا هذا أن يحدد مصدر كل من المادة والطاقة اللتين تملآن المساحات الناتجة عن تمدد الكون بتلك السرعات المذهلة، ولا تفسير لها إلا الخلق من العدم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)

خامسًا: أدى إثبات توسع الكون إلى التصور الصحيح بأننا إذا عدنا بهذا التوسع إلى الوراء مع الزمن، فلابد وأن تلتقي كل صور المادة والطاقة كما يلتقي كل من المكان والزمان في نقطة واحدة. وأدى ذلك إلى الاستنتاج الصحيح بأن الكون قد بدأ من هذه النقطة الواحدة بعملية انفجار عظيم، وهو مما يؤكد أن الكون مخلوق له بداية، وكل ما له بداية فلابد وأن ستكون له في يوم من الأيام نهاية، كما يؤكد حقيقة الخلق من العدم لأن عملية تمدد الكون تقتضي خلق كل من المادة والطاقة بطريقة مستمرة من حيث لا يدرك العلماء، وذلك ليملأ في التو والحال المسافات الناشئة عن تباعد المجرات بسرعات مذهلة، وذلك لكي يحتفظ الكون بمستوى متوسط لكثافته التي نراه بها اليوم، وقد أجبرت هذه الملاحظات علماء الغرب على هجر معتقداتهم الخاطئة عن ثبات الكون، والتي دافعوا عنها طويلا انطلاقا من ظنهم الباطل بأزلية الكون وأبديته لكي يبالغوا في كفرهم بالخلق وجحودهم للخالق.
هذه الاستنتاجات الكلية المهمة عن أصل الكون وكيفية خلقه وإبداع صنعه وحتمية نهايته؛ أمكن الوصول إليها من ملاحظة توسع الكون، وهي حقيقة من أهم حقائق علم الفلك لم يتمكن الإنسان من إدراكها إلا في الثلث الأول من القرن العشرين، ودار حولها الجدل حتى سلم بها أهل العلم أخيرا، وقد سبق القرآن الكريم بإقرارها قبل أربعة عشر قرنا أو يزيد، ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرا لتلك الإشارة القرآنية الباهرة غير الله الخالق سبحانه، فسبحان خالق الكون الذي أبدعه بعلمه وحكمته وقدرته، والذي أنزل لنا في خاتم كتبه وعلى خاتم أنبيائه ورسله عددا من حقائق الكون الثابتة، ومنها تمدد الكون وتوسعه فقال سبحانه: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47) لتبقى هذه الومضة القرآنية الباهرة مع غيرها من الآيات القرآنية شهادة صدق بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وأن سيدنا ونبينا محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتم أنبياء الله ورسله

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)

وأنه صلى الله عليه وسلم كان موصولا بالوحي ومعلما من قِبل خالق السموات والأرض، وأن القرآن الكريم هو معجزته الخالدة إلى قيام الساعة.
وإذا كان صدق القرآن الكريم جليا في إشاراته إلى بعض أشياء الكون وظواهره؛ فلابد وأن يكون صدقه في رسالته الأساسية؛ وهي الدين بركائزه الأربع: العقيدة العبادة الأخلاق المعاملات جليا كذلك، وهنا يتضح جانب من أهم جوانب الإعجاز في كتاب الله وما أكثر جوانبه المعجزة، ألا وهو الإعجاز العلمي، وهو خطاب العصر ومنطقه وما أحوج الأمة الإسلامية بل ما أحوج الإنسانية كلها إلى هذا الخطاب في زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه، وزمن العولمة الذي تحاول فيه القوى الكبرى على ضلالها فرض قيمها الدينية والأخلاقية والاجتماعية المنهارة على دول العالم الثالث، وفي زمرتها الدول الإسلامية بحكم غلبتها العلمية والتقنية وهيمنتها الاقتصادية والعسكرية، وقد عانت الدول الغربية ذاتها ولا تزال من الإغراق المادي الذي دمر مجتمعاتها، وأدى إلى تحللها الأسري والاجتماعي والأخلاقي والسلوكي والديني، وإلى ارتفاع معدلات كل من الجريمة والإدمان والانتحار، وإلى الحيود عن كل قوانين الفطرة السوية التي فطر الله سبحانه خلقه عليها، وإلى العديد من المشاكل والأزمات النفسية، والمظالم الاجتماعية والسياسية على المستويين المحلي والدولي لا يتسع المقام لسردها.
وما أحوج علماء المسلمين إلى إدراك قيمة الآيات الكونية في كتاب الله، فيقبلوا عليها بالتحقيق العلمي المنهجي الدقيق بعد فهم عميق لدلالة اللغة وضوابطها وقواعدها، ولأساليب التعبير فيها وفهم لأسباب النزول ومعرفة بالمأثور من تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم وجهود السابقين من المفسرين، ثم تقديم ذلك الإعجاز العلمي إلى الناس كافة مسلمين وغير مسلمين، مما يعد دليلا ماديا ملموسا على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق، وعلى أن سيدنا ونبينا محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتم أنبيائه ورسله في غير تكلف ولا اعتساف؛ لأن القرآن الكريم غني عن ذلك وهو

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

أعز علينا وأكرم من أن نتكلف له. وهذا المنهج في الاهتمام بالآيات الكونية في كتاب الله وشرح الإشارات العلمية فيها من قبل المتخصصين كل في حقل تخصصه، هو من أكثر وسائل الدعوة إلى دين الله قبولا في زمن العلم والتقنية الذي نعيشه". إذن الآية قررت بوضوح اتساع الكون وهذا ما كان ينكره الباحثون الغربيون، إلا أنهم أمام الحقائق العلمية التي تم اكتشافها منهم أقروا بأن الكون متمدد ومتسع، وهذا ما نطق به القرآن الكريم: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47) وهذا يدل دلالة صادقة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق في كل ما قاله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3، 4).
وهذا الذي أقر به علماء الغرب يشهد للقرآن بأنه لا يمكن إلا أن يكون كلام الله الخالق، كما يشهد لخاتم الأنبياء والمرسلين -صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين- بأنه كان موصولا بالوحي ومعلما من قبل خالق السموات والأرض، حيث إنه لم يكن لأحد من الخلق علم بهذه الحقائق الكونية في زمن الوحي ولا لقرون جاءت من بعد نزوله وتشهد هذه الآية {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47) بدقة الإشارات الكونية الواردة في كتاب الله وشمولها وكمالها وصياغتها صياغة معجزة، يفهم منها أهل كل عصر معنى من المعاني يتناسب مع المستوى العلمي للعصر، وتظل هذه المعاني تتسع باستمرار مع توسع دائرة المعرفة الإنسانية في تكامل لا يعرف التضاد، وهو من أبلغ صور الإعجاز العلمي في كتاب الله. وقول الله: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47) يشهد بأن هذا الكون من صنع الله سبحانه وتعالى وأن حكمة الله سبحانه وتعالى دائمة ومستمرة وستظل معروفة للموحدين المؤمنين وستظل برهانا للكافرين المشككين، حتى يهديهم الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)

‌‌الدرس: 8 انفجار الكون في بداية الخلق - خلق السموات والأرض.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)

بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثامن
(انفجار الكون في بداية الخلق - خلق السموات والأرض)

‌‌المفسرون وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا}
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} (الأنبياء: 30) ماذا يقول المفسرون في هذه الآية؟
أولًا: يقول الفخر الرازي: "اختلف المفسرون في المراد من الرتق والفتق على أقوال: أحدها: وهو قول الحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير، ورواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم أن المعنى كانتا شيئًا واحدًا، ملتزقتين ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقر الأرض، وهذا القول يوجب أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء؛ لأنه تعالى لمَّا فَصَل بينهما ترك الأرضَ حيث هي، وأصعد الأجزاء السماوية. قال كعب: خلق الله السموات والأرض ملتصقتين، ثم خلق ريجًا توسطتهما ففتقهما بها، وثانيها: وهو قول أبي صالح، ومجاهد: أن المعنى كانت السموات ملتفقة فجعلت سبع سماوات، وكذلك الأراضون.
وثالثها: وهو قول ابن عباس، والحسن، وأكثر المفسرين: أن السموات، والأرض كانتا رتقًا بالاستواء والصلابة، ففتق الله السماء بالمطر، والأرض بالنبات والشجر، ونظيره قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ} (الطارق: 11، 12) ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه لقوله بعد ذلك: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} (الأنبياء: 30) وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم، ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا؛ فإن قيل: هذا الوجه مرجوح؛ لأن المطرَ لا ينزل من السموات، بل من سماء واحدة وهي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)

سماء الدنيا. قلنا: -أي الفخر الرازي-: إنما أطلق عليه لفظ الجمع؛ لأن كل قطعة منها سماء، واعلم: أن على هذا التأويل يجوز حمل الرؤية على الإبصار.
ورابعها: قول أبي مسلم الأصفهاني: يجوز أن يُرَادَ بالفتق الإيجاد، والإظهار كقوله: {فَاطِرِ السموات وَالْأَرْضِ} (فاطر: 1) وكقوله: {قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السموات وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ} (الأنبياء: 56) فأخبر عن الإيجادِ بلفظِ الرتق، وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق، أقول -أي: الفخر الرازي-: وتحقيقه أن العدمَ نفيٌ محضٌ، فليس فيه ذوات مميزة، وأعيان متباينة، بل كأنه أمرٌ واحد متصل متشابه، فإذا وجدت الحقائق فعند الوجود والتكون يتميز بعضها عن بعض، وينفصل بعضها عن بعض، فبهذا الطريق حسن جعل الرتق مجازًا عن العدم والفتق عن الوجود.
وخامسها: أن الليل سابق على النهار لقوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} (يس: 37) وكانت السموات والأرض مظلمة أولًا ففتقهما الله بإظهار النهار المبصر، فإن قيل+: فأي الأقاويل أليق بالظاهر+؟ قلنا: الظاهر يقتضي أن السماء على ما هي عليه، والأرض على ما هي عليه كانتا رتقًا، ولا يجوز +كونهما كذلك، +إلا وهما موجودان، والرتق ضد الفتق، فإذا كان الفتق هو المفارقة، فالرتق يجب أن يكون هو الملازمة، وبهذا الطريق صار الوجه الرابع والخامس مرجوحًا، ويصير الوجه الأول أولى الوجوه، ويتلوه الوجه الثاني: وهو أن كل واحد منهما ++رتق ففتقهما بأن جعل كل واحد منهما سبعًا. ويتلوه الثالث: وهو أنهما كانا صُلْبَيْنِ من غير فطورٍ ففتقهما؛ لينزل المطر من السماء، ويظهر النباتُ على الأرض". هذا ما قاله الفخر الرازي في تفسيره الكبير المسمى بـ (مفاتح الغيب) جزء 22 صـ 162، 163.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)

قال صاحب (الظلال) في تفسير هذه الآية: "تقرير القرآن أن السموات والأرض كانتا رتقًا ففتقتا مسألةٌ جديرة بالتأمل، كلما تقدمت النظريات الفلكية في محاولة لتفسيرِ الظواهر الكونية؛ فَحَامَتْ حول هذه الحقيقة التي أوردها القرآن الكريم منذ أكثر من أربعمائة وألف عام، فالنظرية القائمة اليوم هي أن المجموعات النجمية كالمجموعة الشمسية المؤلفة من الشمس وتوابعها، ومنها الأرض والقمر كانت سديمًا ثم انفصلت، وأخذت أشكالها الكروية، وأن الأرض كانت قطعةً من الشمس، ثم انفصَلَتْ عنها وبردت، ولكن هذه ليست سوى نظريةٍ فلكية تقوم اليوم، وقد تنقض غدًا، وتقوم نظرية أخرى تصلح لتفسير الظواهر الكونية بفرض آخر يتحول إلى نظرية.
ونحن أصحاب هذه العقيدة لا نحاول أن نحمل النص القرآني المستيقَن على نظرية غير مستيقنة تُقْبَلُ اليوم، وترفض غدًا؛ لذلك لا نحاول في هذه الظلال أن نوفق بين النصوص القرآنية، والنظريات التي تسمى علمية، وهي شيء آخر غير الحقائق العلمية الثابتة القابلة للتجربة، كتمدد المعادن بالحرارة، وتحول الماء بخارًا، وتجمده بالبرودة إلى آخر هذا النوع من الحقائق العلمية، وهي شيء آخر غير النظريات العلمية. إن القرآن ليس كتاب نظريات علمية، ولم يجئ ليكون علمًا تجريبيًّا كذلك، إنما هو منهج للحياة كلها منهج لتقويم العقل ليعمل، وينطلق في حدوده، ولتقويم المجتمع؛ ليسمح للعقل بالعمل، والانطلاق دون أن يدخلَ في جزئيات وتفصيليات علمية بحتة؛ فهذا متروكٌ للعقل بعد تقويمه، وإطلاق سراحه، وقد يشير القرآن ++أحيانا إلى حقائق كونية، كهذه الحقيقة التي يقررها هنا {أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} ونحن نستيقن هذه الحقيقة لمجرد ورودها في القرآن، وإن كنا لا نعرف منه كيف كان فتق السموات والأرض، أو فتق السموات عن الأرض؟

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)

ونتقبل النظريات الفلكية التي لا تخالف هذه الحقيقة المجملة التي قرَّرَها القرآن، ولكننا لا نجري بالنص القرآني +وراء أية نظرية فلكية، ولا نطلب تصديقًا للقرآن في نظريات البشر، وهو حقيقة مستيقنة، وقصارى ما يقال: إن النظرية الفلكية القائمة اليوم لا تُعَارِضُ المفهوم الإجمالي لهذا النص القرآني السابق عليها بأجيال+". انتهى كلام المرحوم سيد قطب من (ظلال القرآن) جزء 4 صـ 2376 طبعة دار الشروق.
يقول الدكتور زغلول النجار عن هذه الآية: "في الوقت الذي ساد المجتمعات البشرية الاعتقاد الخاطئ بأزلية الكون بلا بداية ولا نهاية، وعدم محدوديته إلى ما لا نهاية، وسكونه وثباته، أي: عدم حركتِهِ على الرغم من حركة بعض الأجرام فيه. بمعنى: أن هذا الكون اللانهائي الساكن كان موجودًا منذ الأزل، وسيبْقَى إلى الأبد، وهي فريةٌ أطلَقَهَا الكفارُ والملحدون من بني البشر في محاولةٍ يائسة لنفي الخلق، والتنكر للخالق سبحانه وتعالى في هذا الوقت نزل القرآن الكريم موجهًا أنظار هؤلاء الجاحدين من الكفار، والمشركين، والوثنيين إلى طلاقة القدرة الإلهية في إبداعِ خلقِ الكون من جرم ابتدائي واحد، وذلك في صيغةِ استفهام توبيخي استنكاري تقريعي. يقول فيه ربنا سبحانه+: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السموات وَالْأَرْضَ كَانَتَا رتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا}.
هذه الآية الكريمة واضحة الدلالة على أن الكون الذي نحيا فيه كونٌ مخلوقٌ له بداية، بدأ الله خَلْقَه من جرم ابتدائي واحد "مرحلة الرتق" وهو القادر على كل شيء، ثم أمر الله تعالى بفتقِ هذا الجرم الابتدائي فانفتق، وهذه مرحلة الفتق، وتحول إلى سحابة من الدخان "مرحلة الدخان" وخلق الله تعالى من هذا الدخان كلًّا من الأرض والسماء، أي: جميع أجرام السماء، وما ينتشر بينها من مختلف

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)

صور المادة، والطاقة مما نعلم، وما لا نعلم وتعرف هذه المرحلة باسم مرحلة الإتيان بكل من الأرض والسماء.
وقد جاء وصف المرحلتين الأخيرتين في الآية الحادية عشرة من سورة فصلت والتي يقول فيها الحق سبحانه موبخا كلا من الذين كفروا بالله تعالى فأنكروا الخلق أو أشركوا مع الله تعالى معبودا آخر: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ* فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (فصلت: 9 - 12). وهذه الآيات القرآنية الكريمة في كل من سورتي الأنبياء وفصلت تعرض لخلق السموات والأرض في إجمال وشمول، وإيجاز، كما تعرض لعددٍ من الحقائق الكونية الأخرى، وتربط بينها وبين عقيدة الإيمان بالله الخالق الواحد، الأحد الفرد الصمد؛ لأن عقيدةَ التوحيد تقوم على أساسٍ من الحقِّ الذي قامت به السموات والأرض، وكل ما فيهما من صور الخلق.
ومن المسلمات: أن الآيات الكونية لم ترد في كتاب الله الخالد من قبيل الإخبار العلمي المباشر للإنسان، وذلك لأن التحصيل العلمي قد ترك لاجتهاد الناس يجمعون شواهده جيلًا بعد جيل، وأمة بعد أمة؛ نظرًا للطبيعة التراكمية للمعارف المكتسبة ولمحدودية حواس الإنسان، وقدرات عقله، ومحدودية كلٍّ من مكانِهِ في بقعَةٍ محددةٍ من الأرض وزمانِهِ، أي: عمره. ومع تسليمنا بهذا الفهم، وتسليمنا كذلك بأن الآيات الكونية التي أشار إليها ربُّنَا في محكم كتابِهِ جاءت في مقام الاستدلال على طلاقةِ القدرةِ الإلهية في إبداعِ الخلقِ، وللاستشهَادِ على أن الله تعالى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)