المطلب الثاني: أدلة كذبهم على الشيخ الرفاعي وعلى غيره
لقد ثبت لي من خلال متابعتي للكرامات المذكورة عن الشيخ الرفاعي أنه تم اقتباس العديد من كرامات السابقين المروية في كتب التصوف المتقدمة كالرسالة القشيرية.
وللدلالة على ذلك أحيل القارئ أن يقارن القصص التالية التي نسبت إلى الشيخ الرفاعي:
1 - قصة دعوة الرفاعي والتي قال فيها: «أتستكثر علي خصلة من خصائل الكلب».
والتي ذكرها الصيادي أن يقرأ القصة عينها منسوبة إلى أبي عثمان الحيري كما في الرسالة القشيرية للقشيري، وإحياء علوم الدين للغزالي وكلاهما ماتا قبل مولد الرفاعي.
2 - قصة الأسد الذي أكل الشاب وفيها أن الرفاعي قال له: «ألم أقل لكم لا تتعرضوا لضيوفنا». ذكرها الصيادي منسوبة إلى الرفاعي والعبارة في الحقيقة مذكورة في الرسالة القشيرية ومنسوبة إلى إبراهيم الدقي.
3 - قصة الأستاذ الذي أعطى كل تلميذ من تلاميذه عصفورا وأمر أن يذبح كل منهم عصفوره على حدة بحيث لا يراهم أحد ففعل كل منهم ذلك إلا الرفاعي فإنه جاء ولم يذبح العصفور، فقال له الأستاذ: لم لم تذبح العصفور؟
قال الرفاعي: يا سيدي شرطتم علي خلو المكان، وكل موضع ذهبت إليه رأيته مشغولا بالله .. هذه القصة ذكرها الصيادي في قلادة الجواهر.
غير أنك تجدها بتفاصيلها موجودة في الرسالة القشيرية منسوبة إلى شيخ لم يذكر اسمه لكنها بالطبع لغير الرفاعي لأن القشيري كتب رسالته قبل أن يولد الرفاعي بعشرات السنين.
ولقد روى الرفاعية من تواضع الرفاعي الشيء الكثير وأنه لم يكن يرى لنفسه مقاماً ولا رتبة ولا مشيخة حتى إنه كان يحلف بالله أن يحشره مع فرعون وهامان إن كان خطر بباله يوما أنه شيخ على أحد من الناس.
ويقول: «ما مثلي إلا كمثل ناموسة على الحائط لا قدر لها».
إن هذا التواضع الذي يحكيه الرفاعية عن شيخهم لا يتفق مع ما نسبوه إليه من الخفض والرفع والعطاء والمنع، وكون الأرض في قبضته والدهر طائع لأمره إلى غير ذلك مثل زعمهم أنه قال:
أنا الكعبة الغرا أنا البيت والحما … أنا المسجد الأقصى لمن جاء بالذكر
أنا الدولة العظمى أنا السطوة التي … تذل لها الأشياخ في البر والبحر
وكل رجال الله طافوا بحضرتي ونا … لوا المدادات العظيمة من ذكري
فإن عدت الأقطاب أدعى كبيرهم … وإن عدت الأشياخ في بدئهم ذكري
وطاعت لي الحيات والأسد في الفلا … وباسمي يلقى زمهرير على الجمر
أنا أحمد الغوث الرفاعي وبصرتي … محط رحال القوم في مدة العمر
وأنه قال أيضاً:
أنا الرفاعي طبولي في السما ضربت … والأرض في قبضتي والأوليا خدمي
الجأ بأعتاب عزي والتمس مددي … وطف ببابي وقف مستمطرا نعمي
ولازم الذل في شطحاء منزلنا … تنجو بهمتنا من حالة العدم
من لاذ فينا اكتفى عن غيرنا أبدا … وجاء في ركبنا بالأمن من ندم
وأنه قال أيضاً:
أنا الرفاعي ملاذ الخافقين فلذ في … باب جودي لتسقى الخير من ديم
إذا دعاني مريدي وهو في الحج من … البحار نجا من حالة العدم
هلال سلطان عزي للوجود بدا … وحالتي انفردت من جملة الأمم
فلو ذكرت بأرض لا نبات لها … لأقبلت بصنوف الخير والنعم
ولو ذكرت بنار قط ما لهبت … ولو ذكرت ببحر غار من عظمي
ولو دعوت لميت قام لي ومشى … بإذن ربي يسعى على القدم
ونوبتي ضربت في الأرض واشتهرت … ودولتي حكمت في العرب والعجم
بعد هذا نخلص إلى نتيجة هامة وهي أن سيرة أئمة التصوف كالرفاعي والجيلاني والجنيد والبسطامي في كتب وتراجم الصوفية: متناقضة وشخصياتهم مضطربة لا يمكن التعرف على حقيقة شخصياتهم من خلال كتب التصوف المليئة بالمبالغة.
إن الصوفية إذا أرادوا تعريف الناس بتواضع مشايخهم صوروهم للناس على غاية من الضعف والمذلة، وإذا أرادوا إثبات كراماتهم وقدراتهم وصفوهم بما يوصف الله به من التمكن في عوالم الكون العلوية والسفلية وكشف خفايا الضمائر والصدور وتغيير المقدور الخ ..
المصدر:الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص81 - 87
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 152)
المبحث الثامن: خوارق الرفاعية وموقف الرفاعي منها
• المطلب الأول: موقف صلحاء أصحابه من خوارق الرفاعية:.
• المطلب الثاني: الصيادي يصرح بأن الخوارق تقع عند ذكر اسم الرفاعي.
• المطلب الثالث: كيفية حصول هذه الخوارق بالتفصيل:.
• المطلب الرابع: سعيد حوى والرفاعية.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 153)
المطلب الأول: موقف صلحاء أصحابه من خوارق الرفاعية: أما صلحاء أصحابه الذين أشار إليهم الذهبي فمنهم الشيخ شمس الدين محمد الذي كان يقول: «إظهار الكرامات مرض، وإخفاؤها سر، وما ينبغي أن تظهر الأسرار». (1) ومنهم سبط الشيخ أحمد الرفاعي: «صدر الدين علي» الذي كان يقول: «إظهار الكرامات مرض، وكتمها سر». (2) ومنهم أحمد بن محمد تاج الدين الرفاعي: «نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني عن الإمام الذهبي قوله فيه: إنه كان كبير القدر وكان وقوراً عاقلاً فاضلاً يكره دخول النار وأخذ الأفاعي» (3). واعترف الصيادي بكراهيته لذلك. (4) وقد حمل عليهم ابن تيمية فيما يفعلونه من تفتيل الشعر وحمل الحيات، وقال بأن هذا لم يكن من شعار الصالحين ولا من الصحابة والتابعين، ولا شيوخ المسلمين ولا الشيخ أحمد بن الرفاعي ولا غيره، وإنما ابتدعت ذلك بعد موته بمدة طويلة طائفة ممن انتسبوا إليه، مخالفين بذلك طريق المسلمين. (5) وكذلك حمل عليهم الشيخ الألوسي الذي قال: «وأعظم الناس بلاء في هذا العصر على الدين والدولة: مبتدعة الرفاعية، فلا تجد بدعة إلا ومنهم مصدرها وعنهم موردها ومأخذها، فذكرهم عبارة عن رقص وغناء والتجاء إلى غير الله وعبادة مشايخهم. وأعمالهم عبارة عن مسك الحيات». ا. هـ (6) ويظهر أن إنكار أهل العلم على الرفاعية في ذلك الزمن قد اشتد حتى أصدروا فتوى بأن: أخذ الحيات وشرب السم والضرب بآلات السلاح مثل السيف والخنجر والسكين من الكفر، وفاعل ذلك يكفر. (7) ولقد ضاق الصيادي صدرا بهذه الفتوى معتبرا ذلك من جملة الحسد على هذه الطريقة، وشنع عليهم في رسالته المسماة «الغارة الإلهية» واصفا إياهم بالحسدة أصحاب التعصب الواهي (8)
غير أنه هو الآخر استنكر ما يفعله الرفاعية من هذه الخوارق التي يدعون أنها كرامات على حد قوله. قال: «وإني رأيت كثيرا ممن تصدر لمشيخة هذه الطريقة العلية الرفاعية لا يعرفون أصولها ولا فروعها ولا خلواتها ولا أورادها .. غاية ما عرفوا في هذه الطريقة اللعب بالنار والدبوس والحيات وغيرها وادعوا أن هذه البراهين كرامات لهم، حاشا». (9)
فالعجب أن تحصل الخوارق لهؤلاء الذين تصدروا مشيخة الطريقة مع أنهم لم يعرفوا أصول الطريقة ولا فروعها! فلم يعد من تفسير لهذه الظاهرة إلا أن تكون كما ذكر الشعراني خدعة من خدع شياطين الجن.--------------------------------------------
(1) ((تنوير الأبصار)) (ص 55)، ((قلادة الجواهر)) (ص 353)، وانظر ((روضة الناظرين)) (97 و 102).
(2) ((الدرر الكامنة في أعيان المئة الثمانية)) (1/ 328).
(3) ((الغارة الإلهية)) (ص 50)، ((تنوير الأبصار)) (ص 57).
(4) ((مجموع الفتاوى)) (11/ 494).
(5) ((غاية الأماني في الرد على النبهاني)) (1/ 370).
(6) عن كتاب ((الغارة الإلهية)) للصيادي (ص 2).
(7) ((الغارة الإلهية))، وانظر ((قلادة الجواهر)) 201) - 203).
(8) ((قلادة الجواهر)) (ص 280).
(9) ((قلادة الجواهر)) (ص 433).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 154)
المطلب الثاني: الصيادي يصرح بأن الخوارق تقع عند ذكر اسم الرفاعي
إن احتمال أن تكون هذه الخوارق خدعة شيطانية قريب جدا وغير مستبعد لا سيما أنها تحصل لهم عند الاستعانة بالرفاعي وندائه. والرفاعية يعترفون بأن خوارقهم لا تحصل إلا عند ذكر اسم الرفاعي وطلب المدد منه. وهذه هي مادة الشرك التي بها تحصل الخوارق بواسطة الشياطين. هذه المادة التي بها يفعل الوثنيون من البوذيين والهندوس فعل خوارق مماثلة لخوارق الرفاعية. فالاعتراف الأول: من الصيادي نفسه الذي أنشد يثني على الرفاعي ويقول (1):
له مدد قد أطفأ النار نوره … وعزم به ما السيف أن سل باتر
يذل الأفاعي حين يذكر اسمه … وتخضع أسد الغاب وهي كواشر
يمد ويحمي الملتجي لطريقه … سواء بها بر ومن هو فاجر
ناده واهجم على ليث الثرى … تلقه في غابه كالثعبان
ناده وأقبل على الأفعى تقف … وتناولها تجدها غصن بان
وبهذا الاعتراف يسقط ما قاله الصيادي من أن دخول الرفاعية النار مسبوق بمعجزة إبراهيم الخليل، وأن السقوط من أعلى إلى أسفل مسبوق بإسقاطه عليه السلام بالمنجنيق، وأن أخذ الحيات مسبوق بمعجزة موسى.
فإن معجزة إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان سببها التوحيد ومحاربة الوثنية بين قومه.
أما الرفاعية فلا تمنح الخوارق لهم إلا عند ذكر اسم الرفاعي والاستغاثة به.
وأما اللعب بالحيات فلم يكن من عمل موسى وإنما كان من عمل سحرة فرعون، فإن موسى لم يمسك حية واحدة وإنما ألقى العصا فانقلبت حية، وكانت معجزته تحديا لأخذهم الحيات الذي كان من وراءه شياطين الجن.
ثم إن الشبه إنما هو حاصل في الحقيقة بين الرفاعية وبين سحرة فرعون وليس بينهم وبين موسى. فإن الرفاعية يقولون: «بعزة الرفاعي» عند فعل الخوارق وكان سحرة فرعون يقولون: «بعزة فرعون» فكلا الفريقين يعتزون بغير الله فمن أين وقع الشبه بينهم وبين موسى؟ إنهم كانوا - ولا يزالون - يمسكون الحيات ويدأبون على اللعب بها والتباهي بذلك أمام الناس كما قال الشيخ الألوسي عنهم بأن أعمالهم «مسك الحيات والعقارب» (2)
الاعتراف الثاني: من أحد من كانوا من كبار الطريقة الرفاعية في هذا العصر واسمه (مصطفى السعدني) (3) بقي في هذه الطريقة زمناً طويلاً إلى أن نال فيها مرتبة «الشاويشية» ثم رجع عنها. وقد التقيت به فترة بمصر، ثم أرسل إلي رسالة أخبرني فيها أنهم كانوا يستغيثون بالرفاعي ويطلبون منه أن يذلل لهم الثعابين فيتمكنون من تذليلها، وكانوا ينادون باسمه ويغرسون الدبابيس في وجوههم، والصيغة كانوا يقولونها كالتالي:
ناد على الأربعة يلي أنت لهم محتاج
أربع سلاطين أمارى لابسين التاج
أحمد ويا أحمد (4) نظرة يا أبا فراج
دسوقي وجيلاني نظرة يا ساكن بغداد
أنا لاموني العوازل لقول سر الكرام راح فين
أنا لهجم على الدبوس وقول مددين
مدد يا أبا العلمين
قال: ثم نغرس الدبوس بهذا الدعاء الشركي، الذي به كنا نمسك الثعابين ونخرجها من الشقوق أمام الناس في القرى.
وقد أخبرني شخصياً أن أهم ما جعله يعيد النظر في انتمائه إلى الرفاعية هو قصة ذوبان الشيخ الرفاعي وتحوله إلى ماء كلما ذكر ربه، وما تتضمنه هذه القصة من الخرافة التي لا يمكن للعقل استساغتها.
وهنا ينجلي الأمر وتنكشف حقيقته، فإن الشياطين وراء هذه الخوارق يسوقون الناس بها إلى الشرك بالله واعتقاد حل المشكلات وكشف الكربات والاتيان بالمعجزات بواسطة الرفاعي والبسملة به لا بالله.
وهذا هو السر في اعتراف الشيخ صالح الرفاعي أحد كبار الرفاعية أمام ابن تيمية وأمام أمير البلاد بأن: «أحوالنا ما تنفذ أمام أهل الكتاب والسنة وإنما تنفذ أمام من لا يكون كذلك من الأعراب والترك والعامة». فذكر ابن كثير أنه قال: «نحن أحوالنا إنما تتفق عند التتار، ليست تتفق عند الشرع». قال ابن كثير: فضبط الحاضرون عليه تلك الكلمة. (5)
وذلك لأن أهل الشرع والسنة تؤيدهم الملائكة فتنكص الشياطين حينئذ على أعقابها كما نكصت يوم الزينة يوم حشر الناس ضحى، وانكشف للناس السحر وبطل عمله. ولا يفلح الساحر حيث أتى--------------------------------------------
(1) ((القواعد المرعية)) (ص 33)، ((المعارف المحمدية)) (ص 90)، ((تطبيق حكم الطريقة العلية)) (ص 313) للصيادي
(2) ((غاية الأماني)) (1/ 370).
(3) مصري من قرية «إيتاي البارود» محافظة البحيرة.
(4) يقصدون بالأول: الرفاعي وبالثاني البدوي.
(5) ((البداية والنهاية)) (14/ 36).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 155)
المطلب الثالث: كيفية حصول هذه الخوارق بالتفصيل:
أما الكيفية التي تحصل بها هذه الخوارق فيبينها ابن تيمية الذي كان له مع الرفاعيين مواقف عديدة، قائلا بأنهم «لا يدخلون النار إلا مع خروجهم عن الشريعة، فإن الشياطين تلابس أحدهم بحيث يسقط إحساس بدنه، حتى أن المصروع يضرب ضرباً عظيماً وهو لا يحس بذلك ولا يؤثر في جلده.
فكذلك هؤلاء تلبسهم الشياطين وتدخل بهم النار وقد تطير بهم في الهواء.
وإنما يلبس أحدهم الشيطان مع تغيب عقله كما يلبس الشيطان المصروع .. ومنهم من يصعد في الهواء ويأخذ الحديد المحمى بالنار ثم يضعه على بدنه». أضاف: «وهؤلاء عندهم أحوال شيطانية تعتريهم عند السماع الشيطاني، فتنزل الشياطين عليهم كما تدخل في المصروع، ويزبد أحدهم كما يزبد (1) المصروع، وحينئذ يباشر النار والحيات والعقارب، ويكون الشيطان هو الذي يفعل ذلك» (2).وهذه الأحوال - والكلام له - لا تحصل لهم عند الصلاة ولا عند الذكر ولا عند قراءة القرآن، لأن هذه عبادات شرعية إيمانية إسلامية نبوية محمدية تطرد الشياطين وتلك عبادات شركية شيطانية فلسفية تستجلب الشياطين» (3).وللرفاعية مراسم يجتمعون عليها، ومن هذه المراسم: عدة النوبة وهي عبارة عن الدفوف يضربونها ليالي الجمعة والجمع، يرفعون الألوية والرايات ويضربون الدفوف، ففي إحدى زوايا الرفاعية - وهي زاوية الشيخ سلمان البارودي - في مدينة طرابلس تجري حلقات ما يسمى بالذكر كل ليلة جمعة تستخدم فيها «الآلات الموسيقية» بشكل إيقاعي، وخلال الذكر يقوم بعض المشايخ باستعمال الشيش ويبدأ بطعن المريدين ويمسك الجمر المحمى. وفي زاوية الشيخ أحمد الرافعي يعملون ذكر النوبة هذا ويضربون أنفسهم بالسلاح والشيش والنار (4).--------------------------------------------
(1) الزبد: عبارة عن كثرة التماوج والهيجان والاضطراب.
(2) ((مجموع الفتاوى)) (11/ 610 – 611).
(3) ((مجموع الفتاوى)) (11/ 575).
(4) ((الطرق الصوفية ومشايخها في طرابلس)) (ص 126) للدكتور محمد درنيقة ط: دار الإنشاء. طرابلس 1984.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 156)
المطلب الرابع: سعيد حوى والرفاعية
ولقد اغتر الأستاذ سعيد حوى رحمه الله بما يفعله الرفاعية من كونهم يدخلون النار ولا تؤثر فيهم، ويضربون أنفسهم بالرصاص أو بالسيوف ولا يؤثر ذلك فيهم، معتبرا أن هذا من أعظم فضل الله على هذه الأمة، مع أنه اعترف في نفس الوقت أن مثل هذا قد يجري على يد بعض الفساق. قال:
«إن الحجة الرئيسية للمنكرين أن هذه الخوارق تظهر على يد فساق من هؤلاء كما تظهر على يد صالحين». أجاب: «هذا صحيح، والتعليل هو:
1 - أن الكرامة ليست لهؤلاء بل هي للشيخ الأول الذي أكرمه الله عز وجل بهذه الكرامة وجعلها مستمرة في أتباعه.2 - أن هذا قد يكون استدراجا في حق بعض أتباعه الفساق (1).
الجواب:
1 - أما قوله: «أن حجة المنكرين الرئيسية كون هذه الخوارق تظهر على يد الفساق من أتباع الطريقة» أن هذه الحجة ليست هي الرئيسية كما ذكر.
وإنما السبب الرئيسي في الإنكار: كون هذه الخوارق تظهر على غير المسلمين كالبوذيين والهندوس مما يؤكد أن هذه الخوارق ليست في حقيقتها كرامات وإنما خدع شيطانية قد تنطلي على فاعليها أيضاً حيث يظنون أنها كرامات وهي في الحقيقة خداعات. ولولا ذلك لقلنا بأن ما يفعله أولئك البوذيون والهندوس كرامات أيضاً.
2 - أنه إذا كان الرفاعية يضربون أنفسهم بالرصاص ولا يؤثر فيهم ويدخلون الشيش في بطونهم ويخرجونه من ظهورهم: فإنه يصير من الواجب عليهم والحالة هذه أن يستعملوا هذه الكرامات لصالح المسلمين فيتحتم عليهم إخراج الأمة من هذا الذل والهوان وتسلط الأعداء على بلاد المسلمين إذ ماذا ينفع المسلمين أن يقف هؤلاء وسط المحتشدين من عامة الناس ويفعلون هذه الخوارق بينما كان الأولى بهم - إذا كان عندهم شيء من الكرامات - أن يذهبوا وكراماتهم إلى ساحات الجهاد ليريحوا المسلمين من تسلط الكفار والباطنية على بلاد المسلمين. 3 - لعل الأستاذ سعيد رحمه الله غفل عما يقوله هؤلاء عند إدخال الشيش والضرب بالنار من كلمات الشرك التي يتعلمونها من مشايخهم مثل أن يقسموا بالرفاعي من دون الله ليحقق لهم هذه الخوارق وينادونه باسمه. وهذا ما صرح به الصيادي وغيره من الرفاعية حيث قال بأن الرفاعي (2):
له مدد قد أطفأ النار نوره … وعزم به ما السيف أن سل باتر
يذل الأفاعي حين يذكر اسمه … وتخضع أسد الغاب وهي كواشر
ناده واهجم على ليث الثرى … تلقه في غابه كالثعبان
ناده وأقبل على الأفعى تقف … وتناولها تجدها غصن بان
4 - إن للكرامة سببا مهما وعظيما، ألا وهو نصر الدين ورفعته، وتأييد المؤمنين في حربهم ضد الكفار والمشركين، وماذا تنفع الكرامة إن كان أهلها أعزة في ساحات الاستعراضات أذلة: مستضعفين عاجزين عن مقاومة أعدائهم في ساحات الجهاد؟! إن الصوفية يكثرون من التحدث عن صنوف الكرامات، ولا يتدبرون السبب الذي من أجله يعطي الله هذه الكرامات، ذلك أن كرامات الأولياء إنما هي امتداد لمعجزات الأنبياء التي أيدهم الله بها لإقامة دينه وإخضاع أعداء المسلمين.
5 - أن الأستاذ سعيد وغيره يدركون تماما أن هذه الخوارق لا تحصل عند تلاوة القرآن، وإنما تحصل عند استعمال الآلات الموسيقية كالطبل والدف والمزامير وغيرها، فهذا دليل آخر على أن حالهم شيطاني وليس إيماني.
6 - أن بعض من شهدهم حدثني أنهم كانوا يشترطون عليهم ألا يقرأوا قرآنا ولا يتكلموا بشيء البتة. وقد طلبوا من أحد إخواننا أن ينصرف عنهم حيث كان يتمتم بالذكر وقراءة القرآن مما أدى إلى جرحهم لدى إدخالهم الشيش حتى قالوا: إن بين الحاضرين رجل روحه شريرة فلينصرف عنا
وحكى لي أحد الثقات من أهالي عكار أنهم أدخلوا الشيش في ولد أحد أقاربه فأصيب الولد بجرح عميق وأسرعوا به إلى المستشفى، وأقسم والده أنه إن مات سيقتلهم واحداً واحداً لكن الولد لم يمت.
وقد طلب أحد مشايخ التصوف في بيروت من مريده أن يجلس على الموقدة وينادي باسم الشيخ غير أن مقعدته احترقت وأخزى الله الكذب وأهله.
وقد زعم أمامي واحد من أهل الطريقة الرفاعية أن من إكرام الله لهم حاصل في كونهم يأكلون الزجاج أمام الكفار وأنهم عاينوا الزجاج في بطنه وتأكدوا من صحة ذلك وأدى ببعضهم إلى الإسلام. فقلت: هذا من جهل أولئك بحقيقة الأمر، فإنهم لو علموا أن هذا يحدث للوثنيين والبوذيين لربما ارتدوا على أعقابهم.
المصدر:الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص96 - 105--------------------------------------------
(1) ((تربيتنا الروحية)) (217 – 218).
(2) ((قلادة الجواهر)) (ص 433).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 157)
المبحث التاسع: حقيقة العلاقة بين الرفاعية والتتار عار لا كرامة
لقد عمل الصيادي على إعطاء الرفاعية في عهد دخول التتار إلى بغداد صورة مشرفة ودوراً بارزاً من غير إثبات تاريخي يدعم هذا الادعاء، إلا أن الوثائق التاريخية تشهد بخلاف ذلك. فقد بين الذهبي وغيره أن فساد الرفاعية تزامن مع دخول التتار إلى العراق بعد أن سقطت بأيديهم فقال: «قد كثر الزغل في أصحاب الشيخ أحمد وتجدد لهم أحوال شيطانية منذ أخذ التتار العراق». (1) وفي فوات الوفيات أن الرفاعية: «فسدت حالهم منذ مجيء التتار، وأنهم بدءوا يفعلون ما الشيخ بريء منه حين دخل التتار العراق. (2)
إن هذين النصين ليؤكدان بوضوح على أن ابتداء هذه الخوارق إنما كان متزامنا مع دخول التتار العراق، حيث كان الرفاعية يتوددون إليهم بها ليدرؤوا شرهم أو لينالوا عندهم الحظوة والمكرمة والمكافأة على الخوارق التي كانوا يفعلونها أمامهم.
فقد روى المؤرخون عنهم أنهم كانوا يترددون على التتار، ويأوون عندهم ويقبلون منهم الهدايا والأعطيات. فذكر ابن كثير مثلا أن الشيخ صالح الأحمدي - وهو من أكابر مشايخ الرفاعية في وقته - كان يأوي إلى نائب التتار " قطلو شاه " ويقيم عنده وكان هذا الأخير يكرمه جداً. وهو الذي كان قد قال لابن تيمية أمام الأمير: «أحوالنا لا تتفق إلا عند التتار، وأما عند الشرع فلا» (3) وقد اعترف الوتري والصيادي بمنزلة الشيخ صالح عند التتار وأنه كان يقيم عندهم ويكرمونه خلال إقامته عندهم. (4)
إن خوارق الرفاعية قد أكسبتهم الحظوة والرضا عند التتار ومنعت عنهم القتل والتنكيل الذي أصاب كثيرا من المسلمين آنذاك، ولم تكن هذه الخوارق تحديا للتتار. إذ لو كان الأمر كذلك لشملهم القتل والتنكيل.
ولو كانت أحوالهم كرامات من عند الله فأين كانت هذه الكرامات عند دخول التتار عنوة إلى بغداد يوم قتل فيه أكثر من مليوني مسلم؟ أين كان التصرف في الأكوان، أين الأمان الذي تحقق بهم، ولماذا لم يرفعوا البلاء الذي نجد في كتب الرفاعية أن مشايخهم كانوا يرفعونه بالقضيب والعصا؟
- هل أسلم زعماء التتار على يد الرفاعية؟
ولقد أراد الصيادي أن يمحو هذه الصفحة المشينة من حسن العلاقات بين الرفاعية وبين التتار وعمل على استبدالها بصفحة أخرى مناقضة لها تماما.
فادعى أن للرفاعية الفضل في دخول التتار إلى الإسلام وتخليص الأمة الإسلامية من شرهم وفتنتهم حيث استولوا على بلاد المسلمين لفترة طويلة من الزمن، وقتلوا منهم مئات الآلاف واستذلوهم.
وذكر أن اثنين من كبار زعماء التتار دخلا الإسلام على أيدي الرفاعية هما: «هولاكو» و «غازان خان».أما هولاكو فذكر الصيادي أنه أسلم فزعاً من الشيخ عز الدين أحمد بن محيي الفاروثي بعدما رأى بعينه دخول النار وأكل الحيات. وادعى أن ابن كثير ذكر ذلك في تاريخه وبالتحديد في حوادث سنة أربع وتسعين وستمائة (5) مع أن ابن كثير لم يذكر عن عز الدين هذا إلا أنه كان خطيبا فعزله السلطان عن الخطابة فألح عليه ألا يعزله وأخبره أنه يصلي كل ليلة مائة ألف ركعة ويقرأ في كل ركعة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]--------------------------------------------
(1) ((العبر)) (4/ 233). ط: دار الكتب العلمية.
(2) ((فوات الوفيات)) (4/ 240).
(3) ((البداية والنهاية)) (14/ 47 و 36).
(4) ((قلادة الجواهر)) (ص 204)، ((روضة الناظرين)) (ص 141)، وانظر ((الدرر الكامنة)) للحافظ ابن حجر (2/ 201).
(5) ((خزانة الإمداد في ذخيرة بني الصياد)) 221) – 222)، ((روضة الناظرين)) (ص 63).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 158)
قال ابن كثير: «وهذه دناءة وقلة عقل وعدم إخلاص من الفاروثي».وذكر أنه خرج مرة في جمع من الناس ليستسقي لهم فلم يسقوا، واستسقى لهم ثانية فلم يسقوا، ثم سقوا بعد ذلك من غير دعائه. (1) ثم إن الصيادي نقض ما قاله عن عز الدين الفاروثي، فزعم في موضع آخر أن إسلام هولاكو ورجوعه عن الكفر والزندقة كان على يد الشيخين «بندي ويعقوب» اللذين دخلا النار أمامه وشربا النحاس المذاب والسم. (2)
والقولان على تناقضهما يردهما المؤرخون الذين أكدوا موت هولاكو كافرا مصابا بالصرع. وأنه مات على ملة الكفر. قال الذهبي: «ومات طاغية المغول» هولاكو بن تولى بن جنكيز خان الذي أباد الأمم ببغداد وحلب .. مات على دينه بعلة الصرع. (3) وقال ابن كثير: «وجاءت الأخبار بأن هولاكو هلك إلى لعنة الله وغضبه بمرض الصرع .. وكان ملكا جبارا فاجرا لعنه الله». (4) أما «غازان خان» فقد زعم الصيادي أنه أسلم على يد عثمان سيف الدين بن عز الدين الرفاعي. (5) وهذا غير صحيح أيضاً، فإن إسلامه كان بناء على إشارة من نائبه «نورور» كما صرح الذهبي بذلك حيث قال: «ونثر الذهب واللؤلؤ، ولقنوه شيئاً من القرآن، وفشا الإسلام في التتار». (6)
وبالتالي فإننا ننتهي إلى أنه لم يسطر التاريخ للرفاعية أي فضل في دخول التتار إلى الإسلام وإنما على العكس من ذلك فإنه يشهد بفساد أحوالهم وكثرة الزغل بينهم منذ دخل التتار العراق.
إن هذا الذي ذكره الصيادي لم تشهد به كتب التاريخ بل ولا طبقات التصوف المتقدمة ولم يكن معروفا حتى جاء هو وطرح دعواه التي لا دليل عليها، وإنما يمكن الشهادة بضدها استنادا إلى كتب التاريخ والطبقات التي بينت أنهم كانوا يتولونهم ويتقربون إليهم. وهذا ما عرف عن الرفاعية حتى المتأخرين منهم، فقد روي عن أحد كبار مشايخهم في عصرنا الحاضر واسمه الشيخ وهيب البارودي الرفاعي الطرابلسي (ت 1362هـ)، أنه عمل أستاذا في معهد الفرير (7) وتتلمذ على يديه المطران عبد وجورج صراف وسابا زريق وغيرهم من كهان النصارى وكان لهم معه أطيب العلاقات، وكان هو بدوره يقيم معهم علاقات ودية وصداقات مع رجال الدين المسيحي إلى درجة أنه كان يرسل أبناءه لحضور احتفالات المسيحيين في الكنائس. (8)
ولا يزالون إلى اليوم تحت نظر وتأييد المتسلطين على بلاد المسلمين في مصر وغيرها، وفي لبنان يسرحون ويمرحون تحت عناية النظم المتسلطة عليه والتي يعاني منها المسلمون الويلات والدمار والقتل والسجن.
المصدر:الطريقة الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية - ص108 - 111--------------------------------------------
(1) ((انظر البداية والنهاية)) (13/ 329 – 330).
(2) ((قلادة الجواهر)) (218 – 219).
(3) ((كتاب دول الإسلام)) (2/ 169) ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر، ((فوات الوفيات)) (4/ 240).
(4) ((البداية والنهاية)) 13) / 245 و 248).
(5) ((خزانة الإمداد)) (ص 212)، ((روضة الناظرين)) (ص 100).
(6) ((دول الإسلام)) (2/ 196).
(7) وهو معهد نصراني أسهم في تضييع كثير من أبناء المسلمين في لبنان وعمد إلى تربيتهم تربية نصرانية تبعدهم عن دينهم. وترغبهم بالديانة النصرانية.
(8) ((الطرق الصوفية ومشايخها في لبنان)) (119 – 120) محمد درنيقة ط: دار الإنشاء بطرابلس.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 159)
المبحث العاشر: الشعائر الخاصة للطريقة الرفاعية:
وللطريقة الرفاعية شعائر خاصة كشأن كل الطرق الصوفية وإليك أهم هذه الشعائر والعقائد ..
1 - من أهم ما يميز الطريقة الرفاعية هو التتلمذ لكل شيخ، ينقل الشعراني أيضاً عن الرفاعي أنه قال:
"من تمشيخ عليكم فتتلمذوا له، فإن مد يده لكم لتقبلوها فقبلوا رجله .. ومن تقدم عليكم فقدموه وكونوا آخر شعرة في الذنب، فإن الضربة الأولى تقع في الرأس" (الطبقات الكبرى ص141).
2 - تبنت الطريقة مذهب التفويض في الأسماء والصفات زاعمة أنه مذهب السلف، ولكن الرفاعيين مع ذلك يخالفون ذلك ويؤولون تأويل الأشاعرة فيزعمون أن الله لا يوصف بفوقية أو سفلية وليس في جهة من الجهات، ولا يثبتون ما أثبته الله لنفسه، وكذلك يقولون بوجوب التقليد الفقهي .. (الطريقة الرفاعية ص42).
3 - ويجعلون السماع والمواجيد والتواجد من الصراخ وغيره مما درج عليه أهل التصوف ديناً ويكفرون من يقول ببدعية ذلك أو يعيبه. قالوا "وإن من أنكر ذلك فقد كفر، لأنه عاب خيراً أمر الله به، ومن عاب ما أمر الله به فهو كافر" (الطريقة الرفاعية ص64،78).
4 - أنكر أحمد الرفاعي ما قاله الحلاج ونفى أن يكون ولياً أو واصلاً حيث قال: "أي سادة تفرقت الطوائف شيعاً، وأحمد (يعني نفسه) بقي مع أهل الذل والانكسار والمسكنة والاضطرار، إياكم والكذب على الله وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا [الأنعام: 21]. ينقلون عن الحلاج أنه قال: أنا الحق. أخطأ بوهمه، لو كان على الحق ما قال أنا الحق، يذكرون له شعراً يوهم الوحدة كل ذلك ومثله باطل، ما رآه رجلاً واصلاً أبداً، ما أراه شرب، ما أراه حضر، ما أراه سمع إلا رنة وطنيناً، فأخذهم الوهم من حال إلى حال، وما زاد قرباً ولم يزدد خوفاً فهو ممكور. إياكم والقول بهذه الأقاويل إن هي إلا أباطيل" .. أ. هـ (البرهان المؤيد ص26).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 160)
وهذه أقوال صريحة في رفض أقوال الحلاج الكفرية، والتمسك بالحق والحكم على قائلها بما حكم به أهل الإسلام جميعاً في عصره أنه كافر زنديق وأنه يستحق القتل والصلب الذي وقع له. ويستطرد الرفاعي أيضاً مبيناً أن حال الأولياء الصادقين لا تكون كحال فرعون الذي قال أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] .. وليست كذلك كحال نمرود الذي قال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258] فيقول: "درج السلف على الحدود بلا تجاوز. بالله عليكم هل يتجاوز الحد إلا الجاهل وهل يدوس عنوة في الجب إلا الأعمى! ما هذا التطاول وذلك التطاول ساقط بالجوع. ساقط بالعطش. ساقط بالنوم. ساقط بالوجع. ساقط بالفاقة. ساقط بالهرم. ساقط بالعناء. أين هذا التطاول من صدمة صوت لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16]. العبد متى تجاوز حده مع إخوانه يعد في الحضرة ناقصاً. التجاوز علم ناقص ينشر على رأس صاحبه. يشهد عليه بالغفلة. يشهد عليه بالزهو. يشهد عليه بالحجاب. يتحدث القوم بالنعم لكن مع ملاحظة الحدود الشرعية. الحقوق الإلهية تطلبهم في كل قول وفعل. الولاية ليست بفرعونية. ولا بنمرودية قال فرعون أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]. وقال قائد الأولياء وسيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم ((لست بملك)) ((1) نزع ثوب التعالي والإمرة والفوقية. كيف يتجرأ على ذلك العارفون: والله يقول وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس: 59] وصف الافتقار إلى الله وصف المؤمنين. قال تعالى يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ [فاطر:15] ، هذا الذي أقوله علم القوم. تعلموا هذا العلم. فإن جذبات الرحمن في هذا الزمان قلت. اصرفوا الشكوى إلى الله في كل أمر. العاقل لا يشكو لا إلى ملك ولا إلى سلطان. العاقل كل أعماله لله" أ. هـ (البرهان المؤيد ص26).
وهذا كلام جيد جداً في رفض دعاوي الصوفية وشطحهم ولكن أتباعه اليوم يخالفون هذا تماماً فيترضون على ابن عربي ومن على شاكلته ويطبعون أقوال هؤلاء جنباً إلى جنب مع أقوال الرفاعي .. ويعتذرون عما قاله الحلاج وغيره أنه من الشطح ولا يصرحون بما صرح لنا في إبعاد قائل هذه الأقوال من الدين. وبذلك يتناقضون على عاداتهم في قولهم أحياناً في رفض الدعوى والشطح، وفي نشرهم لهذه الدعاوي وترضيهم على فاعليها.
5 - ومن المشاعر الخاصة بالطريقة الرفاعية أيضاً الخلوة الأسبوعية السنوية وتبدأ عندهم في اليوم الحادي عشر من المحرم كل عام، ومن شروطها أن لا يأكل المريد طعاماً أخذ من ذي روح، ويذكر المريد في اليوم الأول لا إله إلا الله بعدد معلوم واليوم الثاني الله الله، والثالث وهاب وهاب، والرابع حي حي والخامس مجيد مجيد .. والسادس معطي معطي .. والسابع قدوس قدوس، وكل ذلك بعدد معلوم، وكذلك أن يقول المريد بعد كل صلاة من صلوات هذا الأسبوع (اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي الطاهر الزكي وعلى آله وصحبه وسلم) يقول ذلك مائة مرة، وزعموا أن لهذه الخلوة فتوحات محمدية، وعنايات أحمدية لا تحصى وأن من فعلها شاهد من البراهين العظيمة وكأن له شأن عظيم (الطريقة الرفاعية ص115).--------------------------------------------
(1) رواه ابن ماجه (3312) من حديث أبي مسعود وقال: إسماعيل وحده وصله. قال الدارقطني كما في ((تاريخ بغداد)) (6/ 275) روي موصولاً وهو وهم، والصواب أنه مرسل وقال الوادعي ((أحاديث معلة)) (305): وصله شاذ.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 161)
ولا يخف أن هذه الخلوة في هذا الوقت المخصوص بدعة ضلالة وكل بدعة في النار كما قال صلى الله عليه وسلم وأنها تشريع جديد لم يأذن به الله ولا رسوله، وأن فيها مشابه لصيام النصارى الذين يصومون عن ذوات الأرواح، وأن فيها تقرباً من الرافضة حيث يخصص الحادي عشر من محرم من كل عام بذلك حيث تنتهي مشاعر الرافضة الخاصة ليدخل مشاعر الرفاعية ولعل ذلك السبب في قولهم إن الرفاعي تأتي منزلته بعد الأئمة الاثني عشر مباشرة (الطريقة الرفاعية ص127).
وأما تخصيصهم كل يوم بذكر خاص فهو بدعة، وأما ذكرهم الله بالاسم المفرد فقط الله، حي، مجيد فبدعة عظيمة ولم يرد ذكر الله بالاسم المفرد مطلقاً .. بل لا يذكر الله إلا بجملة مفيدة نحو (لا إله إلا الله) فهي جملة (وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، ونحو ذلك فكلها جمل تفيد معنى تعظيماً، فكل من ذكر الله باسم فرد من أسمائه فهو مبتدع، ولذلك لا يستغرب على هؤلاء المبتدعة أن يروا في خلواتهم هذه النيران الشيطانية التي يحسبونها أنواراً ملائكية رحمانية وما هي كذلك لأن الله لا يشرق نوره إلا في قلوب الصالحين المتبعين للحق من عباده.
6 - ومن مشاعر الطريقة الخاصة أيضاً جواز المحاضرة وربط الروح بأرواح من شاء استحضار روحه من كافر ومسلم (الطريقة الرفاعية ص120) ،
وكذلك من مشاعرهم ما يسمى بالاستفاضة وهي ربط قلب المريد بقلب الشيخ طلباً لإفاضة العلم الباطني إليه، وهذه بدعة صوفية معلومة. ففي التربية الصوفية يطلب من المريد أن يستحضر روح شيخه عند الذكر ويتمثله أمامه ويطلب من شيخه أن يربط روحه بروح الرسول الذي يزعمون أنه يفيض العلوم والأسرار على قلوب شيوخ الصوفية. والحق أن هذه العملية عملية شيطانية لأن المريد الذي يغيب عقله بالذكر المبتدع الذي يذكره آلاف المرات وعشرات الآلاف حتى يكل عقله ودماغه وهو في كل ذلك يحاول استحضار صورة شيخه أمامه، وقد يكون هذا في ظلام دامس فإن هذا هو الوقت المناسب ليدخل الشيطان إليه زاعماً أنه هو شيخه وأنه يراه الآن، وأنه يربط الآن قلبه بقلب الرسول ليفيض عليه العلوم والأسرار الإلهية، ويبدأ الشيطان يلقي في قلوب هؤلاء وساوسه الإبليسية فيوهم الواحد منهم أنه الآن صاعد إلى السماء، وأن هذا هو عرش الله، وهذا هو كرسيه هذه هي الأرض، وأن قد أصبحت الحبيب والعظيم وصاحب الهمة وما إلى ذلك من هذا النفح الشيطاني حتى يتصور المسكين فعلاً أنه وصل إلى مكان القرب من الله، وأن السماوات قد أصبحت طوع أمره، والأرض أصبحت كالخلخال برجله، وأنه يستطيع أن يقول للشيء كن فيكون .. وهكذا يكون المريد الذي دخل الخلوة، وذكر هذه الأذكار المبتدعة، وقطع نفسه بالظلام على هذا النحو يعود بنفس أخرى وحال أخرى غير الحال التي دخل بها.
وهذا سر قولهم إن لهذه الخلوة أسراراً وبراهين عظيمة، ولو علموا أنهم يربطون قلوبهم بالشياطين لعرفوا الحق المبين وأنهم نهوا عن سلوك الطرق المعوجة لأنها لا توصل إلا إلى الهاوية والضلال المبين.
7 - وقد جعل الرفاعية الفضيلة العظمى والشرف الأسمى لهم على سائر الفرق ببركة الرفاعي فإن الله قد أبرد لأتباعه النيران، وأزال لهم فاعلية السموم، وألان لهم الحديد، وأذل لهم السباع والحيات والأفاعي، وأخضع لهم طغاة الجن (الطريقة الرفاعية ص134). ولذلك فإنهم في موالدهم ومؤتمراتهم العامة يأتون بمن يشعل النار ويدخلها إلى فمه، ومن ينفخ ناراً من فمه على هيئة التنين .. ومن يحمل الأفاعي ويلعب بها، ونحو ذلك من الشعبذات والخزعبلات التي لا يكاد يخلو منها قوم من أقوام أهل الشرك كالهنادك والفرس، وغيرهم.
المصدر:الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 162)
المبحث الحادي عشر: الرفاعية في طور جديد
في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري تزعم الطريقة الرفاعية رجل يسمى محمد مهدي الصيادي الرفاعي، الذي رفع نفسه إلى مرتبة الغوثية الكبرى، ودعا الناس إلى طريقته واقتفاء أثره، وزعم أنه سالك سبيل جده مؤسس الطريقة الرفاعية، ولكنه جاء بما لم يسبقه أحد من الدعاوي في علو منزلته، والحق أنني لم أجد أجرأ منه على مدح نفسه وكذبه فيما نسبه إلى الله ورسوله من تعظيم نفسه إلا أحمد التجاني وابن عربي، وإليك بعضاً من نصوصه في هذا الصدد ..
1 - الدرة البيضاء:
ألف كراسة صغيرة سماها (الدرة البيضاء) ملأها بالجهل والغباء، وبدأها للأسف بقوله "أمرني بكتابتها وإذاعتها حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم" (المجموعة النادرة ص8) وزعم في هذه الرسالة أن الله خلق الرسول من نوره (المجموعة النادرة ص15) فأشرك بالله سبحانه وتعالى. وأن على المسلم أن يشفق على الخلق كلهم فخالف أمر الله القائل يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة: 73] ومن جملة مزاعمه في هذه الكراسة دعوة الناس إلى الاستمداد وطلب الإغاثة والإعانة من الأنبياء والأولياء (المجموعة النادرة ص18) فدعا بذلك إلى الشرك بالله سبحانه وتعالى، ودعا إلى العمل بأي رأي فقهي لأن اختلاف الأئمة رحمة (المجموعة النادرة ص23) ودافع عن ابن عربي واصفاً إياه بأنه العارف الشيخ محي الدين ابن عربي طيب الله ثراه (المجموعة النادرة ص26). وزعم أن آل الرسول من أجزائه النورانية (المجموعة النادرة ص26) وبالتالي فهم أجزاء من الله حسب زعمه أن الرسول مخلوق من نور الله .. وقسم في هذه الرسالة الأولياء فجعل منهم المجاذيب وأهل الشطح والأميين .. وجعل نفسه في آخر هذه الكراسة أفضل الأولياء في زمنه على الإطلاق حيث يقول عن نفسه: "الاختصاص رحمة من الله تعالى للعبد لا بسعي ولا بعمل ولا برأي، ولا بِجَعْلٍ يختص الله برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم: هو عطاء رباني، ومنح صمداني، وفضل أسبغ في القدم، قبل أن تتعين النسم، والعناية قسم، فأهل الاختصاص جذبتهم يد المشيئة الربانية، بمحض الفضل والعناية الصمدانية، إلى أقصى المراتب العلية وهذا المنح الباهر، والفضل الوافر، هو اليوم حصتي، ومنصته منصتي، أقامني الله في هذه المنزلة إماماً، واختارني لرتبة هذه الخصوصية ختاماً، وكشف لي مخبآت الغيب باطلاع من كرمه، وجليل نعمه، ففهمت أسرار الرموز الفرقانية وسبرت خفايا دقائق البطون القرآنية، ولم تبرح تترقى همتي بكشف تلك الحجب اللطيفة، وبشق ديباجات هاتيك المحاضر الشريفة، فأنا اليوم ولربي الحمد والشكر، وله الإحسان والبر، كنز الفيوضات الطاهرة المحمدية، وسجل العلوم المقدسة النبوية، وهذه النوبة نوبتي، تتقلب في وراث منزلتي، وخدام قدمي إلى ما شاء الله، بهذا بشرت من صاحب الوعد الصادق، وقرأته في صحف الرموزات العلوية التي طفحت بدقائق الحقائق، سينشر علم ظهور حالي بعد هذا الخفاء في الأكوان ويبرز بروز الشمس من بطن ليل الطمس للعيان، وتعكف على بابي القلوب والأرواح، ويسري سر إرشادي في الجبال والأودية والبطاح ولم يمس شأن نهجي المبارك غبار دنيوي، ولم يرجع منه حرف إلى قصد نفساني بل كله لله" (المجموعة النادرة ص37) أ. هـ.
وبعد أن مدح نفسه بكل ما استطاع من نعوت يقول: "جاءت لي بذلك البشرى المحمدية الصحيحة والعناية النبوية الصريحة بوساطة روح سلطان الأولياء وزعيمهم وسيد منصتهم وكريمهم مولانا السيد أحمد الرفاعي الحسيني" أ. هـ منه بلفظه (المجموعة النادرة ص37).
2 - برقمة البلبل.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 163)
وتكاد تكون كل الوسائل التي ألفها هذا الصياد الرفاعي على هذا النحو ولكن في رسالة أخرى سماها (برقمة البلبل) أتى فيها بما لم يسبقه به أحد من الكذب، ولا أظن أن لاحقاً يستطيع مجاراته أيضاً في مثل هذا الكذب السمج حيث يقول في أول رسالته هذه أنه كان في سنة 1252هـ في مكة المكرمة في بيت الله الحرام، وأنه سمع بلبلاً يتكلم مع بلبل آخر وعلى حد تعبيره (يبرقم) بلغة فهمها لأنه زعم أن رجلاً من رجال الغيب كان قد علمه لغة البلابل، فزعم أن أحد البلبلين كان يتكلم مع صديقه فأخبره أن أولاد آدم كلهم مكرمون، وجميعهم مرحومون وأنه لا يجوز أن نحتقر ذرة واحدة منهم، وأن منهم أيضاً أولياء عارفين، وأن من هؤلاء الأولياء قسم يتصرفون في العالم؛ ومن جملة ما يتصرفون فيه الطير فيقول البلبل لصديقه (ومنهم المتصرفون في وفيك وفي عالم الأكوان والنائبون بإذن الله عن نبي الرحمن) ثم يستطرد الصيادي الرفاعي في هذيانه الصوفي فيزعم أن أحد البلابل قال لصديقه: إن هذا الرجل الملتحف بكسائه الرث المستقبل الكعبة (يعني نفسه) هو من آل الرسول وقد فهم لغتنا وعرف ما قلناه وهو نائب الرسول الآن في هذا الوقت، وهو عالم الزمان وشيخ الأوان .. فقال البلبل الآخر إذن تعال نتبرك به ونقبل قدميه ..
ويستطرد الصيادي الرفاعي قائلاً إن البلبلين جاءا إليه، وعكفا عليه، وسألاه الدعاء، وأنهما أخبراه بعد ذلك أنه إمام الدين، وسيد الأولياء وإن نوره لا يعدله نور، وإن مدده سيعم الأمصار والأقطار حيث تشب قلوب الحاسدين له بنار، وتنفلت عليه ألسنة الجاحدين (كذا .. ) ..
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 164)
ويستطرد الصيادي قائلاً بأن البلبلين أخبراه أن الله قد كتب صحيفة منزلته ووضعها فوق مقام إبراهيم فقام الصيادي من فوره وأخذ الصحيفة وفرح بما وجد فيها حسب زعمه من إطناب الله في الثناء عليه، ومدحه له وتبشيره إياه بظهور طريقته وعلو شأنه. يقول الصيادي هذا: وقد طبت بالله تعالى حين قرأت ما في الصحيفة المباركة بشأني، وبشأن ظهور أمر طريقي، وكدت أطير سروراً لما امتن الله تعالى علي به من إطناب في الألقاب فيها ما نصه بلفظه: هذا غريب الغرباء أبو البراهين، وأحد آل طه ويس. خلف الأئمة الهادين. بقية أعيان العترة الطاهرين، سيف الرسالة المسلول على أهل الضلالة. المجدد الأكمل. الأشعث الأغبر. سجنجل الحكمة والفراسة المحمدية. رافع ألوية الشريعة الطاهرة الأحمدية. باني مباني أحكام الطريقة المرضية الرفاعية. شيخ الأئمة. نور المدد المصطفوي الذي سيتجلى به الظلمة. الرفاعي الثاني. الإمام الأوحد الرباني. طلسم البرهان المحمدي الذي لا يدافع. معنى ناطقة البيان النبوي الذي لا ينازع. بحر الفتح. هادم الدعوى والشطح. الفتى ابن الفتى. محمد مهدي بهاء الدين. باب النبي صلى الله عليه وسلم في العصر. وجه علي في الدهر. الفقير الغني. الضعيف القوي. الخفي الظاهر. العاجز القادر. شمس الإفاضة المصطفوية للذرات كلها من التحق بها سلم ومن أبغضه عن جحد أو حسد ندم ومن آذى نوابه وأحبابه لم يقم. ولو التفّت عليه المحافل، وسارت لأمره الكتائب، وصفت له الصفوف، ومرت لديه من قناطير الذهب المقنطرة الألوف. هذه آيه الله المخبأة في دفتر الغيب ينتفع بقراءة فحواها، والاندماج في ظل معناها، كل من لله في عناية، يصل به الله ويقطع، ويعطي ويمنع، ويرفع ويضع، هذا الزاهد الواجد، الآبد الماجد، هذا بركة الله في الكون. هذا الممهد هذا الموطد. هذا القائم لله، ولإعلاء كلمة الله، ولخدمة رسول الله، لا لغرض من أغراض الأكوان، ولا لعلو، ولا لغلو، ولا لتقدم، ولا لترفع، ولا لعظمة نفسانية، بل هو بحر مطمطم رباني، وكنز مطلسم سبحاني، أفيض له مددنا بواسطه (كذا والصواب: بوساطة)، جده سر الوجود وبارقة النظم الأول في كيانتي النسقين الطموس والشهود (محمد) صلى الله عليه وسلم هذا سيد عشاق رسول الله، وسيد محابيب الله اليوم في ملك الله عليه سلام الله ورضوان الله. وهناك غَبّت عني، وأخذت مني، وذبت معنى، وترقرقت مهنى، وانطمست بوجودي وظهرت بمجدي" انتهى منه بلفظه (برقة البلبل من المجموعة النادرة ص77 - 79).
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 165)
ولا يكتفي الصيادي بهذا الكذب الأبلج على الله سبحانه وتعالى فإن الله لم يخاطب أحداً بمثل هذا الخطاب المزعوم، فخطاب الله لصفوة أوليائه وهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم يكن فيه عشر معشار هذا المدح بل كان عامته تأديباً وعتاباً؛ كمثل قوله لنوح: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود: 46] وذلك لمجرد قول نوح: رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي [هود: 45] وكذلك قوله لإبراهيم: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124] عندما طلب إبراهيم أن يكون من ذريته أئمة .. وقوله لمحمد صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص: 56] وقوله سبحانه وتعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران: 128] وقوله: عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ َ [التوبة: 43] وقوله: عَبَسَ وَتَوَلَّى [عبس: 1] وقوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ [الأحزاب: 37] هذا بعض من خطاب الله في قرآنه لرسله فانظر كيف يزعم هذا الصيادي أن الله كتب في صحيفة له "هذا أبو البراهين، هذا سيف الرسالة المسلول على أهل الضلالة .. هذا الإمام الأوحد الرباني .. باني مباني الطريقة المرضية الرفاعية .. هذا شمس الإفاضة المصطفوية للذرات كلها .. " .. الخ، هذا الكفر والضلال وهذا الكذب الصريح .. ومثل هذا لو كان يسمى باللغة تجوزاً مدحاً فإن أسقط الساقطين ينزه أن يمدح غيره بمثل هذا الكلام فلو أن شاعراً متملقاً كاذباً قام يمدح رجلاً بمثل هذه الأوصاف لاستحق السقوط واللعنة، ولرمي بالتزلف والجهالة والمبالغة الممقوتة، ورفع الإنسان الحقير عن مكانته. فكيف يسوغ أن ينسب مثل هذا الكلام الحقير الذي يقع في آخر سلم المدح الممجوج فينسب إلى رب العباد سبحانه وتعالى؟ أيليق أن ينسب مثل هذا التزلف الحقير لله جل وعلا .. ؟
ولا يكتفي الصيادي بالكذب المكشوف هذا على رب العالمين فيكمل بعد ذلك كذبه على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم فيقول أنه بعد أن قرأ هذه الرسالة (الربانية) التي كانت فوق مقام إبراهيم انجلى له مظهر الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ناداه قائلاً: "قد ملأناك علماً وفهماً ومدداً وقدرة وبهاءً وعرفاناً ونوراً وحظاً كبيراً، ورفعنا لك منبراً لا يسقط، ووهبناك ناطقة تتدرج كتائب مددها في الأكوان فلا تسكت إلى يوم الدين، أنت هو القبول عندنا، المؤيد بنورنا، المبارك بعلمنا، المنصور بمددنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك، ونصون بعون الله من حاماك، يرفع علمك من أفلاذ بيتنا حبيب لنا فأعد عليه نظر حنانك، وعلمه رقرقة قلبك وناطقة لسانك، ولا توافق أهل البدعة، ولا تلايم أرباب الدعوى، ولا تجنح بالقلب ولا باللسان إلى القول بالوحدة المطلقة، ولا تتعمق بالكلام على الذات والصفات، ولا تعمل الفكر في المتشابهات، خذ ما أخذ أجدادك الآل الطاهرين، وسر سير الصحابة، واتبع مناهج السلف، ووافق إماماً ترتضيه من أئمة المذاهب المتبعة اليوم، فالأربعة على حق ولا تقلد غير نبيك، وتحقق بالحب لله ولكتابه ولرسوله، ولا تشق العصا، ولا تجمع القلوب عليك بل اجمعها على الله، وعلى شريعة نبيك، وعليك بمشرب جدك السيد أحمد الرفاعي، واثبت على طريقته فإنها الطريقة المحمدية الحقة ..
واعلم أنك اليوم خاتمة الصديقين وشيخ الطريقة القويمة المحمدية ثم الأحمدية .. وأنت سيد الآل فمن دونهم وصل علي وسلم" أ. هـ منه بلفظه (البرقمة ص83).
ويزعم الصيادي أنه بعد أن سمع خطاب الرسول هذا غاب عن نفسه ستة أشهر كاملة، لا يصحو إلا أوقات الفروض فقط، وأنه شكر الله بعد ذلك إذ جاءته هذه النعمة الكبرى على يد طير صغير (برقمة البلبل ص82) .. فانظر إلى هذا الإسناد العجيب "حدثنا الصيادي حدثنا البلبل قال الله تعالى .. " فأين نضع هذا البلبل يا علماء الحديث وعلماء الأصول .. هل هو عدل ضابط، وهل الذي يحدث عن بلبل أيضاً يكون عدلاً ضابطاً .. وليتهم لم يقحموا اسم الله واسم رسوله في هذه الخرافات الممقوتة والمدح الكاذب لأنفسهم! وليتهم إذا أرادوا هذا العلو في الأرض وأكل أموال الناس بالباطل سلكوا غير هذا السبيل! فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
المصدر:الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة لعبد الرحمن عبد الخالق
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 166)
المبحث الثاني عشر: بعض أورادهم
وللرفاعية أوراد مخصوصة كثيرة نذكر نبذة منها، فيقولون:
"ومن أحزابه الشريفة هذا الحزب واسمه الحزب الصغير، وهو: (بسم الله الرحمن الرحيم اللهمّ إني أسألك بعظيم قديم كريم مكنون مخزون أسمائك وبأنواع أجناس أنفاس رقوم نقوش أنوارك وبعزيز أعزاز أعزّ عزتك وبحول طول حول شديد قوتك وبقدر مقدار اقتدار قدرتك وبتأييد تحميد تمجيد عظمتك وبسمو نموّ علوّ رفعتك وبحيوم قيوم بدوم دوام أبديتك رضوان غفران أمان رفعتك وبرفيع بديع منيع سلطانك وبصلاة سعاة بساط رحمتك وبلوامع بوارق صواعق صحيح وهيج بهيج وهيج نور ذاتك وببهر قهر جهر ميمون ارتباط وحدانيتك وبهدير تيار أمواج بحرك المحيط بملكوتك وباتساع انفساخ ميادن بواذخ كرسيك وبهيكليات علويات روحانيات أملاك عرشك وبالأملاك الروحانيين المديرين الكواكب أفلاكك وبحنين أنين تسكين المريدين لقربك وبحرقات زفرات جمعات الخائفين من سطوتك وبأمال نوال أقوال المجتهدين في مرضاتك وبتحمد تمسجد تجلد العابدين على طاعتك وتخضع تخشع تقطع مرائر الصابرين على بلوائك يا أوّل يا آخر يا ظاهر يا باطن يا قديم يا مقيم اطمس بطلسم) (1).
ومن أحزابه الغريبة العجيبة " المص الر الر الر المر المر المر كهيعص ط طسم طس طسم طسم الم الم الم الم يس ص حم حم حمعسق حم حم حمعسق حم حم ق ن … محمد رسول الله حصني مكملاً وأبو بكر يميني حرزاً ووكيلاً وعمر بن الخطاب يساري عزاً وتجملاً وعثمان بن عفان من خلفي قوة وحولا وعلي بن أبي طالب أمامي مهابة … لا إله إلا أنت أحون قاف آدم حم هاء آمين …
شتوش هموش أطوش شرح خمدت النار من مخافته"
فهذه هي الأوراد وأمثالها التي قال فيها بعض الرفاعية:
"عليك بأوراد الرفاعي إنها [] [إلى شيخ أشياخ الطريقة تنسب]
وداوم عليها فهي حصن وجنة [] ودرع لدفع النائبات مجرّبوباب بوصل العبد بالله عامر [] [ونهج به للمصطفى يتقرّب" (2).]
وأحياناً كانوا يرددون مثل هذه الأوراد لنيل المآرب وحصول المطالب، فيذكر أحد الرفاعيين "كنت أمشي تحت جبل قاف، فجاء وقت الصلاة فتوضأت وصليت وقرأت الورد الشريف ثم ذكرت اسم سيدي أحمد (الرفاعي) فلما أتممت جاءت حية عظيمة وفي فمها درة فألقتها أمامي، ثم أنطقها الله فقالت: خذ هذه الهدية مني لحضرة سيدي أحمد، فتعجبت وقلت: أتعريفين سيدي أحمد؟ فقالت: عجيب هذا، هل على بساط الأرض من رطب ويابس من يجهل سيدي أحمد الرفاعي، بلغّه سلامي، فأنا من مردائه" (3)
المصدر:دراسات في التصوف لإحسان إلهي ظهير - ص233، 234--------------------------------------------
(1) ((قلادة الجواهر)) (ص 258).
(2) ((قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر)) (ص 269).
(3) ((قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر)) (ص429)
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 167)
المبحث الثالث عشر: مناظرة شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن تيمية للبطائحية الرفاعية
قال شيخ الإسلام قدس الله روحه بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله رب السماوات والأرضين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم تسليماً دائماً إلى يوم الدين
(أما بعد) فقد كتبت ما حضرني ذكره في المشهد الكبير بقصر الإمارة والميدان بحضرة الخلق من الأمراء والكتاب والعلماء والفقراء العامة وغيرهم في أمر (البطائحية) يوم السبت تاسع جمادى الأولى سنة خمس (أي بعد السبعمائة) لتشَوّف الهمم إلى معرفة ذلك وحرص الناس على الاطلاع عليه. فإن من كان غائباً عن ذلك قد يسمع بعض أطراف الواقعة، ومن شهدها فقد رأى وسمع ما رأى وسمع، ومن الحاضرين من سمع ورأى ما لم يسمع غيره ويرى لانتشار هذه الواقعة العظيمة، ولما حصل بها من عز الدين، وظهور كلمته العليا، وقهر الناس على متابعة الكتاب والسنة، وظهور زيف من خرج عن ذلك من أهل البدع المضلة والأحوال الفاسدة والتلبيس على المسلمين.
وقد كتبت في غير هذا الموضع صفة حال هؤلاء (البطائحية) وطريقتهم وطريق (الشيخ أحمد بن الرفاعي) وحاله، وما وافقوا فيه المسلمين وما خالفوهم. ليتبين ما دخلوا فيه من دين الإسلام وما خرجوا فيه عن دين الإسلام، فإن ذلك يطول وصفه في هذا الموضع، وإنما كتبت هنا ما حضرني ذكره من حكاية هذه الواقعة المشهورة في مناظراتهم ومقابلتهم.
وذلك أني كنت أعلم من حالهم بما قد ذكرته في غير هذا الموضع -وهو أنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام، وطريقة الفقر والسلوك، ويوجد في بعضهم التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاشرة والكشف والتصرف ونحو ذلك ما يوجد- فيوجد أيضاً في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر، ومن الغلو والبدع في الإسلام والإعراض عن كثير ما جاء به الرسول، والاستخفاف بشريعة الإسلام، والكذب والتلبيس وإظهار المخارق الباطلة وأكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله ما يوجد ..
وقد تقدمت لي معهم وقائع متعددة بينت فيها لمن خاطبته منهم ومن غيرهم بعض ما فيهم من حق وباطل، وأحوالهم التي يسمونها الإشارات، وتاب منهم جماعة، وأدب منهم جماعة من شيوخهم، وبينت صورة ما يظهرونه من المخاريق: مثل ملابسة النار والحيات، وإظهار الدم، واللاذن والزعفران وماء الورد والعسل والسكر وغير ذلك، وأن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة، وأراد غير مرة منهم قوم إظهار ذلك فلما رأوا معارضتي لهم رجعوا ودخلوا على أن أسترهم فأجبتهم إلى ذلك بشرط التوبة، حتى قال لي شيخ منهم في مجلس عام فيه جماعة كثيرة ببعض البساتين لما عارضتهم بأني أدخل معكم النار بعد أن نغتسل بما يذهب الحيلة، ومن احترق كان مغلوباً، فلما رأوا الصدق أمسكوا عن ذلك.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 168)
وحكى ذلك الشيخ أنه كان مرة عند بعض أمراء التتر بالمشرق، وكان له صنم يعبده، قال: فقال: هذا الصنم يأكل من هذا الطعام كل يوم ويبقى أثر الأكل في الطعام بيناً يرى فيه!! فأنكرت ذلك، فقال لي إن كان يأكل أنت تموت؟ فقلت نعم، قال: فأقمت عنده إلى نصف النهار ولم يظهر في الطعام أثر! فاستعظم ذلك التتري وأقسم بأيمان مغلظة أنه كل يوم يرى فيه أثر الأكل، لكن اليوم بحضورك لم يظهر ذلك. فقلت لهذا الشيخ: أنا أبين لك سبب ذلك. ذلك التتري كافر مشرك، ولصنمه شيطان يغويه بما يظهره من الأثر في الطعام، وأنت كان معك من نور الإسلام وتأييد الله تعالى ما أوجب انصراف الشيطان عن أن يفعل ذلك بحضورك، وأنت وأمثالك بالنسبة إلى أهل الإسلام الخالص كالتتري بالنسبة لأمثالك. فالتتري وأمثاله سود، وأهل الإسلام المحض بيض، وأنتم بلق فيكم سواد وبياض. فأعجب هذا المثل من كان حاضراً!!!
وقلت لهم في مجلس آخر لما قالوا تريد أن تظهر هذه الإشارات؟ قلت: إن عملتموها بحضور من ليس من أهل الشأن: من الأعراب والفلاحين، أو الأتراك أو العامة أو جمهور المتفقهة والمتفرقة والمتصوفة لم يحسب لكم ذلك. فمن معه ذهب فليأت به إلى سوق الصرف إلى عند الجهابذة الذين يعرفون الذهب الخالص من المغشوش ومن الصفر، لا يذهب إلى عند أهل الجهل بذلك. فقالوا لي: لا نعمل هذا إلا أن تكون همتك معنا، فقلت: همتي ليست معكم، بل أنا معارض لكم مانع لكم، لأنكم تقصدون بذلك إبطال شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان لكم قدرة على إظهار ذلك فافعلوا. فانقلبوا صاغرين. فلما كان قبل هذه الواقعة بمدة كان يدخل منهم جماعة مع شيخ لهم من شيوخ البر. مطوقين بأغلال الحديد في أعناقهم، وهو وأتباعه معروفون بأمور، وكان يحضر عندي مرات فأخاطبه بالتي هي أحسن؛ فلما ذكر الناس ما يظهرونه من الشعار المبتدع الذين يتميزون به عن المسلمين. ويتخذونه عبادة وديناً يوهمون به الناس أن هذا لله سر من أسرارهم، وأنه سيماء أهل الموهبة الإلهية السالكين طريقهم –أعني طريق ذلك الشيخ وأتباعه- خاطبته في ذلك بالمسجد الجامع، وقلت هذا بدعة لم يشرعها الله تعالى ولا رسوله، ولا فعل ذلك أحد من سلف هذه الأمة ولا من المشايخ الذين يقتدى بهم، ولا يجوز التعبد بذلك، ولا التقرب به إلى الله تعالى لأن عبادة الله بما لم يشرعه ضلالة، ولباس الحديد على غير وجه التعبد قد كرهه من كرهه من العلماء للحديث المروي في ذلك وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على رجل خاتماً من حديد فقال: ((مالي أرى عليك حلية أهل النار)) (1). وقد وصف الله تعالى أهل النار بأن في أعناقهم الأغلال، فالتشبه بأهل النار من المنكرات. وقال بعض الناس قد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرؤيا قال في آخره ((أحب القيد وأكره الغل. القيد ثبات في الدين)) (2) فإذا كان مكروهاً في المنام فكيف في اليقظة؟!--------------------------------------------
(1) رواه أبو داود (4223) والترمذي (1785) والنسائي (5195) وابن حبان (5488) من حديث بريدة بن الحصيب، قال الترمذي غريب، وقال النسائي في ((الكبرى)) (9442) منكر وضعفه الألباني.
(2) رواه مسلم (2263) على الشك أنه مرفوع أو لا، ثم رواه من قول أبي هريرة، ورواه أبو داود (5019) والترمذي (2280) وصححه الألباني.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 169)
فقلت له في ذلك المجلس ما تقدم من الكلام أو نحواً منه مع زيادة، وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة، وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله، ونحو ذلك من الكلام الذي نسيت أكثره لبعد عهدي به. وذلك أن الأمور التي ليست مستحبة في الشرع لا يجوز التعبد بها باتفاق المسلمين، ولا التقرب بها إلى الله ولا اتخاذها طريقاً إلى الله وسبباً لأن يكون الرجل من أولياء الله وأحبائه، ولا اعتقاد أن الله يحبها أو يحب أصحابها كذلك، أو أن اتخاذها يزداد به الرجل خيراً عند الله وقربة إليه، ولا أن يجعل شعاراً للتائبين المريدين وجه الله الذين هم أفضل ممن ليس مثلهم.
فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به، وهو أن المباحات إنما تكون مباحة إذا جعلت مباحات، فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك ديناً لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها، فلا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله؛ ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع ديناً لم يأذن الله به، ولمن حرم ما لم يأذن الله بتحريمه فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات؟ ولهذا كانت هذه الأمور لا تلزم بالنذر، فلو نذر الرجل فعل مباح أو مكروه أو محرم لم يجب عليه فعله كما يجب عليه إذا نذر طاعة الله أن يطيعه؛ بل عليه كفارة يمين إذا لم يفعل عند أحمد وغيره، وعند آخرين لا شيء عليه. فلا يصير بالنذر ما ليس بطاعة ولا عبادة طاعة وعبادة.
ونحو ذلك العهود التي تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين كعهود أهل (الفتوة) و (رماة البندق) ونحو ذلك ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على وجه الدين والطاعة لله إلا ما كان ديناً وطاعة لله ورسوله في شرع الله؛ لكن قد يكون عليه كفارة عند الحنث في ذلك؛ ولهذا أمرت غير واحد أن يعدل عما أخذ عليه من العهد بالتزام طريقة مرجوحة أو مشتملة على أنواع من البدع إلى ما هو خير منها من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم واتباع الكتاب والسنة؛ إذا كان المسلمون متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل: إنه قربة وطاعة وبر وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك، وما علم باتفاق الأمة أنه ليس بواجب ولا مستحب ولا قربة لم يجز أن يعتقد أو يقال إنه قربة وطاعة.
فكذلك هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله، ولا التعبد به ولا اتخاذه ديناً ولا عمله من الحسنات، فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول، ولا بإرادة وعمل.
وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرماً لا ينهى عنه، بل يقال إنه جائز ولا يفرقون بين اتخاذه ديناً وطاعة وبراً، وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة، ومعلوم أن اتخاذه ديناً بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما أو بالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر السيئات، وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يعلم أنها معاص وسيئات.
فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة ومضت على ذلك مدة والناس يذكرون عنهم والإصرار على الابتداع في الدين، وإظهار ما يخالف شرعة المسلمين، ويطلبون الإيقاع بهم، وأنا أسلك مسلك الرفق والأناة، وأنتظر الرجوع والفيئة، وأؤخر الخطاب إلى أن يحضر (ذلك الشيخ) لمسجد الجامع. وكان قد كتب إلي كتاباً بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار، وعتب وآثار، وهو كلام باطل لا تقوم به حجة، بل إما أحاديث موضوعة، أو إسرائيليات غير مشروعة، وحقيقة الأمر الصد عن سبيل الله وأكل أموال الناس بالباطل.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 170)
فقلت لهم: الجواب يكون بالخطاب. فإن جواب مثل هذا الكتاب لا يتم إلا بذلك وحضر عندنا منهم شخص فنزعنا الغل من عنقه.
وهؤلاء هم من أهل الأهواء الذين يتعبدون في كثير من الأمور بأهوائهم لا بما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ [القصص: 50]. ولهذا غالب وجدهم هوى مطلق لا يدرون من يعبدون، وفيهم شبه قوي من النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ [المائدة: 77]، ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء.
فحملهم هواهم على أن تجمع الأحزاب، ودخلوا إلى المسجد الجامع مستعدين للحراب، بالأحوال التي يعدونها للغلاب. فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ونتفق على اتباع سبيله - فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة، وكأنهم اتفقوا مع بعض الكبار على مطلوبهم، ثم رجعوا إلى مسجد الشاغور -على ما ذكر لي- وهم من الصياح والاضطراب، على أمر من أعجب العجاب. فأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة والمعذرة، وطلباً للبيان والتبصرة، ورجاء المنعة والتذكرة. فعمدوا إلى القصر مرة ثانية، وذكر لي أنهم قدموا من الناحية الغربية مظهرين الضجيج والعجيج والإزباد والإرعاد، واضطراب الرؤوس والأعضاء، والتقلب في نهر بردى وإظهار التوله الذي يخيلوا به على الردى، وإبراز ما يدعونه من الحال والمحال، الذي يسلمه إليهم من أضلوا من الجهال.
فلما رأى الأمير ذلك هاله ذلك المنظر، وسأل عنهم فقيل له هم مشتكون، فقال ليدخل بعضهم، فدخل شيخهم، وأظهر من الشكوى عليّ ودعوى الاعتداء مني عليهم كلاماً كثيراً لم يبلغني جميعه؛ لكن حدثني من كان حاضراً أن الأمير قال لهم: فهذا الذي يقوله من عنده أو يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: بل يقوله عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال: فأي شيء يقال له؟ قالوا: نحن لنا أحوال وطريق يسلم إلينا، قال: فنسمع كلامه فمن كان في الحق معه، قالوا: ولا بد من حضوره؟ قال: نعم، فكرروا ذلك فأمر بإخراجهم، فأرسل إلي بعض خواصه من أهل الصدق والدين ممن يعرف ضلالهم وعرفني بصورة الحال وأنه يريد كشف أمر هؤلاء.
فلما علمت ذلك ألقي في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين، وكشف حال أهل النفاق المبتدعين، لانتشارهم في أقطار الأرضين، وما أحببت البغي عليهم والعدوان، ولا أن أسلك معهم إلا أبلغ ما يمكن من الإحسان، فأرسلت إليهم من عرفهم بصورة الحال، وأني إذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال، وكثر فيكم القيل والقال، وأن من قعد أو قام قدام رماح أهل الإيمان، فهو الذي أوقع نفسه في الهوان. فجاء الرسول وأخبر أنهم اجتمعوا بشيوخهم الكبار، الذين يعرفون حقيقة الأسرار، وأشاروا إليهم بموافقة ما أمروا به من اتباع الشريعة، والخروج عما ينكر عليهم من البدع الشنيعة. وقال شيخهم الذي يسيح بأقطار الأرض كبلاد الترك ومصر وغيرها: أحوالنا تظهر عند التتار لا تظهر عند شرع محمد بن عبدالله. وأنهم نزعوا الأغلال من الأعناق، وأجابوا إلى الوفاق.
(খণ্ড: 8) (পৃষ্ঠা: 171)