على وجه المضاربة فيعملون فيها بالأعمال المباحة من بيع وشراء واستئجار وتأجير وأخذ مقاولات وغير ذلك من الأمور التي لا بأس بها، وإذا حصل لهم ربح قسموه على قدر ما يستحقه كل واحد من أهل الأموال. فهذا البنك يحصل فيه ربح كثير لأهل الأموال مع سلامتهم من أخذ الربا وإعطائه، وقد حصلت فيه أرباح كثيرة جدًا في عامي 1406هـ و1407هـ وهي مذكورة في صحيفة الجزيرة الصادرة في مدينة الرياض في يوم الأربعاء 11 ربيع الثاني عام 1408هـ عدد 5543 فليراجع المفتونون بالمعاملات الربوية في البنوك غير الإسلامية هذا العدد من صحيفة الجزيرة ليعلموا أنهم قد حرموا من أرباح كثيرة وأنهم لم يحصلوا على طائل في البنوك غير الإسلامية، مع ما حصلوا عليه من خسارة الدين وما سيحصل لهم من العذاب في البرزخ وفي الدار الآخرة إن لم يتوبوا إلى الله -تعالى- وينزعوا عن المعاملات الربوية. ومن تاب منهم توبة صادقة فإنه يُرجى له العفو عما سلف منه.
ومن البنوك الإسلامية أيضا بيت التمويل الكويتي.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن سلامة الدين لا يعدلها شيء من الأمور الدنيوية. وعلى هذا فمن أحب أن يسلم له دينه مع حصول الأرباح الكثيرة فليجعل ماله في البنوك الإسلامية وليجتنب البنوك التي يتعامل أهلها بالربا. ولا يغتر بما يهذو به الفتان وأمثاله من المحاربين لله ورسوله.
فصل
وأما قول الفتان إن وظيفة الجهاز المصرفي في اقتصادٍ ما تشبه إلى حد كبير وظيفة القلب بالنسبة لجسم الإنسان تمامًا كالقلب الذي يتولى ضخ الدم في عروق جسم الإنسان يقوم البنك بتسيير النقود في عروق الحياة الاقتصادية لأي بلد لتعيش وتزدهر.
فجوابه أن يقال: إن تشبيه الفتان وظيفة الجهاز المصرفي بالنسبة للحياة الاقتصادية بوظيفة القلب بالنسبة لجسم الإنسان تشبيه في غاية الفساد، وبيان ذلك من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن حياة كل إنسان، بل وكل حيوان تتوقف على سلامة قلبه وقيامه بالوظيفة التي جعلها الله له من ضخ الدم في العروق. فإذا عجز القلب عن القيام بوظيفته فإن مآل صاحبه إلى الموت ولابد، وليست البنوك بهذه المثابة من صفة
القلب؛ لأن مصالح الناس واقتصاداتهم ليست متوقفة على التعامل مع أهل البنوك، ولو أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
البنوك أزيلت من جميع البلاد الإسلامية لما كان على المسلمين ضرر من إزالتها ولم تتعطل مصالحهم واقتصادياتهم من أجل إزالتها.
والوجه الثاني: أن يقال: إن كثيرا من المسلمين بل أكثرهم لا يتعاملون مع أهل البنوك بالمعاملات الربوية، ومع هذا فإن مصالحهم واقتصادياتهم كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، ولو كان الأمر في البنوك على وفق ما زعمه الفتان لما كان يتم لهم شيء من المصالح والاقتصاديات، وبهذا يعلم بطلان ما زعمه الفتان من تشبيه وظيفة البنك بوظيفة القلب.
الوجه الثالث: أن يقال: إن المسلمين قد عاشوا أكثر من ثلاثة عشر قرنًا وهم لا يعرفون البنوك، ومع هذا فإن مصالحهم واقتصادياتهم كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، ولم يكن في عدم البنوك في زمانهم أدنى شيء من المضرة لهم في مصالحهم واقتصادياتهم، وعلى هذا فهل يقول الفتان إن مصالح المسلمين واقتصادياتهم كانت متعطلة في أكثر من ثلاثة عشر قرنا لعدم البنوك التي تقوم بتسيير النقود في عروق الحياة الاقتصادية عندهم، أم ماذا يجيب به عن هذيانه الذي يتنزه عنه كل عاقل؟!
الوجه الرابع: أن يقال: إن التعامل بالربا مع أهل البنوك شبيه بداء السرطان الذي يفتك بالأبدان ويؤول بها إلى العطب. بل إن التعامل بالربا أعظم ضررًا على المرابين من ضرر السرطان على الأبدان؛ لأن السرطان إذا عظم واشتد فإنما يؤول بصاحبه إلى الموت ولا بد له منه. وفي الموت راحة لكل مؤمن. وأما الربا فإن ضرره على المُصرِّين عليه عظيم جدا، فمنه ما يكون في الدنيا، ومنه ما يكون في البرزخ بين الدنيا والآخرة. ومنه ما يكون في الدار الآخرة، فأما ضرره في الدنيا فمنه ما يتعلق بالدين، ومنه ما يتعلق بالمال، ومنه ما يتعلق بالأبدان، فأما ضرره المتعلق بالدين فبيانه من وجوه؛ أحدها: أنه من الكبائر السبع الموبقات - أي المهلكات - والكبائر لا تغفر إلا بالتوبة منها. الوجه الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه؛ واللعن هو الطرد من الله ومن الخير. الوجه الثالث: أن الله -تعالى- آذن المرابين بالحرب منه ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أعظم الخطر في هذا.
وأما ضرره المتعلق بالمال فإن الله -تعالى- أخبر أنه يمحق الربا. أي يهلكه ويذهب ببركته، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
وأما ضرره المتعلق بالأبدان فهو ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه". وقد صرح غير واحد من العلماء بتكفير من استحل الربا.
وأما ضرر الربا على أهله في البرزخ فهو على ثلاثة أنواع؛ النوع الأول: أن المرابين يعذبون بالسباحة في النهر الأحمر الذي هو مثل الدم أو هو من الدم ويلقمون الحجارة. النوع الثاني: ما روي أن بطونهم تكون كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم. النوع الثالث: ما روي أنهم يصفدون على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيًا فيتوطؤهم آل فرعون.
وأما ضرر الربا على أهله في الدار الآخرة فهو أنهم إذا بعثوا من قبورهم عذبوا بالجنون أو بما يشبه الجنون عقوبة لهم وتمقيتا عند جمع المحشر، ثم يكون مآلهم إلى النار.
وكل ما ذكرته ههنا من ضرر الربا على أهله فقد تقدم بيانه في الآيات والأحاديث الدالة على تحريم الربا وفي فوائدها فليراجع، وليتأمله المؤمن الناصح لنفسه حق التأمل، ولا يكن إمَّعة يتلاعب الفتان وأمثاله بعقله ويوردونه موارد العطب والهلاك.
فصل
وأما قول الفتان: لكن هناك من يحاول تعطيل هذا الجهاز عن القيام بوظيفته خوفا من أن أعماله مشوبة بالربا الذي ورد تحريمه في القرآن الكريم.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن كلام الفتان في هذه الجملة مبنى على المغالطة والتلبيس على الذي لا يعلمون أن الربا هو الزيادة التي يدفعها أهل البنوك لأهل الأموال مقابل انتفاعهم بأموالهم ويسمونها بالفائدة، وهي في الحقيقة عين الربا الذي حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع المسلمون على تحريمه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد حاول في هذه الجملة أن يدافع عن أهل البنوك وينزه أعمالهم عن الربا، ولهذا عبر بالخوف من أن تكون أعمال البنوك مشوبة بالربا. وهذا خطأ ظاهر ومراوغة عن بيان الحقيقة التي يعرفها كل عاقل، وهي أن المعاملات الربوية هي السائدة في البنوك وهي الركن الأعظم فيها، وعلى هذا فإن كلام الفتان في هذه الجملة مردود عليه ومضروب به عرض الحائط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
الوجه الثالث: أن يقال: إن الذين يحاولون تعطيل الجهاز الربوي في البنوك لم تكن محاولتهم مبينة على الخوف من أن تكون أعمال أهل البنوك مشوبة بالربا وإنما هي مبنية على اليقين من وجود الربا في جميع البنوك سوى البنوك الإسلامية وهم في هذه المحاولة قد أحسنوا غاية الإحسان لأنهم فعلوا ما أمروا به من النهي عن المنكر والسعي في إزالته.
فصل
وأما قول الفتان: كيف ينظر فقهاء المسلمين إلى الظاهرة الاقتصادية للفائدة؟ ولماذا يعتبر القرض بفائدة محرما في نظرهم؟
فجوابه: أن يقال: ما سماه الفتان بالظاهرة الاقتصادية للفائدة فمعناه ما يتعامل به بعض الناس مع أهل البنوك من المعاملات الربوية، وذلك أنهم يدفعون إليهم أموالهم ويمنحونهم الانتفاع بها بنسبة معلومة في المائة في كل عام. وهذه النسبة هي التي يسمونها الفائدة وهي عين الربا وهي شبيهة بربا أهل الجاهلية. وقد تقدم بيان ذلك في أول الكلام على المقدمة الثالثة من مقدمات الفتان فليراجع.
وأما قوله: لماذا يعتبر القرض بفائدة محرمًا في نظرهم؟
فجوابه: أن يقال: إنما يعتبر القرض بفائدة محرما لأنه ربا والربا من الكبائر السبع الموبقات - أي المهلكات - وقد تقدم النص على ذلك في حديث أبي هريرة المتفق على صحته، وقد قال أبو بكر الجصاص في (أحكام القرآن): "الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض هذا كان المتعارف المشهور بينهم". وقال أيضا: "من الربا ما هو بيع ومنه ما ليس ببيع وهو ربا أهل الجاهلية وهو القرض المشروط فيه الأجل وزيادة مال على المستقرض" انتهى. وتعريفه للربا عند أهل الجاهلية مطابق لما يفعله أهل البنوك من الإقراض والاستقراض بما يسمونه الفائدة وهي عين الربا الذي كان يعمل به في الجاهلية.
والدليل على أن القرض بفائدة من الربا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري وتقدم ذكره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
وعن عبادة بن الصامت وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وتقدم ذلك أيضا.
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء» متفق عليه وتقدم ذكره أيضا.
وتقدم أيضا عن عليٍّ وابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما».
وقد جاء عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا في القرض الذي يجر منفعة أنه ربا، فمن ذلك ما رواه البخاري والبيهقي واللفظ للبخاري عن سعيد بن أبي برده عن أبيه أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال له: "إنك في أرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قتٍّ فإنه ربا" وقد رواه عبد الرزاق في مصنفه مختصرا. وبوَّب البيهقي عليه وعلى عدة آثار في معناه بقوله: "باب كل قرض جر منفعة فهو ربا".
وروى البخاري والبيهقي أيضا واللفظ للبيهقي عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال له: "إنك في أرض الربا فيها فاش، وإن من أبواب الربا أن أحدكم يقرض القرض إلى أجل فإذا بلغ أتاه به وبِسلَّة فيها هدية، فاتَّق تلك السلة وما فيها".
وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن زر بن حبيش قال أتيت أُبيَّ بن كعب فقلت: إني أريد العراق أجاهد فقال لي: "إنك تأتي أرضا فاشيا بها الربا، فإذا أقرضت رجلا قرضا فأهدي لك هدية فخذ قرضك واردد إليه هديته".
وروى ابن أبي شيبة أيضا عن زيد بن أبي أنيسة أن عليًا رضي الله عنه سُئل عن الرجل يقرض الرجل القرض ويهدي إليه قال: "ذلك الربا العجلان".
وروى عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن سيرين قال: أقرض رجل رجلا خمسمائة درهم واشترط عليه ظهر فرسه، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما أصاب من ظهر فرسه فهو ربا" وفي رواية للبيهقي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه سُئل عن رجل استقرض من رجل دراهم، ثم إن المستقرض أفقر المقرض ظهر دابته فقال عبد الله: "ما أصاب من ظهر دابته فهو ربا" قال البيهقي: قال أبو عبيد: "يذهب إلى أنه قرض جرَّ منفعة".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
وفي الموطأ عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يقول: "من أسلف سلفا فلا يشترط أفضل منه وإن كانت قبضة من علف فهو ربا".
وفي الموطأ أيضا عن مالك أنه بلغه أن رجلا أتى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أسلفت رجلا سلفا واشترطت عليه أفضل مما أسلفته فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "فذلك الربا" وقد رواه عبد الرزاق والبيهقي من طريق مالك.
وروى البيهقي أيضا عن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا".
وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم أنه قال: "كل قرض جر منفعة فهو ربا" إبراهيم هو النخعي وهو من فقهاء التابعين.
وفيما ذكرته من الأحاديث والآثار أبلغ رد على من يستحل الربا في القرض ويسميه فائدة.
فصل
وقد ذكر الفتان قول الله -تعالى-: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} ثم قال ما نصه: "وذلك لأن هؤلاء قد استعجلوا الأرباح فأتوها من غير طريق التجارة وهو طريق استغلال ظروف المحتاجين للصدقة الذين قلَّ ما يستطيعون وفاء ديونهم وما تراكم عليها من ربا للمرابين، ولذلك فإن هذه المغامرة في استغلال حاجة غير القادر ومضاعفة الربا عليه كلما حل الأجل وعجز عن الوفاء تجعل من هؤلاء المستغلين عند عجز المدين عن الوفاء كالذي يتخبطه الشيطان من المس؛ لأنه قد فقد رأس ماله إلى جانب فقده لأرباحه الاستغلالية بعد أن انتظر هذه الأضعاف المضاعفة بفارغ الصبر. وقد جرى كثير من المفسرين على أن القيام في هذه الآية هو القيام للبعث ولكن لم لا يكون المراد القيام في الدنيا والقيام للبعث والحساب".
والجواب: أن يقال: إن تفسير الفتان لقول الله -تعالى-: {الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} تفسير غريب جدًا. وقد جمع فيه بين القول في القرآن بغير علم وبين المخالفة لإجماع المفسرين على أن المعنى في الآية لا يقومون من قبورهم في البعث إلا كالمجنون.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
فأما القول في القرآن بغير علم فهو حرام وكبيرة من الكبائر بدليل ما جاء من الوعيد الشديد عليه، وذلك فيما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وفي رواية للترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي: "هذا حديث حسن"، قال البغوي: قال شيخنا (1) الإمام: "قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه وذلك فيمن قال من قِبل نفسه شيئا من غير علم". انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من فسَّر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفترٍ على الله ملحد في آيات الله محرِّف للكلم عن مواضعه". انتهى.
وأما إجماع المفسرين على أن المعنى لا يقومون من قبورهم في البعث إلا كالمجنون فقد ذكره ابن جزي في تفسيره، وقال ابن عطية في تفسيره: "إن هذا التأويل مجمع عليه … قال: ويقويه أن في قراءة عبد الله بن مسعود لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم". وقال الماوردي في تفسيره: "يكون ذلك في القيامة علامة لآكل الربا في الدنيا".
وقال النسفي: "المعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف"، وروي ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "ذلك حين يبعث من قبره"، وقال ابن عطية في تفسيره: "قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد، معنى قوله: (لا يقومون) من قبورهم في البعث يوم القيامة، قال بعضهم يجعل معه شيطان يخنقه، وقالوا: كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جمع المحشر". انتهى.
وقد ذكرت هذه الأقوال في الفائدة الرابعة من فوائد الآيات الدالة على تحريم الربا، وإنما أعدتُ ذكرها في هذا الموضع تنبيها على جراءة الفتان على القول في القرآن بغير علم وجراءته على مخالفة أهل العلم من الصحابة والتابعين.
وأما قوله: وقد جرى كثير من المفسرين على أن القيام في هذه الآية هو القيام .....--------------------------------------------
(1) هو القاضي حسين بن محمد. تراجع الحاشية في ص9.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
للبعث، ولكن لم لا يكون المراد القيام في الدنيا والقيام للبعث والحساب.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: قد تقدم ذكر الإجماع من المفسرين على أن المراد بالقيام المذكور في الآية هو القيام من القبور يوم القيامة وما خالف الإجماع فهو مطرح ومردود على قائله.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد أخطأ في تعبيره حيث نسب القول الذي قد أجمع عليه المفسرون إلى كثير منهم ولم يذكر أنهم قد أجمعوا عليه، وهذا من عدم الأمانة في النقل.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الفتان قد تعرض للوعيد الشديد حيث قال في القرآن برأيه وذلك في قوله: "ولكن لم لا يكون المراد القيام في الدنيا والقيام للبعث والحساب" وكان ينبغي له أن يقتصر على ما جاء عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم لأن كلا منهما حبر من أحبار هذه الأمة وترجمان للقرآن.
فأما ابن مسعود رضي الله عنه فقد روي ابن أبي حاتم عنه أنه كان يقرأ {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ يَومَ القيامَةِ}.
وأما ابن عباس رضي الله عنهما فقد روى ابن جرير عنه أنه قرأ {لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} قال: ذلك حين يبعث من قبره، وقد قال بهذا القول جمع من التابعين وتقدم ذكر ذلك عنهم. وتقدم أيضا ذكر الإجماع عليه.
وفي قراءة ابن مسعود وقول ابن عباس أبلغ رد على الفتَّان وعلى غيره من المتكلفين الذين يقولون في القرآن بآرائهم ويتأولونه على غير تأويله.
الوجه الرابع: أن يقال: لو كان القيام المذكور في الآية يراد به القيام في الدنيا كما يراد به القيام للبعث لكان أهل البنوك ومن يعاملهم بالمعاملات الربوية مجانين يخنقون أو كالمجانين الذين يتخبطهم الشيطان من المس، والواقع شاهد بسلامة أبدانهم من التعذيب بهذا في الدنيا، ولكنه مُدَّخر لهم في الدار الآخرة حين يبعثون من قبورهم عقوبة لهم وتمقيتا عند جمع المحشر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
فصل
وقال الفتان: "يقول الأستاذ الشيخ محمد عبده، قال ابن عطية في تفسيره المراد تشبيه المرابي في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يسرع بحركات مختلفة قد جُنَّ، ثم قال أقوال: وهذا هو المتبادر ولكن ذهب جمهور المفسرين إلى خلافه وقالوا إن المراد بالقيام القيام من القبر عند البعث وأن الله -تعالى- جعل من علامة الذين يأكلون الربا يوم القيامة أنهم يبعثون كالمصروعين. ورووا ذلك عن ابن عباس وابن مسعود، وبعد أن وهَّن هذا الرأي من جهة ضعف نقله قال: أما ما قاله ابن عطية فهو ظاهر في نفسه، فإن أولئك الذين فتنهم المال واستعبدهم حتى ضريت نفوسهم بجمعه وجعلوه مقصودا لذاته وتركوا لأجل الكسب به جميع موارد الكسب الطبيعي، تخرج نفوسهم عن الاعتدال الذي عليه أكثر الناس، ويظهر ذلك في حركاتهم. وهذا هو وجه الشبه بين حركاتهم وبين تخبط الممسوس، فإن التخبط من الخبط وهو ضرب غير منتظم، وكخبط العشواء، وبهذا يمكن الجمع بين ما قاله ابن عطية وما قاله الجمهور، ويمضي الشيخ محمد عبده قائلا: ذلك أنه إذا كان ما شنع به على المرابين من خروج حركاتهم عن النظام المألوف هو أثر اضطراب نفوسهم وتغير أخلاقهم كان لابد أن يبعثوا عليه فإن المرء يبعث على ما مات عليه لأنه يموت على ما عاش عليه".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن هذا الكلام الذي ساقه الفتان ونسبه لمحمد عبده ليس هو من كلام محمد عبده وإنما هو من كلام رشيد رضا في تفسيره المسمى (تفسير المنار) وكان ينبغي للفتان أن ينسبه لقائله، وقد كان رشيد رضا يعتمد في بعض المواضع من تفسيره على كلام أستاذه محمد عبده، وكان ينسب إليه الكلام الذي ينقله عنه فيقول قال الأستاذ الإمام كذا وكذا. وفي هذا الموضع الذي نقل منه الفتان ما نقل لم ينسبه رشيد رضا إلى محمد عبده فدلَّ على أنه من كلام رشيد رضا وليس من كلام محمد عبده، وقد حصل في نقل الفتان إسقاط لبعض الكلمات الموجودة في كلام رشيد رضا وهي كلمات قليلة ولكن حذفها يخل بالمعنى فلهذا ألحقتها في مواضعها لتستقيم العبارة.
الوجه الثاني: أن أقول: قد ذكرت في الفصل الذي قبل هذا الفصل ما ذكره ابن عطية في تفسيره عن ابن عباس وجماعة من التابعين أنهم قالوا: "معنى قوله: {لَا يَقُومُونَ} من قبورهم في البعث يوم القيامة، قال بعضهم: يجعل معه شيطان يخنقه، ...................
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
وقالوا كلهم يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جمع المحشر، قال ويقوى هذا التأويل المجمع عليه أن في قراءة عبد الله بن مسعود {لَا يَقُومُونَ يوم القيامة إِلَّا كَمَا يَقُومُ} " هذا كلام ابن عطية وهو موافق لأقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين في معنى الآية الكريمة، ثم إن ابن عطية أبدى في ألفاظ الآية احتمالا مخالفا لما أجمع عليه المفسرون فقال ما نصه: "وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الربا بقيام المجنون؛ لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه، وهذا كما تقول لمسرع في مشيه مخلط في هيئة حركاته إما من فزع أو غيره قد جُن هذا، لكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود، وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل". انتهى كلام ابن عطية. وبما صرح به من تضعيف هذا الاحتمال يظهر ما في كلام رشيد رضا من التعمية والتلبيس، وذلك أنه غير كلام ابن عطية وساقه بلفظ غير اللفظ الموجود في تفسير ابن عطية، وإنما فعل هذا لِتَتَّفِق عبارته مع ما نمَّقه من الكلام الذي خالف فيه أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين في معنى الآية الكريمة، وحاصل كلامه يدور على القول في معنى الآية بالرأي واطراح الأقوال المأثورة عن السلف.
الوجه الثالث: أن يقال: إن رشيد رضا لم يؤد الأمانة في نقله كلام ابن عطية؛ لأنه غيَّر أسلوبه وساقه على سبيل الجزم بأن المراد تشبيه المرابي في الدنيا بالمتخبط المصروع وهذا مخالف لمقتضى كلام ابن عطية؛ لأن ابن عطية إنما ذكره احتمالا ولم يذكره على سبيل الجزم بأنه المراد، ثم إن رشيد رضا لم يذكر أن ابن عطية تعقب الاحتمال الذي أبداه في ألفاظ الآية بالتضعيف. وهذا من التعمية على من لا علم عندهم وإيهامهم أن ابن عطية قد اعتمد على الاحتمال الذي أبداه في ألفاظ الآية الكريمة ورضي به.
الوجه الرابع: أن يقال: إنه لا حقيقة لما ذكره رشيد رضا عن المرابين من خروج نفوسهم عن الاعتدال الذي عليه أكثر الناس وأن ذلك يظهر في حركاتهم، وأن حركاتهم خارجة عن النظام المألوف، وما ذكره أيضا من اضطراب نفوسهم وتغير أخلاقهم، فكل هذا لا وجود له في المرابين، والواقع شاهد بأنه ليس في أحوالهم وأبدانهم ما يتميزون به عن غيرهم من الناس، وشاهد بأن أبدانهم سالمة من كل ما وصفهم به رشيد رضا، ومن توقف في هذا فليدخل البنوك ولينظر إلى أهلها وإلى من يعاملهم بالمعاملات الربوية حتى يعلم يقينا أنه لا وجود لشيء مما وصفهم به رشيد رضا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
الوجه الخامس: أن يقال: إن كلام رشيد رضا مبني على أمرين خطيرين؛ أحدهما تأويل الآية بالرأي وتجريدها مما ذكر فيها من الوعيد للمرابين إذا بعثوا يوم القيامة بالجنون أو بما يشبه الجنون. وذلك أنه ذكر عن الذين فتنهم المال واستعبدهم أن نفوسهم تخرج عن الاعتدال الذي عليه أكثر الناس وأن ذلك يظهر في حركاتهم، وأنه إذا كان ما شنَّع به على المرابين من خرج حركاتهم عن النظام المألوف وأثر اضطراب نفوسهم وتغير أخلاقهم كان لابد أن يبعثوا عليه فإن المرء يبعث على ما مات عليه لأنه يموت على ما عاش عليه. هذا كلامه، وهو ظاهر في نفي الوعيد عن المرابين إذا بعثوا يوم القيامة بالجنون أو بما يشبه الجنون وأنهم إنما يبعثون على ما عاشوا عليه من خروج حركاتهم عن النظام المألوف وأثر اضطراب نفوسهم وتغير أخلاقهم، وحاصل كلامه أن المرابين يكونون بعد البعث على الحال التي كانوا عليها في الدنيا. وهذا من تحكيم الرأي في معنى الآية وإنكار ما جاء فيها من الوعيد للمرابين. وما أشد الخطر في هذا. وقد قال الإمام الحافظ عبد الرحمن بن مندة: "التأويل عند أصحاب الحديث نوع من التكذيب".
الأمر الثاني مخالفة إجماع المفسرين على أن المعنى لا يقومون من قبورهم في البعث إلا كالمجنون، وقد تقدم ذكر هذا الإجماع في كلام ابن جزي وابن عطية. ومخالفة الإجماع ليس بالأمر الهين. وإنه لينطبق على رشيد رضا ما ذكره محمود شلتوت في كلامه الذي تقدم ذكره قريبا عن بعض الباحثين المولعين بتصحيح التصرفات الحديثة أنهم إنما يفعلون ذلك ليعرفوا بالتجديد وعمق التفكير.
وقال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه المسمى بـ (المسائل الكافية): "إن الذي تخرجوا على الشيخ جمال الدين الأفغاني والذين تخرجوا عمن تخرج عنه يفسرون القرآن برأيهم وينكرون بعض ما ثبت في الشرع ويعتمدون على أقوال الكفار، ويهجرون قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم وقول الراسخين في العلم من المسلمين. وعندهم كلام الله -تعالى- ككلام البشر يتصرفون فيه بغير علم فيحق عليهم الوعيد الوارد في حديث سيد البشر صلى الله عليه وسلم وهو: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث صحيح، وروى الترمذي وغيره: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» حديث حسن".
وقال الشيخ محمد بن يوسف أيضا في كتابه المذكور: "إن الشيخ محمد عبده وأتباعه تكلموا في تفسير كلام الله على الأسلوب الجديد المخترع المؤيد بالتخمين العقلي وبالآلات الكشافة". انتهى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
فهذا كلام رجل عالم بمحمد عبده ورشيد رضا وغيره من أتباع محمد عبده، وقد كان الشيخ محمد بن يوسف معاصرًا لهم وقد عاش معهم في بلادهم وعرفهم حق المعرفة فلهذا نبَّه على أسلوبهم في تفسير القرآن وأنهم يفسرونه برأيهم وتخمينهم. ومن نظر في تفسيرهم لبعض الآيات - وكان نبيهًا ولم يكون إمَّعة - علم يقينا صحة ما قاله فيهم محمد بن يوسف وما وصفهم به، فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من أقوالهم التي اعتمدوا فيها على مجرد الرأي، ومن أقوالهم التي خالفوا فيها أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم الأئمة المتمسكين بالآثار.
الوجه السادس: أن يقال لأهل البنوك وغيرهم من أكلة الربا: لا تغتروا بحلم الله عنكم في الدنيا، ولا يغرنكم الفتان بجعجعته وبما نقله عن رشيد رضا من الكلام المتضمن تهوين شأن الربا ونفي ما جاء فيه من الوعيد بالجنون أو بما يشبه الجنون للذين يأكلون الربا إذا بعثوا من قبورهم فإن هذا الوعيد حق لا شك فيه. وأما كلام الفتان ورشيد رضا في تهوين شأن الربا فهو باطل وضلال عن الحق، وكيف يرضى ذوو العقول منكم أن يوقعوا أنفسهم في الكبيرة الموبقة، أي المهلكة لمن أوقع نفسه فيها؟! وكيف يرضون أن تلحقهم لعنة الله ولعنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟! وكيف يأمنون من العقوبات التي أعدت للمرابين في البرزخ وبعد البعث من القبور؟! وكيف يرضون أن يكون مآلهم إلى نار جنهم؟! إن العاقل لا يرضى لنفسه بأدنى شيء من الأذى، فكيف يرضى لها بالعقوبات الشديدة وبالخلود في نار جهنم؟! فعليكم أن تبادروا بالتوبة الصادقة قبل أن يحول الموت بينكم وبينها فتندموا حين لا ينفع الندم.
فصل
وقال الفتان: "لم يرد تعيين الأموال الربوية في القرآن الكريم، وإنما ورد تعيينها في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه محمد بن أبي حنيفة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: «الذهب بالذهب مثلا بمثل يدًا بيد والفضل ربا، والفضة بالفضة مثلا بمثل يدًا بيد والفضل ربا، والحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدًا بيد والفضل ربا، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا، والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا، والتمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد والفضل ربا، فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» ".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
والجواب: أن يقال: قد ثبتت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بتعيين ستة أشياء مما يجري فيه الربا؛ وهي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وقد تقدم ذكرها في حديث أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومثله في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وجاء أيضا عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وبلال رضي الله عنهم نحو ذلك، وقد تقدمت أحاديثهم فلتراجع.
فأما الحديث الذي أورده الفتان فإنه حديث منقطع الإسناد ولم يعزه إلى شيء من كتب الحديث حتى يرجع إليه وينظر في رجاله، وقد ذكر أنه رواه محمد بن أبي حنيفة، وهذا الاسم غير موجود في أسماء الضعفاء والمتروكين والوضاعين فضلا عن أن يكون موجودا في أسماء الثقات. وقد ذكر الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد): "محمد بن حنيفة بن محمد بن ماهان أبا حنيفة القصبي الواسطي وذكر أنه أملى في سنة سبع وتسعين ومائتين"، وذكر عن الدارقطني أنه قال: "ليس بالقوي". وذكره الذهبي في كتاب (المغنى في الضعفاء) وفي (ميزان الاعتدال) وذكر قول الدارقطني أنه ليس بالقوي. وذكره ابن حجر في (لسان الميزان) وقال أنه كان موجودا في حدود سنة ثلاثمائة.
وإذا علم هذا فليس من المعقول أن يروي عن عطية العوفي؛ لأن عطية كان في المائة الأولى ومات في سنة إحدى عشرة ومائة. ولو فرضنا أن الحديث روي بإسناد متصل إلى عطية العوفي فإنه يكون مردودا بعطية؛ لأن الأئمة قد تكلموا فيه وضعفه غير واحد منهم، ولو صح لكان حجة على الفتان لأن فيه نصا على أن الفضل في بيع الجنس بجنسه من الأنواع الستة ربا، وما ثبت تعيينه في السنة فهو مثل ما جاء تعيينه في القرآن ويجب العمل به كما يجب العمل بما جاء في القرآن. والدليل على هذا قول الله -تعالى-: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «ألا وإن ما حرم رسول الله فهو مثل ما حرم الله» رواه الدارمي والترمذي وابن ماجة والحاكم عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه وقال الترمذي: "حسن غريب"، وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
فصل
وذكر الفتان عن ابن عباس رضي الله عنهما وطائفة من الصحابة أنهم قصروا الربا على الذي كان معروفا في زمن الجاهلية. وقد كرر الفتان نقل ذلك عن ابن عباس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
والجواب: أن يقال: إن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من الذين كانوا يقولون إنما الربا في النسيئة قد رجعوا عن أقوالهم ووافقوا الجماعة، وقد ذكرت الآثار الواردة في رجوعهم في أثناء الكتاب فلتراجع (1) ففيها أبلغ رد على الفتان.
ويقال أيضا على سبيل الفرض والتقدير لو أن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره ممن قالوا إنما الربا في النسيئة لم يرجعوا عن هذا القول فإن قولهم مردود بالسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، ونهى أن يشف بعضها على بعض، وقال في بيع الفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثل ذلك وقال: «من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وقد ذكرت الأحاديث الواردة في ذلك في أثناء الكتاب فلتراجع (2) فإنها حجة على من خالفها، وقد قال ابن عبد البر: "رجع ابن عباس أو لم يرجع، في السنة كفاية عن قول كل أحد ومن خالفها رد إليها، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ردوا الجهالات إلى السنة". انتهى. وقال ابن عبد البر أيضا: "ولم يتابع ابن عباس على قوله في تأويله حديث أسامة أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم من فقهاء المسلمين إلا طائفة من المكيين أخذوا ذلك عنه وعن أصحابه، وهم محجوجون بالسنة الثابتة التي هي الحجة على من خالفها وجهلها، وليس أحد بحجة عليها". انتهى.
فصل
وزعم الفتان أن الربا الذي كان معروفا في الجاهلية هو الذي نزل فيه القرآن.
والجواب: أن يقال: إن نصوص القرآن عامة فيدخل في عمومها ربا الفضل وربا النسيئة. فما جاء في الآية الأولى من الوعيد لأكلة الربا بأنهم لا يقومون - يعني يوم القيامة - إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة، وما جاء فيها أيضا من الإنكار على من سوَّى بين البيع والربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة، وما جاء فيها أيضا من النص على تحريم الربا فهو عام لربا .............................--------------------------------------------
(1) ص 47 - 53.
(2) ص29 - 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
الفضل وربا النسيئة. وما جاء فيها أيضا من الوعيد بالنار لمن عاد إلى استحلال الربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة. وما جاء في الآية الثانية من النص على محق الربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة. وما جاء في الآية الرابعة من الأمر بترك الربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة، وما جاء في الآية الخامسة من الإيذان بالحرب من الله ورسوله لمن لم يترك الربا فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة، وما جاء فيها أيضا من أن المرابين ليس لهم إلا رؤوس أموالهم وليس لهم أن يأخذوا زيادة عليها فهو عام لربا الفضل وربا النسيئة.
فإن قيل: إن بعض المفسرين ذكروا في الكلام على قول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} أنها نزلت في ربا أهل الجاهلية وهو النسيئة وذكروا مثل ذلك في الكلام على قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}.
فالجواب: أن يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين. فاللفظ في كل من الآيتين عام كما هو عام في الآيتين الأوليين من سورة البقرة. والعموم في الآيات الأربع بتناول ربا أهل الجاهلية وربا أهل الإسلام على حد سواء، وقد جاءت النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل وربا النسيئة على حد سواء. وقد تقدم بيان ذلك في الروايات عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وما ذكر بعدها من الأحاديث. وفي بعضها النص على أن من زاد أو استزاد فقد أربى، والنص أيضا على أن الآخذ والمعطي فيه سواء، وفي رواية في الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن بلالا لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «أَوَّه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية: «هذا الربا فردوه» والروايات بنحو هذا كثيرة، وهي مذكورة فيما تقدم. وقد قال الله -تعالى-: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، وقال -تعالى-: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ}، وقال -تعالى-: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ففي الآيتين من سورة النحل دليل على أن ما جاء في السنة من النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة فهو من البيان لما جاء مجملا في القرآن. وفي الآيتين من سورة النجم دليل على أن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة فهو مما أنزل عليه بالوحي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
فصل
وذكر الفتان أن فريقا من الفقهاء وعلى رأسهم ابن رشد وابن القيم حاولوا أن يكسروا من حدة تطرف المتشددين في الربا، فميزوا بين ربا النسيئة وجعلوه هو الربا الجلي أو الربا القطعي وهو حرام لذاته وبين ربا الفضل وجعلوه ربا خفيا أو ربا غير قطعي وهو حرام أيضا لكن لا لذاته بل لأنه ذريعة إلى ربا النسيئة فتحريمه هو إذا من باب سد الذرائع. ثم تأكد هذا الاتجاه باتجاه أكثر منه تضييقًا لمنطقة الربا فجعل كلا من ربا الفضل وربا النسيئة الواردين في الحديث الشريف محرمين لا لذاتهما بل سدا للذرائع، وربا الجاهلية هو وحده المحرم لذاته.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الذين قالوا بتحريم ربا الفضل وربا النسيئة في الأصناف الستة المذكورة في حديث أبي سعيد الخدري وحديث عبادة بن الصامت وغيرهما من الأحاديث التي تقدم ذكرها إنما قالوا ذلك عملا بالنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وهؤلاء قد أحسنوا غاية الإحسان حيث أنهم قد تمسكوا بالسنة وقابلوا أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبول والتسليم، وليسوا بمتطرفين ولا متشددين كما قد زعم ذلك الفتان ظلما وزورا، وإنما المتطرف في لحقيقة هو الفتان الذي يحاول تحليل الربا في البنوك ولا يبالي بمخالفة الآيات والأحاديث الواردة في تحريمه وترتيب الوعيد الشديد عليه، ولا يبالي أيضا بمخالفة إجماع المسلمين على تحريم الربا وعلى أنه من الكبائر.
الوجه الثاني: أن يقال: قد تقدم في ذكر الإجماع على تحريم الربا ما جاء في جامع الترمذي بعد ذكر حديث أبي سعيد الخدري الذي جاء فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل لا يشف بعضه على بعض، ولا تبيعوا منه غائبا بناجز» قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق". انتهى.
وقال ابن المنذر: "أجمع علماء الأمصار؛ مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعي ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث بن سعد ومن وافقه من أهل مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد وإسحاق ........
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
وأبو ثور والنعمان ويعقوب ومحمد، على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا بر ببر ولا شعير بشعير ولا تمر بتمر ولا ملح بملح متفاضلا يدا بيد ولا نسيئة، وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ، قال وقد روينا هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة يكثر عددهم من التابعين".
قال السبكي في (تكملة شرح المهذب): "وممن قال بذلك من الصحابة أربعة عشر؛ منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وطلحة والزبير - روى مجاهد عنهم - أي الأربعة عشر - أنهم قالوا: الذهب بالذهب والفضة بالفضة وأربوا الفضل، وممن صح ذلك عنه أيضا غير هؤلاء السبعة عبد الله بن عمر وأبو الدرداء. وروي عن فضالة بن عبيد وقد تقدم كلام أبي سعيد وأبي أسيد وعبادة، وقد رويت أحاديث تحريم ربا الفضل من جهة غيرهم من الصحابة، والظاهر أنهم قائلون بها لعدم قبولها للتأويل". انتهى.
وقال ابن عبد البر: "لا أعلم خلافا بين أئمة الأمصار بالحجاز والعراق وسائر الآفاق في أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين ولا بأكثر منه وزنا ولا الدرهم بالدرهمين ولا بشيء من الزيادة عليه". انتهى المقصود من كلامه.
وإذا علم ما تقدم ذكره عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أكابر علماء الأمصار أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا بر ببر ولا شعير بشعير ولا تمر بتمر ولا ملح بملح متفاضلا يدا بيد ولا نسيئة وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ. وعلم أيضا ما ذكره السبكي عن الأربعة عشر من الصحابة رضي الله عنهم ومنه الخلفاء الأربعة أنهم قالوا الذهب بالذهب والفضة بالفضة وأربوا الفضل، وعلم أيضا ما ذكره ابن عبد البر عن أئمة الأمصار بالحجاز والعراق وسائر الآفاق أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين ولا بأكثر منه وزنا ولا الدراهم بالدرهمين ولا بشيء من الزيادة عليه. فهل يقول الفتان أن من قال بهذه الأقوال من الصحابة والتابعين وأكابر العلماء بعدهم فكلهم موصوفون بالتطرف والتشدد؟! أم ماذا يجيب به عن تهوره في كلامه الذي لم يتثبت فيه ولم يتأمل فيما يترتب عليه من القدح في الصحابة والتابعين وأكابر العلماء بعدهم ورميهم بالتطرف والتشدد من أجل أنهم تمسكوا بأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم ربا الفضل وقابلوها بالقبول والتسليم؟!
وقد يقال إن صفة التطرف والتشدد التي أطلقها الفتان على من حرَّم ربا الفضل لذاته قد تتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي حرم ربا الفضل في الأصناف الستة وغلَّظ ......
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
القول في تحريمه ونصَّ على أن من زاد أو استزاد فقد أربى وأن الآخذ والمعطي فيه سواء، وقال لمن باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أنه قال: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فردوه» ففي هذه الروايات الثابتة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلَّظ القول في ربا الفضل وجعله مُحرَّما لذاته وأنكر على من باع به وأمره برد البيع.
وإذا علم هذا فهل يستجيز الفتان أن يطلق الصفة السيئة على النبي صلى الله عليه وسلم من أجل ما جاء عنه من التغليظ في ربا الفضل والإنكار على من باع به؟! أم ماذا يجيب به عن التهور الذي لو صدر من عالم بما يلزم على كلامه وما يترتب عليه لكان يحكم عليه بالردة وتجرى عليه أحكام المرتدين؟! وإنه لينطبق على الفتان قول الشاعر:
لقد كان في الإعراض ستر جهالة … غدوت بها من أشهر الناس في البُلْدِ
الوجه الثالث: أن يقال: قد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم ربا الفضل، وقد ذكرت منها قريبا من ثلاثين حديثا فلتراجع (1). وقد جاء في بضعها النهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، وفيها النص على أن من زاد أو استزاد فقد أربى وأن الآخذ والمعطي فيه سواء، وفي صحيح مسلم أن رجلا باع صاعين من تمر رديء بصاع من تمر طيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا الربا فرده» وفي الصحيحين وغيرهما أن بلالا باع صاعين من تمر رديء بصاع من تمر طيب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أنه قال: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «إن هذا لا يصلح» ففي هذا النصوص أوضح دليل على أن ربا الفضل في الأصناف الستة محرم لذاته وأنه من الربا الجلي القطعي وليس من الربا الخفي، قال النووي في (شرح مسلم): "معنى عين الربا أنه حقيقة الربا المحرم". انتهى، وفي هذه النصوص أيضا أبلغ رد على من قال إن ربا الفضل غير قطعي وإنه من الربا الخفي وإنه لم يحرم لذاته وإنما حرم سدا للذريعة إلى ربا النسيئة.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الفتان قد تقول على ابن رشد حيث زعم أنه كان من الذين حاولوا أن يكسروا من حدة التطرف والتشدد في الربا، وقد نقل جملة من كلامه في (بداية المجتهد) وهو ما زعم أنه يكسر من حدة التطرف والتشدد في الربا وأعرض ........--------------------------------------------
(1) ص 29 - 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
عما بعده من كلامه الذي ذكر فيه إجماع العلماء على أن الربا صنفان نسيئة وتفاضل وأن الربا في هذين النوعين ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذه الجملة تنقض على الفتان ما تقوَّله على ابن رشد أنه قد حاول الكسر من حدة التطرف والتشدد في الربا. وسيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكر الجملة التي نقلها الفتان وذكر الجملة التي لم ينقلها ليعلم المُطَّلعون على ذلك أن الفتان قد افترى على ابن رشد ولم يؤدِّ الأمانة في نقله لبعض كلامه وإعراضه عن بعضه.
وأما ابن القيم -رحمه الله تعالى- فله في ربا الفضل كلام ليس بالجيد وسيأتي التنبيه عليه -إن شاء الله تعالى-.
وأما الاتجاه الذي ذكره الفتان وزعم أنه أكثر تضييقا لمنطقة الربا حيث أنه جعل كلاً من ربا الفضل وربا النسيئة الواردين في الحديث الشريف محرمين لا لذاتهما بل سدا للذرائع. وربا الجاهلية هو وحد المحرم لذاته.
فجوابه: أن يقال: هذا من التحكم في الأحاديث ووضعها على غير مواضعها وجعل الآراء والاتجاهات التي يراها بعض الناس بعقولهم القاصرة ميزانا توزن به أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الصنيع عظيم الخطر؛ لأن الله -تعالى- يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا}، وقال -تعالى-: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، وقال -تعالى-: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، وقال -تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا ردَّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أنه يجب على كل مسلم أن يعظم أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم غاية التعظيم وأن يقابلها بالقبول والتسليم. وليحذر أشد الحذر من التهاون بها وجعلها تابعة لأقوال الناس وآرائهم واتجاهاتهم فإنه لا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل قول أو رأي أو اتجاه خالف قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو مردود على صاحبه كائنا من كان. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد وضع ربا الجاهلية وقال للمرابين لكم رؤوس أموالكم فإنه أيضا قد نهى أمته عن ربا الفضل وربا النسيئة في الأصناف الستة وهي الذهب .........................................
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
والفضة والبر والشعير والتمر والملح ونص على أن من زاد أو استزاد فقد أربى وأن الآخذ والمعطي فيه سواء، ونهى عن بيع الذهب بالذهب والورق بالورق إلا وزنًا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، وقال: «لا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» وغلَّظ في الإنكار على من باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب وقال: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أنه قال: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال: «إن هذا لا يصلح» فهذه النصوص الصريحة تعادل النصوص في وضع ربا الجاهلية وتزيد عليها بالتغليظ في الإنكار على من أربى في بيع التمر الرديء بالتمر الطيب والأمر برد البيع. وفي كل نص من هذه النصوص أبلغ رد على الاتجاه الذي ذكره الفتان وزعم أن فيه تضييقًا لمنطقة الربا. وقد ذكرتُ فيما تقدم قريبا من ثلاثين حديثا في النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة فلتراجع (1) ففي كل حديث منها أبلغ رد على الاتجاه الذي ذكره الفتان وزعم أن فيه تضييقا لمنطقة الربا.
فصل
قال الفتان: "فنحن إذًا نواجه- إذا أضفنا اتجاه ابن عباس- اتجاهات ثلاثة متدرجة في التضييق من منطقة الربا. أقلها تضييقا لهذه المنطقة هو اتجاه ابن رشد وابن القيم الذي يميز ما بين ربا الفضل وربا النسيئة. فالأول هو ربا خفي، والثاني هو الربا الجلي، ثم يتلوه في التضييق الاتجاه الثاني وهو الذي يميز ما بين الربا الوارد في الحديث الشريف والربا الوارد في القرآن الكريم، فالثاني دون الأول هو الربا الجلي، وأشد الاتجاهات تضييقا لمنطقة الربا هو الاتجاه الثالث الذي كان عبد الله بن عباس يتزعمه وهو لا يعتمد إلا بالربا الوارد في القرآن الكريم وهو ربا الجاهلية فهو وحده الذي يحرمه ولا يحرم غيره من ضروب الربا فضلا كان أو نسيئة".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: كل هذه الاتجاهات مردودة بالنصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينهى عن ربا الفضل وربا النسيئة في الأصناف الستة وهي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح. وقد ذكرتُ الأحاديث الواردة في ذلك في أول الكتاب فلتراجع (2). وقد جاء في بعضها النص على ...........................--------------------------------------------
(1) ص 29 - 39.
(2) ص29 - 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)