Arabic source text

📘 আস সারিমুল বাত্তার লিল ইজহাযি আলা মান খালাফাল কিতাবা ওয়াস সুন্নাতা ওয়াল ইজমাআ ওয়াল আসার (হামুদ বিন আব্দুল্লাহ আত-তুয়াইজিরি - মৃত্যু 1413 হিজরী)

📘 الصارم البتار للإجهاز على من خالف الكتاب والسنة والإجماع والآثار (حمود بن عبد الله التويجري - ت 1413 هـ)

📘 আস সারিমুল বাত্তার লিল ইজহাযি আলা মান খালাফাল কিতাবা ওয়াস সুন্নাতা ওয়াল ইজমাআ ওয়াল আসার (হামুদ বিন আব্দুল্লাহ আত-তুয়াইজিরি - মৃত্যু 1413 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
المنافقين على الكذب: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، وقال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ}، قال أبو قلابة: "هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة" رواه ابن جرير بإسناد صحيح، ومن الأحاديث ما رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب» وروى البزار وأبو يعلى عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، قال المنذري: "ورواته رواة الصحيح"، وروى الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: "يا أيها الناس إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للإيمان"، وفي الصحيحين وغيرهما عن أبن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» والآيات والأحاديث في ذم الكذب كثيرة جدًا، وفيما ذكرته كفاية -إن شاء الله.
وأما فخر الدين الرازي فإنه قال في تفسيره: "اعلم أن الربا قسمان ربا النسيئة وربا الفضل، أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهور متعارفا في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا ويكون رأس المال باقيا، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به، وأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك - ثم ذكر عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول وأنه رجع عن قوله لما حدثه أبو سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم ربا الفضل ثم قال: وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين، أما القسم الأول فبالقرآن، وأما ربا النقد فبالخبر". انتهى المقصود من كلام الرازي وفيه أبلغ رد على الفتان.
الوجه الثالث: أن يقال: أما زعم الفتان أن تحريم ربا الفضل تحريم وسائل من باب سد الذرائع لا تحريم مقاصد وأن ما حرم سدا للذريعة أُبيح للمصلحة الراجحة، فهو مما أخذه من كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى-، وقد تقدم الجواب عنه مبسوطًا في أثناء الكتاب فليراجع (1).--------------------------------------------
(1) ص84 - 92.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

الوجه الرابع: أن يقال: إن ابن القيم -رحمه الله تعالى- لم يذكر شيئا مما أُبيح للمصلحة الراجحة من ربا الفضل سوى العرايا، ولم يذكر غير ذلك إذ لا توجد الرخصة عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير العرايا، وما سواها فهو باق على المنع والتحريم كما سيأتي بيان ذلك في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.
والعرايا هي بيع الرطب في رؤوس النخل خرصا بمثله من التمر كيلا فيما دون خمسة أوسق لمن به حاجة إلى أكل الرطب ولا ثمن معه، وهي مستثناة مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المزابنة، وهي بيع الثمر على رؤوس النخل بالتمر كيلا، وسيأتي بيان معناها في حديث ابن عمر رضي الله عنهما وغيره مما سيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى-.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص في بيع العرايا ولم يرخص في غير ذلك، فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما في الصحيحين عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه ولا تبيعوا الثمر بالتمر» قال سالم: وأخبرني عبد الله عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رخَّص بعد ذلك في بيع العرايا بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غيره» هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم نحوه، وقال في آخر: «ولم يرخص في غير ذلك» وقد ترجم البخاري لهذا الحديث وأحاديث معه بقوله: "باب بيع المزابنة وهي بيع التمر بالثمر وبيع الزبيب بالكرم وبيع العرايا"، وقد رواه الإمام أحمد مختصرًا ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها ولم يرخص في غير ذلك»، ورواه النسائي ولفظه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا بالرطب وبالتمر ولم يرخص في غير ذلك» وقد رواه الإمام أحمد أيضا والنسائي وابن ماجة مختصرًا جدًا ولفظه عندهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «رخص في العرايا»، ورواه مسلم مختصرًا ولفظه: «رخص في بيع العرايا».
وقد رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا» وفي رواية لأحمد ومسلم: «رخص في العرية أن تؤخذ بمثل خرصها تمرًا يأكلها أهلها رطبًا».
ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث خارجة بن زيد أن زيد بن ثابت قال: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلا» ورواه أبو داود والنسائي بمعناه.
ومن الأحاديث أيضًا حديث بُشَير بن يسار مولى بني حارثة عن سهل بن أبي حثمة -رضي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن بيع الثمر بالتمر ورخص في العرايا أن تشتري بخرصها يأكلها أهلها رطبًا» رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود، وروى النسائي منه قوله: «ورخص في العرايا أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبًا» وقد رواه مسلم بزيادة، ولفظه عن بشير بن يسار عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل دارهم منهم سهل بن أبي حثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن بيع الثمر بالتمر» وقال: «ذلك الربا تلك المزابنة» إلا أنه «رخص في بيع العرية النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا يأكلونها رطبا» وروي مسلم أيضا عن بشير بن يسار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: «رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيع العرية بخرصها تمرًا» ورواه النسائي بنحوه.
ومن الأحاديث أيضا حديث بشير بن يسار أن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة حدثاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن المزابنة بيع الثمر بالتمر إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي.
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق» رواه مالك في الموطأ، ورواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي كلهم من طريق مالك.
ومنها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة والثنيا ورخص في العرايا» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي. وهذا لفظ أحمد ونحوه في إحدى روايات مسلم.
ومنها حديث جابر بن عبد الله أيضا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها يقول: «الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة» رواه الإمام أحمد وأبو يعلي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والطحاوي والبيهقي كلهم من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيي بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر رضي الله عنه، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عن أحمد وابن حبان فزال ما يخشى من تدليسه.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على الفتان الذي يريد أن يتوسع في استحلال ربا الفضل معتمدًا على قول ابن القيم أن تحريمه تحريم وسائل من باب سد الذرائع وأن ما حرم سدًا للذريعة أُبيح للمصلحة الراجحة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

وفي التصريح بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا ولم يرخص في غير ذلك دليل على حصر المصلحة الراجحة في بيع العرايا وأن ما سوى ذلك من ربا الفضل فهو باقٍ على المنع والتحريم.
فصل
وقال الفتان: "أما الدليل على أن الربا يتخذ صورة التضعيف فهو ما أكده قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} وقد ورد في سبب نزولها: إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن، يكون للرجل فضل دين فيأتيه إذا حل الأجل فيقول له تقضيني أو تزيدني، فإن كان عنده شيء يقضيه قضى وإلا حوَّله إلى السن التي فوق ذلك، إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية ثم حقة ثم جذعة ثم رباعيًا ثم هكذا إلى فوق، وفي العين يأتيه، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضا، فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة، يضعفها له كل سنة أو يقضيه".
والجواب: أن يقال: أما ما ذكره الفتان من صفة الربا الذي كان يفعله أهل الجاهلية فهو من كلام زيد بن أسلم، رواه ابن جرير بإسناده عن ابن زيد وهو - عبد الرحمن - عن أبيه، وهذه الصفة لا تقتضي حصر الربا فيما كان يفعله أهل الجاهلية كما هو الظاهر من استدلال الفتان بالآية من سورة آل عمران على أن الربا يتخذ صورة التضعيف، وقد تقدم قريبا (1) قول سيد قطب إن الأضعاف المضاعفة وصف لواقع وليست شرطًا يتعلق به الحكم، قال: "والنص الذي في سورة البقرة قاطع في حرمة أصل الربا - بلا تحديد ولا تقييد {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} أيا كان". انتهى.
وتقدم أيضا في أثناء الكتاب قول الشيخ أحمد محمد شاكر في الكلام على قول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} الآية: "إن المتلاعبين بالدين من أهل عصره وأوليائهم من عابدي التشريع الوثني الأجنبي، بل التشريع اليهودي في الربا، يلعبون بالقرآن ويزعمون أن هذه الآية تدل على أن الربا المحرم هو ................--------------------------------------------
(1) ص116.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

الأضعاف المضاعفة ليجيزوا ما بقي من أنواع الربا على ما ترضى أهواؤهم وأهواء سادتهم". انتهى المقصود من كلامه فليراجع (1)، وليراجع ما بعده من كلام الشيخ محمود شلتوت، وليراجع (2) أيضا كلام قطب، ففي كلام هؤلاء أبلغ رد على ما في كلام الفتان من محاولة حصر الربا فيما كان يفعله أهل الجاهلية.
وليراجع (3) أيضا قول الهيتمي في ربا الفضل وربا اليد وربا النساء وربا القرض أنها كلها حرام بالإجماع وبنص الآيات والأحاديث، وأن ما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة، ففي كلامه أبلغ رد على ما في كلام الفتان من محاولة حصر الربا فيما كان يفعله أهل الجاهلية.
وأما زعم الفتان أنه قد ورد في سبب نزول الآية ما جاء عن زيد بن أسلم في صفة الربا الذي كان يتعامل به في الجاهلية.
فالجواب عنه: أن يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين، ولفظ الآية من سورة آل عمران عام فيدخل في عمومه ربا الفضل وربا النسيئة، وسواء في ذلك ما كان يفعله أهل الجاهلية، وما كان يفعل في الإسلام، وكذلك ألفاظ الآيات التي نزلت في تحريم الربا والوعيد الشديد على أكله كلها قد جاءت بلفظ العموم فيدخل في عمومها ربا الفضل وربا النسيئة على أي صفة كان.
وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ربا الفضل وربا النسيئة، وفي بعضها النص على أن من زاد أو استزاد في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح فقد أربى، وهذا النص يدل على أن الزيادة في بيع الجنس من هذه الأعيان الستة بجنسه ربا، وظاهره يدل على أنه لا فرق بين أن تكون الزيادة كثيرة أو قليلة، وفي هذا أبلغ رد على قول الفتان أن الربا يتخذ صورة التضعيف، ولا يخفي على من له علم وبصيرة أن هذا القول الباطل يتضمن معارضة أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم في النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة الذي لم يتخذ صورة التضعيف بل إنه يتضمن إطراح الأحاديث المتواترة في ذلك وقلة المبالاة بها، ويتضمن أيضا التفريق بين الله وبين رسوله حيث أنه يؤمن بالآية التي زعم أنها تدل على أن .....--------------------------------------------
(1) ص59 - 60.
(2) ص116.
(3) ص121.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

الربا يتخذ صورة التضعيف ولا يؤمن بالأحاديث المتواترة في النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة الذي لم يتخذ صورة التضعيف، وما أشد الخطر في هذا؛ لأن الله -تعالى- حذر المؤمنين من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وتوعد المخالفين عن أمره بالوعيد الشديد فقال -تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
فصل
وقال الفتان: موقف أهل العلم وكبار رجال الفتوى في الإسلام من المصارف. ثم قال: "إن استعراض مجمل الأحكام المسلم بها لدى أهل العلم وكبار رجال الفتوى في الإسلام يبين لنا ما يلي:
1 - أن الربا محرم تحريمًا قطعيًا لا شك فيه".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الكتاب والسنة هما الميزان الذي توزن به أقوال أهل الفتوى وغيرهم من أهل العلم فما وافقهما فهو مقبول وما خالفهما فهو مردود على قائله كائنا من كان إذ لا قول لأحد مع قول الله -تعالى- وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله -تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا}.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن كل محاولة أتى بها الفتان لحصر الربا فيما كان يفعله أهل الجاهلية - وهو الربا الذي يقول فيه الفتان: إنه يتخذ صورة التضعيف، وكذلك كل محاولة أتى بها للتهوين من شأن ربا الفضل وربا النسيئة الذي لم يتخذ صورة التضعيف، وكذلك ما اعتمد عليه من جهالات العصريين الذين كانوا في القرن الرابع عشر من الهجرة والذين كانوا في القرن الخامس عشر فكله مردود عليه ومضروب به عرض الحائط؛ لأنه محاولات مبنية على مخالفة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على تحريم جميع أنواع الربا. لا فرق في ذلك بين ربا أهل الجاهلية وبين .....

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)

الربا الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدَّد فيه كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث الثابتة المتواترة فلتراجع (1).
الوجه الثاني: أن يقال: إن كبار رجال الفتوى في الإسلام على الحقيقة هم علماء الصحابة رضي الله عنهم، فإذا ذكر كبار رجال الفتوى في الإسلام على وجه الإطلاق فإن هذا الوصف ينصرف إليهم قبل الذين كانوا من بعدهم، وبعد علماء الصحابة أكابر علماء التابعين ثم أئمة العلم والهدي من بعدهم، فهؤلاء هم الذين ينطبق عليهم الوصف بأنهم كبار رجال الفتوى في الإسلام، وقد تقدم بيان موقف الصحابة من تحريم الربا وفيهم الخلفاء الأربعة الراشدون المهديون، وفيهم أيضا عدد من العشرة المشهود لهم بالجنة، فليراجع ذلك في الفصل الذي قد ذكر فيه الإجماع على تحريم الربا (2)، وليراجع أيضا ما ذكر فيه من إجماع علماء الأمصار على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا بر ببر ولا شعير بشعير ولا تمر بتمر ولا ملح بملح متفاضلا يدا بيد ولا نسيئة وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ، قال ابن المنذر: "وقد روينا هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة يكثر عددهم من التابعين".
وليراجع أيضا ما ذكر في أثناء الكتاب (3) عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فأما أبو بكر الصديق رضي الله عنه فإنه كتب إلى أمراء الأجناد حين قدموا الشام: "أما بعد: فإنكم قد هبطتم أرض الربا فلا تتبايعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن ولا الطعام بالطعام إلا كيلاً بكيل".
ولم يذكر عن أحد من أمراء الأجناد ولا عن غيرهم من الصحابة الذين كانوا معهم - وهم كثيرون جدا- أنهم خالفوا ما جاء في كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه فدل ذلك على موافقتهم له.
وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه خطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في خطبته: "لا يشتري أحدكم دينارًا بدينارين ولا درهما بدرهمين ولا قفيزًا بقفيزين وإني لا أوتى بأحد فعله إلا أوجعته عقوبة في نفسه وماله".--------------------------------------------
(1) ص 29 - 39.
(2) ص45.
(3) ص101 - 102.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)

قال الطحاوي بعد سياق هذا الأثر: "فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب بهذا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة أصحابه -رضوان الله عليهم- لا ينكره عليه منهم منكر فدل ذلك على موفقتهم له عليه". انتهى.
فهذا هو موقف أهل العلم وكبار رجال الفتوى في الإسلام من تحريم ربا الفضل والتشديد فيه، وما خالف موقفهم من محاولات الفتان وغيره من المتلاعبين بالدين وتهافتهم في التهوين من شأن ربا الفضل وربا النسيئة الذي لم يتخذ صورة التضعيف واستحلال هذين النوعين بالشبه والأباطيل فكله مردود ومضروب به عرض الحائط.
الوجه الثالث: أن يقال: إن المصارف لم توجد في زمان كبار رجال الفتوى في الإسلام وهم علماء الصحابة رضي الله عنهم، ولم توجد في زمان التابعين وأئمة العلم والهدي من بعدهم، وإنما حدثت وانتشرت في البلاد الإسلامية في القرن الرابع عشر من الهجرة، وعلى هذا فهل يقول عاقل إن كبار رجال الفتوى في الإسلام كان لهم موقف من المصارف، وهي لم تكن في زمانهم وإنما حدثت بعد زمانهم بنحو من ثلاثة عشر قرنًا؟! كلا، لا يقول ذلك إنسان يعقل ما يقول.
فإن قال الفتان إنه إنما أراد العلماء الذين نقل عنهم بعض الكلمات التي كان يرى فيها تأييدًا لرأيه واتجاهه الذي زعم فيه أن الربا يتخذ صورة التضعيف.
فالجواب: أن يقال: إن العلماء الذين نقل الفتان من كلامهم ما يظن أن فيه تأييدًا لباطله ليسوا كبار رجال الفتوى في الإسلام؛ لأن هذه الصفة إنما تنطبق مع الإطلاق على علماء الصحابة رضي الله عنهم، ثم تنطبق بعدهم على أكابر علماء التابعين، وأما العلماء الذين سيأتي ذكر ما نقله الفتان من كلامهم فإنهم وإن كانوا من أكابر العلماء في زمانهم ومن رجال الفتوى فليسوا بمنزلة علماء الصحابة ولا بمنزلة أكابر علماء التابعين، وعلى هذا فلا ينبغي أن يوصفوا بالصفة التي يستحقها علماء الصحابة بالأولوية.
ويقال أيضا: إن المصارف لم توجد إلا في زمان رشيد رضا وأقرانه وشيوخهم وأما غير رشيد رضا من العلماء الذي نقل الفتان من كلامهم ما سيأتي ذكره قريبًا فإنهم لم يكونوا يعرفون المصارف؛ لأنها لم توجد في أزمانهم وإنما حدثت بعد أزمانهم بدهر طويل، وعلى هذا فإنه ليس من المعقول أن يقال إن لهم موقفا من المصارف بل هذا يعد من هذيان الفتان ومن كذبه على العلماء الذين كانوا قبل زمان المصارف.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)

وأما رشيد رضا وبعض أقرانه وبعض شيوخهم فإن لهم نزوات في تحليل ربا الفضل وتسميته باسم الفائدة، وفيما تقدم في أول الكتاب من أدلة القرآن والسنة والإجماع على تحريم الربا على وجه العموم أبلغ رد على أباطيلهم، وقد رد عليهم الشيخ أحمد محمد شاكر في كتابه المسمى (عمدة التفاسير) وسماهم المتلاعبين بالدين، ورد عليهم الشيخ محمود شلتوت في كتابه (تفسير القرآن الكريم) وقال فيهم: "إنهم مولعون بتصحيح التصرفات الحديثة وتخريجها على أساس فقهي إسلامي ليُعرفوا بالتجديد وعمق التفكير"، ورد عليهم سيد قطب في تفسيره وسماهم المهزومين أمام التصورات الرأسمالية الغربية والنظم الرأسمالية الغربية، فليراجع كلام الشيخ أحمد محمد شاكر وكلام الشيخ محمود شلتوت في أول الكتاب (1)، وليراجع كلام قطب فيما تقدم قريبا (2).
الوجه الرابع: أن يقال: ما ذكره الفتان في أول استعراضاته لمجمل الأحكام المسلَّم بها لدى أهل العلم وكبار رجال الفتوى في الإسلام، وهو القول بأن الربا محرم تحريمًا قطعيًا لا شك فيه .. فهو الصواب الذي تؤيده الأدلة من القرآن والسنة والإجماع، وما خالفه من الأقوال التي يستحل أهلها بعض أنواع الربا فكلها من الباطل المردود.
فصل
وقال الفتان: "إن الربا المجمع على تحريمه بلا شك هو ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية، وقد بيَّنه الإمام أحمد لما سئل عن الربا الذي لاشك فيه، فقد بينه وميزه عن غيره بأن وصفه بأنه أخذ الزيادة في مقابل التأجيل فقال: هو أن يكون له دين فيقول للمدين إذا حل الدين إما أن تقضي وإما أن تربي فإن لم يقض زاد المدين المال وزاد الدائن الأجل، انظر الجزء الرابع من فتاوي رشيد رضا صفحة 1342.--------------------------------------------
(1) ص 59 - 60.
(2) ص116.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)

ويقول ابن القيم رحمه الله عن ربا النسيئة: هو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عنده آلاف (1) مؤلفة، وفي الغالب لا يقبل ذلك (2) إلا معدوم (3) محتاج فيشتد ضرره وتعظم مصيبته ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوداته".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: ما زعمه الفتان من أن الربا المجمع على تحريمه هو ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية فهو خطأ محض، وحكايته الإجماع عليه كذب على العلماء؛ لأن هذا القول خلاف الإجماع الذي حكاه ابن المنذر وابن عبد البر والموفق وابن أبي عمر والنووي وغيرهم عن علماء الأمصار، فقد ذكر ابن المنذر عنهم: "أنهم أجمعوا على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا بر ببر ولا شعير بشعير ولا تمر بتمر ولا ملح بملح متفاضلا يدا بيد ولا نسيئة وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ … قال: وقد روينا هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة يكثر عددهم من التابعين". انتهى.
وقال ابن عبد البر: "لا أعلم خلافًا بين أئمة الأمصار بالحجاز والعراق وسائر الآفاق أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين ولا بأكثر منه وزنا ولا الدرهم بالدرهمين ولا بشيء من الزيادة عليه". انتهى، وقال الموفق في المغنى: "أجمعت الأمة على أن الربا محرم قال: والربا على ضربين ربا الفضل وربا النسيئة، وأجمع أهل العلم على تحريمهما". انتهى. وذكر ابن أبي عمر في الشرح الكبير نحو ما ذكره الموفق.
وذكر النووي إجماع المسلمين على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالاً كالذهب بالذهب وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة كالذهب بالفضة والحنطة بالشعير، وعلى أنه يجوز التفاضل عند اختلاف الجنس إذا كان يدًا بيد كصاع حنطة بصاعي شعير. انتهى.--------------------------------------------
(1) قول آلاف، كذا جاءت هذه الكلمة بالرفع في نبذة الفتان، وصوابه آلافاً بالنصب.
(2) قوله لا يقبل ذلك، كذا جاء في نبذة الفتان، وصوابه: لا يفعل ذلك.
(3) قوله معدوم محتاج، كذا جاء في نبذة الفتان، وصوابه: معدم محتاج، وإذا كان الفتان لا يعرف الفرق بين المرفوع والمنصوب ولا يعرف الفرق بين المعدوم الذي لا يوجد وبين المعدم الذي هو الفقير الذي لا مال له فينبغي له أن يعرف قدر نفسه ولا يقفُ ما ليس له به علم ولا يتكلف الكتابة في الأحكام التي لا يعرفها ولا يعرف الراجح من الأقوال فيها من المرجوح، وإنه لينطبق على الفتان قول الشاعر:
لقد كان في الإعراض ستر جهالة … غدوتَ بها من أشهر الناس في البُلْد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)

وقد ذكرت هذه الأقوال وغيرها في الفصل الذي فيه ذكر الإجماع على تحريم الربا فلتراجع في أول الكتاب (1) ففيها أبلغ رد على الفتان المفتون الذي يهرف بما لا يعرف.
وقد ذكرت أيضا قول ابن حجر الهيتمي أن الربا ثلاثة أنواع، ربا الفضل وربا اليد، وربا النساء، قال: وزاد المتولي نوعًا رابعًا وهو ربا القرض، قال الهيتمي: وكل من هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع وبنص الآيات والأحاديث، وما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة. انتهى، فليراجع كلامه (2) ففيه أبلغ رد على الفتان المفتون.
الوجه الثاني: أن يقال: إنَّ حَصْرَ الربا المجمع على تحريمه في ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية يتضمن رد الأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة أهل الجاهلية، ومن رد شيئا من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة؛ لأن الله -تعالى- يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وقال -تعالى-: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} فلا يأمن الفتان أن يكون له نصيب وافر مما جاء في الآيتين من الوعيد الشديد؛ لأنه قد بذل جهده في التهوين من شأن ربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة أهل الجاهلية، وكذلك قد بذل جهده في محاولة حصر الربا فيما كان يفعله أهل الجاهلية ولم يبال بما يترتب على ذلك من مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفة أقواله الثابتة عنه في النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة على أي صفة كان.
وأما ما ذكره الفتان عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- فقد تقدم الجواب عنه في أثناء الكتاب فليراجع (3).
فصل
وقال الفتان: "أما ربا الفضل فقد حُرِّم سدًا للذريعة، وما كان كذلك فيجوز للمصلحة، كما قال به العلامة ابن القيم، وقال رشيد رضا في فتواه: واعلم أن الزيادة .....--------------------------------------------
(1) ص45 - 46.
(2) ص120 - 121.
(3) ص86 - 87.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)

الأولى في الدين المؤجل هي من ربا الفضل وإن كانت لأجل التأخير، لكن ربا النسيئة المعروف هو ما يكون بعد حلول الأَجَل لأَجْل الإنساء، أي التأخير، قال الفتان: ومعنى ذلك أن النص عند عقد الدين على الزيادة على أصل الدين في مقابل الأجل المحدد في العقد وطلب المدين تأجيله في مقابل حلول أجل الدين وذلك لأجل الإنساء فقط أي التأخر فقط للدين القديم فهذا ربا لا شك فيه ولا تجوز إباحته بأي حال من الأحوال".
والجواب: أن يقال: أما قول ابن القيم إن ربا الفضل حُرِّم سدًا للذريعة فليس عليه دليل البتة، وقد تقدم الجواب عنه مبسوطًا في أثناء الكتاب فليراجع (1).
وأما قوله: إن ربا الفضل يجوز للمصلحة.
فجوابه: أن يقال: إن ابن القيم لم يذكر شيئا مما أبيح للمصلحة من ربا الفضل سوى العرايا، ولم يذكر غيرها، وقد تقدم الكلام في بيع العرايا وبيان أن المصلحة المستثناة من ربا الفضل محصورة في بيع العرايا، وما سواها فهو باق على المنع والتحريم، فليراجع ما تقدم (2) ففيه كفاية في الرد على الفتان الذي يحاول استحلال ربا الفضل معتمدا على ما جاء في كلام ابن القيم من ذكر المصلحة المستثناة من ربا الفضل.
وأما رشيد رضا فإنه قد تبع شيخه محمد عبده في تحليل ربا الفضل وتسميته باسم الفائدة، وله في تحليله عدة فتاوى، فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من فتاواه وفتاوى شيخه في تحليل الربا فإنها مخالفة للكتاب والسنة وإجماع المسلمين.
فصل
وقد تلاعب الشيطان بالفتان غاية التلاعب وزين له التمويه والتلبيس على الجهال وأغراه بذلك، فمن ذلك تمويهه وتلبيسه بما ذكره عن ابن القيم وشيخ الإسلام ابن تيمية والموفق وابن حزم في إجازة المصالح التي لا مضرة فيها وليس لها تعلق بمسائل الربا، وقد جعل كلامهم فيها مستندا له في تحليل الربا للمصلحة والحاجة، وليس في كلامهم ما يؤيد قوله الباطل كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-.--------------------------------------------
(1) ص85 - 92.
(2) ص123 - 125.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)

فأما ابن القيم فإنه ذكر عنه أنه قال في كتابه (زاد المعاد): "الشرائع مبناها مصالح العباد (1) وعدم الحجر عليهم فيما لابد لهم منه ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلا به".
وقال الفتان: "فتناول -رحمة الله- الضرورات أولاً في قوله فيما لا بد لهم منه، ثم تناول عليهم فيما لا بد لهم منه ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلا به".
والجواب: أن يقال: ليس في كلام ابن القيم ما يتعلق به الفتان فيما هو مفتون به من تجويز ربا النسيئة للضرورة وتجويز ربا الفضل للحاجة؛ لأن كلام ابن القيم لم يكن في مسائل الربا وإنما هو في بيع المقاثئ والمباطخ إذا بدا صلاحها، وعلى هذا فإدخال مسائل الربا في هذه المسألة خطأ وتمويه وتلبيس على الجهال.
وسأذكر -إن شاء الله تعالى- كلام ابن القيم في مسألة بيع المقاثئ والمباطخ ليعلم المطلعون عليه أنه ليس فيه ما يتعلق به الفتان في إباحة الربا.
قال في الكلام على بيع المعدوم ما ملخصه:
"المعدوم ثلاثة أقسام: معدوم موصوف في الذمة: فهذا يجوز بيعه اتفاقًا، وهذا هو السلم، والثاني: معدوم تبع للموجود وهو نوعان، نوع متفق عليه ونوع مختلف فيه، فالمتفق عليه بيع الثمار بعد بُدُوِّ صلاح ثمرة واحدة منها، والنوع المختلف فيه كبيع المقاثئ والمباطخ إذا طابت فهذا فيه قولان، أحدهما: أنه يجوز بيعها جملة ويأخذها المشتري شيئا بعد شيء كما جرت به العادة ويجري مجرى بيع الثمرة بعد بدو صلاحها، وهذا هو الصحيح من القولين الذي استقر عليه عمل الأمة ولا غنى لهم عنه، ولم يأت بالمنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر ولا قياس صحيح".
ثم ذكر قول الذين قالوا لا يباع إلا لقطة لقطة وردَّ عليهم وذكر أنه يتعذر العمل بقولهم غالبا، وإن أمكن ففي غاية العسر ويؤدي إلى التنازع والاختلاف الشديد، وما كان هكذا فإن الشريعة لا تأتي به، ولو ألزم الناس به لفسدت أموالهم وتعطلت مصالحهم … إلى أن قال: "والشرائع مبناها على رعاية مصالح العباد وعدم الحجر عليهم فيما لابد له منه ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلا به".
ثم ذكر القسم الثالث وهو المعدوم الذي لا يدري يحصل أولا يحصل، وذكر أن الشارع منع منه لكونه من الغرر. انتهى المقصود من كلامه، ومنه يعلم ما في كلام .......--------------------------------------------
(1) قوله مبناها مصالح العباد، كذا جاء في نبذة الفتان، وصوابه مبناها على رعاية مصالح العباد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)

الفتان من التقول على ابن القيم حيث وضع كلامه على غير موضعه وحمله على ما يوافق قوله الباطل ورأيه الفاسد في تحليل الربا، وذلك في زعمه أن كلام ابن القيم قد تناول الضرورات والحاجات، ومراده بالضرورات والحاجات ما هو مفتون به من تجويز ربا النسيئة للضرورة وتجويز ربا الفضل للحاجة، لا يخفى على من له علم وبصيرة أن كلام ابن القيم بعيد غاية البعد عما حمله الفتان عليه.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فإن الفتان ذكر عنه أنه قال في المصلحة: "إن كل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا".
قال الفتان: "وهذا أيضا في موضوع الحاجات التي هي دون الضرورات".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: ليس في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ما يتعلق به الفتان في تجويز ربا الفضل للحاجة؛ لأن كلامه لم يكن في مسائل الربا وإنما هو في تأجير الأرض التي تكون مشتملة على غراس وأرض تصلح للزرع وربما اشتملت مع ذلك على مساكن فيريد صاحبها أن يؤجرها لمن يسقيها ويزرعها أو يسكنها مع ذلك، قال: فهذا إذا كان فيها أرض وغراس مما اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذلك لا يجوز بحال، والثاني: يجوز إذا كان الشجر قليلا وكان البياض الثلثين أو أكثر، والثالث: يجوز استئجار الأرض التي فيها شجر ودخول الشجر في الإجارة مطلقًا، وقد صحح الشيخ القول بالجواز ورد على من قال بالتحريم، وأطال الكلام في الرد عليهم وقال في إثنائه: "فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا" ثم قال ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله -تعالى-: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ}، وقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية - هي ترك واجب أو فعل محرم - لم يحرم عليهم؛ لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد. انتهى المقصود من كلامه ملخصا، وهو مبسوط في صفحة خمس وخمسين إلى صفحة ثمان وثمانين من المجلد التاسع والعشرين من مجموع الفتاوى، ومنه يعلم ما في كلام الفتان من التقول على شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- حيث وضع كلامه على غير موضعه وحمله على ما يوافق الباطل في تحليل الربا وذلك في زعمه أن كلام شيخ الإسلام في موضوع الحاجات التي هي دون الضرورات، ومراده بالحاجات تجويز ربا الفضل للحاجة ومراده بالضرورات تجويز ربا النسيئة للضرورة،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)

وقد صرح بذلك فيما زعم أنها نتيجة هامة، وتقدم كلامه في ذلك والرد عليه في أثناء الكتاب فليراجع (1).
ولا يخفي على ذوي العلم والبصيرة أن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بعيد غاية البعد عما حمله الفتان عليه.
وفي قول شيخ الإسلام أن كل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية- هي ترك واجب أو فعل محرم - لم يحرم عليهم لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد، أبلغ رد على الفتان لأن الشيخ -رحمه الله تعالى- قيَّد الحاجة بما لم يكن سببه معصية هي ترك واجب أو فعل محرم، وبهذا التقييد ينعكس الأمر على الفتان ويكون كلام شيخ الإسلام مجابهًا لقوله وكاشفًا لشبهته وتلبيسه؛ وذلك لأن التعامل بالربا من أعظم المعاصي والمحرمات وليس في تحريمه استثناء حاجة ولا ضرورة سوى بيع العرايا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن في بيعها بخرصها لأن التقدير بالخرص يقام مقام التقدير بالكيل عند الحاجة. وقد ذكرت الأحاديث الواردة في الرخصة في بيع العرايا فلتراجع (2).
الوجه الثاني: أن يقال: إن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- سئل عن تحريم الربا، فأجاب بقوله: "المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع وقد «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه» وإن كان أصل الربا في الجاهلية أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل فإذا حل الأجل قال له: أتقضي أم تربي فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال فيتضاعف المال، والأصل واحد، وهذا الربا حرام بإجماع المسلمين". انتهى وهو في صفحة ثمان عشرة وأربعمائة وأول صفحة تسع عشرة وأربعمائة من المجلد التاسع والعشرين من مجموع الفتاوى.
وقال الشيخ أيضا في صفحة ثلاث وثمانين ومائتين وصفحة أربع وثمانين ومائتين من المجلد التاسع عشر من مجموع الفتاوى: "ومن هذا الباب لفظ الربا فإنه يتناول كل ما نهي عنه من ربا النساء وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله".
وقال أيضا في صفحة ست وعشرين ومائة من المجلد الخامس عشر من مجموع الفتاوى: "وهذا مثل الربا فإنه وإن رضي به المرابي وهو بالغ رشيد لم يبح ذلك لما فيه من--------------------------------------------
(1) ص92 - 96.
(2) ص123 - 124.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)

ظلمه، ولهذا له أن يطالبه بما قبض منه من الزيادة ولا يعطيه إلا رأس ماله وإن كان قد بذله باختياره".
وقال أيضًا في الفتاوى المصرية: "بيع الربوي بجنسه متفاضلا حرام". انتهى.
وفي كل موضع من هذه المواضع أبلغ رد على ما موَّه به الفتان على الجهال حيث قال في قول شيخ الإسلام: "إن كل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا" إنه قد جاء في موضوع الحاجات التي هي دون الضرورات، وكلام شيخ الإسلام في موضوع غير هذا الموضوع كما تقدم بيان ذلك في الوجه الأول وهو بعيد غاية البعد عما حمله الفتان عليه.
وأما الموفق ابن قدامة -رحمه الله تعالى- فإن الفتان ذكر عنه أن قال في المغنى: "إن ما فيه مصلحة من غير ضرر بأحد فهو جائز وأن الشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها وإنما يرد بمشروعيتها".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: ليس في كلام الشيخ الموفق ما يتعلق به الفتان من تجويز ربا الفضل للحاجة وربا النسيئة للضرورة؛ لأن كلامه فيما يتعلق بالقرض، وهو أن يقرض الإنسان آخر قرضا ويشترط عليه أن يعطيه إياه في بلد آخر، فإن كان لحمله مؤنة لم يجز لأنه زيادة، وإن لم يكن لحمله مؤنة فقد أختلف العلماء في الجواز وعدمه، وعن أحمد في ذلك روايتان، قال الشيخ الموفق: "والصحيح جوازه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها بل بمشروعيتها، قال: ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معنى المنصوص فوجب إبقاؤه على الإباحة". انتهى المقصود من كلامه وهو في باب القرض من كتاب المغنى، وقد صحح شيخ الإسلام ابن تيمية القول بالجواز، وكلامه في ذلك مذكور في الاختيارات وفي الجزء التاسع والعشرين من مجموع الفتاوي.
وقد غيَّر الفتان أول عبارة الموفق ليوهم الجهال أن في قوله تأييدًا لما يراه من جواز ربا الفضل للحاجة وربا النسيئة للضرورة، وفي تغيير الفتان لعبارة الموفق دليل على أنه لا أمانة له.
وفي تعليل الموفق للجواز بأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه ولا في معنى المنصوص فوجب إبقاؤه على الإباحة أبلغ رد على الفتان الذي يرى جواز الربا ولا يبالي بمخالفة النصوص الدالة على تحريمه والتشديد فيه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)

الوجه الثاني: أن يقال: إن الشيخ الموفق ذكر في "باب الربا والصرف" من كتاب المغني أن الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع - ثم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة - ثم قال: "وأجمعت الأمة على أن الربا محرم، قال: والربا على ضربين ربا الفضل وربا النسيئة وأجمع أهل العلم على تحريمهما". انتهى المقصود من كلامه، وفيه أبلغ رد على ما تعلق به الفتان من كلام الموفق في مسألة القرض التي تقدم ذكرها في الوجه الأول.
وأما ابن حزم فإن الفتان ذكر عنه أنه قال: "المفسدة إذا عارضتها مصلحة راجحة قدمت المصلحة وألغي اعتبار المفسدة".
قال الفتان: "ومن ذلك أيضا القاعدة الشرعية في مختلف المذاهب وهي أن المفسدة إذا عارضتها مصلحة أو حاجة راجحة أبيح المحرم".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الله -تعالى- قد حرم الربا تحريمًا مطلقًا وشدد فيه وتوعد عليه بأشد الوعيد وأخبر أنه يمحقه، وآذن المرابين بالحرب منه ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قد حرم الربا وشدد فيه ولعن آكله ومؤكله وشاهديه وكاتبه، ونص على أنه من السبع الموبقات - أي المهلكات - ولم يأت في القرآن ولا في السنة ما يدل على إباحة شيء منه لا لحاجة ولا ضرورة ولا مصلحة ولا غير ذلك سوى بيع العرايا بخرصها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن فيها، وما سوى بيع العرايا فتحريمه على الإطلاق وليس فيه استثناء البتة، وليس لأحد قول مع الله -تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله -تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا}.
الوجه الثاني: أن يقال: إن التعامل بالربا ليس من المسائل التي قد تعارضت فيها المصلحة والمفسدة كما قد توهم ذلك الفتان، وإنما هو فساد محض، والدليل على ذلك أن الله توعد عليه بأشد الوعيد وأخبر أنه يمحقه وآذن عليه بالحرب منه ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من التشديد فيه، فكل ذلك يدل على أن التعامل به فساد محض وليس فيه مصلحة البتة، ومن زعم أن فيه مصلحة فإنما هو في الحقيقة يستدرك على الله -تعالى- وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ويشرع من الدين ما لم يأذن به الله، وما أعظم ذلك وأشد الخطر فيه.
الوجه الثالث: أن يقال: إن القاعدة التي ذكر الفقهاء فيها تعارض المصلحة .........

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)

والمفسدة وتقديم الراجح منهما ليس فيها ذكر للحاجة الراجحة، وإنما هي دسيسة من دسائس الفتان ليموِّه بذلك على الجهال ويوهمهم أن الفقهاء قد ذكروا ما يؤيد قوله الباطل وهو ما يراه من جواز الربا بالفضل للحاجة، وقد قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الله -تعالى- أباح للمضطر الذي ليس بباغ ولا عاد أن يأكل من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، ولم يبح له أكل الربا قط، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لم يأذن في شيء من الربا سوى بيع العرايا بخرصها، ولو كانت الحاجة الراجحة تبيح المحرم- أي تبيح ربا الفضل للحاجة كما زعم ذلك الفتان في مواضع كثيرة من نبذته - لكان ذلك مذكورا في القرآن أو في السنة، قال الله -تعالى-: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}، وقال -تعالى-: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}، وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم» رواه الطبراني في الكبير قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة".
الوجه الخامس: أن يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رخص للمضطر الذي لا يجد شيئًا يأكله أن يسأل الناس ما يسد به جوعه، ولم يأت عنه أن رخص في أكل الربا ولو كانت الحالة حالة ضرورة.
فصل
وقال الفتان: "إن الحكمة في تحريم الربا هي إزالة الظلم بنص القرآن الكريم والمحافظة على فضيلة التراحم والتعاون، وأن لا يستغل الغني حاجة أخيه الفقير، وهذا هو المراد بقوله -تعالى-: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}، ثم نقل عن رشيد رضا أنه قال: لا يخفي أن المعاملة التي ينتفع ويرحم فيها الآخذ والمعطي والتي لولاها فاتتهما المنفعة معًا لا تدخل في هذا التعليل {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} لأنها ضد الظلم وأن المعاملة التي يقصد بها الإتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع لا من قسم استغلال حاجة المحتاج، ونقل عنه أيضا أنه قال: ليس في أخذ الربح من صندوق التوفير والمصارف ظلم لأحد ولا قسوة على محتاج حتى في دار الإسلام".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)

والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ظاهر كلام الفتان أنه يحاول حصر الربا فيما كان معروفًا في الجاهلية، وكذلك ظاهر كلام رشيد رضا، ولهذا استدل كل منهما بالآية التي نزلت في الربا الذي كان لبعض المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا طلبوا رباهم فأمرهم الله -تعالى- أن يأخذوا رؤوس أموالهم ويذروا الربا، ونص على أن أخذ الربا ظلم وأن النقص من رؤوس الأموال ظلم، وليس في الآية ما يدل على حصر الربا فيما كان معروفًا في الجاهلية كما قد توهم ذلك الفتان تقليدًا لرشيد رضا، بل إن الآية فيها دليل على أن الزيادة على رؤوس الأموال ظلم وإن كانت شيئا يسيرًا؛ لأن الله -تعالى- أمر المرابين أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يزيدوا عليها فدل ذلك على أن الزيادة ظلم، وقد تقدم قريبا (1) قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النساء وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، قال: فالنص متناول لهذا كله، وقال أيضا: وهذا مثل الربا فإنه وإن رضي به المرابي وهو بالغ رشيد لم يبح ذلك لما فيه من ظلمه، ولهذا له أن يطالبه بما قبض منه من الزيادة ولا يعطيه إلا رأس ماله وإن كان قد بذله باختياره. انتهى.
الوجه الثاني: أن يقال: إن رشيد رضا قد زلَّ زلة عظيمة في قوله: إن المعاملة التي يقصد بها الإتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع، وهذه الزلة أعظم من قول الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} لأن هؤلاء جعلوا الربا نظير البيع، وأما رشيد رضا فإنه جعل المعاملة الربوية التي يقصد بها الإتجار من قسم البيع، وهذا من التعدي لحدود الله والتغيير في أحكامه وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله -تعالى- حرَّم الربا تحريما مطلقًا يتناول جميع أنواع الربا وشدد فيه وتوعد عليه بأشد الوعيد وأنكر على الذين قالوا: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}، وأمر المؤمنين أن يذروا الربا وآذن من لم يذره بالحرب منه ومن رسوله صلى الله عليه وسلم وأمر المرابين أن يأخذوا رؤوس أموالهم وأن لا يَظلِموا بأخذ الزيادة على رؤوس أموالهم وأن لا يُظلَموا بالنقص من رؤوس أموالهم.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه، ونص على أن أكل الدرهم من الربا أشد من ستة وثلاثين زنية، وأخبر أنه من السبع الموبقات - أي المهلكات - وهذا يتناول جميع أنواع الربا، ولا فرق في ذلك بين ربا الفضل وربا النسيئة سواء كان على طريقة أهل الجاهلية أو على غير طريقتهم فكله داخل في عموم ...........--------------------------------------------
(1) ص136.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)

الآيات والأحاديث الدالة على تحريم الربا والتشديد فيه، ولا يستثنى منه شيء سوى بيع العرايا بخرصها؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذن في ذلك.
الوجه الثالث: أن يقال: إن رشيد رضا سئل عن صندوق التوفير هل يجوز الادخار فيه وأخذ أرباحه، فأجاب بأنه لا يرى بأسًا من العمل به، ثم زعم أن الربا الحقيقي هو الذي علل القرآن تحريمه بقوله -تعالى-: {لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} يعني أن الربا المحرم منحصر في ربا الجاهلية، ثم قال: فالتعاقد في عمل يفيد الآخذ والمعطي بيع أو تجارة … إلى أن قال: إن المعاملة التي يقصد بها البيع والإتجار هي من قسم البيع. كذا قال المحلل لما حرمه الله ورسوله من أنواع الربا التي ليست على طريقة ربا أهل الجاهلية، وهذا من التشريع في الدين بما لم يأذن به الله، وقد قلد رشيد رضا شيخه محمد عبده في زعمه أن الفائدة غير الربا وأن الربا المحرم دينا هو الربا المحرم قانونًا والمحسوب جناية، وقد تقدم كلام الشيخ أحمد محمد شاكر في الرد على المتلاعبين بالدين وهم الذين يزعمون أن الربا المحرم هو الأضعاف المضاعفة، وتقدم أيضا رد الشيخ محمود شلتوت عليهم فليراجع ذلك في أول الكتاب (1)، فإنه ينطبق على من حلل الربا باسم الفائدة أو باسم البيع والإتجار، وعلى من حصر الربا الحقيق فيما كان على طريقة أهل الجاهلية، وليراجع أيضا كلام سيد قطب في الرد عليهم (2) فإنه كلام جيد جدًا.
وأما ما نقله الفتان عن رشيد رضا أنه قال: ليس في أخذ الربح من صندوق التوفير والمصارف ظلم لأحد ولا قسوة على محتاج حتى في دار الإسلام.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هذا القول صريح في تحليل الربا الذي يؤخذ من صندوق التوفير والمصارف، وأما تسميته بالربح فهي من التمويه والتلبيس على الجهال وهذه التسمية لا تنقل الربا من التحريم إلى الحل، ومثل ذلك تسميته باسم الفائدة في كلام محمد عبده، فكل من القولين باطل ومن تحريف الكلم عن مواضعه وتغيير حكم الله ورسوله في الربا وتطبيقه على حكم القانون.
الوجه الثاني: أن يقال: قد تقدم في أول الكتاب حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر وبالبر والشعير ....--------------------------------------------
(1) ص59 - 60.
(2) ص116.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)