Arabic source text

📘 আস সারিমুল বাত্তার লিল ইজহাযি আলা মান খালাফাল কিতাবা ওয়াস সুন্নাতা ওয়াল ইজমাআ ওয়াল আসার (হামুদ বিন আব্দুল্লাহ আত-তুয়াইজিরি - মৃত্যু 1413 হিজরী)

📘 الصارم البتار للإجهاز على من خالف الكتاب والسنة والإجماع والآثار (حمود بن عبد الله التويجري - ت 1413 هـ)

📘 আস সারিমুল বাত্তার লিল ইজহাযি আলা মান খালাফাল কিতাবা ওয়াস সুন্নাতা ওয়াল ইজমাআ ওয়াল আসার (হামুদ বিন আব্দুল্লাহ আত-তুয়াইজিরি - মৃত্যু 1413 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء» وتقدم أيضا حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وفيه: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى» وتقدم أيضا حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا»، وفي رواية: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والورق بالورق مثلا بمثل يدًا بيد من زاد أو ازداد فقد أربى».
وهذه النصوص صريحة في تحريم التفاضل في بيع الجنس بجنسه في جميع الأعيان المذكورة في هذه الأحاديث، وصريحة أيضًا في الحكم على الزيادة بأنها ربا، والظاهر من الأحاديث أنه لا فرق بين أن تكون الزيادة كثيرة أو قليلة جدًا، وظاهرها أيضا أنه لا فرق بين ما يكون فيه قسوة على المحتاج وما ليس فيه قسوة عليه، وأما الظلم في أخذ الزيادة فهو حاصل في جميع البيوع الربوية سواء كانت الزيادة فيها كثيرة أو قليلة لقول الله -تعالى-: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} فدلت الآية على أن ما زاد على رؤوس الأموال فهو ظلم وأنه لا فرق في ذلك بين الزيادة الكثيرة والزيادة القليلة.
وفي هذه النصوص أيضًا أبلغ رد على من أجاز أخذ الربا من صندوق التوفير والمصارف وسماه باسم الربح.
الوجه الثالث: أن يقال: إن بلال رضي الله عنه لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أن رجلا باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال له: «أضعفت أربيت لا تقربن هذا» وفي رواية أنه قال له: «ويلك أربيت» وقد تقدمت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع (1)، ففيها أبلغ رد على من أجاز أخذ الربا من صندوق التوفير والمصارف وسماه باسم الربح وعلل جواز أخذه بأنه ليس فيه ظلم لأحد ولا قسوة على محتاج، وهذا التعليل مردود بما جاء في قصة بلال وما ذكر بعدها فإنه ليس في فعلهم ظلم لأحد ولا قسوة على محتاج، ومع هذا فقد أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وبالغ في الإنكار، ونص على أن ما ..............................--------------------------------------------
(1) ص35 - 37.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)

فعلوه عين الربا وأمرهم برده، فدل ذلك على أنه لا تأثير لوجود الظلم والقسوة على المحتاج في تحريم الربا ولا تأثير لعدمهما، وإنما العلة وجود التفاضل في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة وسائر الأعيان الستة المنصوص عليها في حديثي أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما، فإذا وجد التفاضل في بيع الجنس منها بجنسه فقد وجد الربا ولو لم يكن هناك ظلم ولا قسوة.
ومما يدل علي أنه لا تأثير للظلم والقسوة في تحريم الربا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» فقد وصف الزائد والمستزيد بالإرباء ونص على أن الآخذ والمعطي سواء في الإرباء، ومن المعلوم أن الظلم والقسوة إذا وجد فإنما يكونان في جانب الآخذ وحده، ومع هذا فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم كلا من الآخذ والمعطي سواء في الإرباء، فدل هذا على أنه لا تأثير لوجود الظلم والقسوة في تحريم الربا ولا لعدم وجودهما.
فصل
وقال الفتان: "إن المصارف هي مؤسسات تجارية حديثة لم تكن معروفة في عهد نزول أحكام الربا في الشريعة الإسلامية، ولذلك تخضع لأحكام الشريعة على طريق القياس، فإذا كان الشبه كاملاً من غير أي فارق بينهما وبين ما قد حرمته الشريعة من الربا القطعي فهي محرمة أيضا قطعًا، أما إذا اختلفت المصارف عن الربا القطعي ولو في بعض الوجوه فليست محرمة تحريما قطعيًا، وإنما يجب النظر فيها على أساس مصالح الناس في معاشهم فإن كان معاشهم لا يتم إلا بها فهي جائزة من غير ريب دفعا للحرج الواجب دفعه عملا بنص القرآن".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن المصارف وإن كانت مؤسسات تجارية حديثة فإن الأحكام فيها لا تختلف عن الأحكام في غيرها من المؤسسات التجارية وغير التجارية وسائر الأعمال التي يكون لها علاقة بالبيع والشراء فكلها يجب أن تخضع لأحكام الشريعة في جميع الأعمال، ومن ذلك تحريم الربا على وجه العموم فإنه يجب أن يعمل به في المصارف وغير المصارف على حد سواء؛ لأن الله -تعالى- حرم الربا في كتابه تحريما مطلقًا بتناول جميع أنواع الربا، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قد حرم الربا تحريما مطلقًا يتناول جميع أنواع الربا سوى ما أذن فيه من بيع العرايا ................................

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)

بخرصها، وقد أجمع المسلمون على تحريم الربا على وجه العموم الذي يشمل المصارف وغير المصارف.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد صرح بتحليل الربا في المصارف دفعًا للحرج على حد زعمه، وقد لفق له شبهًا يُضل بها الجهال ويُلبِّس بها عليهم.
فمنها قوله في المصارف: إنها تخضع لأحكام الشريعة على طريق القياس.
والجواب: أن يقال: إن القياس لا يعمل به مع وجود النص أو الإجماع، وإنما يعمل به عند عدمهما، وقد تظافرت النصوص من الكتاب والسنة على تحريم الربا تحريما مطلقا يتناول جميع أنواع الربا، وأجمع المسلمون على تحريم الربا على وجه العموم، فيجب على المصارف وغيرها من المؤسسات التجارية وغير التجارية أن تخضع لما جاء في نصوص الكتاب والسنة والإجماع ولا تلتفت إلى ما لفقه الفتان من الأباطيل والشبه المضلة، وقد ذكرت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا في أول الكتاب فلتراجع ففيها أبلغ رد على الفتان وعلى أشياعه من أهل الزيغ والضلال.
ومنها تقسيمه الربا إلى قطعي وغير قطعي، ومراده بالقطعي ربا أهل الجاهلية، وقد كرر القول بأنه هو الربا المجمع على تحريمه، وقد تقدم الرد على هذا القول الباطل قريبًا فليراجع (1).
ومنها زعمه أن المصارف إذا اختلفت عن الربا القطعي ولو في بعض الوجوه فليست محرمة تحريمًا قطعيًا.
والجواب: أن يقال: إن الربا ليس محصورًا في ربا أهل الجاهلية كما قد زعم ذلك الفتان المحارب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم والمخالف لإجماع المسلمين، وإنما ربا أهل الجاهلية نوع من أنواع ربا النسيئة، وكل من ربا النسيئة وربا الفضل محرم تحريمًا قطعيًا، والدليل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله -تعالى-: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} إلى آخر الآيات التي فيها النص على محق الربا والأمر بتركه وإيذان من لم يتركه بالحرب من الله--------------------------------------------
(1) ص131 - 132.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)

ورسوله وأمر المرابين أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يَظلِموا بأخذ الزيادة على رؤوس أموالهم ولا يُظلموا بالنقص منها، فهذه النصوص تشمل جميع أنواع الربا وتدل على أنها محرمة تحريما مطلقًا، وليس فيها ما يدل على تخصيص ربا أهل الجاهلية بالتحريم القطعي دون غيره. فإن قيل إن هذه الآية وهي قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} كان نزولها ونزول الآية التي بعدها بسبب ما كان باقيا لبعض المسلمين من الربا الذي كان لهم في الجاهلية.
فالجواب: أن يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين، وليس في الآيتين ما يدل على أن الربا المحرم قطعًا هو ربا أهل الجاهلية دون غيره من أنواع الربا، وإنما فيهما الأمر بترك الربا وإيذان من لم يتركه بالحرب من الله ورسوله وأنهم إن تابوا فلهم رؤوس أموالهم، وهذا يعم المرابين الذين أسلموا ولهم بقايا من الربا ويعم غيرهم من المتعاملين بالربا في الإسلام ولا فرق بين هؤلاء وأولئك، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النساء وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله". انتهى، وقد تقدم (1) قول الجصاص: "إن قول الله -تعالى-: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} قد انتظم تحريم جميع ضروب الربا لشمول الاسم عليها من طريق الشرع، وقال أيضا: اسم الربا يعتريه معان أحدها: الربا الذي عليه أهل الجاهلية، والثاني: التفاضل في الجنس الواحد من المكيل أو الموزون، والثالث: النسأ". انتهى.
وأما السنة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» فذكرها ومنها أكل الربا، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه «لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه» وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد بمن ستة وثلاثين زنية» وهذه الأحاديث تشمل جميع أنواع الربا وتدل على أنها كلها محرمة تحريمًا قطعيًا، وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ربا الفضل وربا النسيئة، وفي بعض الروايات أنه قال: «من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وفي رواية: «من زاد أو استزاد فهو ربا» وقال لبلال لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» قال النووي: "معنى عين الربا أنه حقيقة الربا المحرم"، وفي رواية أن رجلا باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب فقال رسول ..........................--------------------------------------------
(1) ص24 - 25 و97.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)

الله صلى الله عليه وسلم: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال له: «أضعفت أربيت لا تقربن هذا» وفي رواية أنه قال له: «ويلك أربيت» وهذه الروايات تدل على التشديد في بيع الجنس من الأعيان الستة بجنسه مع التفاضل، وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب فلتراجع ففيها أوضح دليل على أن جميع أنواع الربا محرمة تحريمًا قطعيًا.
وأما الإجماع على تحريم ربا الفضل وربا النسيئة فقد حكاه ابن المنذر وغيره من أكابر العلماء، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع (1)، وذكرت قريبا (2) قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع"، وذكرت أيضًا (3) قول الموفق في (المعنى): "إن الربا محرم بالكتاب والسنة والإجماع"، وقال أيضا: "أجمعت الأمة على أن الربا محرم، قال: والربا على ضربين ربا الفضل وربا النسيئة وأجمع أهل العلم على تحريمهما". انتهى.
وقال ابن حجر الهيتمي في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر): "الربا ثلاثة أنواع ربا الفضل وربا اليد وربا النسأ، قال: وزاد المتولي نوعًا رابعًا وهو ربا القرض، قال الهيتمي: وكل من هذه الأنواع حرام بالإجماع وبنص الآيات والأحاديث، وما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة". انتهي.
وفيما ذكرت من أدلة الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا تحريمًا مطلقًا أبلغ رد على الفتان الذي حاول حصر الربا القطعي في ربا أهل الجاهلية، وحاول تحليل ما سواه من أنواع الربا، وتعامى عن الأدلة المتظافرة من الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا تحريما مطلقًا يعم جميع أنواع الربا ما كان منه على طريقة أهل الجاهلية وما كان على غير طريقتهم، وقد قال الله -تعالى-: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، وقال -تعالى-: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} فلا يأمن الفتان أن يكون له نصيب وافر مما جاء في هذه الآيات.
ومن شبه الفتان وأباطيله التي لفقها لإضلال الجهال والتلبيس عليهم زعمه أنه .......--------------------------------------------
(1) ص45 - 46.
(2) ص136.
(3) ص138.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)

يجب النظر في المصارف على أساس مصالح الناس في معاشهم فإن كان معاشهم لا يتم إلا بها فهي جائزة من غير ريب دفعا للحرج الواجب دفعه عملاً بنص القرآن.
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ليس الأمر على ما زعمه الفتان من وجوب النظر في المصارف على أساس مصالح الناس في معاشهم، وإنما يجب النظر فيها على ضوء الكتاب والسنة والإجماع، فما كان فيها من الأعمال التي لا تخالف الكتاب والسنة والإجماع فهو جائز، وما كان فيها من الأعمال المخالفة للكتاب أو السنة أو الإجماع فإنه يجب المنع منه، ومن ذلك التعامل بالربا على أي وجه كان؛ لأن التعامل به مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وما كان بهذه الصفة فإنه يجب المنع منه في المصارف وغير المصارف، ويجب أيضا أن يعاقب الذين يتعاملون بالربا عقوبة موجعة في أنفسهم وأموالهم عملاً بما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ذلك، فقد روى الطحاوي في (شرح معاني الآثار) بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "خطب عمر رضي الله عنه فقال: "لا يشتري أحدكم دينارًا بدينارين ولا درهما بدرهمين ولا قفيزا بقفيزين إني أخشى عليكم الرماء (1) وإني لا أوتى بأحد فعله إلا أوجعته عقوبة في نفسه وماله" قال الطحاوي: فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب بهذا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة أصحابه -رضوان الله عليهم- لا ينكره عليه منهم منكر فدل ذلك على موافقتهم له عليه". انتهى، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بعمر رضي الله عنه كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة والبخاري في التاريخ والحاكم في مستدركه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» قال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وصححه الحاكم والذهبي.
الوجه الثاني: أن يقال: إن مصالح الناس في معاشهم ليس متوقفة على التعامل مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية؛ لأن الله -تعالى- قد حرم الربا تحريمًا مطلقًا ومنع منه منعًا باتًا لما فيه الظلم وأكل الأموال بالباطل، وكثير من المسلمين بل أكثرهم لا يتعاملون مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية، ومع هذا فإن مصالحهم في معاشهم كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، وقد عاش المسلمون أكثر من ثلاثة عشر قرنًا وهم لا يعرفون المصارف، ومع هذا فإن مصالحهم في معاشهم ...............................--------------------------------------------
(1) الرماء هو الربا وقد تقدم تفسيره في صحفه 91 فليراجع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)

كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، ولم يكن في عدم المصارف في زمانهم أدنى شيء من المضرة لهم في مصالح معاشهم.
وإذا علم أن مصالح الناس في معاشهم ليست متوقفة على التعامل مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية، وعلم أيضا أن المعاش يتم بدونها، فليعلم أيضا أن شبه الفتان التي يلبس بها على الجهال ويحاول بها تحليل الربا في المصارف كلها شبه باطلة وحجج داحضة مردودة بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا تحريما مطلقا يعم جميع أنواع الربا ولا تتطرق إليه الأباطيل والشبه التي يلفقها المتلاعبون بالدين.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الفتان قد طبق دفع الحرج الواجب دفعه على تحليل الربا في المصارف وزعم أن ذلك من العمل بنص القرآن.
والجواب: أن يقال: إن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه ومن القول في القرآن بغير علم وذلك من أعظم المحرمات، وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك، وقد ذكرت ما جاء فيه في أول الكتاب فليراجع (1)، وليس تحليل الربا في المصارف من رفع الحرج كما زعم ذلك الفتان وزعمه قبله بعض المتلاعبين بالدين، وإنما هو من المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومخالفة إجماع المسلمين. وما أشد الخطر في هذا.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن رفع الحرج الذي قال الله فيه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} هو استعمال الرخص التي رخص فيها الشارع عند الحاجة، قال ابن كثير في الكلام على هذه الآية: "أي ما كلفكم ما لا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين تجب في الحضر أربعًا وفي السفر تقصر إلى اثنتين وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة كما ورد به الحديث، وتصلي رجالاً وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وكذا في النافلة في السفر إلى القبلة وغيرها، والقيام فيها يسقط لعذر المرض فيصليها المريض جالسًا فإن لم يستطع فعلي جنبه. إلى غير ذلك من الرخص والتخفيفات في سائر الفرائض والواجبات". انتهى.
وقال البغوي: "معناه أن المؤمن لا يبتلي بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجًا--------------------------------------------
(1) ص9.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)

بعضها بالتوبة وبعضها برد المظالم والقصاص وبعضها بأنواع الكفارات فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلاً إلى الخلاص من العقاب فيه، وقيل من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا التبس ذلك عليكم وسع الله عليكم حتى تتيقنوا، وقال مقاتل: يعني الرخص عند الضرورات كقصر الصلاة في السفر والتيمم عند فقد الماء وأكل الميتة عند الضرورة والإفطار بالسفر والمرض والصلاة قاعدًا عند العجز عن القيام، وروي عن ابن عباس أنه قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الأعمال التي كانت عليهم وضعها الله عن هذه الأمة". انتهى.
وقال القرطبي: "اختلف العلماء في الحرج الذي رفعه الله -تعالى-؛ فقال عكرمة: هو ما أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع وما ملكت يمينك، وقيل المراد: قصر الصلاة والإفطار للمسافر وصلاة الإيماء لمن لا يقدر على غيره وحط الجهاد عن الأعمى والأعرج والمريض والعديم الذي لا يجد ما ينفق في غزوه والغريم ومن له والدان وحط الإصر الذي كان على بني إسرائيل، وروي عن ابن عباس والحسن البصري أن هذا في تقديم الأَهِلَّة وتأخيرها في الفطر والأضحى والصوم فإذا أخطأت الجماعة هلال ذي الحجة فوقفوا قبل يوم عرفة بيوم أو وقفوا يوم النحر أجزأهم، وذلك الفطر والأضحى، وقد روى الأئمة أنه عليه السلام سئل يوم النحر عن أشياء فما يسئل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم الأمور بعضها قبل بعض وأشباهها إلا قال فيها: «افعل ولا حرج» ". انتهى.
فهذا كلام العلماء في رفع الحرج الذي رفعه الله عن هذه الأمة وليس فيه ما يتعلق به الفتان في تحليل الربا في المصارف.
فصل
وقال الفتان: "إنه سوف يحاول دراسة طبيعة أعمال المصارف، هل تقع ضمن الأعمال الربوية التي ورد تحريمها في القرآن تحريمًا قطعيًا لا شك فيه أم أنها تختلف عنها تمام الاختلاف، قال: وبالتالي ينظر إليها ضمن حدود القواعد العامة للشريعة، وبالتالي عدم الحجر على العباد فيما لا بد لهم منه ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلا به، وذلك طبقًا لما قال به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: إن كل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا، مشيرًا بذلك إلى قوله -تعالى-:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)

{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} وعليه فإن طبيعة أعمال المصارف تختلف عن الربا المحرم في القرآن الكريم".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن أنواع الربا كلها محرمة تحريمًا قطعيًا وقد ذكرت الأدلة على ذلك في مواضع كثيرة، وسواء في ذلك ربا الفضل وربا النسيئة، ما كان منه على طريقة أهل الجاهلية وما كان على غير طريقتهم، وكذلك ربا القرض الذي يجر نفعا، وقد ذكرت قريبًا (1) أن شيخ الإسلام ابن تيمية سئل عن تحريم الربا. فأجاب بقوله: "المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع، وقال أيضا: لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النسأ وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله". انتهى، وقد تقدم قريبًا قول الجصاص بنحو ما في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فليراجع (2).
الوجه الثاني: أن يقال: إنه لم يأت في القرآن ما يدل على أن ربا أهل الجاهلية هو المحرم تحريمًا قطعيًا دون غيره من أنواع الربا، بل إن ألفاظ القرآن في تحريم الربا والتشديد فيه والوعيد الشديد عليه كلها على العموم فتشمل جميع أنواع الربا على حد سواء. وكذلك ما جاء في السنة من التشديد في الربا فإنه عام يتناول جميع أنواع الربا على حد سواء.
وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ربا الفضل وربا النسيئة ولم يفرق بين ما كان على طريقة أهل الجاهلية وما كان على غير طريقتهم، وقد قال الله -تعالى-: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، وقال -تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وقال -تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا}، وقال -تعالى-: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}، وقال -تعالى-: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
فليتأمل الفتان وأشياعه هذه الآيات حق التأمل ولا يأمنوا بأس الله وعقوبته على ....--------------------------------------------
(1) ص136.
(2) ص145.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)

مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وقلة المبالاة بما ثبت عنه من التشديد في الربا على وجه العموم، وما تواتر عنه من النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة، وما ثبت عنه من النص على أن من زاد أو استزاد فقد أربى وأن الآخذ والمعطي فيه سواء.
الوجه الثالث: أن يقال: إنما ينظر إلى حدود القواعد العامة إذا كان الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع غير موجود، وأما إذا كان الدليل موجودًا من هذه الأصول أو من أحدها فإنه لا ينظر إلى شيء سواه، وقد تظافرت الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة على تحريم الربا تحريما مطلقًا يشمل جميع أنواع الربا وأجمع المسلمون على ذلك، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع ففيه أبلغ رد على الفتان الذي قد تعامى عن الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع على تحريم الربا تحريمًا مطلقًا وأعرض عنها ولم يبال بها وحاول تحليل الربا في المصارف بما زعمه من النظر إليها ضمن حدود القواعد العامة للشريعة، ومراده بالقواعد العامة للشريعة أنه يجب النظر في المصارف على أساس مصالح الناس في معاشهم فإن كان معاشهم لا يتم إلا بها فهي جائزة دفعًا للحرج الواجب دفعه، وقد تقدم ذكر هذا التلبيس والرد عليه مستوفي في الفصل الذي قبل هذا الفصل فليراجع.
وأما قوله: وبالتالي عدم الحجر على العباد فيما لا بد لهم منه ولا تتم مصالحهم في معاشهم إلا به.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: هذا الكلام ظاهر في الاعتراض على الله -تعالى- وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله -تعالى- هو الذي حرم الربا تحريمًا مطلقًا، وهو أعلم بمصالح العباد وما فيه منفعة لهم في معاشهم، ومع هذا فقد حجر على العباد أن يأكلوا الربا وشدد فيه غاية التشديد وتوعد عليه بأشد الوعيد وآذن من لم يتركه بالحرب منه ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قد حرم الربا تحريمًا مطلقًا ولعن آكله ومؤكله وشاهديه وكاتبه، ونص على أنه من السبع الموبقات - أي المهلكات- ونص أيضا على أن أكل الدرهم من الربا أشد من ستة وثلاثين زنية، وأخبر أنه ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله، وفي هذا أوضح دليل على أن التعامل بالربا فساد محض وضرر على المجتمع والأفراد، وما كان بهذه الصفة فإنه يجب المنع منه والحجر على المتعاملين به؛ لأنه من الظلم وأكل الأموال بالباطل وقد قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ ..

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)

مِنْكُمْ}، قال ابن جرير: "يقول لا يأكل بعضكم أموال بعض بما حرم عليه من الربا والقمار وغير ذلك من الأمور التي نهاكم عنها".
وقال ابن كثير: "ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل وإن ظهرت في قالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا". انتهى.
وقال البغوي في الكلام على قوله -تعالى-: {بِالْبَاطِلِ}: "بالحرام يعني الربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة ونحوها"، وقال الزمخشري والنسفي: " {بِالْبَاطِلِ}: بما لم تبحه الشريعة من نحو السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا". انتهى.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الله -تعالى- لما حرم الربا وحجر على العباد أن يأكلوه أحل لهم ما هو أنفع لهم في مصالح معاشهم وذلك بالبيع وأنواع المكاسب والعقود الخالية من الربا والظلم وأكل الأموال بالباطل، وإذا كان الفتان وأشياعه لم يرضوا بحكم الله -تعالى- وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم في تحريم الربا على وجه العموم ولم يرضوا بالحجر على العباد أن يأكلوا الربا فلا رضوا أبدا، وإذا لم يسعهم في مصالح معاشهم ما وسع المسلمين منذ زمان نبيهم إلى زماننا من المكاسب الخالية من الربا وأكل أموال الناس بالباطل فلا وسَّع الله عليهم أبدًا.
وأما ما نقله الفتان عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنه قال كل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن الفتان لا يزال مفتونًا بالتلبيس على الجهال وذلك بما ينقله من كلام العلماء ويضعه على غير مواضعه، ومن ذلك ما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ليوهم من لا علم لهم أنه يؤيد رأيه الفاسد في تحليل الربا في المصارف، وقد ذكرت كلام شيخ الإسلام قريبًا (1) وذكرت أنه ليس فيه ما يتعلق به الفتان؛ لأنه لم يكن في مسائل الربا وإنما هو في تأجير الأرض التي تكون مشتملة على غراس وأرض تصلح للزرع، وقد قال في أثناء كلامه: "كل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية هي ترك واجب أو فعل محرم - لم يحرم--------------------------------------------
(1) ص135 - 137.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)

عليهم"، وفي هذه الجملة من كلام شيخ الإسلام أبلغ رد على الفتان الذي قد حاول تحليل الربا في المصارف ولم يبال بكونه معصية لله -تعالى- ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا بكونه من الأفعال المحرمة بالكتاب والسنة والإجماع.
الوجه الثاني: أن يقال: إن المتعاملين بالربا مع أهل المصارف لم يكونوا يفعلون ذلك للحصول على المعيشة التي لا بد لهم منها وإنما كانوا يفعلونه للاستكثار من المال وتنميته ولو بالطرق المحرمة، وهذا مصداق ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حلال أم من حرام» رواه الإمام أحمد والبخاري والدارمي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولو كان المتعاملون بالربا مع أهل المصارف يريدون الحصول على المعيشة التي لا بد لهم منها لكانوا ينفقون من رؤوس أموالهم ويتجرون فيها بما ليس فيه ربا ولا ظلم ولا غير ذلك من المكاسب المحرمة فإذا نفذ ما بأيديهم واضطروا إلى السؤال أبيح لهم السؤال؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للمضطر الذي لا يجد شيئا يأكله أن يسأل الناس ما يسد به جوعه، ولم يأت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رخص في أكل الربا قط ولو كانت الحالة حالة ضرورة.
وأما قوله: وعليه فإن طبيعة أعمال المصارف تختلف عن الربا المحرم في القرآن.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن أنواع الربا كلها محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، وهذا الحكم يشمل المصارف وغير المصارف على حد سواء، ومن أباح ربا الفضل في المصارف أو أباح فيها ربا النسيئة الذي ليس على طريقة ربا أهل الجاهلية فإنما هو في الحقيقة يرد على الله -تعالى- وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ويؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه، وقد قال الله -تعالى- منكرا على من كان على هذه الطريقة السيئة ومتوعدا لهم بأشد الوعيد: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ}، فلا يأمن الفتان ومناصروه على تحليل الربا في المصارف أن يكون لهم نصيب وافر مما هو مذكور في هاتين الآيتين.
الوجه الثاني: أن يقال: إن تفريق الفتان بين أنواع الربا وزعمه أن بعضها محرم في القرآن دون غيره من أنواع الربا ليس عليه دليل البتة، وإنما هو من التحكم والقول في القرآن بغير علم وذلك من أعظم المحرمات.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)

وأما قول بعض المفسرين في بعض الآيات إنها نزلت فيما كان باقيا لثقيف من الربا الذي كان لهم في الجاهلية فأمروا بعد إسلامهم أن يتركوا الربا ويأخذوا رؤوس أموالهم.
فالجواب عنه: أن يقال: قد اختلف في سبب نزول بعض الآيات، هل كان ذلك بسبب ربا ثقيف على بني المغيرة، أو بسبب ربا عثمان والعباس رضي الله عنهما على صاحب التمر، وقد ذكرت الأقوال في ذلك في أثناء الكتاب فلتراجع (1)، وعلى كل من الأقوال التي تقدم ذكرها فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مقرر عند الأصوليين، وليس في شيء من الآيات ما يدل على أن تحريم الربا خاص بما كان على طريقة أهل الجاهلية دون غيره من أنواع الربا، بل الحكم في الجميع واحد لا يختلف، وهو التحريم لجميع أنواع الربا، ما كان منه على طريقة أهل الجاهلية وما كان على غير طريقتهم، وعلى هذا تدل الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع فلتراجع في أول الكتاب.
الوجه الثالث: أن يقال: إن طبيعة أعمال المصارف في التعامل بالربا شبيهة بعمل أهل الجاهلية في ذلك؛ لأن أهل الأموال يضعون أموالهم عند أهل المصارف ويجعلون لهم الحق في التصرف فيها والانتفاع بها بنسبة معلومة في المائة في كل عام، وهذه النسبة تضاف إلى رؤوس الأموال المدفوعة إلى أهل المصارف، وربما اجتمع من النسبة التي تضاف إلى رؤوس الأموال شيء كثير ولا سيما إذا ترك أهل الأموال رؤوس أموالهم في المصارف أعوامًا كثيرة، وهذا عين ربا أهل الجاهلية الذي قال فيه الفتان إنه محرم بالقرآن، وقال فيه أيضا: إنه محرم تحريما قطعيًا، وقد كرر هذا القول في مواضع كثيرة من نبذته، وذكر أن خصيصته أن يقول صاحب الدين للمدين عند حلول أجل الدين إما أن تقضي وإما أن تربي فإن لم يقض زاد المدين المال وزاد الدائن الأجل، هذا كلام الفتان (2)، ولو كان خاليا من الهوى وكان له أدنى علم ومعرفة لعلم أن طبيعة أعمال المصارف في التعامل بالربا شبيهة بعمل أهل الجاهلية، ولكن اتباعه للهوى وحبه للتزلف إلى أهل المصارف والمتعاملين معهم بالمعاملات الربوية وحرصه على إرضائهم بما يسخط الله -تعالى- أعماه وأصمه عن معرفة الحق والعمل به، وقد روى الإمام أحمد ....--------------------------------------------
(1) ص112.
(2) تراجع صفحة 105.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)

وأبو داود وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حبك الشيء يعمي ويصم» وهذا الحديث مطابق لحال الفتان غاية المطابقة.
الوجه الرابع: أن يقال: قد تقدم كلام الزجاج في بيان الربا الحرام، وتقدم كلام الجصاص في بيان ربا العرب - أي زمن الجاهلية - فليراجع (1) كلامهما فإنه مطابق للمعاملات الربوية في البنوك، وفيه رد على الفتان.
فصل
وقال الفتان: "في المعاملات المصرفية الدائن هو دائما من المالكين لرأس المال غير أنه يملك سيولة صغيرة أي وفرا قليلاً لا يستطيع استثماره، أما المدين فهو دائمًا من كبار المالكين لرأس المال غير أنه لا يملك أية سيولة لتسيير أعماله الكبرى، وهكذا يتضح لنا هنا أن الذي يحتاج للآخرين في المعاملات المصرفية هم دائمًا الأغنياء الكبار الذين يمدون أيديهم لوفر المالكين الصغار دون العكس، وبالنتيجة فإن هؤلاء الأغنياء الكبار لا تحل لهم صدقة المالكين الصغار فيما لو طلبنا إلى هؤلاء أن يتوبوا وأن يتصدقوا برؤوس أموالهم على المدينين الأغنياء عملا بقوله: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} وهذا هو أول ما يميز أعمال المصارف عن الربا المحرم في القرآن الكريم حيث أن المدين محتاج إلى الصدقة بعكس المدين في المعاملات المصرفية".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الفتان قد لفق هذه الشبه ليلبس بها على الجهال ويوقعهم في أكل الربا ومعصية الله -تعالى- ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يبال بما يترتب على أقواله الباطلة من مخالفة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على تحريم الربا تحريما مطلقًا شاملاً لجميع أنواع الربا، ولا بما يترتب على أقواله أيضا من حمله من أوزار الذين يَضلون بسببه وأنه يكون عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا.
الوجه الثاني: أن يقال: إنه ليس من شروط تحريم الربا أن يكون واقعا بين غني وفقير ولا أن يكون المدين ممن تحل له الصدقة، وإنما هذا من تشريع الفتان وتلبيسه .............--------------------------------------------
(1) ص16.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)

على الجهال، وليس في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع ما يدل على هذا القول الباطل، بل إن ظواهر الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع تدل على إلغاء كل ما حاوله الفتان في تلفيقه؛ لأنها جاءت بلفظ العموم الذين يشمل الغني والفقير ومن تحل له الصدقة ومن لا تحل له.
يوضح ذلك الوجه الثالث: وهو أن الله -تعالى- ذكر حال أهل الأموال مع الغرماء الواجدين للمال وردهم مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم: {لَا تَظْلِمُونَ} أي بأن تأخذوا زيادة على رؤوس أموالكم {وَلَا تُظْلَمُونَ} أي بأن يمنع الغرماء رؤوس أموالكم أو يتمسكوا بشيء منها، ثم ذكر حال المعسرين من الغرماء وهم الذين لا يجدون وفاء لديونهم وأمر أرباب الأموال أن ينظروهم إلى حال الميسرة ورغبتهم مع ذلك في الصدقة عليهم فقال -تعالى-: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} قال ابن جرير في الكلام على قول الله -تعالى-: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}: "وإن كان ذو عسرة من غرمائكم برؤوس أموالكم فنظرة إلى ميسرة"، وقال ابن عطية في تفسيره ما ملخصه: "حكم الله لأرباب الربا برؤوس الأموال عند الواجدين للمال ثم حكم في ذي العسرة بالنظرة إلى حالة اليسر وندب إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرا من إنظاره". انتهى، وفي تفسير القرطبي نحو كلام ابن عطية، وفي هذا أبلغ رد على الفتان الذي قد قال في القرآن برأيه ووضع قوله -تعالى-: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} على غير موضعها ولم يبال بما يترتب على ذلك من الوعيد الشديد وهو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وفي رواية للترمذي وابن جرير والبغوي: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».
الوجه الرابع: أن يقال: إن الفتان قد كرر القول بأن الربا المحرم في القرآن هو ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية، وهذا قول باطل مردود بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع فقد جاء تحريم الربا في هذه الأصول الثلاثة على وجه العموم الذي يشمل جميع أنواع الربا، وليس في شيء منها ما يدل على حصر الربا المحرم في ربا أهل الجاهلية دون غيره من أنواع الربا، وقد تقدم قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "إن المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع، وقال أيضا: لفظ الربا يتناول كل ما

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)

نهي عنه من ربا النسأ وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك فالنص متناول لهذا كله"، وقال ابن حجر الهيتمي: "الربا ثلاثة أنواع: ربا الفضل وربا اليد وربا النسأ وزاد المتولي نوعًا رابعًا وهو ربا القرض … قال الهيتمي: وكل من هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع وبنص الآيات والأحاديث، وما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة"، فليراجع كلام شيخ الإسلام (1) وكلام الهيتمي (2)، ففي كل منهما أبلغ رد على قول الفتان إن الربا المحرم في القرآن هو ربا النسيئة الذي كان في الجاهلية، وليراجع (3) أيضا قول الجصاص أن تحريم الربا يشمل جميع ضروبه.
الوجه الخامس: أن يقال: ليس في أعمال المصارف ما يميزها عن غيرها من المؤسسات التجارية وسائر أعمال الناس في البيع والشراء فكلها يحرم التعامل فيها بالربا، وسواء في ذلك ربا الفضل وربا النسيئة ما كان منه على طريقة أهل الجاهلية وما كان على غير طريقتهم؛ لأن الله -تعالى- حرم الربا تحريمًا مطلقًا، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه حرمه تحريمًا مطلقًا سوى بيع العرايا بخرصها فإنه قد أذن فيه، وكذلك الإجماع فإنه شامل لجميع أنواع الربا، كما تقدم بيان ذلك في الوجه الرابع.
فصل
ومن شبه الفتان وأباطيله التي لفقها للتحيل على تحليل الربا في المصارف قوله: "إن الدائن لا يختص بالمنفعة دون المدين"، وقوله: "إن الدائن لا يستغل مدينا محتاجًا للصدقة بل يشترك مع الأغنياء في المنفعة بموجب عقد رضائي تجاري لا استغلال فيه"، وقوله: "إن المعاملات المصرفية ليست مجرد تنمية لمال الدائن وحده وإنما هي تجارة من نوع جديد جرى التعارف عليها ودعت إليها حاجة الناس أجمعين حتى أصبحت مصالحهم في معاشهم لا تتم إلا بها"، ومنها ما ذكره عن رشيد رضا أنه قال: "إن المعاملات التي يقصد بها الإتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع"، قال الفتان: "ويشير بذلك إلى قوله -تعالى-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} .. "
والجواب: أن يقال: إن هذه الشبه كلها مردودة بنصوص الكتاب والسنة وبالإجماع--------------------------------------------
(1) ص136.
(2) ص120 - 121.
(3) ص24 - 25 و97.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)

على تحريم الربا تحريمًا مطلقًا يشمل جميع أنواع الربا، وهذه الأصول الثلاثة تقضي على جميع شبه الفتان وحيلة على تحليل الربا في المصارف.
وأما زعمه أن العقد الذي يكون بين الدائن وبين أهل المصارف عقد رضائي تجاري، وقوله أيضا إنها تجارة من نوع جديد جري التعارف عليها، وقول رشيد رضا إن المعاملة التي يقصد بها الاتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع.
فجوابه أن يقال: أما وجود الرضا بين المتعاملين بالربا فإنه لا يفيد حِل الربا، كما أن الرضا بين الزانيين لا يفيد حل الزنا، وإنما يستفاد الحل أو الحرمة في جميع المعاملات من نصوص الكتاب والسنة ومن إجماع المسلمين، فما شهد له الكتاب أو السنة أو الإجماع بالحل فهو حلال وما شهدت الأصول الثلاثة أو أحدها بحرمته فهو حرام، وقد اتفقت الأصول الثلاثة على تحريم الربا على وجه العموم، ولو كان العقد واقعا برضا المتعاملين بالربا، وسواء كان المدين غنيا أو محتاجًا، وسواء كانت المنفعة عامة للدائن والمدين أو كانت خاصة بالدائن وحده، فكل هذه الأمور ليس لها تأثير في تحريم الربا والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدًا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وروى مسلم أيضا من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم «ينهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى»، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي، وفي رواية لمسلم: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا» فهذا نصوص صريحة في منع الزيادة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة وغيرها من الأصناف الستة، قال النووي: "قوله: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى» معناه فقد فعل الربا المحرم فدافع الزيادة وآخذها عاصيان مرابيان". انتهى.
وفي النص على أن من زاد أو استزاد فقد أربى أبلغ رد على شبه الفتان ورشيد رضا؛ لأن ظاهر النصوص يدل على أنه لا تأثير لكون المعاملة واقعة برضا المتعاملين بالربا، ولا لكون المدين غنيا أو محتاجًا، ولا لكون المنفعة عامة للدائن والمدين أو كونها خاصة بالدائن وحده، ولا بين أن يكون المقصود بالمعاملة الإتجار أو غير ذلك من المقاصد، .............

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)

فكل هذا لا تأثير له في تحريم الربا، ولو كان لشيء من هذه الأمور تأثير في حل الربا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته.
وقد تقدم الجواب عن قول رشيد رضا إن المعاملة التي يقصد بها الإتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع فليراجع (1)، ففيه أيضا رد على قول الفتان إنه عقد رضائي تجاري وإنها - أي المعاملات الربوية في المصارف - تجارة من نوع جديد.
وأما قوله: إن المعاملات المصرفية قد دعت إليها حاجة الناس أجمعين حتى أصبح مصالحهم في معاشهم لا تتم إلا بها.
فجوابه: أن يقال: لا يخفي ما في هذا الكلام الباطل من المجازفة التي يكذبها الواقع من حال المسلمين قبل وجود المصارف وبعد وجودها، فأما قبل وجودها فإن المسلمين قد عاشوا أكثر من ثلاثة عشر قرنًا وهم لا يعرفون المصارف، ومع هذا فإن مصالحهم في معاشهم كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، وأما بعد وجود المصارف فإن أكثر المسلمين لا يتعاملون مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية، ومع هذا فإن مصالحهم في معاشهم كانت متيسرة لكل منهم على حسب ما قسم الله لهم من الرزق، وكثير منهم أحسن حالاً في مصالح معاشهم من المتعاملين مع أهل المصارف بالمعاملات الربوية، ولو كان الأمر على ما زعمه الفتان في هذيانه الذي كتبه من غير تعقل ولا تدبر لكانت مصالح أكثر الناس في زماننا متعطلة، وهذا لا يقوله إنسان له أدنى شيء من العقل.
وأما قوله: إن رشيد رضا يشير إلى قوله -تعالى-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}.
فجوابه: أن يقال: هذا من الاستدلال بالآية على خلاف ما تدل عليه إذ ليس في الآية ما يؤيد قول رشيد رضا في تحليل الربا في المصارف وزعمه أنه من قسم البيع، بل الآية حجة عليه وعلى من قلده من ذوي الجهالة والضلالة؛ لأن الله -تعالى- نص في الآية على تحريم الربا، وقد تقدم (2) بيان معنى الربا في كلام المفسرين وأهل اللغة، وهو ينطبق على الزيادة التي يضمنها أهل المصارف إلى رؤوس الأموال التي يدفعها أهلها إلى أهل المصارف ويجعلون لهم الحق في التصرف فيها والانتفاع بها بنسبة معلومة في .......................--------------------------------------------
(1) ص140 - 143.
(2) ص15 - 16.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)

المائة في كل عام، وهذه النسبة الربوية حرام بنصوص الكتاب والسنة وبإجماع المسلمين، وهي شبيهة بربا أهل الجاهلية؛ لأن الدائن في الجاهلية يقول للمدين إذا حل أجل الدين إما أن تقضي وإما أن تربي، وأما أهل المصارف فإنهم يقولون بلسان الحال إما أن تأخذ مالك يا صاحب المال وإما أن تتركه عندنا ونربيه لك في كل عام بنسبة معلومة في المائة، وقد جاء في المثل المشهور "ما أشبه الليلة بالبارحة"، قال الميداني في (مجمع الأمثال): "يضرب عند تشابه الشيئين". وقد تقدم (1) قول الجصاص: "إن الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به، هذا كان المتعارف المشهور بينهم".
فصل
وقال الفتان: "ويؤكد هذا المبدأ في شرعية المنفعة التي لا ضرر بها على أحد قول الإمام موفق الدين ابن قدامة في المغني أن ما فيه مصلحة من غير ضرر بأحد فهو جائز وأن الشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا ضرر فيها وإنما يرد بمشروعيتها، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كل مالا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا".
والجواب: أن يقال: قد تقدم ذكر الفتان لكلام الموفق وشيخ الإسلام ابن تيمية والجواب عن ذلك فليراجع (2)، وقد ذكرت فيما تقدم أن كلام الموفق ليس له تعلق بمسائل الربا، وإنما هو فيما إذا أقرض إنسان آخر قرضًا واشترط عليه أن يوفيه إياه في بلد آخر، وقد صحح الموفق القول بجواز ذلك إذا لم يكن لحمله مؤنة، وعلل ذلك بأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منها، قال: "والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها"، وقد قال قبل ذلك في (باب الربا والصرف): "الربا في اللغة هو الزيادة، يقال أربى فلان على فلان إذا زاد عليه، وهو في الشرع الزيادة في أشياء مخصوصة وهو محرم بالكتاب والسنة والإجماع"، ثم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة، ثم قال: "وأجمعتْ الأمة على أن الربا محرم"، قال: "والربا على ضربين ربا الفضل وربا النسيئة وأجمع أهل العلم على تحريمهما". انتهى المقصود من كلامه.--------------------------------------------
(1) ص16.
(2) ص135 - 138.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)

وقد تعامى الفتان عن كلام الموفق في (باب الربا والصرف) وأعرض عنه وجاء إلى كلامه في القرض فاستدل به على تحليل الربا في المصارف وأوهم الجهال أن كلام الموفق يفيد جوازه فيها، وهذا من التلبيس على الجهال ووضع كلام الموفق في غير موضعه، وإنما تعامي الفتان عن كلام الموفق في (باب الربا والصرف) وأعرض عن ذكره لأنه صرح في تحريم ربا الفضل وربا النسيئة وقد ذكر الدليل على تحريمهما من الكتاب والسنة والإجماع، وفي ذكره لذلك أبلغ رد على الفتان المفتون.
وأما كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فقد تقدم أنه ليس في مسائل الربا وإنما هو في تأجير الأرض التي تكون مشتملة على غراس وأرض تصلح للزرع، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الفقهاء اختلفوا في تأجيرها على ثلاثة أقوال، وقد صحح القول بالجواز ورد على من قال بالتحريم وأطال الكلام في الرد عليهم وقال في أثنائه: "فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعًا" ثم قال بعد ذلك: "فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية - هي ترك واجب أو فعل محرم - لم يحرم عليهم لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد" هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، فليتأمل آخر كلامه فإن في أبلغ رد على الفتان الذي قد تقول على شيخ الإسلام وأوهم الجهال أن كلامه يفيد جواز الربا في المصارف، وقد تقدم الرد على الفتان بأبسط من هذا، وذكرت فيه عن شيخ الإسلام أنه قال: "المراباة حرام بالكتاب والسنة والإجماع"، وقال أيضا: "لفظ الربا يتناول كل ما نهي عنه من ربا النسأ وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناول لهذا كله"، فليراجع ما تقدم (1) من كلام شيخ الإسلام والرد على الفتان فيما يتعلق به، ففي ذلك تنبيه على دسائس الفتان وتلبيسه وجراءته على التقول على أكابر العلماء ووضع كلامهم على غير مواضعه وحمله على ما يوافق رأيه الفاسد في تحليل الربا، وإنه لينطبق على الفتان قول الله -تعالى-: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}، وقوله -تعالى-: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}، وقوله -تعالى-: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}.--------------------------------------------
(1) ص135 - 137.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)