Arabic source text

📘 আস সারিমুল বাত্তার লিল ইজহাযি আলা মান খালাফাল কিতাবা ওয়াস সুন্নাতা ওয়াল ইজমাআ ওয়াল আসার (হামুদ বিন আব্দুল্লাহ আত-তুয়াইজিরি - মৃত্যু 1413 হিজরী)

📘 الصارم البتار للإجهاز على من خالف الكتاب والسنة والإجماع والآثار (حمود بن عبد الله التويجري - ت 1413 هـ)

📘 আস সারিমুল বাত্তার লিল ইজহাযি আলা মান খালাফাল কিতাবা ওয়াস সুন্নাতা ওয়াল ইজমাআ ওয়াল আসার (হামুদ বিন আব্দুল্লাহ আত-তুয়াইজিরি - মৃত্যু 1413 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
أن من زاد أو استزاد فقد أربى وأن الآخذ والمعطي فيه سواء، وجاء في بعضها الأمر برد البيع والتغليظ في الإنكار على من أربى في بيع التمر الرديء بالتمر الطيب. ولا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن عارض شيئا من أقواله صلى الله عليه وسلم بآراء الناس واتجاهاتهم فهو على شفا هلكة.
الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن رشد ليس له اتجاه يخالف ما جاء في الأحاديث الصحيحة وما أجمع عليه العلماء من أن الربا صنفان نسيئة وتفاضل وأن الربا في هذين النوعين ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي نص كلامه في الفصل الذي بعد هذا الفصل -إن شاء الله تعالى-.
الوجه الثالث: أن يقال: قد تقدم في الفصل الذي قبل هذا الفصل ذكر النصوص الدالة على أن ربا الفضل وربا النسيئة في الأصناف الستة من الربا الجلي وليس من الربا الخفي فلتراجع (1) ففيها أبلغ رد على الفتان.
الوجه الرابع: أن يقال: ما ذكره الفتان عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان لا يُحرِّم إلا ربا أهل الجاهلية وحده ولا يحرم غيره من ضروب الربا فضلا كان أو نسيئة فهو غلط على ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما لم يحصر الربا في ربا أهل الجاهلية كما زعم ذلك الفتان، وإنما كان في أول أمره يفتي بجواز المفاضلة في الصرف إذا كان يدًا بيد ولا يرى الجواز إذا كان ذلك نسيئة، وكان يستدل لرأيه هذا بالحديث الذي جاء فيه: «إنما الربا في النسيئة» حتى أنكر عليه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وقال له: "ألا تتقي الله؟! إلى متى تؤكل الناس الربا". وفي رواية أنه قال له: "أكلت الربا وأطعمته"، وأنكر عليه أيضا أبو أسيد الساعدي وأغلظ له القول فرجع عن قوله في الصرف ووافق ما عليه الجماعة واستغفر الله وتاب إليه مما كان يفتي به، ثم كان بعد ذلك ينهى عنه أشد النهي، وقد ذكرت الآثار الدالة على رجوعه عن رأيه في الصرف وموافقته الجماعة في الفصل الذي بعد ذكر الإجماع على تحريم الربا فلتراجع (2) ففيها أبلغ رد على الفتان الذي قد تعلق برأي ابن عباس الذي قد رجع عنه واستغفر الله وتاب إليه منه.
الوجه الخامس: أن يقال: إنه لم يأت في القرآن نص يدل على أن ربا أهل الجاهلية ..--------------------------------------------
(1) ص79.
(2) ص 47 - 5.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)

هو الذي ورد تحريمه في القرآن دون غيره من ربا الفضل والنسيئة، وإنما جاءت النصوص في القرآن على وجه العموم فيدخل في عمومها ربا أهل الجاهلية وربا أهل الإسلام فضلا كان أو نسيئة، وقد تقدم بيان هذا في الجواب عن قول الفتان إن الربا الذي كان معروفًا في الجاهلية هو الذي نزل فيه القرآن فليراجع ما تقدم (1).
فصل
قال الفتان: الإتجاه الذي يميز ما بين ربا النسيئة الجلي وربا الفضل الربا الخفي يقول ابن رشد في بداية المجتهد: "واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين، في البيع وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك. فأما الربا فيما تقرر في الذمة فهو صنفان، صنف متفق عليه وهو ربا الجاهلية الذي نهى عنه، وذلك أنهم كانوا يسلفون بالزيادة وينظِرون فكانوا يقولون أَنظِرني أزدك، وهذا هو الذي عناه الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله في حجة الوداع: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب» والثاني، ضع وتعجل، وهو مختلف فيه".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: قد تقدم قريبا ذكر النصوص الدالة على أن ربا الفضل في الأصناف الستة من الربا الجلي القطعي وليس من الربا الخفي، فلتراجع النصوص (2) ففيها أبلغ رد على اتجاه الفتان.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد نقل من كلام ابن رشد ما يتعلق بالربا فيما تقرر في الذمة وترك كلامه في الربا في البيع، وإنما فعل ذلك ليوهم من لا علم لهم أن ابن رشد كان من الذين يقسمون الربا إلى جلي وخفي ويقولون إن الربا الجلي هو ربا النسيئة وإن الربا الخفي هو ربا الفضل، وهذا التقسيم ليس له ذكر في كلام ابن رشد، وقد ذكرت قريبا أن ابن رشد ليس له اتجاه يخالف ما جاء في الأحاديث الصحيحة وما أجمع عليه العلماء من أن الربا صنفان نسيئة وتفاضل وأن الربا في هذين النوعين ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال في (بداية المجتهد) بعد الجملة التي نقلها الفتان ما نصه:
"وأما الربا في البيع فإن العلماء أجمعوا على أنه صنفان نسيئة وتفاضل إلا ما روي …--------------------------------------------
(1) ص 75 - 76.
(2) ص79.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)

عن ابن عباس من إنكاره الربا في التفاضل لما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة» وإنما صار جمهور الفقهاء إلى أن الربا في هذين النوعين لثبوت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم ".
وقال أيضا: "أجمع العلماء على أن التفاضل والنسأ مما لا يجوز واحد منهما في الصنف الواحد من الأصناف التي نص عليها في حديث عبادة بن الصامت إلا ما حكي عن ابن عباس، وحديث عبادة هو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى» فهذا الحديث نص في منع التفاضل في الصنف الواحد من هذه الأعيان. وأما منع النسيئة فيها فثابت من غير ما حديث، أشهرها حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» فتضمن حديث عبادة منع التفاضل في الصنف الواحد، وتضمن أيضا حديث عبادة منع النسأ في الصنفين من هذه وإباحة التفاضل، وذلك في بعض الروايات الصحيحة، وذلك أن فيها بعد ذكره منع التفاضل في تلك الستة: «وبيعوا الذهب بالورق كيف شئتم يدا بيد والبر بالشعير كيف شئتم يدا بيد» وهذا كله متفق عليه بين الفقهاء إلا البر والشعير". انتهى المقصود من كلام ابن رشد. وفيه كفاية في الرد على الفتان وبيان أنه لم يؤد الأمانة في النقل من كلام ابن رشد؛ لأنه قد اقتصر على نقل الجملة التي يظن أنها تؤيد قوله في تقسيم الربا إلى جلي وخفي. وأعرض عن نقل الجملة التي توضح اتجاه ابن رشد وتدل على أنه لم يكن من الذين يقولون بتقسيم الربا إلى جلي وخفي.
فصل
قال الفتان: "أما ابن القيم فعنده أن ربا النسيئة محرم لذاته تحريم مقاصد، وهو الذي نزل فيه القرآن الكريم وكانت عليه العرب في الجاهلية وهو الربا الذي لا شك فيه كما يقول أحمد بن حنبل. أما ربا الفضل فهو محرم أيضا ولكن تحريم وسائل من باب سد الذرائع لا تحريم مقاصد كما حرم ربا النسيئة".
والجواب: أن يقال: إن الفتان قد نقل بعض كلام ابن القيم في الربا بالمعنى وزاد ....

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)

في قوله في ربا النسيئة "وهو الذي نزل فيه القرآن الكريم" وهذه الزيادة ليست من كلام ابن القيم فوضعها في أثناء كلامه ينافي الأمانة. وسأذكر -إن شاء الله تعالى- كلام ابن القيم بلفظه ملخصًا وأنبه على ما ينبغي التنبيه عليه منه.
قال في (إعلام الموقعين): "الربا نوعان جلي وخفي، فالجلي حُرِّم لما فيه من الضرر العظيم، والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي، فتحريم الأول قصدًا، وتحريم الثاني وسيلة، فأما الجلي فربا النسيئة وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دَيْنه ويزيده في المال وكلما أخره زاد في المال حتى تصير المائة عند آلافًا مؤلفة، وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج - إلى أن قال - وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شك فيه فقال: هو أن يكون له دين فيقول له أتقضي أم تربي فإن لم يقضه زاده في المال وزاده هذا في الأجل - ثم ذكر حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الربا في النسيئة» قال: ومثل هذا يراد به حصر الكمال وأن الربا الكامل إنما هو في النسيئة. قال: وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإن أخاف عليكم الرَّمَا» والرما هو الربا، فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة". انتهى المقصود من كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- وفيه نظر من أوله إلى آخره.
فأما تقسيمة الربا إلى جلي وخفي وقوله إن الجلي ربا النسيئة - يعني والخفي ربا الفضل فهو تقسيم لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول أحد من الصحابة، بل الدليل يدل على خلافه وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وروى الشافعي وأحمد والدارمي ومسلم وأهل السنن من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وروى الإمام أحمد ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وفيه اختصار في أوله، وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا» ففي هذه الأحاديث النص على أن من زاد أو استزاد في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح فقد أربى، وفي رواية مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه فهو ربا، وفي هذا .....................................

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)

النص أوضح دليل على أن الربا في الأصناف الستة من الربا الجلي، ويدل على ذلك أيضا قصة بلال رضي الله عنه لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفي رواية للنسائي: «أوه عين الربا لا تقربه» قال النووي: "معنى عين الربا أنه حقيقة الربا المحرم"، وفي رواية لمسلم أن رجلا باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال: «ويلك أربيت» ففي هذه النصوص أوضح دليل على أن ربا الفضل من الربا الجلي، وفيها أبلغ رد على من قال إنه من الربا الخفي.
وأما قوله: إن الخفي حُرِّم لأنه ذريعة إلى الجلي وأن الأول - وهو ربا النسيئة - محرم قصدا، وأن تحريم الثاني - وهو ربا الفضل - تحريم وسيلة، فهو قول لا دليل عليه إلا ما ذكره من حديث أبي سعيد الخدري وهو حديث ضعيف الإسناد كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- وبيان أنه من حديث ابن عمر لا من حديث أبي سعيد.
وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن زاد أو استزاد فقد أربى» وفي رواية: «فهو ربا» أوضح دليل على أن ربا الفضل محرم قصدًا وليس تحريمه تحريم وسيلة، ويدل على ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية: «أوه عين الربا لا تقربه» وقوله في رواية مسلم: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال: «ويلك أربيت» ففي هذه النصوص أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- من التهوين لشأن ربا الفضل وجعله من الربا الخفي وقوله إنه لم يحرم قصدًا وإنما حرم تحريم وسيلة، ولو كان الأمر على ما ذهب إليه ابن القيم لكان ينبغي أن يقال: فمن زاد أو استزاد فقد توسل إلى الربا. وأن يقال في قصة بلال: لا تفعل فإنه وسيلة إلى الربا.
وأما ما ذكره عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- أنه سئل عن الربا الذي لا شك فيه فقال: هو أن يكون له دين فيقول له أتقضي أم تربي فإن لم يقضه زاده في المال وزاده هذا في الأجل.
فجوابه: أن يقال: إن هذا القول مما يشك في ثبوته عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-؛ لأن مفهومه يدل على أن ما سوى ربا أهل الجاهلية الذين كانوا يقولون إما أن تقضي وإما أن تربي فكله مشكوك فيه. وهذا المفهوم يأتي على كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في نحو من ثلاثين حديثا من الأحاديث الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهي عن ربا الفضل، وفي بعضها ...........

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)

النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة في الأصناف الستة المذكورة في بعض الأحاديث المروية عن أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وبلال -رضي لله عنهم-، وقد قال في بعض هذه الأحاديث: «من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وقال في بعض الروايات: «فمن زاد أو استزاد فهو ربا» وقال في بعض الروايات: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أنه قال: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال: «ويلك أربيت» وقال في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» وقال في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» وفي رواية: «الذهب بالذهب هاء وهاء، والفضة بالفضة هاء وهاء، والتمر بالتمر هاء وهاء، والبر بالبر هاء وهاء، والشعير بالشعير هاء وهاء، لا فضل بينهما» وفي بعض الروايات عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» ففي هذه النصوص وغيرها مما تقدم ذكره في أول الكتاب (1) أوضح دليل على أن ربا الفضل وربا النسيئة معلوم باليقين الذي لا يتطرق إليه الشك عند من له أدنى علم وفهم فضلا عن الإمام أحمد الذي قد آتاه الله حظًا وافرا من علم الكتاب والسنة والفقه في الأحاديث، وعلى هذا فيبعد كل البعد أن يقول في ربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة أهل الجاهلية أنه مما يشك فيه، ولو ثبت هذا عن الإمام أحمد لكان يتعين رده بما جاء في القرآن والسنة من التشديد في الربا على وجه العموم الذي يشمل جميع أنواعه من التفاضل والنسيئة والقرض الذي يجر نفعا. ولا قول لأحد مع قول الله -تعالى- وقول رسوله صلى الله عليه وسلم. وفي النصوص أيضا مع ما تقدم من الأحاديث أبلغ رد على مفهوم الرواية التي ذكرها ابن القيم عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.
وأما حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الربا في النسيئة» فقد ذكرت كلام العلماء فيه وقولهم أنه محمول على الأجناس المختلفة فإنه لا …--------------------------------------------
(1) ص29 - 39.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)

ربا فيها من حيث التفاضل وإنما الربا فيها في النسيئة، فليراجع ما تقدم ذكره ففيه رد لقول ابن القيم إنه يراد به حصر الكمال وإن الربا الكامل إنما هو في النسيئة.
ولا يخفي ما في كلام ابن القيم من التهوين لشأن ربا الفضل وذلك مخالف لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من التشديد فيه حيث قال: «من زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وأنكر صلى الله عليه وسلم على بلال لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب وغلظ في الإنكار عليه فقال: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أن قال له: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال: «ويلك أربيت» ففي هذه النصوص أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم من التهوين لشأن ربا الفضل وأنه ليس من الربا الكامل.
وأما قوله: وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين فإني أخاف عليكم الرَّمَا» والرما هو الربا، فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما أنه قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء» هذا لفظ حديث أبي سعيد رضي الله عنه وفي بعض الروايات عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا» ففي هذا النص أوضح دليل على أن ربا الفضل محرم قصدًا وليس تحريمه من باب سد الذرائع.
ويدل على ذلك أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلظ في الإنكار على بلال لما باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب وقال له: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل» وفي رواية أنه قال له: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فرُدوه» وفي رواية أنه قال: «ويلك أربيت» وقد ذكرت هذه النصوص في أول الكتاب فلتراجع (1) ففيها أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم من التهوين لشأن ربا الفضل وقوله .............--------------------------------------------
(1) ص35 - 38.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)

إن تحريمه من باب سد الذرائع.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الحديث الذي احتج به ابن القيم لقوله في تحريم ربا الفضل إنه من باب سد الذرائع لم يُرو عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وإنما هو مروي عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا وموقوفا من قوله ومن قول أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأما المرفوع فقد رواه الإمام أحمد من طريق أبي جناب عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين فإني أخاف عليكم الرماء والرماء هو الربا» إسناده ضعيف جدا لأنه من رواية أبي جناب الكلبي عن أبيه - واسم أبي جناب يحيي بن أبي حية. واسم أبي حية حي - وقد تكلم الأئمة في أبي جناب وفي أبيه، قال علي بن المديني: "كان يحيى بن سعيد يتكلم في أبي جناب وفي أبيه"، وقد ضعَّف أبا جناب كثيرٌ من الأئمة منهم يحيي القطان وابن سعد وعثمان الدارمي والعجلي والجوزجاني ويعقوب بن سفيان وأبو عمار والدارقطني، وقال عمرو بن علي الفلاس:" متروك الحديث"، وقال أحمد: "أحاديثه مناكير"، وقال النسائي: "ليس بالثقة يدلس"، وقال الساجي: "صدوق منكر الحديث"، وقال ابن حبان في كتاب (المجروحين): "كان ممن يدلس على الثقات ما سمع من الضعفاء فالتزقت به المناكير التي يرويها عن المشاهير فوهَّاه يحيي بن سعيد القطان وحمل عليه أحمد بن حنبل حملا شديدًا"، ثم ذكر ابن حبان عن يحيى بن معين أنه قال: "أبو جناب ليس بشيء"، وعنه أيضا أنه قال: "ضعيف ضعيف"، وقال ابن حجر في (تقريب التهذيب): "ضعَّفوه لكثرة تدليسه". وأما أبوه حي فقد تقدم عن يحيي بن سعيد أنه كان يتكلم فيه، واختلف قول الحافظ ابن حجر فيه فقال في موضع من (تقريب التهذيب): "إنه مقبول"، وقال في موضع آخر منه: "إنه مجهول".
ومما ذكرته من كلام العلماء في أبي جناب الكلبي يعلم أن حديثه لا يصلح للاستشهاد به فضلا عن الاحتجاج به.
وأما الموقوف على ابن عمر رضي الله عنهما فقد رواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن إبراهيم- يعني ابن علية- حدثنا أيوب عن نافع قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما: «لا تبيعوا الذهب بالذهب والورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا شيئا غائبا منها بناجز فإني أخاف عليكم الرماء والرما الربا» قال: فحدَّث .............

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)

رجل ابن عمر هذا الحديث عن أبي سعيد الخدري يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فما تم مقالته حتى دخل به علي أبي سعيد وأنا معه فقال إن هذا حدثني عنك حديثا يزعم أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفسمعته فقال: بصر عيني وسمع أذني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا شيئا غائبا منها بناجز» إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد رواه البيهقي في سننه من طريق جرير بن حازم قال: سمعت نافعا يقول: كان ابن عمر يحدث عن عمر رضي الله عنه في الصرف ولم يسمع فيه من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا قال: قال عمر رضي الله عنه: «لا تبايعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا مثلا بمثل سواء بسواء ولا تشفوا بعضه على بعض إني أخاف عليكم الرماء» قال: قلت لنافع: وما الرماء؟ قال: الربا، قال: فحدثه رجل من الأنصار عن أبي سعيد الخدري حديثا قال نافع فأخذ بيد الأنصاري وأنا معهما حتى دخلنا على أبي سعيد الخدري فقال: يا أبا سعيد هذا حدث عنك حديث كذا وكذا قال: ما هو؟ فذكره قال: نعم سمع أذناي وبصر عيني قالها ثلاث فأشار بإصبعه حيال عينيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «لا تبايعوا الذهب بالذهب ولا تبايعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل سواء بسواء ولا تبيعوا شيئا منها غائبا بناجز ولا تشفوا بعضه على بعض».
وقد علم من رواية البيهقي أن الموقوف ليس هو من قول ابن عمر رضي الله عنهما وإنما رواه عن أبيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسيأتي ذلك فيما رواه مالك في الموطأ، وقد تبين من سياق هذا الحديث أن ابن القيم -رحمه الله تعالى- قد وهم في الحديث فجعل الموقوف منه على ابن عمر وعلي أبيه عمر مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجعله من حديث أبي سعيد الخدري، وحديث أبي سعيد ليس فيه قوله: «فإني أخاف عليكم الرماء، والرماء الربا» وإنما ذلك في الموقوف على ابن عمر رضي الله عنهما وعلى أبيه عمر رضي الله عنه.
وأما الموقوف على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد رواه مالك في الموطأ بإسنادين صحيحين أحدهما: عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالذهب أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)

الإسناد الثاني: رواه مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا شيئا منها غائبا بناجز، وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا».
وقد تبين من روايتي مالك أن ابن عمر رضي الله عنها قد اختصر الموقوف الذي جاء في رواية أحمد والبيهقي فلم يذكر قوله في آخره: «وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا».
قال ابن الأثير في (النهاية في غريب الحديث): "الرماء بالفتح والمد الزيادة على ما يحل، ويروي الإرماء، يقال أرمي على الشيء إرماء إذا زاد عليه كما يقال أربى". انتهى.
وتفسير الرماء بالربا يحتمل أن يكون من كلام نافع؛ لأن في رواية جرير بن حازم عند البيهقي قلت لنافع وما الرماء؟ قال: الربا، ويحتمل أن يكون من كلام ابن عمر رضي الله عنهما؛ لأن مالكا رواه من طريق نافع عن ابن عمر ومن طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر وفي كل من الروايتين تفسير الرماء بالربا، ويحتمل أن يكون من كلام عمر رضي الله عنه، والله أعلم.
الوجه الثالث: أن يقال: قد جاء في روايتي مالك في الموطأ جملة ليست في رواية أحمد ولا في رواية البيهقي وهي قوله: «وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء» وفي هذه الجملة فائدة جليلة: وهي: أن الذي خافه عمر رضي الله عنه عليهم من الرماء هو ما يكون بسبب التفرق اليسير بين المتبايعين بقدر ما يلج أحدهما بيته فيكون البيع حينئذ من بيع الغائب بناجز وهو من ربا النسيئة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في بيع الذهب بالذهب والورق بالورق: «لا تبيعوا منها غائبا بناجز» متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفي رواية لمسلم: «ولا تبيعوا شيئا غائبا منه بناجز إلا يدا بيد» وفي هذا الحديث الصحيح وقول عمر رضي الله عنه: «وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء» دليل على أن المراد في هذا ربا النسيئة وهو بيع الغائب من الذهب والورق بالناجز - أي الحاضر - وهذا هو الرماء الذي خافه عليهم عمر رضي الله عنه. وقد جاء ذلك ..............................

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)

صريحا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء» متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال الترمذي: "معنى قوله: «إلا هاء وهاء» يقول يدًا بيد"، وفي النص على أن بيع الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء دليل على اشتراط التقابض في مجلس العقد ومنع التفرق قبله ولو كان التفرق يسيرا بقدر ما يلج أحد المبايعين بيته؛ لأنهما إذا تفرقا قبل التقابض ولو كان التفرق يسيرا فإن البيع حينئذ يكون من الربا، وهو الرماء الذي كان عمر رضي الله عنه يخافه عليهم.
الوجه الرابع: أن يقال: إن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قد اشتمل على جملتين: الأولى: في تحريم ربا الفضل، والثانية: في تحريم ربا النسيئة، وليس فيه ما يدل على أن تحريم ربا الفضل إنما كان لسد الذريعة إلى ربا النسيئة. فأما الجملة الأولى ففيها النهي عن بيع الورق بالورق إلا مثلا بمثل والنهي عن إشفاف بعضها على بعض، والإشفاف هو الزيادة وتفضيل أحدهما على الآخر. وأما الجملة الثانية ففيها النهي عن بيع الغائب من الذهب أو الورق بالناجز منه، والناجز هو المعجل الحاضر وفي سياق الحديث أوضح دليل على أن ربا الفضل محرم قصدًا وليس تحريمه من باب سد الذرائع.
فصل
وقال الفتان: "يترتب على التمييز بين ربا النسيئة وربا الفضل نتيجة هامة، ذلك أنه لما كان ربا النسيئة محرما لذاته تحريم المقاصد، وكان ربا الفضل محرما باعتباره وسيلة تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد؛ فإن درجة التحريم في ربا النسيئة أشد منها في ربا الفضل، ومن ثَمَّ لا يجوز ربا النسيئة إلا لضرورة ملجئة كالضرورة التي تبيح أكل الميتة والدم، أما ربا الفضل فيجوز للحاجة، ولا يخفي أن الحاجة أدنى من الضرورة، فكلما اقتضت الحاجة للتعامل بربا الفضل جاز ذلك، ومن ثم تضيق منطقة هذا الربا إذا قامت الحاجة إلى إباحته في بعض صوره بحيث يتبين في هذه الصور أنه لا يمكن اتخاذه ذريعة لربا النسيئة فينتفي سبب التحريم".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الفتان قد زل في هذه الجملة زلة خطيرة عليه وعلى من عمل بقوله الباطل، وذلك في زعمه أن ربا النسيئة يجوز للضرورة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)

وأن ربا الفضل يجوز للحاجة، وهذه الزلة العظيمة هي حاصل نتيجة السوء التي استنتجها بعقله الفاسد وزعم أنها نتيجة هامة، وهي في الحقيقة هامة من الهوام المهلكة للدين؛ لأن استحلال الربا ودعاء الناس إلى استحلاله يفتك بالدين أعظم مما تفتك الهوام الأرضية بالأبدان.
وقد قال الجوهري: "الهامة واحدة الهوام ولا يقع هذا الإسم إلا على المخوف من الأحناش"، وقال ابن الأثير: "الهامة كل ذات سم يقتل"، وذكر ابن منظور في (لسان العرب) عن شمر أنه قال: "الهوام الحيات وكل ذي سم يقتل". انتهى.
وإذا علم ما قاله أهل اللغة في تعريف الهامة وأنها الأفاعي والأحناش التي تقتل بسمها فليعلم أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نصَّ على أن أكل الربا من الموبقات - أي المهلكات - وما كان بهذه الصفة فهو هامة من الهوام التي تفتك بالدين ولا شك أن ضرر الربا على الدين أعظم من ضرر السم القاتل على الأبدان؛ لأن الأبدان إذا أصيبت بسم الأحناش والأفاعي فمآلها في الغالب إلى الموت، والموت لابد منه لكل مخلوق، وقد يكون فيه راحة للميت إذا كان من أولياء الله، وأما أكل الربا فإنه يؤول بأصحابه إلى الهلاك الديني وإلى الشر العظيم في الدنيا وفي البرزخ وفي الدار الآخرة، وبيان ذلك من وجوه: أحدهما: أنه من الكبائر السبع الموبقات - أي المهلكات - الثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، واللعن هو الطرد والإبعاد من الله ومن الخير. الثالث: أن الله -تعالى- قد آذن المرابين بالحرب منه ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أشد الخطر في هذا. الرابع: أن كثيرًا من العلماء قد صرحوا بتكفير من استحل الربا ولم يفرقوا بين وجود الضرورة والحاجة وعدم وجودهما. الخامس: ما رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه» وإذا كان هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما فيمن كان مقيما على الربا فكيف بمن يستحله بالشبهات ويدعو الناس إلى استحلاله، فهذا أولى أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. السادس: أن المرابين يعذبون في البرزخ بالسباحة في النهر الأحمر الذي هو مثل الدم أو هو من الدم ويلقمون الحجارة. السابع: ما روي من حديث أبي هريرة مرفوعًا أن المرابين تكون بطونهم في البرزخ كالبيوت الضخمة فيها الحيات ترى من خارج بطونهم. الثامن: ما روي من حديث أبي سعيد مرفوعا أن المرابين يصفدون في البرزخ وينضدون على سابلة آل فرعون فيتوطؤهم آل فرعون غدوا وعشيًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)

التاسع: أن المرابين إذا بعثوا من قبورهم فإنهم يعذبون بالجنون أو بما يشبه الجنون عقوبة لهم وتمقيتًا عند جمع المحشر. العاشر: وهو أعظمها أن المرابين يحشرون إلى نار جهنم. وكل ما ذكرته ههنا من ضرر الربا على المرابين فقد تقدم بيانه في الآيات والأحاديث الدالة على تحريم الربا وفي فوائدها فليراجع ذلك في أول الكتاب، وليتأمله المؤمن الناصح لنفسه حق التأمل، وليحذر أشد الحذر من نتيجة الفتان وهامّته فإنها من نتائج الضلال ومن الهوام التي تهلك الدين.
الوجه الثاني: أن يقال: إن التحليل والتحريم مردهما إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما أحله الله في كتابه أو أحله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حلال، وما حرمه الله في كتابه أو حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حرام، وليس للآراء والاستنتاجات حق في التحليل والتحريم، ومن أحل شيئا أو حرمه بمجرد الرأي والاستنتاج فقد افترى على الله الكذب واستدرك على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله -تعالى-: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن الفتان قد أقدم على تحليل ربا النسيئة للضرورة وتحليل ربا الفضل للحاجة، ولم يستند في ذلك إلى دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، إذ لا وجود لذلك في هذه الأصول الثلاثة، وإنما استند إلى أقوال المتلاعبين بالدين وهم الذين وصفهم الشيخ أحمد شاكر بأنهم يلعبون بالقرآن ويزعمون أن الربا المحرم هو الأضعاف المضاعفة ويجيزون ما بقي من أنواع الربا، وقد تقدم كلامه وكلام الشيخ محمود شلتوت في ذمهم فليراجع ذلك في أثناء الكتاب (1).
فإن قال الفتان: إنه قد اعتمد في نتيجته المضلة على قول ابن القيم في تقسيم الربا إلى جلي وخفي وأن الجلي هو ربا النسيئة الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية وأن تحريم هذا النوع كان قصدا وتحريم ربا الفضل وسيلة لأنه ذريعة إلى الجلي.
فالجواب: أن يقال: إنه ليس في كلام ابن القيم ما يتعلق به الفتان في تحليل ربا النسيئة للضرورة وتحليل ربا الفضل للحاجة، وقد صرح ابن القيم بتحريم نوعي الربا إلا أنه جعل تحريم ربا الفضل من باب سد الذرائع، وقد ذكرت نصوص الأحاديث الدالة على خلاف قوله في الفصل الذي قبل هذا الفصل فليراجع ذلك (2).--------------------------------------------
(1) ص 59 - 60.
(2) ص 86 - 88.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)

وفي النصوص الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كفاية وغنية عن أقوال الناس، ولا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثالث: أن يقال: إن كلام الفتان ينقض بعضه بعضًا؛ لأنه قد صرح في أول نتيجته المضلة أن ربا النسيئة محرم لذاته تحريم المقاصد وأن ربا الفضل محرم تحريم الوسائل باعتباره وسيلة إلى ربا النسيئة، ثم نقض قوله في التحريم فأجاز ربا النسيئة للضرورة وأجاز ربا الفضل للحاجة، وهذا في الحقيقة من التلاعب بالدين إذ ليس في القرآن ولا في السنة ولا في الإجماع ما يدل على جواز ربا النسيئة للضرورة ولا على جواز ربا الفضل للحاجة، بل إن الأدلة من القرآن والسنة والإجماع كلها تدل على تحريم الربا على وجه العموم تحريما مطلقًا وليس فيها استثناء ضرورة ولا حاجة، وقد قال الله -تعالى-: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}.
الوجه الرابع: أن يقال: ما زعمه الفتان من جواز ربا النسيئة للضرورة وجواز ربا الفضل للحاجة فهو مردود بما جاء في القرآن والسنة من التشديد في أكل الربا على وجه العموم، فمن ذلك قول الله -تعالى-: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}، وقوله -تعالى- في آخر الآية: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}.
ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا السبع الموبقات» فذكرها ومنها أكل الربا، ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث صحيحة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية»، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله».
وما جاء في هذا الآيات والأحاديث من التشديد في أكل الربا فهو يعم جميع الحالات كما تدل على ذلك ظواهر الآيات والأحاديث، ومن استثنى حالة الضرورة في ربا النسيئة وحالة الحاجة في ربا الفضل فقد خالف القرآن والسنة وشرع من الدين ما لم يأذن به الله.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الضرورة التي تبيح أكل الميتة والدم هي الخوف على

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)

النفس من التلف إذا لم يأكل الميتة أو الدم بقدر ما يسد به رمقه، فمن ألجأته الضرورة إلى الأكل من الميتة أو الدم وهو غير باغ ولا عاد جاز له الأكل ولا إثم عليه، فأما أكل الربا فإن الله -تعالى- حرمه تحريمًا مطلقًا وجاءت السنة بتحريمه على الإطلاق، وما كان بهذه الصفة فليس لأحد أن يستثني منه ضرورة ولا حاجة؛ لأن ذلك من الاستدراك على الله وعلى رسول صلى الله عليه وسلم.
الوجه السادس: أن يقال: إن الفتان قد قاس الضرورة التي زعمها في ربا النسيئة على الضرورة التي تبيح أكل الميتة والدم، وهذا قياس فاسد، وهو من جنس قياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا، وقد رد الله على الذين قالوا بهذا القول الفاسد فقال -تعالى-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، وأما قياس الفتان فإنه يرد عليه بأن الله -تعالى- أباح للمضطرين أن يأكلون من الميتة والدم ولم يبح أكل الربا لضرورة ولا غيرها بل حرمه تحريما مطلقًا وتوعد عليه بأشد الوعيد، وهذا يسد باب التحليل لاستحلال الربا بدعوى الضرورة المزعومة والحاجة وغيرهما من الدعاوى الباطلة.
فصل
وقال الفتان: "الاتجاه الذي يميز ما بين الربا الوارد في القرآن الكريم وهو الربا الجلي، والربا الوارد في الحديث وهو الربا الخفي، وهذا الاتجاه يقسم الربا إلى ثلاثة أنواع؛ الأول: ربا الجاهلية، وهو الربا الذي نزل فيه القرآن الكريم، وخصيصته الأولى هي أن يقول صاحب الدَين للمدين عند حلول أجل الدين: "إما أن تقضي وإما أن تربي". الثاني: ربا النسيئة الوارد في الحديث الشريف، وهو أوسع كثيرا في مداه من ربا الجاهلية، بل ويختلف عنه اختلافا بيِّنا في كثير من الصور فهو بيع المكيل بالمكيل والموزون بالموزون والجنس بجنسه نسيئة لا فورا ولو من غير تفاضل. الثالث: ربا الفضل الوارد في الحديث الشريف وهو بيع المكيل أو الموزون بجنسه متفاضلا".
والجواب: أن يقال: أما تقسيم الربا إلى جلي وخفي فهو تقسيم لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول أحد من الصحابة، وقد ذكرت الرد عليه من نصوص الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد إيراد كلام ابن القيم الذي جاء فيه هذا التقسيم فليراجع (1) ففيه كفاية في الرد على هذه الجملة من كلام الفتان.--------------------------------------------
(1) 85 - 92.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)

وأما قول: إن ربا الجاهلية هو الذي نزل فيه القرآن الكريم.
فجوابه: أن يقال: إن نصوص القرآن عامة فيدخل في عمومها ربا أهل الجاهلية وربا أهل الإسلام، وقد ذكرت الرد على هذه الجملة عند قول الفتان: إن الربا الذي كان معروفا في الجاهلية هو الذي نزل فيه القرآن فليراجع ذلك فيما تقدم (1)، وليراجع (2) أيضًا قول الجصاص: "إن قول الله -تعالى-: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} قد انتظم تحريم جميع ضروب الربا لشمول الاسم عليها من طريق الشرع، وقال أيضًا اسم الربا في الشرع يعتريه معانٍ أحدها: الربا الذي عليه أهل الجاهلية، والثاني: التفاضل في الجنس الواحد من المكيل أو الموزون، والثالث: النساء". انتهى.
فصل
وقال الفتان: الاتجاه الذي لا يحرم إلا ربا الجاهلية الوارد في القرآن وحده «لا ربا إلا في النسيئة».
"يستدل أصحاب هذا الاتجاه وعلى رأسهم ابن عباس بحديث رواه ابن عباس نفسه عن أسامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ربا إلا في النسيئة» فهم لا يحرمون ربا الفضل ولا يحرمون إلا ربا النسيئة، وقد ذكر السبكي في تكملة المجموع أن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وعبد الله بن الزبير وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم والبراء بن عازب، وروي عن معاوية ما يحتمل موافقتهم، ولف لفهم كثير من التابعين مثل عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة وفقهاء الأمصار - أن هذه الطائفة رأت أن الربا لا يكون إلا في النسيئة وكانوا يجيزون ربا النقد، وقال سعيد بن جبير: صحبت ابن عباس حتى مات فو الله ما رجع عن الصرف، أي قوله بجواز التفاضل في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة مع القبض، وقصر الربا على ربا النسيئة وهو ربا القرآن الكريم، ويقول سعيد: سألت ابن عباس أيضا قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف فلم ير فيه بأسًا، وقال الشافعي في كتاب اختلاف الحديث: كان ابن عباس لا يري في دينار بدينارين ولا في درهم بدرهمين يدًا بيد بأسا ويراه في النسيئة، وكذلك عامة أصحابه".--------------------------------------------
(1) ص 75 - 76.
(2) ص 24.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)

والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الفتان لم يؤد الأمانة فيما نقله عن السبكي، حيث أنه قد غير عبارته عما كانت عليه في (تكملة المجموع) فأفسدها بما أدخل فيها من التغيير والزيادة التي هي محض الكذب، فأما التغيير ففي قوله: "إن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وعبد الله بن الزبير وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وكثيرًا من التابعين مثل عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة وفقهاء الأمصار - أن هذه الطائفة رأت أن الربا لا يكون إلا في النسيئة، وكانوا يجيزون ربا النقد"، هكذا لفَّق الفتَّان هذه العبارة ونسبها إلى السبكي، وقد جمع فيها بين التلبيس على الجهال وبين الكذب على السبكي.
فمن تلبيسه وكذبه أنه ذكر علي سبيل الجزم عن عبد الله بن الزبير وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم والبراء بن عازب أنهم كانوا يجيزون ربا النقد ويرون أن الربا لا يكون إلا في النسيئة، وهذا خطأ وكذب لأن السبكي لم يجزم بثبوت ذلك عن هؤلاء الأربعة، وإنما ذكره عنهم رواية بصيغة التمريض.
ومن تلبيسه وكذبه أيضا قوله: "ولف لفهم كثير من التابعين مثل عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة وفقهاء الأمصار"، وهذا خطأ وكذب؛ لأن السبكي إنما ذكر من هؤلاء عطاء بن أبي رباح وحده، ثم قال وفقهاء المكيين، فجاء الفتان الذي يهرف بما لا يعرف فزاد طاوسًا ومن بعده، وغيَّر قوله وفقهاء المكيين فقال وفقهاء الأمصار. وقد تقدم (1) في ذكر الإجماع على تحريم الربا ما ذكره ابن المنذر عن علماء الأمصار؛ أنهم أجمعوا على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب ولا فضة بفضة ولا بر ببر ولا شعير بشعير ولا تمر بتمر ولا ملح بملح متفاضلا يدا بيد ولا نسيئة وأن من فعل ذلك فقد أربى والبيع مفسوخ، قال: وروينا هذا القول عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة يكثر عددهم من التابعين. انتهى. وقد نقله السبكي في (تكملة شرح المهذب).
وقال الترمذي بعد ذكره حديث أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل والفضة بالفضة إلا مثلا بمثل لا يشف بعضه على بعض ولا تبيعوا منه غائبا بناجز» قال الترمذي: "والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم". انتهى المقصود من كلامه.--------------------------------------------
(1) ص45.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)

ونقل السبكي في (تكملة شرح المهذب) عن ابن عبد البر أنه قال: "لا أعلم خلافًا بين أئمة الأمصار بالحجاز والعراق وسائر الآفاق في أن الدينار لا يجوز بيعه بالدينارين ولا بأكثر منه وزنًا ولا الدرهم بالدرهمين ولا بشيء من الزيادة عليه إلا ما كان عليه أهل مكة قديما وحديثًا من إجازتهم التفاضل على ذلك إذا كان يدا بيد، أخذوا ذلك عن ابن عباس"، قال ابن عبد البر: "ولم يتابع ابن عباس على قوله في تأويله حديث أسامة أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم من فقهاء المسلمين إلا طائفة من المكيين أخذوا ذلك عنه وعن أصحابه، وهم محجوجون بالسنة الثابتة التي هي الحجة على من خالفها وجهلها وليس أحد بحجة عليها". انتهى.
وفي كلام الترمذي وابن المنذر وابن عبد البر أبلغ رد على تلبيس الفتان وكذبه على فقهاء الأمصار وعلى السبكي.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد أخطأ فيما نقله من كلام السبكي حيث أنه قد اقتصر على نقل الأقوال التي يرى فيها تأييدًا لاتجاهه الباطل الذي لا يحرم إلا ربا الجاهلية، وأعرض عما ذكره السبكي من الآثار في رجوع ابن عباس وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم عن رأيهم المخالف للسنة. وما ذكره أيضا من التوقف في صحة ما ذكر عن أسامة بن زيد وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أنهم كانوا يجيزون ربا النقد ويرون أن الربا لا يكون إلا في النسيئة وما ذكره عن معاوية رضي الله عنه أنه غير قائل بقول ابن عباس مع شذوذ ما قال به أيضا، ولا يخفي ما في فعل الفتان من التمويه والتلبيس على الجهال.
وقد ذكرت الآثار الدالة على رجوع ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما عن القول بجواز بيع الذهب بالذهب متفاضلا والفضة بالفضة متفاضلا إذا كان يدًا بيد، فليراجع ذلك بعد الفصل الذي ذكر فيه الإجماع على تحريم الربا (1).
وتقدم في الحديث السادس والثلاثين عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه نهى عن ربا الفضل، وتقدم في الحديث الثالث والعشرين عنه أنه قال: «الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما» هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم، وتقدم في الحديث التاسع والثلاثين عنه أنه قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن فمن زاد أو استزاد فقد أربى» والله ما كذب ابن عمر علي رسول لله صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) 47 - 52.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)

قال السبكي في (تكملة شرح المهذب): "وأما ابن عمر فقد تقدم رجوعه في الرواية التي دلت على قوله وأن ذلك في صحيح مسلم واشتهر عنه بعد ذلك من طرق كثيرة قوله بالتحريم ومبالغته في ذلك في روايات صحيحة صريحة، ولم يكن قوله الأول قد اشتهر عنه ولعله لم يستقر رأيه عليه زمانًا، بل رجع عنه قريبًا والله أعلم". انتهى.
وتقدم أيضا في الحديث الحادي والعشرين والحديث الثاني والعشرين عن أبي المنهال - وأسمه عبد الرحمن بن مطعم البناني - قال سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الذهب بالورق دينا» متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «ما كان يدا بيد فلا بأس به وما كان نسيئة فهو ربا».
الصرف هو بيع الفضة بالذهب ذكره النووي في (شرح مسلم) عن العلماء وتقدم ذكره في الفائدة السابعة عشرة من فوائد الأحاديث الدالة على تحريم الربا (1)، وفي هذا الحديث الصحيح أبلغ رد على من زعم أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب رضي الله عنهم كانا من الذين لا يحرمون ربا الفضل ولا يحرمون إلا ربا النسيئة.
وأما أسامة بن زيد رضي الله عنهما فقال السبكي في (تكملة شرح المهذب): "لا أعلم عنه في ذلك شيئا إلا روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم «إنما الربا في النسيئة» ولا يكفي ذلك في نسبة هذا القول إليه فإنه لا يلزم من الرواية القول بمقتضى ظاهرها لجواز أن يكون معناها عنده على خلاف ذلك أو يكون عنده معارض راجح". انتهى.
وأما عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فقال السبكي في (تكملة شرح المهذب): "لم أقف على إسناده إليه بذلك". انتهى.
وأما معاوية رضي الله عنه فقد تقدم (2) ما يدل على رجوعه عن رأيه في جواز التفاضل في بيع المصوغ من الذهب أو الفضة بالتبر منه أو العين، قال السبكي في (تكملة شرح المهذب): "وأما معاوية فقد تقدم أنه غير قائل بقول ابن عباس مع شذوذ ما قال به أيضا، والظن به لما كتب إليه عمر رضي الله عنه أنه يرجع عن ذلك". انتهى. وبما ذكرته في هذا الوجه تنقطع التعلقات التي تعلق بها الفتان على بعض الصحابة.
الوجه الثالث: أن يقال: قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان ينهى عن ربا الفضل، وقد ذكرت في أول الكتاب ثلاثين حديثًا أو قريبا من الثلاثين مما جاء في .....--------------------------------------------
(1) ص 43.
(2) ص52 - 53.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)

ذلك فلتراجع (1) ففيها أبلغ رد على كل من قال بجواز ربا الفضل، وقد قال الطحاوي في كتابه (شرح معاني الآثار): "جاءت السنة بتحريم الربا في التفاضل في الذهب بالذهب والفضة بالفضة وسائر الأشياء المكيلات والموزونات على ما ذكره عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ذلك ربا حرم بالسنة وتواترت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قامت بها الحجة" ثم إن الطحاوي أورد أحاديث كثيرة مما جاء في النهي عن ربا الفضل. وقد تقدم ذكرها مع الأحاديث الدالة على تحريم الربا وقال بعد إيرادها: "فثبت بهذه الآثار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب متفاضلا وكذلك سائر الأشياء المكيلات التي قد ذكرت في هذه الآثار التي رويناها فالعمل بها أولى من العمل بحديث أسامة، ثم هذا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعده قد ذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا"، ثم روي بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: خطب عمر فقال: «لا يشتري أحدكم دينارًا بدينارين ولا درهما بدرهمين ولا قفيزا بقفيزين إني أخشى عليكم الرماء (2) وإني لا أوتى بأحد فعله إلا أوجعته عقوبة في نفسه وماله».
قال الطحاوي: "فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب بهذا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة أصحابه -رضوان الله عليهم- لا ينكره عليه منهم منكر فدل ذلك على موافقتهم له عليه"، ثم قد روي في ذلك أيضا عن أبي بكر وعلي وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوافق ذلك أيضا، ثم روى بإسناد صحيح عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص قال: كتب أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد حين قدموا الشام: «أما بعد فإنكم قد هبطتم أرض الربا فلا تتبايعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن ولا الطعام بالطعام إلا كيلا بكيل» قال أبو قيس: قرأت كتابه.
وروى الطحاوي أيضًا بإسناد صحيح عن أبي صالح السمان قال: كنت جالسا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأتاه رجل فقال: يكون عندي الدراهم فلا تنفق عني في حاجتي فأشتري بها دراهم تجوز عني وأخصم فيها، قال: فقال علي رضي الله عنه: «اشتر بدراهمك ذهبًا ثم اشتر بذهبك ورقا ثم أنفقها فيما شئت».--------------------------------------------
(1) ص29 - 39.
(2) الرماء هو الربا وقد تقدم تفسيره في صفحة 91 فليراجع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)