وروى أيضا بإسناد حسن عن شريح عن عمر رضي الله عنه قال: «الدرهم بالدرهم فضل ما بينهما ربا» وروي أيضا بإسناد صحيح عن سالم بن عبد الله بن عمر قال كان عمر وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما ينهيان عن بيع الدرهمين بالدرهم يدًا بيد ويقولان: «الدرهم بالدرهم والدينار بالدينار» وروى أيضا بإسناد حسن عن أبي رافع قال: مرَّ بي عمر بن الخطاب ومعه ورق فقال: «اصنع لنا أوضاحا لصبي لنا» فقلت: يا أمير المؤمنين: عندي أوضاح معمولة فإن شئت أخذت الورق وأخذت الأوضاح، فقال عمر رضي الله عنه: «مثلا بمثل» فقلت: نعم فوضع الورق في كفة الميزان والأوضاح في الكفة الأخرى فلما استوى الميزان أخذ بإحدى يديه وأعطى بالأخرى، وروى أيضا بإسناد حسن عن علي بن رباح اللخمي قال: كنا في غزاة مع فضالة بن عبيد رضي الله عنه فسألته عن بيع الذهب فقال: «مثلا بمثل ليس بينهما فضل». انتهى المقصود مما ذكره الطحاوي -رحمه الله تعالى-.
وفيما ذكره عن الصحابة رضي الله عنهم أبلغ رد على كل من قال بجواز ربا الفضل ولا سيما كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد بالنهي عن بيع الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن وعن بيع الورق بالورق إلا وزنا بوزن وعن بيع الطعام بالطعام إلا كيلا بكيل، ولم يذكر عن أحد من أمراء الأجناد ولا عن غيرهم من الصحابة الذين كانوا معهم- وهم كثيرون جدًا- أنهم خالفوا ما جاء في كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه فدل ذلك على موافقتهم له.
وكذلك خطبة عمر رضي الله عنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن شراء الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين والقفيز بالقفيزين، والوعيد لمن فعل ذلك بالعقوبة الموجعة في نفسه وماله. ولم يذكر عن أحد من الصحابة أنه أنكر ذلك على عمر رضي الله عنه فدل ذلك على موافقتهم له.
وكذلك ما جاء عن علي بن أبي طالب وعمر وابنه عبد الله وفضالة بن عبيد رضي الله عنهم من النهي عن المفاضلة في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة.
فهذه الآثار مع ما تقدم من الأحاديث والآثار في الوجه الثاني تقطع جميع التعلقات التي يتعلق بها الفتان وغيره من المفتونين بتجويز ربا الفضل.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الله -تعالى- أمر المؤمنين عند التنازع بالرد إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ........
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.
قال البغوي: قوله عز وجل: " {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ} أي اختلفتم {فِي شَيْءٍ} من أمر دينكم - والتنازع اختلاف الآراء - {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} أي إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حيًا وبعد وفاته إلى سنته، والرد إلى الكتاب والسنة واجب إن وجد فيهما فإن لم يوجد فسبيله الاجتهاد". انتهى.
وروى ابن جرير عن مجاهد في قوله: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} قال: " {إلى الله} إلى كتابه، و {إلى الرسول} إلى سنة نبيه"، وروى أيضا عن ميمون بن مهران وقتادة نحو ذلك.
وقال ابن كثير في قوله -تعالى-: {فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}: "قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال -تعالى-: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال -تعالى-: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر، وقوله: {ذَلِكَ خَيْرٌ} أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع إليهما في فصل النزاع خير {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} أي وأحسن عاقبة ومآلا كما قاله السدي وغير واحد". انتهى.
وإذا علم ما جاء في الآية الكريمة من الأمر برد الآراء المتنازع فيها إلى الكتاب والسنة وعلم ما ذكر في الوجه الثالث من تواتر الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ربا الفضل، فليعلم أيضا أنه لا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل قول خالف الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو مردود على قائله كائنا من كان، ومن رد شيئا من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم أو عارض أقواله بأقوال غيره فهو على شفا هلكة، وقد قال الله -تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وقال -تعالى-: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ ...........................
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
الْعِقَابِ}، وقال -تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا}، وقال -تعالى-: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
وفي هذه الآيات مع الآية التي فيها الأمر بالرد إلى الله وإلى رسوله عند التنازع أبلغ رد على اتجاه الفتان الذي لا يحرم إلا ربا الجاهلية وحده، وهذا الاتجاه الباطل مؤسس على أربعة أصول من أصول الشر، أحدها: مخالفة أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم المتواترة عنه في النهي عن ربا الفضل، وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك في الآية من سورة النور.
الثاني: استحلال ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربا الفضل، وهذا يدل على عدم التقوى عند الفتان وقلة مبالاته بالعقاب الشديد الذي توعد الله به من لم يأخذ بما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينته عما نهي عنه.
الثالث: معصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم باستحلال ربا الفضل الذي قد قضى الله بالمنع منه على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومعصية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الضلال المبين كما هو منصوص عليه في الآية من سورة الأحزاب.
الرابع: النفرة عن تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم والتسليم لأقواله المتواترة عنه في النهي عن ربا الفضل، وهذا يدل على النفاق وعدم الإيمان كما تدل على ذلك الآية من سورة النساء وهي قوله -تعالى-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} ثم أقسم تبارك وتعالى بنفسه الكريمة المقدسة على نفي الإيمان عمن لم يُحِّكم الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمور التي يقع فيها التنازع والتشاجر ويرض بحكمه ولا يجد في نفسه حرجا مما قضى به الرسول صلى الله عليه وسلم ويسلم له تسليما.
فليتأمل الفتان وأشياعه ما تقدم ذكره من الآيات، ولا يأمنوا أن يكون لهم نصيب وافر مما تضمنته من الوعيد الشديد ونفي الإيمان.
وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» قال النووي في كتاب (الأربعين) له: "حديث صحيح رويناه في كتاب (الحجة) بإسناد صحيح"، ثم قال في الكلام على هذا الحديث: "يعني أن الشخص يجب عليه أن يعرض عمله على الكتاب والسنة ويخالف هواه ويتبع ما جاء به صلى الله عليه وسلم، وهذا نظير قوله -تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ ..............
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} فليس لأحد مع الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم أمر ولا وهوى". انتهى.
فصل
وقال الفتان: حقيقة لا تحتاج إلى دليل. "من خلال دراسة مفهوم الربا في السنة المطهرة يتضح لنا بما لا يدع مجالا للشك أن الربا المحرم الذي لا شك فيه هو الربا الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع والتي هي آخر مرة خاطب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أمته حيث قال: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب» ونحن نعرف أن ربا الجاهلية باتفاق العلماء هو الربا الذي نزل فيه القرآن الكريم وخصيصته هي أن يقول صاحب الدين للمدين عند حلول أجل الدين إما أن تقضي وإما أن تربي فإن لم يقض زاد المدين المال وزاد الدائن الأجل".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الحقيقة التي زعمها الفتان ليست بحقيقة عند التحقيق، وإنما هي حقيقة في اتباع الهوى وما يدعو إليه الشيطان من استحلال ربا الفضل وربا النسيئة أيضا سوى الربا الذي يقول فيه الدائن للمدين إما أن تقضي وإما أن تربي، فهذه هي الحقيقة التي طنطن بها الفتان وزعم أنها لا تحتاج إلى دليل.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الحقيقة التي لا تحتاج إلى دليل هي ما وقع فيه الفتان من مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين الذين يحرمون ما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من الربا على وجه العموم، وسواء في ذلك ربا الجاهلية وربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة أهل الجاهلية، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الربا على وجه العموم فلتراجع في أول الكتاب (1) ليعلم ما فيها من النصوص الدالة على تحريم ربا الفضل وربا النسيئة تحريما مطلقًا، وليعلم أيضا أن الفتان لم يعبأ بأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم في النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة ربا الجاهلية، ولم يبال باطراحها ونبذها وراء ظهره.
الوجه الثالث: أن يقال: إن حقيقة الفتان حاصلها التفريق بين الله ورسوله .........--------------------------------------------
(1) ص26 - 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
والإيمان ببعض الكتاب وعدم الإيمان ببعضه، وذلك واضح في زعمه أن الربا الذي لا يشك فيه هو ربا الجاهلية الذي زعم أنه نزل فيه القرآن، ومفهوم كلامه أن ما سِوى ذلك من الربا الذي قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المتواترة عنه فهو مشكوك فيه عنده، ومن شك في شيء من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه ولم يبال بها فهو من الذين يفرِّقون بين الله ورسوله شاء أم أبى، ومن كان بهذه الصفة فهو ممن يشك في إسلامه؛ لأنه لم يحقق الشهادة بأن محمدا رسول الله، ومن تحقيقها الإيمان بكل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم والعمل بما أمر به على قدر الاستطاعة واجتناب ما نهي عنه، والدليل على ذلك قول الله -تعالى-: {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، وقوله -تعالى-: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه،وفي هذا الحديث الصحيح دليل على أن من رد الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم ربا الفضل وربا النسيئة فهو غير معصوم الدم والمال.
الوجه الرابع: أن يقال: إنه لا فرق في التحريم بين ما جاء في القرآن وما جاء في السنة؛ لأن الكل من عند الله، والرسول مبلغ عن الله، قال الله -تعالى-: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} وقال تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}، والحكمة هي السنة على أصح الأقوال، قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: "سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم "، رواه البيهقي في كتاب (المدخل) وقال حسان بن عطية أحد التابعين: "كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل بالقرآن"، رواه الدارمي ورجاله رجال الصحيح، ويدل على هذا قول الله -تعالى- في صفة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}.
وروى الدارمي والترمذي وحسنه وابن ماجة عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك الرجل متكئا على أريكته يحدث بحديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله ما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله فهو مثل ما حرم الله».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
وفي هذا الحديث أبلغ رد على الفتان الذي فرق بين ربا الجاهلية وبين الربا الذي جاءت السنة بالنهي عنه والتشديد فيه ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه، فحرم ربا الجاهلية وزعم أن تحريمه لا شك فيه وأباح ربا النسيئة عند الضرورة وربا الفضل عند الحاجة كما تقدم ذلك صريحا في نتيجة السوء (1) التي استنتجها بعقله الفاسد، وهذا من الإيمان ببعض الكتاب وعدم الإيمان ببعضه.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الفتان لا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون له مفهوم في السنة المطهرة كما زعم ذلك في أول كلامه في هذه الجملة التي تقدم ذكرها، وإما أن يكون جاهلا بالسنة وتكون دعواه دراسة مفهوم الربا في السنة مبنية على التخرص، وعلى الأول يكون إعراضه عن الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن ربا الفضل ناشئا عن العناد والمكابرة في رد السنة الصريحة، وعلى الثاني يكون قد قفا ما ليس له به علم فأحلَّ بعض الربا وحرم بعض بمجرد رأيه واتجاهاته المضلة، وهذا حرام شديد التحريم؛ لأنه يتضمن الكذب على الله والقول عليه بغير علم وقد قال الله -تعالى-: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}، وقال -تعالى-: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وقال -تعالى-: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.
الوجه السادس: أن يقال: إذا كان الفتان قد درس مفهوم الربا في السنة المطهرة كما قد زعم ذلك فأي حجة له على استحلال ربا الفضل للحاجة واستحلال ربا النسيئة للضرورة مع أنه ليس في السنة ما يدل على ذلك البتة.
وأي عذر له في رد الأحاديث المتواترة في النهي عن ربا الفضل بدون استثناء حاجة، وقد جاء في بعضها النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة على وجه العموم، وليس فيها استثناء ضرورة ولا حاجة، وما كان تحريمه مطلقا بدون استثناء فليس لأحد أن يستثنى منه شيئا لم يستثنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله -تعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ ......................................--------------------------------------------
(1) ص92.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا}، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.
وفي الآية الكريمة والحديث أبلغ رد على الفتان الذي قد جعل لنفسه الخِيَرَة في تحليل ربا الفضل للحاجة وتحليل ربا النسيئة للضرورة، فخالف نص الآية الكريمة وخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه».
وأي عذر للفتان في رد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز» وفي رواية: «إلا يدا بيد» وفي رواية: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء».
وأي عذر له في رد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدًا بيه فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء».
وأي عذر له في رد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» وفي رواية: «الذهب بالذهب هاء وهاء، والفضة بالفضة هاء وهاء، والتمر بالتمر هاء وهاء، والبر بالبر هاء وهاء، والشعير بالشعير هاء وهاء لا فضل بينهما».
وأي عذر له في رد قول النبي صلى الله عليه وسلم للذي باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به» وفي رواية أنه قال: «أوه عين الربا لا تقربه» وفي رواية أنه قال: «هذا الربا فردوه» وفي رواية أنه قال للرجل: «أضعفت أربيت لا تقربن هذا» وفي رواية أنه قال له: «ويلك أربيت».
فهذه نصوص ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم ربا الفضل والنسيئة فيجب العمل بها ولا يجوز رد شيء منها. ومن رد شيئا منها فهو على شفا هلكة، وما جاء في بعض النصوص من الأمر برد ربا الفضل فهو شبيه بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في وضع ربا الجاهلية.
فالواجب على الفتان وعلى كل من كان على شاكلته أن يتقوا الله ولا يردوا شيئا من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يضربوا بعضها ببعض فإن ذلك ليس بالأمر الهين، بل عاقبته وخيمة جدًا.
الوجه السابع: أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما وضع ربا العباس وغيره من ربا الجاهلية لأنه إذ ذاك كان باقيا في ذمم المدينين وقد أبطله الإسلام فلهذا وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب: «هذا الربا فردوه» فكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع ربا العباس وغيره من ربا الجاهلية ولم يُقرهم عليه فكذلك قد أمر صلى الله عليه وسلم برد ربا الفضل ولم يقر الرجل عليه، فقد اتفق حكمه صلى الله عليه وسلم في وضع ربا الجاهلية وفي رد ربا الفضل، والعمل بهذا الحكم واجب متحتم ولا يجوز لأحد أن يخالفه، ومن عمل به في ربا الجاهلية وخالفه في ربا الفضل كما فعل الفتان فقد عرض نفسه للخطر العظيم؛ لأن الله -تعالى- يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، قال الإمام أحمد: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك"، فليحذر الفتان مما حذر الله منه في هذه الآية الكريمة، فلعله أن يكون له نصيب وافر مما جاء فيها وهو لا يشعر.
وأما قوله: إن آخر مرة خاطب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أمته كان في حجة الوداع حيث قال: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب».
فجوابه: أن يقال: هذا كلام تضحك منه الثكلى، وينبغي أن يوضع في الكتب التي تشتمل على أقوال الحمقى والمغفلين، وإنه لينطبق على الفتان قول الشاعر:
لقد كان في الإعراض ستر جهالة … غدوتَ بها من أشهر الناس في البُلْد
وهل يظن الفتان الذي يهرف بما لا يعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الخطاب مع أمته بعد أن قال لهم في حجة الوداع: «ألا إن ربا الجاهلية موضوع» فلم يكلمهم بعد ذلك حتى مات؟ أما علم المتكلف ما لا علم له به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك الخطاب مع أمته جماعات وأفرادا إلى أن نزل به الموت فجعل وهو في سياق الموت يحذرهم من اتخاذ القبور مساجد، ويوصيهم بالصلاة وما ملكت أيمانهم، قالت عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يلقي خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» تقول عائشة رضي الله عنها: "يحذر مثل الذي صنعوا" رواه ..............................
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والدارمي.
وعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في الموت: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» فجعل يتكلم بها وما يفيض بها لسانه، رواه الإمام أحمد وابن ماجة، وفي رواية لأحمد: فجعل يتكلم بها وما يكاد يفيض بها لسانه، وروى الإمام أحمد أيضا عن أنس رضي الله عنه قال: كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الموت: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه.
فإن قال الفتان: إنه إنما أراد الخطبة وأن آخر مرة من خطبه صلى الله عليه وسلم هي التي قال فيها: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب».
فالجواب من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن كان مراده الخطبة وأنه أبدل لفظة الخطبة بالمخاطبة فلا يخفي ما في كلامه من الخطأ في التعبير؛ لأن الخطبة شيء والمخاطبة شيء آخر، قال ابن منظور في (لسان العرب): "ذهب أبو إسحاق إلى أن الخطبة عند العرب الكلام المنثور المسجع ونحوه"، وذكر عن صاحب (التهذيب) أنه قال: "الخطبة مثل الرسالة التي لها أول وآخر"، وكذا قال الزجاج: "إن الخطبة بالضم ما له أول وآخر نحو الرسالة"، نقله النووي عنه في (تهذيب الأسماء واللغات).
وأما المخاطبة فهي المراجعة في الكلام، قال صاحب (المحكم): "الخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام"، نقله النووي عنه في (تهذيب الأسماء واللغات) وكذا قال ابن منظور في (لسان العرب): "إن الخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام، قال وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا وهما يتخاطبان". انتهى.
الوجه الثاني: أن يقال: إن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة وهي التي قال فيها: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع» ليست آخر خطبة للنبي صلى الله عليه وسلم بل إنه قد خطب الناس في يوم النحر بمنى، ثم خطبهم في أوسط أيام التشريق، ثم خطبهم بين مكة والمدينة بماء يدعي خُمّا، ثم لم يزل يخطبهم في أيام الجُمع إلى أن مرض مرضه الذي مات فيه، وآخر خطبة خطبها كانت في مرض موته صلى الله عليه وسلم وقد جاء ذلك في عدة أحاديث، منها حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه بملحفة قد عصب بعصابة دسماء حتى جلس على المنبر … " فذكر الحديث في ....................................
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
الوصية بالأنصار، وقال في آخره: "فكان آخر مجلس جلس فيه النبي صلى الله عليه وسلم " رواه البخاري، وفي رواية قال: "صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر وكان آخر مجلس جلسه … " فذكر الحديث في الوصية بالأنصار.
ومنها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "مرَّ أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا، فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم … " فذكر الحديث في الوصية بالأنصار، رواه البخاري.
ومنها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه وهو عاصب رأسه قال: فاتبعته حتى صعد على المنبر فقال: «إن عبدًا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة» فذكر الحديث في بكاء أبي بكر لما سمع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم وقال في آخره ثم هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فما رؤي عليه حتى الساعة" رواه الإمام أحمد والدارمي.
وفي هذا الأحاديث أبلغ رد على قول الفتان أن آخر مرة خاطب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أمته حيث قال في حجة الوداع: «ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب».
وأما قوله: ونحن نعرف أن ربا الجاهلية باتفاق العلماء هو الربا الذي نزل فيه القرآن الكريم.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الآيات التي نزلت في تحريم الربا والوعيد الشديد على أكله ليس فيها تخصيص لربا الجاهلية دون غيره من ربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة ربا الجاهلية، بل الآيات عامة لجميع أنواع الربا، وقد جاء بيان ذلك في الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم ذكرها فلتراجع (1) ففيها أبلغ رد على الفتان الذي حاول حصر الربا المحرم في ربا الجاهلية وزعم أنه الربا الذي لا شك فيه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد تقوَّل على العلماء حيث زعم أنهم اتفقوا على--------------------------------------------
(1) ص29 - 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
أن الربا الذي نزل فيه القرآن هو ربا الجاهلية، وهذا الاتفاق المزعوم لا وجود له في شيء من كتب التفسير المشهورة، فلم يذكره ابن جرير ولا ابن أبي حاتم ولا البغوي ولا غيرهم من أكابر المفسرين، وهو مردود بما ذكره البغوي وابن الجوزي والرازي في سبب نزول قول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، قال ابن الجوزي: "في نزولها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها نزلت في بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف وفي بني المغيرة من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة يأخذون الربا من ثقيف فلما وضع الله الربا طالبت ثقيف بني المغيرة بما لهم عليهم فنزلت هذه الآية والتي بعدها، هذا قول ابن عباس، والثاني: أنها نزلت في عثمان بن عفان والعباس كانا قد أسلفا في التمر فلما حضر الجذاذ قال صاحب التمر إن أخذتما ما لكما لم يبق لي ولعيالي ما يكفي فهل لكما أن تأخذا النصف وأضعف لكما ففعلا فلما حل الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهما فنزلت هذه الآية، هذا قول عطاء وعكرمة، والثالث: أنها نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية وكان يسلفان في الربا فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فنزلت هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس» هذا قول السدي، قال ابن عباس وعكرمة والضحاك إنما قال: {ما بقي من الربا}؛ لأن كل ربا كان قد ترك فلم يبق إلا ربا ثقيف، وقال قوم: الآية محمولة على من أربى قبل إسلامه وقبض بعضه في كفره ثم أسلم فيجب عليه أن يترك ما بقي ويعفى له عما مضى، فأما المراباة بعد الإسلام فمردودة فيما قبض ويسقط ما بقي". انتهى كلام ابن الجوزي، وقد ذكر البغوي والرازي نحو ما ذكره ابن الجوزي في سبب نزول الآية، وفيما ذكروه من الاختلاف في سبب نزول الآية أبلغ رد على ما في كلام الفتان من التقول على العلماء حيث زعم أنهم اتفقوا على أن الربا الذي نزل فيه القرآن هو ربا الجاهلية وهم لم يتفقوا على ذلك.
الوجه الثالث: أن يقال: على سبيل الفرض والتقدير لو وقع الاتفاق على أن ربا الجاهلية هو الربا الذي نزل فيه القرآن فإن التحريم لا يختص به، بل يكون عاما له ولغيره من أنواع الربا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وألفاظ الآيات الواردة في تحريم الربا والتشديد فيه كلها على العموم فيدخل في عمومها ربا أهل الجاهلية وربا الفضل وربا النسيئة الذي ليس على طريقة ربا الجاهلية، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بيانا شافيا قاطعا للشبه التي يتعلق بها الفتان وأشياعه من المبطلين، وقد قال ..............................
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "سيأتي ناس يجادلونكم بشبه القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله عز وجل" رواه الدارمي والآجري في كتاب (الشريعة)، وقال يحيى بن أبي كثير: "السنة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنة" رواه الدارمي. ومعناه أن السنة تفسر القرآن وتبين ما أجمل فيه. والدليل على ذلك قول الله -تعالى-: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، وقوله -تعالى-: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ}، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ما أجمل في آيات الربا أتم البيان فلم يبق بعد بيانه صلى الله عليه وسلم شبهة يتعلق بها الفتان من مجمل القرآن، وغاية ما يذهب إليه هو المعارضة بين القرآن والسنة، وذلك واضح في تمسكه بتحريم ربا الجاهلية وزعمه أنه هو الربا المحرم الذي لا شك فيه وأنه هو الربا الذي نزل فيه القرآن، وقد كرر هذه الشبهة في خمسة عشر موضعًا من كتابته المؤسسة على محادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين، وهو إلى جانب تمسكه بهذه الشبهة يهون أمر الربا الوارد تحريمه في السنة ويزعم أن ربا الفضل يجوز للحاجة وأن ربا النسيئة يجوز للضرورة، وهذا من الإيمان ببعض الكتاب وعدم الإيمان ببعضه.
فصل
وقال الفتان: "أما ربا الفضل الذي عرَّفه السيد قطب بأنه هو أن يبيع الرجل الشيء من نوعه مع زيادة؛ كبيع الذهب بالذهب والدراهم بالدراهم والقمح بالقمح والشعير بالشعير وهكذا فهو محرم أيضا ولكن تحريم وسائل من باب سد الذرائع لا تحريم مقاصد كما حرم ربا النسيئة، وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، وقال ابن القيم: والذي يقضي منه العجب مبالغتهم في ربا الفضل أعظم مبالغة، ويؤكد هذا الرأي ما قال به ابن حجر الهيثمي حيث قال: كان الربا يتم بأن يدفع الرجل ماله لغيره إلى أجل على أن يأخذ منه كل شهر مقدارًا معينًا ورأس المال باقٍ بحاله فإذا حلَّ الأجل طالبه برأس ماله فإن تعذر عليه الأداء زاد في الحق والأجل، وروى مثل ذلك أيضا فخر الدين الرازي".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إنه يجب على كل مؤمن أن يقابل أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم بالقبول والتسليم وأن لا يعارضها بقول أحد من الناس كائنا من .......
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
كان؛ لأنه لا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل قول خالف قول الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مردود على قائله، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ربا الفضل، وفي بعضها النهي عن ربا الفضل وربا النسيئة، وقد ذكرت منها قريبا من ثلاثين حديثا في أول الكتاب فلتراجع (1) ففيها أبلغ رد على الفتان الذي يحاول معارضة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم بالشبه والمغالطات وما يقتضبه من كلام العلماء ويضعه على غير مواضعه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفتان قد اقتضب جُملا يسيرة من كلام سيد قطب وابن حجر الهيتمي وفخر الدين الرازي، وذكر أرقام مواضعها في كتبهم ليتكثر بالنقل عنهم ويوهم الجهال أن أقوالهم موافقة لرأيه واتجاهه في التهوين من شأن ربا الفضل وأن تحريمه تحريم وسائل من باب سد الذرائع لا تحريم مقاصد كما حرم ربا النسيئة، وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة.
ولا يخفى على من له علم وبصيرة ما في فعل الفتان من التمويه على الجهال والتلبيس عليهم، وما فيه أيضا من البعد عن أداء الأمانة في النقل عن العلماء وذلك لأنه كان ينقل من كلامهم ما يظن أن فيه تأييدا لأقواله الباطلة، ويترك ما فيه ردا عليه فلا ينقله، وهذا شأن أهل البدع، قال عبد الرحمن بن مهدي: "أهل البدع ينقلون ما لهم ولا ينقلون ما عليهم، وأهل السنة ينقلون ما لهم وما عليهم".
وسأذكر كلام العلماء الذين نقل عنهم الفتان في هذا الموضع ما نقل ليتضح أنه ليس في كلامهم ما يؤيد أقواله الباطلة، وليعلم أيضا أنه لا أمانة له في النقل وقد قال أنس بن مالك رضي الله عنه: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له» رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه.
فأما سيد قطب فإن الفتان أورد قوله في تعريف ربا الفضل: "هو أن يبيع الرجل الشيء بالشيء من نوعه مع زيادة كبيع الذهب بالذهب والدراهم بالدراهم والقمح بالقمح والشعير بالشعير وهكذا". انتهى ما نقله من كلام قطب، ثم إنه ضم إليه زيادة من عنده وهي قوله: "فهو مُحرَّم أيضا ولكن تحريم وسائل من باب سد الذرائع لا تحريم مقاصد كما حرم ربا النسيئة، وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة"، وهذه الزيادة ليست من كلام قطب، ومع هذا فقد وصلها الفتان بكلام قطب بدون فاصل يفصل بين كلامه وكلام قطب، وإنما فعل ذلك ليوهم الجهال أن الجميع كله من كلام ....................--------------------------------------------
(1) ص29 - 39.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
قطب وأنه موافق لرأيه واتجاهه في التهوين من شأن ربا الفضل، وسأذكر من كلام قطب ما فيه كفاية في الرد على الفتان -إن شاء الله تعالى-.
قال في الكلام على آيات الربا من سورة البقرة: "إن الربا الذي كان معروفًا في الجاهلية والذي نزلت هذه الآيات وغيرها لإبطاله ابتداء كانت له صورتان رئيسيتان: ربا النسيئة وربا الفضل، فأما ربا النسيئة فقد قال عنه قتادة: "إن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه … " ثم ذكر عن مجاهد نحو ذلك، وذكر أيضا عن الجصاص والرازي نحو ذلك بمعناه ثم قال:-
أما ربا الفضل فهو أن يبيع الرجل بالشيء من نوعه مع زيادة كبيع الذهب بالذهب والدراهم بالدراهم والقمح بالقمح والشعير بالشعير وهكذا، وقد ألحق هذا النوع بالربا لما فيه من شَبَه به … ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» وذكر أيضا حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «من أين هذا» قال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع فقال: «أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به».
فأما النوع الأول فالربا ظاهر فيه لا يحتاج إلى بيان، وأما النوع الثاني فما لا شك فيه أن هناك فروقا أساسية في الشيئين المتماثلين هي التي تقتضي الزيادة وذلك واضح في حادثة بلال حين أعطى صاعين من تمره الرديء وأخذ صاعا من التمر الجيد، وقد وصفه صلى الله عليه وسلم بالربا ونهى عنه وأمر ببيع الصنف المراد استبداله بالنقد ثم شراء الصنف المطلوب بالنقد أيضا، إبعادا لشبح الربا من العملية تمامًا، وكذلك شرط القبض «يدا بيد» كي لا يكون التأجيل في بيع المثل بالمثل ولو من غير زيادة في شبح من الربا وعنصر من عناصره.
إلى هذا الحد بلغت حساسية الرسول صلى الله عليه وسلم بشبح الربا في أية عملية وبلغت كذلك حكمته في عقلية الربا التي كانت سائدة في الجاهلية.
فأما اليوم فيريد بعض المهزومين أمام التصورات الرأسمالية الغربية والنظم ............
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الرأسمالية الغربية أن يقصروا التحريم على صورة واحدة من صور الربا - ربا النسيئة - بالاستناد إلى حديث أسامة، وإلى وصف السلف للعمليات الربوية في الجاهلية، وأن يُحلوا دينيا وباسم الإسلام الصور الأخرى المستحدثة التي لا تنطبق في حرفية منها على ربا الجاهلية، ولكن هذه المحاولة لا تزيد على أن تكون ظاهرة من ظواهر الهزيمة الروحية والعقلية، فالإسلام ليس نظام شكليات، إنما هو نظام يقوم على تصور أصيل، فهو حين حرم الربا لم يكن يحرم منه صورة دون صورة، ومن ثم فإن كل عملية ربوية حرام سواء جاءت في الصور التي عرفتها الجاهلية أم استحدثت لها أشكال جديدة". انتهى المقصود من كلامه باختصار.
وقال أيضا في الكلام على قول الله -تعالى-: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}: "وهذا التعقيب هنا قاطع في اعتبار من يصرون على التعامل الربوي بعد تحريمه من الكفار الآثمين، الذين لا يحبهم الله، وما من شك أن الذين يحلون ما حرم الله ينطبق عليهم وصف الكفر ولو قالوا بألسنتهم ألف مرة "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" فالإسلام ليس كلمة باللسان، إنما هو نظام حياة ومنهج عمل، وإنكار جزء كإنكار الكل، وليس في حرمة الربا شبهة، وليس في اعتباره حلالا وإقامة الحياة على أساسه إلا الكفر والإثم".
وقال أيضا في الكلام على قول الله -تعالى- في سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}: "نقف عند الأضعاف المضاعفة فإن قوما يريدون في هذا الزمان أن يتواروا خلف هذا النص ليقولوا إن المحرم هو الأضعاف المضاعفة، أما الأربعة في المائة والخمسة في المائة والسبعة والتسعة فليست أضعافًا مضاعفة وليست داخلة في نطاق التحريم … "، قال: "ونبدأ فنحسم القول بأن الأضعاف المضاعفة وصف لواقع وليست شرطا يتعلق به الحكم، والنص الذي في سورة البقرة قاطع في حرمة أصل الربا - بلا تحديد ولا تقييد {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} أيا كان". انتهى، وفي كلامه أبلغ رد على الفتان وعلى أشياعه وسلفه الذين يستحلون الربا بالحيل وتحريف الكلم عن مواضعه.
وأما قول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: والذي يقضي منه العجب مبالغتهم في ربا الفضل أعظم مبالغة.
فجوابه: أن يقال: إن الذي يقضي منه العجب في الحقيقة هو ما في كلام ابن القيم ..
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
-رحمه الله تعالى- من التهوين لشأن ربا الفضل ومخالفته لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من التشديد فيه حيث قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء» وعن عبادة بن الصامت وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: «فمن زاد أو استزاد فهو ربا».
قال النووي: "قوله: «فمن زاد أو ازداد فقد أربى» معناه فقد فعل الربا المحرم فدافع الزيادة وآخذها عاصيان". انتهى.
وروى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «من أين هذا؟» قال بلال: كان عندي تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به» وقد رواه النسائي مختصرا وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أوه عين الربا لا تقربه».
قال النووي: "معنى عين الربا أنه حقيقة الربا المحرم". انتهى.
وروي مسلم عن أبي سعيد أيضا أن رجلا باع صاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الطيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا» وفي رواية لأحمد ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للذي باع التمر الرديء بأقل منه من الطيب: «أضعفت أربيت لا تقربن هذا إذا رابك من تمرك شيء فبعه ثم اشتر الذي تريد من التمر» وفي رواية لمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للرجل: «ويلك أربيت إذا أردت فبع تمرك بسلعة ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت» قال أبو سعيد رضي الله عنه فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا أم الفضة بالفضة، وفي رواية لأحمد أن أبا سعيد رضي الله عنه قال: "فالتمر أربى أم الفضة بالفضة والذهب بالذهب" وروي الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن فمن زاد أو استزاد فقد أربى» والله ما كذب ابن عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذه الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحة في مبالغته صلى الله عليه وسلم في النهي عن ربا الفضل والتشديد فيه، وفيها أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- من ...........
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
التعجب من المبالغة في ربا الفضل.
ومن أعظم المبالغات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من الربا والشديد فيه على وجه العموم الذي يشمل ربا الفضل وربا النسيئة ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» فذكرها ومنها أكل الربا، رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وتقدم في أول الكتاب.
ومن أعظم المبالغات أيضا لعن آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث ذكرتها في أول الكتاب فلتراجع هناك (1).
ومن أعظم المبالغات أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية» رواه الإمام أحمد والطبراني من حديث عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة.
ومن أعظم المبالغات أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله» رواه أبو يعلي بإسناد جيد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وروى الحاكم نحوه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وصححه الحاكم والذهبي.
وفي هذا المبالغات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- من التعجب من المبالغة في ربا الفضل.
وإذا علم هذا فليعلم أيضا أن كل من بالغ من العلماء في النهي عن ربا الفضل والتحذير منه فهو مصيب ومحسن فيما فعل؛ لأنه قد اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وتمسك بأقواله، ومن تعجب من مبالغتهم في ذلك فتعجبه مردود عليه.
وقد ثبت عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنهما كانا ينهيان عن ربا الفضل ويبالغان في النهي عنه، وقد كتب أبو بكر رضي الله عنه بالنهي عنه إلى أمراء الأجناد حين قدموا الشام، وخطب عمر رضي الله عنه بذلك على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة الصحابة رضي الله عنهم وتوعد من فعل ذلك بالعقوبة الموجعة في نفسه وماله، وقد ذكرت قريبا ما رواه الطحاوي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وذكرت أيضا أنه لم يعرف لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما مخالف من الصحابة رضي الله عنهم، وهذا يدل على موافقتهم لهما، وذكرت أيضا ما رواه الطحاوي عن علي بن أبي ......................--------------------------------------------
(1) ص 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
طالب وعمر وابنه عبد الله وفضالة بن عبيد رضي الله عنهم أنهم كانوا ينهون عن ربا الفضل، فلتراجع أقوالهم (1) فإن فيها أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- من التعجب من المبالغة في ربا الفضل.
ومن المبالغة أيضا في النهي عن ربا الفضل ما جاء في قصة أبي الدرداء مع معاوية، وقد تقدم ذلك في الحديث الرابع والعشرين فليراجع، وكذلك ما جاء في قصة أبي أسيد مع ابن عباس وهي مذكورة في الحديث الأربعين فليراجع، وكذلك ما جاء في قصة عبادة بن الصامت مع معاوية فقد جاء فيها أن عبادة رضي الله عنه قال: "يا أيها الناس إنكم تأكلون الربا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل لا زيادة بينهما ولا نظرة» "، فقال معاوية: "لا أرى الربا في هذا إلا ما كان من نظرة"، فقال عبادة: "أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن رأيك"، وفي آخر القصة أن عمر رضي الله عنه كتب إلى معاوية أن يحمل الناس على ما قاله عبادة بن الصامت وقال: "إنه هو الأمر" وقد تقدم ذكر هذه القصة في أثناء الكتاب فلتراجع (2)، ففيها وفيما تقدم قبلها عن أبي الدرداء وأبي أسيد أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- من التعجب من المبالغة في ربا الفضل.
وأبلغ من جميع ما تقدم ذكره وأعظم في المبالغة في تحريم الربا والتشديد فيه والتحذير منه على وجه العموم الذي يشمل ربا الفضل وربا النسيئة ما جاء في الآيات من آخر سورة البقرة والآيات من سورة آل عمران، وقد ذكرت في أثناء الكتاب أن نصوص القرآن عامة فيدخل في عمومها ربا الفضل وربا النسيئة، فليراجع ما تقدم ذكره (3) ففيه أبلغ رد على ما في كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- من التعجب من المبالغة في ربا الفضل.
وأما ابن حجر الهيتمي مؤلف كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) فهو بالتاء المثناة - وليس بالثاء المثلثة كما قد جاء ذلك في كلام الفتان الذي يهرف بما لا يعرف - واسمه أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي. وإنما قيل له الهيتمي لأنه ولد في محله أبي الهيتم وهي قرية بمصر من أعمال الغربية، ويقال له أيضا ابن حجر المكي لأنه .................--------------------------------------------
(1) ص101 - 102.
(2) ص53.
(3) ص75 - 76.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
سكن مكة ومات بها في سنة ثلاث وسبعين وتسعمائة، وقيل في سنة أربع وسبعين وتسعمائة.
أما الهيثمي بالثاء المثلثة فهو نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي وكان في القرن الثامن من الهجرة ومات في أول القرن التاسع في سنة سبع وثمانمائة وكانت وفاته قبل أن يولد ابن حجر الهيتمي بمائة سنة وزيادة سنتين.
وأما كلام الهيتمي في كتاب (الزواجر عن اقتراب الكبائر) فهو من أبلغ ما يرد به على الفتان، وقد نقل الفتان منه جملة تشتمل على التعريف بالربا الذي كان مشهورا في الجاهلية ليوهم الجهال أن رأي الهيتمي كان موافقا لرأيه واتجاهه في قصر الربا المحرم على ربا الجاهلية، وأعرض عما قبل الجملة وما بعدها فلم ينقل منه شيئا؛ لأن الهيتمي قد صرح فيه بتحريم جميع أنواع الربا وذكر الإجماع على ذلك، وهذا من عدم الأمانة عند الفتان، وقد سبق له أمثال ذلك فيما نقله عن بعض العلماء، وقد تقدم قريبا (1) حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له».
وهذا ملخص كلام الهيتمي في كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) وقد ابتدأ بذكر الكبائر التي تتعلق بالربا، وهي أكله وإطعامه وكتابته والشهادة عليه والسعي فيه والإعانة عليه، ثم ذكر الآيات الواردة في تحريمه والتشديد فيه والوعيد الشديد عليه ثم قال: "الربا لغة الزيادة، وشرعًا عقد على عوض مخصوص غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما، وهو ثلاثة أنواع؛ ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين المتفقي الجنس على الآخر، وربا اليد وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما عن التفرق من المجلس بشرط اتحادهما علة بأن يكون كل منهما مطعوما أو كل منهما نقدًا وإن اختلف الجنس".
قلت: هذا النوع من ربا النسيئة فلا وجه لجعله نوعًا على حدته.
قال الهيتمي: "وربا النساء وهو البيع للمطعومين أو للنقدين المتفقي الجنس أو المختلفة لأجل ولو لحظة فالأول كبيع صاع بر بدون صاع بر أو بأكثر، أو درهم فضة بدون درهم فضة أو بأكثر، سواء أتقابضا أم لا، وسواء أجَّلا أم لا، والثاني كبيع صاع ...............--------------------------------------------
(1) ص114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
بر بصاع بر أو درهم ذهب بدرهم ذهب أو صاع بر بصاع شعير أو أكثر أو درهم ذهب بدرهم فضة أو أكثر لكن تأخر قبض أحدهما عن المجلس. الثالث كبيع صاع بر بصاع بر أو درهم فضة بدرهم فضة لكن مع تأجيل أحدهما ولو إلى لحظة. وزاد المتولي نوعًا رابعًا وهو ربا القرض، لكنه في الحقيقة يرجع إلى ربا الفضل لأنه الذي فيه شرط يجر نفعا للمقترض فكأنه أقرض هذا الشيء بمثله مع زيادة ذلك النفع الذي عاد إليه .. وكل من هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع وبنص الآيات المذكورة والأحاديث الآتية، وما جاء في الربا من الوعيد شامل للأنواع الأربع … قال: وربا النسيئة هو الذي كان مشهورًا في الجاهلية لأن الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل على أن يأخذ منه كل شهر قدرًا معينًا، ورأس المال باق بحاله، فإذا حل طالبه برأس ماله فإن تعذر عليه الأداء زاد في الحق والأجل، وتسمية هذا نسيئة مع أنه يصدق عليه ربا الفضل أيضا لأن النسيئة هي المقصودة فيه بالذات، وهذا النوع مشهور الآن بين الناس وواقع كثيرًا، وكان ابن عباس رضي الله عنهما لا يحرم إلا ربا النسيئة محتجًا بأنه المتعارف بينهم فينصرف النص إليه، لكن صحَّت الأحاديث بتحريم الأنواع الأربعة السابقة من غير مطعن ولا نزاع لأحد فيها، ومن ثم أجمعوا على خلاف قول ابن عباس، على أنه رجع عنه لما قال له أبي (1): أشهدت ما لم نشهد أسمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع؟! ثم روى له الحديث الصريح في تحريم الكل، ثم قال له: لا آواني وإياك ظل بيت ما دمت على هذا فحينئذ رجع ابن عباس، قال محمد بن سيرين: كنا في بيت عكرمة فقال له رجل أما تذكر ونحن ببيت فلان ومعنا ابن عباس فقال: إنما كنت استحللت الصرف برأيي ثم بلغني أنه صلى الله عليه وسلم حرمه فاشهدوا أني حرمته وبرئت إلى الله منه". انتهى المقصود من كلام الهيتمي. وفيه أبلغ رد على زعم الفتان أن ما قال به ابن حجر الهيتمي يؤكد رأيه الفاسد في قصر الربا المحرم على ربا النسيئة، وفيه أيضا إظهار ما في كلام الفتان من الافتراء على الهيتمي والتقول عليه بضد ما جاء في كلامه من التصريح بتحريم أنواع الربا وذكر الإجماع على ذلك.
والكذب من أقبح الخلال ومن كبائر الإثم وصفات المنافقين. وقد جاء في ذمه والتحذير منه آيات وأحاديث كثيرة، فمن الآيات قول الله -تعالى-: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ}، وقال -تعالى- متوعدا ..............--------------------------------------------
(1) كذا في الزواجر، وصوابه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)