هو تتبع لمحال تحقق الاسم العام لإلصاق حكمه بها - فإنه يختلف عن الحكم بمقتضى عموم اللفظ اختلافًا جوهريًا، نشأ عن التباين بين طبيعة كلا العمومين: عموم العلة، وعموم اللفظ.
فعموم العلة، عموم عقلي لا بد فيه من الاطراد كما هو الشأن - تقريبًا - في القضايا العقلية إذ لا تثبت إلا بالاستقراء التام.
أما عموم اللفظ فهو عموم لغوي خاضع للاصطلاح، وقد اصطلح العرب في خطابهم على أن لا يشترط له الاطراد، ولذا كان من السائغ بل الواقع الكثير أن يُحدَّ من عموم اللفظ بالتخصيص فيبطل حكم اللفظ في محلّ التخصيص بينما يبقى عاملًا فيما هو وراءه من المحال، ولا يُعد هذا التخصيص بحال من الأحوال إبطالًا للفظ العام بالكلّية.
أما عموم العلة فإن ثبت تخصيصه أو - بعبارة أخرى - إن ثبت تخلّف حكم العلة عن محل من محال تحققها من غير «فرق مؤثر»(1) بين محل التخصيص وبين باقي المحال، فإن هذا يُعد إبطالًا «نقضًا» لهذه العلة بالكلية.
قال الغزالي، رحمه الله: «اعلم أن العلة إذا ثبتت فالحكم بها عند وجودها حكم بالعموم، فإنه إذا ثبت أن الطعم علة انتظم منه أن يقال: كل مطعوم ربوي، والسفرجل مطعوم، فكان ربويًا، وإذا ثبت أن السُّكْر علة انتظم أن--------------------------------------------
(1) كانتفاء شرط لعمل العلة أو وجود مانع من عملها أو وجود علة أخرى تقتضي حكمًا آخر. انظر: آل تيمية، المسودة في أصول الفقه، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 414، وسيشار له: آل تيمية المسودة والغزالي، المستصفى، ج 2، ص 334.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)
يُقال: كل مسكر حرام، والنبيذ مسكر، فكان حرامًا، وكذلك في كل علة دل الدليل على كونها مناطًا للحكم فينتظم منها قضية عامة كلية تجري مجرى عموم لفظ الشارع بل أقوى؛ لأن عموم اللفظ معرّض للتخصيص، والعلة إذا كانت عبارة عن مناطٍ [و] كانت جامعة لجميع أوصافها وقيودها لم يتطرق إليها تخصيص؛ إذ يكون تخصيصها نقضًا لعمومها»(1).
فإن قيل: فتخصيص العلة ونقضها به مسألة مختلف فيها بين الأصوليين حتى حكى الزركشي فيها بضعة عشر قولًا(2)، فكيف ساغ هاهنا - وكما دلّ عليه كلام الغزالي - جزم القول بأن تخصيص العلة غير جائز وأنه إذا ثبت لعلة من العلل فإنه يُعدّ نقضًا لها.
فالجواب: هو أن ما سبق تقريره من أن ثبوت تخلف حكم العلة عن محل من محال تحققها من غير «فرق مؤثر» بين محل التخلف وبين باقي المحالّ يُعدّ نقضًا للعلة أمرٌ - بعد التمحيص - لا خلاف فيه، والذي جرى بين الأصوليين في هذه المسألة هو خلافٌ وهمي لا حقيقة له، إذ هو دائر على الألفاظ فحسب نشأ - في أغلبه - عن اختلاف مآخذهم في تفسير العلة.
وقد أشار إلى عدم جدوى الخلاف في هذه المسألة ولفظيته كل من إمام الحرمين(3) والغزالي(4)، وهو ظاهر كلام ابن الحاجب(5) والبيضاوي(6)، وقرره--------------------------------------------
(1) الغزالي، أساس القياس، حققه د. فهد السرحان، ط 1، مكتبة العبيكان، الرياض، 1413 هـ، ص 43، وسيشار له: الغزالي، أساس القياس.
(2) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 262.
(3) انظر: إمام الحرمين، البرهان، ج 2، ص 648.
(4) انظر: الغزالي، شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، ط 1، رئاسة ديوان الأوقاف، إحياء التراث الإسلامي، العراق، 1391 هـ، ص 458، وسيشار له: الغزالي، شفاء الغليل.
(5) أ بو عمرو بن الحاجب، منتهى الوصول والأمل في علمي الأصول والجدل، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1405 هـ ص 172. وسيشار له: ابن الحاجب، منتهى الوصول.
(6) البيضاوي، منهاج الوصول في معرفة الأصول، ط 1، عالم الكتب، بيروت، 1405 هـ، ص 236.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)
ابن تيمية، رحمه الله، في «مجموع الفتاوى»(1)، وكذلك فعل ابن الهمام في «التحرير»(2) والأنصاري في «فواتح الرحموت»(3) وأطال في بيانه الأستاذ شلبي في «تعليل الأحكام»(4).
وعليه ساغ جزم القول بأن تخصيص العلة لا يجوز وأنه إذا ثبت فإنه يُعد نقضًا لها.
والفلسفة في ذلك أن قول المعلل: إنّ هذا الحكم شُرع لهذه العلة، بعد ثبوت تخصيصها أو - بعبارة أخرى - بعد وجود محل تحقّقت فيه هذه العلة ولم يُشرع له ذات الحكم - ينافي منطقية وعدالة وحكمة التشريع اللائي يقضين بوجوب التشريك بين المتشابهات في الحكم، فإذا ما ثبت أنّ ثمة فرقًا معنويًا بين محلّ الحكم وبين محل التخلف كان ذلك خروجًا عن هذه المنافاة.
ثم إن المجتهد في استنباطه للعلة إنما يستدلُّ على كونها علّةً ملحوظةً للشارع في موارد أحكامه بوجود خصيصة الاطراد فيها، فإذا انخرم هذا الاطراد بثبوت التخصيص في محل من المحال دون عذر مانع دلَّ هذا على عدم اعتبار الشارع لهذه العلة.
ثانيًا: مقتضى انعكاس العلة:
ومعناه: انتفاء حكم العلة عن كل محل لم تتحقق فيه.--------------------------------------------
(1) انطر: تقي الدين أحمد بن تيمية، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب عبد الرحمن العاصمي، ج 20، ص 167.
(2) انظر: كمال الدين بن الهمام الإسكندري الحنفي، التحرير، ومعه تيسير التحرير، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 4، ص 17، وسيشار له: ابن الهمام، التحرير.
(3) انظر: عبد العلي الأنصاري، فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، بذيل المستصفى، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 2، ص 279، وسيشار له: الأنصاري، فواتح الرحموت.
(4) شلبي، تعليل الأحكام، ص 174 - 188.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)
وبيان ذلك: أنه إذا تقرر أن حكما من الأحكام الشرعية ثبت في محل من المحال لعلة من العلل كما سبق القول بتحريم قضاء القاضي حالة الغضب لعلة تشوش الفكر - فإن مقتضى انعكاس العلة هو انتفاء هذا الحكم عن كل محل لم تتحقق فيه العلة المذكورة، فيحل بناء على هذا المقتضى القضاء حالة الغضب اليسير الذي لا يشوش لخلوّه من العلة المقتضية للتحريم.
والفلسفة التشريعية التي ينبني عليها القول بمقتضى انعكاس العلة أو - بعبارة أخرى - القول بزوال الحكم إذا زالت علته: هي أن العلة هي الباعث على تشريع الحكم أو هي المصلحة التي يستهدفها الحكم، فإذا انتفى الباعث أو انعدمت المصلحة وافترضنا عدم انتفاء الحكم لذلك، كان هذا الحكم ثابتًا من غير باعث ومستهدفًا ما ليس بمصلحة، وهذا لا يجوز؛ لأنه مناقض لحكمة الباري سبحانه وتعالى ولِما اطرد في أحكامه من أنها شُرعت لعلل ومصالح سواء أمكن الوقوف عليها أم لا.
انعكاس العلة عند الأصوليين(1):
فإن قيل: يلزم من القول بزوال الحكم إذا زالت علّته القول باشتراط الانعكاس في العلل الشرعية، وهذه قضية خلاف بين الأصوليين، والأكثرون على عدم اشتراطه فكيف يصح جزم الحكم في أفراد المسائل بمقتضى انعكاس العلة مع أن اشتراطه قضية خلاف؟!
فالجواب هو أن القول في انعكاس العلة كالقول في اطرادها سواءً بسواء، وقد سبق بيان أن الأصل هو اطراد العلة وأنه لا يجوز الحدُّ من هذا الاطراد في محل من المحال إلا لعذر مانع، فكذلك الانعكاس لا بدّ منه إلا أن يمنع منه مانع - يقوم عليه--------------------------------------------
(1) انظر: إمام الحرمين، البرهان، ج 2، ص 551، والغزالي، المستصفى، ج 2، ص 344، والزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 143.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)
الدليل - وهذا مما لا ينبغي الخلاف فيه، قال إمام الحرمين: «دينًا حقَّ على كل مجتهد أن يفتي بعكس العلة إذا لم يمنع من ذلك مانع ولم يحجز حاجز»(1).
وقال الغزالي، رحمه الله: «اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية وهذا الخلاف لا معنى له، بل لا بد من تفصيل، وقبل التفصيل فاعلم: أن العلامات الشرعية دلالات فإذا جاز اجتماع دلالات لم يكن من ضرورة انتفاء بعضها انتفاء الحكم، لكناّ نقول: إن لم يكن للحكم إلا علة واحدة فالعكس لازم، لا لأن انتفاء العلة يوجب الحكم بل لأن الحكم لا بد له من علة، فإذا اتحدت العلة [أي كانت واحدة] وانتفت فلو بقي الحكم لكان ثابتًا بغير سبب، أما حيث تعدّدت العلة فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء بعض العلل بل عند انتفاء جميعها»(2).
والذي يُلحظ من كلام الغزالي هذا هو أن القول في اشتراط الانعكاس، إثباتًا ونفيًا، إنما ينبني على كون الحكم معلّلًا بعلة واحدة أو أكثر، فحيث قيل في حكم من الأحكام: إنه معلل بعلل، فحيث انتفت إحدى هذه العلل لم يلزم من ذلك انتفاء الحكم لأنه يثبت بغيرها من العلل، ومثال ذلك:
مَنْ قَتَل وارتدّ، فإنّ دمه يباح لعلّتين:
الأولى: الردة.
والثانية: القتل العمد العدوان.
فإذا انتفت علة الردة، بأن فاء إلى الإسلام، لم ينتفِ حكم إباحة الدم لثبوته بالعلة الأخرى، وإذا انتفت علة القتل العمد العدوان، كأن تراجع--------------------------------------------
(1) إمام الحرمين، البرهان، ج 2، ص 559.
(2) الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 344.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)
الشهود، لم ينتفِ كذلك حكم إباحة الدم.
إذن، فالانعكاس ليس يُشترط في حالة تعدد العلل الموجبة للحكم، أما حيث قيل: بأن الحكم معلل بعلة واحدة فقط، فلا بد حينئذ من اشتراط الانعكاس أو - بعبارة أخرى - لا بد من انتفاء الحكم إذا انتفت هذه العلة.
ومثال ذلك: ما لو قيل بأن العلة في إعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقات هي حاجة الدولة إليهم في كفّ شرهم وشرّ غيرهم، فإذا انتفت هذه العلة بأن قويت الدولة فلم تعد بحاجة إليهم، كان لا بد من قطع العطاء عنهم؛ لأنا لو أعطيناهم - والحالة هذه - لكان هذا لغير علة ولا مصلحة وهو لا يجوز، ولعل هذا هو منحى اجتهاد عمر رضي الله عنه في هذه المسألة(1).
أما لو قيل بأن العلة في إعطاء المؤلفة ليست هي ما سبق فحسب، بل يضاف إليها علة تشوف الشارع إلى إسلامهم ببذل المال لهم تحبيبًا لهم في الإسلام، ففي مثل هذه الحالة لا يشترط الانعكاس، لأنها إن انتفت الحاجة إلى دفع الشر؛ نظرًا إلى قوة الدولة، فإنها لا تزال تبقى الحاجة إلى التأليف والتحبيب في الإسلام، وبهذه العلة يثبت الحكم وإن زالت العلة الأولى، وعلى هذا لا يُمنع عطاء المؤلفة بحال.
وعليه فحاصل مسألة الانعكاس، وحاصل ما قاله الغزالي، رحمه الله، في هذا الشأن: هو أنه لا بدّ من زوال الحكم إذا زالت علته إلا أن يثبت الحكم لعلة أخرى.
وهذا لا ينبغي الخلاف فيه، قال العلامة الأصولي الصفي الهندي(2): «لا ينبغي أن يكون فيما ذكره الغزالي [وهو ما أُورد آنفًا] خلافٌ ونزاعٌ لأحد»(3).--------------------------------------------
(1) سيأتي في الفصل الثاني تفصيل القول في هذا الاجتهاد.
(2) هو: محمد بن عبد الرحيم بن محمد الآرموي الهندي: فقيه أصولي، ولد بالهند، وخرج إلى اليمن ومصر والروم، واستوطن دمشق، أشهر مصنفاته: «نهاية الوصول إلى علم الأصول» في أصول الفقه، توفي سنة 715 هـ. انظر: خير الدين الزِّركلي، الأعلام، ط 10، دار العلم للملايين، بيروت، 1992 م، ج 6، ص 200، وسيشار له: الزركلي، الأعلام.
(3) نقله عنه الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 144.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)
مثال لتوضيح مقتضى العلة طردًا وعكسًا في المسألة الواحدة:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9]. دلت هذه على تحريم البيع وقت النداء يوم الجمعة، وهذا الحكم مأخوذ من قوله تعالى: {وَذَرُوا الْبَيْعَ}.
وعلة هذا الحكم - كما هي لائحة من خلال السياق - هي أن البيع شاغل عن السعي المطلوب.
ولهذه العلة - بطردها وعكسها - مقتضيان: موجب وسالب، أما الموجب - وهو مقتضى اطراد العلة - فهو تحريم كل عمل تحققت فيه علة الإشغال عن السعي يوم الجمعة، فيدخل في هذا إجراء العقود كلها وقت النداء، كالإجارة والسَّلم والهبة والدين وحتى عقد النكاح.
بل يدخل فيه كذلك كل عمل هو في الأصل مباح لكنها تتحقق فيه علة الإشغال كالأكل والشرب واللعب وغير ذلك.
لا يقال: ويدخل الوضوء أو الاغتسال وقت النداء لأنه شاغل عن السعي.
لأنا نقول: إن الأمر بالشيء أمرٌ بلوازمه، فالأمر بالصلاة أمر بالوضوء، وعليه يكون الوضوء أو الغسل وقت النداء جزءًا من المأمور به بالنص نفسه.
فإن قيل: فهذا نقض للعلة إذ هي لم تستلزم حكمها في جميع محالّ تحققها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
فيقال: بل هو تخصيص لها وقد سبق القول بجوازه بوجود دليل مانع من اطرادها ينبني على وجود فرق مناسب بين محل التخصيص وبين باقي المحال، وهو الحاصل هاهنا.
هذا هو مقتضى اطراد العلة وهو موجب للحكم في جميع محال تحقق العلة.
وأما المقتضى الآخر، وهو مقتضى انعكاس العلة، فيسلب حكم تحريم البيع عن جميع المحال التي لا تتحقق فيها العلة، وهي الإشغال عن السعي، حتى لو كان أحد هذه المحال مندرجًا في جنس البيع.
وهذا يُتصور في حالة ما إذا تعاقد المتبايعان وهما - مثلًا - في سيارة أو حافلة تسعى بهما إلى المسجد.
ففي هذه الحالة وُجد جنس متعلق الحكم، وهو مطلق البيع، وانتفت العلة المقتضية للتحريم، وهي الإشغال عن السعي، فأُبيحت هذه الصورة من مطلق البيع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
المطلب الثاني التعريف بالنص وبمقتضاه
وهو في مقصدين:
المقصد الأول: التعريف بالنص
المقصد الثاني: التعريف بمقتضى النص
المقصد الأول
التعريف بالنص
النص لغة:
مأخوذٌ من الظهور، يقال: نصَّ الشيء ينصُّه نصًا إذا رفعه وأظهره، ويقال: نصت الظبية جيدها إذا رفعته، ومنه «المنصة» وهي كرسي مرتفع أو سرير يُعدّ للخطيب ليخطب أو للعروس لتجلى(1).
النص اصطلاحًا:
يطلق النص في اصطلاح الأصوليين ويراد به معانٍ خمسة:
الأول: نصوص الكتاب والسنة، فيقال: هذا الحكم ثبت بالنصّ وهذا بالقياس(2).
الثاني: اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، أو: ما لا يحتمل التأويل وذلك كلفظ خمسة فإنه لا يحتمل الأربعة أو الستة، ولفظ الفرس فإنه لا يحتمل الحمار ولا البعير …(3).--------------------------------------------
(1) انظر: المعجم الوسيط، ج 2، ص 963.
(2) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 1، ص 462. وابن الهمام، التحرير، ج 1، ص 137.
(3) انظر: الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 385.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
الثالث: اللفظ الذي يحتمل أكثر من معنى هو في أحدها أكثر ظهورًا من غيره لذا فهو يحتمل التأويل، وهو إطلاق «أطلقه الشافعي، رحمه الله، فإنه سمّى الظاهر نصًا وهو منطبق على اللغة ولا مانع منه في الشرع»(1).
الرابع: اللفظ الذي يحتمل أكثر من معنى هو في أحدها أكثر ظهورًا من غيره، لذا فهو يحتمل التأويل إلا أنه لم يتطرق إليه تأويل مقبول يعضده دليل، وبهذا يختلف هذا الإطلاق عن الثالث الذي قبله(2).
الخامس: اللفظ أو المعنى الذي سيق الكلام لأجله، مع أنه يحتمل التأويل وهذا الإطلاق خاصّ بالحنفية(3).
والمراد بالنص - في اصطلاح هذه الرسالة - من بين هذه الإطلاقات هو الإطلاق الأول، إذ لا يعني كاتب هذه الرسالة بـ «أثر تعليل النص على دلالته» إلا نصوص الكتاب والسنة بغض النظر عن كون ألفاظها تحتمل التأويل أو لا تحتمله.
ثم إن المراد بنصوص الكتاب والسنة ليس هو كل ما ورد في الكتاب والسنة على الإطلاق، وإنما ما ورد فأمكن استنباط الأحكام منه فقط، إذ لا علاقة لأصول الفقه بالنصوص التي لا تدل على أحكام فقهية، كالنصوص--------------------------------------------
(1) المرجع السابق، ج 1، ص 384.
(2) انظر: الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 386.
(3) انظر: ابن الهمام، التحرير، ج 1، ص 137، وصدر الشريعة، عبيد اللَّه بن مسعود البخاري الحنفي، التوضيح لمتن التنقيح، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 1، ص 124، وسيشار له: صدر الشريعة، التوضيح و أ. د فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي، ط 2، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق 1405 هـ، ص 51، وسيشار له: الدريني، المناهج الأصولية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
الواردة في العقائد أو القصص أو الأخبار وغير ذلك مما لا يستنبط منه أحكام شرعية عملية.
ومما ينبغي ذكره هاهنا هو أن نصوص الكتاب المقتضية للأحكام إنما هي مجرد أقوال بخلاف نصوص السنة إذ هي ثلاثة أنواع: أقوال وأفعال وتقريرات.
وكذلك فإن الأقوال الدالة على الأحكام - سواء أكانت من الكتاب أو السنة - ثلاثة أقسام:
الأول: ما دل على طلب فعل وهذه هي الأوامر.
الثاني: ما دل على طلب ترك وهذه هي النواهي.
الثالث: ما دل على التخيير بين الفعل والترك.
المقصد الثاني التعريف بمقتضى النص
مقتضى النص هو ما يدل عليه أو يستلزمه النص، والذي يدل عليه النص هو الحكم الشرعي بأنواعه المختلفة.
فإن كان النص قولًا فلا يخلو أن يكون أمرًا أو نهيًا أو تخييرًا.
فالأمر يدلُّ - كما هو رأي الجمهور(1) - على الوجوب إلا أن ترد قرينة تصرفه إلى الندب أو الإباحة.
والنهي يدل على التحريم إلا أن ترد قرينة تصرفه إلى الكراهة، والتخييرُ يدلُّ على الإباحة.--------------------------------------------
(1) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 365، ومحمد بن على الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق علم الأصول، ط 1، دار الفكر، بيروت، 1412 هـ، ص 169، وسيشار له: الشوكاني، إرشاد الفحول.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
وإن كان النص فعلًا ففي دلالته على الحكم الشرعي تفصيل كثيرٌ عند الأصوليين(1) يمكن تلخيصه بما يلي:
الفعل لا يخلو، إما أن يكون على سبيل القربة، وإما لا، فإن لم يكن على سبيل القربة كالأكل والشرب والجماع، فهو يدل على الإباحة، وإن كان على سبيل القربة فهو على وجهين:
الأول: أن يُفعل بيانًا لغيره كأفعاله صلى الله عليه وسلم في الصلاة والحج إذ قد ورد بهما الأمر مجملًا فبيّنهما صلى الله عليه وسلم بفعله، والأصل في هذا الفعل أن يتبع في حكمه حكم المبيَّن إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك.
والثاني: أن يُفعل ابتداءً من غير سبب كما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يضجع بعد ركعتي الفجر(2)، ففي دلالة هذا الفعل على الحكم ثلاثة أقوال:
القول الأول: الأصل فيه أن يدل على الوجوب ولا يصرف إلى غير ذلك إلا بدليل.
القول الثاني: الأصل فيه أن يدل على الندب ولا يصرف إلى غير ذلك إلا بدليل.
القول الثالث: أنه يُتوقف فيه فلا يحمل على الوجوب أو الندب إلا بدليل.
وإن كان النص إقرارًا فهو يدل على جواز الفعل المقرّ ورفع الحرج عن فاعله.--------------------------------------------
(1) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 176 - 181. وأبو إسحاق الشيرازي، شرح اللمع، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1408 هـ، ج 1، ص 545 - 552، والغزالي، المستصفى، ج 2، ص 214 - 221.
(2) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1160).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
القطعية والظنية في مقتضى النص:
والنص إما أن يدل على الحكم قطعًا كما هو في قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، وإما أن يدل عليه ظنًا كما هو في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: 282].
فقد قال قوم بوجوب كتابة الدين كما هو ظاهر النص، وقال قوم بندبها لأدلة قرروها(1).
وإفادة القطع بمجرد النصوص وحدها قليل، وبعضهم نفاه، وذلك لكثرة الاحتمالات التي ترد على الألفاظ إلا أن القطع يكثر في النصوص إذا نظرنا إليها مع ما يحتف بها من القرائن المؤكِّدة لظواهرها(2).
فمثلًا ما سبق إيراده آنفًا وهو قوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] وإن كان قطعيًا في تحديد عدد الجلدات فإنه مظنون في إفادة وجوب الجلد، وذلك لأن صيغة الأمر وهي هاهنا «فاجلدوهم» تتردد - بحسب ما تقضي به اللغة - بين الطلب الجازم وبين الطلب غير الجازم، وسواء أقيل بأنها ظاهرة في الوجوب مؤولة في الندب، أم قيل بأنها مشتركة بن المعنيين، فإنها على كل تقدير تظل ظنية الدلالة.
هذا إذا كان النظر منصبًّا على مجرد النص، وأما إذا نظرنا إلى النص مع ما احتف به من قرائن، وأهمها تعامل النبي صلى الله عليه وسلم معه، وكيف أنه كان لا يتساهل--------------------------------------------
(1) انظر: أبو بكر أحمد بن علي الجصاص، أحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405 هـ، ج 2، ص 205، وسيشار له: الجصاص، أحكام القرآن.
(2) انظر: فخر الدين الرازي، المحصول، ج 1، ص 172 - 178.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
في شأن الحدود ولا يتوانى في تطبيقها ولا يقبل الشفاعة فيها وغير ذلك - لم نرتَبْ في القول بأن النص هاهنا يدل على وجوب الجلد ثمانين قطعًا.
ومما ينبغي تقريره هاهنا هو أن الكثرة الكاثرة من النصوص التي تدل على أحكامها قطعًا لا تخلو - على الرغم من قطعيتها - من «دلالات ظنية» على جوانب ومتعلَّقات الحكم المقطوع.
فقوله تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4] وإن كان - مع ما احتفّ به من قرائن - قاطعًا في وجوب الجلد ثمانين فإنَّه - مع ذلك - ظنيٌّ في كثير من جوانب هذا الحكم ومتعلقاته:
فمثلًا: النص مطلق في طلب الجلد بغضّ النظر عن محلّ الجلد أهو الظهر أو البطن أو الأطراف، وبغض النظر عن الشيء الذي يتم به الجلد، وبغض النظر عن شدة الجلد ودرجة قوته.
ثم إن النص عام في المجلودين، لذا فهو يقبل التخصيص بدليل كما هو الشأن في العبد إذ قد جلده الخلفاء الراشدون أربعين على النصف من حدِّ الحُر(1).
وكذا هو عام في مكان الجلد حيث منع العلماء من إقامة الحد في المسجد(2)، وكذا حصل خلاف في إقامة الحد في الغزو وفي دار الحرب(3).--------------------------------------------
(1) مالك، الموطأ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1406 هـ، ج 2، ص 838، وإسناده على شرط البخاري.
(2) انظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ط 1، دار الريان للتراث، القاهرة، 1407 هـ، ج 12، ص 132، وسيشار له: ابن حجر، فتح الباري.
(3) انظر: محمد بن علي الشوكاني، نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، دار الفكر، بيروت، 1414 هـ، ج 7، ص 286، وسيشار له: الشوكاني، نيل الأوطار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
وكذا النص عام في زمان الجلد، وفيمن يقوم بالجلد أهو الإمام أم يجوز ذلك للأفراد، كالأب على ابنه، أو السيد على عبده، وغير ذلك(1).
فكل هذا الذي ذُكر من متعلقات وجوانب حكم «وجوب الجلد ثمانين» هو مقتضيات ظنية للنص {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النور: 4]، دلّ عليها بإطلاقه أو بعمومه، ودلالة المطلق على الإطلاق، والعام على العموم هي - كما هو عند الجمهور - دلالات ظنية تقبل التخصيص والتقييد.
إذن، فالنص وإن كان - أحيانًا - قاطع الدلالة على الحكم فإنه يبقى مع ذلك ظني الدلالة على كثير من جوانبه ومتعلقاته كزمانه ومكانه ومحله وكيفيته وغير ذلك.
وفي مقابل هذا فإن النص الدال على الحكم ظنًا لا يخلو - على الرغم من ظنيته - من أن تكون له «دلالات قطعية»، بل لا بد له من ذلك.
فمثلًا قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] وإن كان ظنيًا في الدلالة على مدة التربص للاشتراك في لفظ «القرء» فإنه قاطع في حصر مدة التربص بين ثلاث حيض وبين ثلاثة أطهار فلا يجوز بحال أن يُختلف في أن العدة لا تقل عن ثلاث حيض وأنها لا تزيد عن ثلاثة أطهار.
ومثلًا قوله تعالى: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] وإن كان ظنيًا في تحديد ماهية اللمس الناقض للوضوء أهي الجماع أم الجسُّ باليد، فإنه قاطع في كون اللمس لا يخرج عن هذين المعنيين، فالنص إذن يدل قطعًا على أن واحدًا من--------------------------------------------
(1) انظر: المرجع السابق، ج 7، ص 270.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
الجماع أو الجس باليد ناقض للوضوء، والمظنون فيه هو دلالته على أحد هذين المعنيين بالتحديد.
وقول القائل جاء الأولاد يدل دلالة ظنية على عموم الأولاد المعهودين لكنه كذلك يدل، وفي الوقت نفسه، دلالة قطعية على مجيئ أقل الجمع - وهو اثنان أو ثلاثة - من الأولاد، وإلا كان قوله - إذا لم يقصد مجيء أحد - كذبًا وزورًا، ومن هنا قال الأصوليون: إن دلالة العام على أقل الجمع دلالة قطعية(1)، وكذلك قالوا: إن العام إذا ورد على سبب فإن صورة السبب مرادة به قطعًا فلا يصح إخراجها بالتخصيص(2)، مع أن العام من حيث الأصل يقبل التخصيص.
وبعد هذا كله يمكن الخلوص إلى هاتين النتيجتين:
الأولى: أن النص إذا دل على الحكم قطعًا فإنه في الوقت نفسه يدل على كثير من جوانب الحكم ومتعلقاته ظنًا.
والثانية: أن النص إذا دل على الحكم ظنًا فإنه في الوقت نفسه يدل قطعًا على حصر هذا الظن بمجال معيّن لا يصح تجاوزه.
وهاتان النتيجتان تخلصان بدورهما إلى نتيجة واحدة هي أن كل نص تشريعي - إلا النادر الذي لا يكاد يوجد - لا بد له من مقتضيين:
الأول: مقتضى قطعي: وهو ما دل عليه النص قطعًا.
والثاني: مقتضى ظني: وهو ما دلّ عليه النص ظنًا.--------------------------------------------
(1) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 139، والشيرازي، شرح اللمع، ج 1، ص 342.
(2) انظر: إمام الحرمين، البرهان، ج 1، ص 256، وأبو إسحاق الشيرازي، اللمع في أصول الفقه، مع تخريج أحاديثه للغماري ط 1، عالم الكتب، بيروت، 1405 هـ، ص 122، وسيشار له الشيرازي، اللمع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
المقتضى الظني للنص الشرعي:
إذا كان النص الشرعي ظنيًا يحتمل معنيين أو أكثر، فالنص إذ ذاك: إما أن يدلَّ على معنييه أو معانيه بدرجة من الظن مختلفة ما بين معنى وآخر وإما أن يدل عليها بدرجة متساوية.
فإذا كانت دلالته على معانيه مختلفة فلا بدّ أن تكون راجحة في معنى من المعاني ومرجوحة في غيره.
فإذا كانت راجحة في معنى من المعاني سُمِّيَ هذا المعنى ب «ظاهر النصّ»(1)، أما المعاني المرجوحة الأخرى فتُسمى بـ «مؤول النص»(2).
وإذا كانت دلالة النص على معانيه بدرجة متساوية من الظن سُمّي هذا النص بـ «المجمل»(3) أو «المشكل» في اصطلاح الحنفية(4).
وعليه يمكن تعريف المقتضى الظني للنص الشرعي بأنه: دلالة النص على معنى من معانيه التي يحتملها من غير قطع، سواء أكانت هذه الدلالة من النص في غالب الظن أو في مغلوبه أو في لا غالبه ولا مغلوبه، وبتعبير آخر، سواء أكانت هذه الدلالة «ظاهرة» أو غير ظاهرة وإنّما «مؤوّلة» أو كانت لا ظاهرة ولا مؤوّلة وإنّما «مجملة».
والأصل في النص الشرعي - وهو ما تقتضيه لغة العرب - أن يُحمل على معناه الظاهر إلا أن ترد «قرينة» تعضد المعنى المؤوَّل لتنقله من الضعف إلى القوة ومن المرجوحيّة إلى الرجحان، فيتقدم بذلك على المعنى الظاهر(5).--------------------------------------------
(1) انظر: الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 336، والرازي، المحصول، ج 1، ص 81، والآمدي، الإحكام، ج 3، ص 73.
(2) المراجع السابقة.
(3) انظر: الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 336، والآمدي، الإحكام، ج 3، ص 11.
(4) انظر: صدر الشريعة، التوضيح، ج 1، ص 126، والدريني، المناهج الأصولية، ص 87.
(5) انظر: الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 336، ص 340، والرازي، المحصول، ج 1، ص 180.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
هذا إذا كان للنص معنى ظاهر، وآخر مؤول، وأما إذا لم يكن له ذلك بأن كان نَصًّا مجملًا فالأصل إذ ذاك التوقف عن إحالة مراد الشارع على أيّ من معانيه حتى يتسنى الوقوف على «قرينة» ترجح أحد هذه المعاني(1).
فالقرينة على هذا، وبالنظر إلى ما سبق، شيء مشترك بين إرادة حمل اللفظ على المعنى المؤول إذا كان اللفظ محتملًا للتأويل وبين حمل اللفظ على أحد معانيه إذا كان مجملًا.
إلا أنه ثمّة فرق وهو: أن القرينة المحتاج إليها في دعم احتمال التأويل ينبغي أن تكون على قدر من القوة بحيث تفوق قوة المعنى الظاهر المقابل للمعنى المؤول، ومن هنا يشترط الأصوليون لصحة التأويل: «أن يكون الدليل الصّارف للفظ عن مدلوله الظاهر راجحًا على ظهور اللفظ في مدلوله ليتحقق صرفه عنه إلى غيره»(2).
أما القرينة المحتاج إليها في رفع الإجمال عن اللفظ بترجيح أحد معانيه فلا يشترط فيها أن تكون قوية كالقرينة الداعمة للتأويل، وذلك لأن التساوي بين معاني اللفظ المجمل في القوة يجعل أحدها يترجح على غيره بأدنى دليل على خلاف الحال في الظاهر والمؤول.
ومما تنبغي الإشارة إليه هاهنا هو: أن علة النص يُسلك بها مسلك القرينة: إما الداعمة للتأويل وإما الرافعة للإجمال - إذا كان اللفظ مشتركًا - كما سيرد بيانه في المبحث القادم إن شاء الله.--------------------------------------------
(1) انظر: الغزالي، ج 1، ص 336، والدريني، المناهج الأصولية، ص 103، 104.
(2) الآمدي، الإحكام، ج 3، ص 75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
المطلب الثالث
ثبوت الحكم هل هو بالعلة أو النص؟
سبق القول فيما مضى بأن الذي تقتضيه العلة، وكذلك النص، هو الحكم.
وعليه، فهل يُضاف الحكم في ثبوته إلى العلة أم إلى النص أم إليهما معًا؟
فعلى سبيل المثال هل ثبت حكم التحريم للخمر بالنص وهو قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]؟ أو أنه ثبت بالعلة وهي الإسكار المؤدي إلى وقوع العداوة والبغضاء بين الناس والصدّ عن ذكر اللَّه وعن الصلاة؟ أم أنه ثبت بالعلة والنص جميعًا؟
قد شجر الخلاف بين الأصوليين في ذلك، فذهب معظم الحنفية إلى أن الحكم يثبت في محل الأصل بالنص أما في محل الفرع فيثبت بالعلة، وذهب معظم الشافعية إلى أنه يثبت في محل الأصل والفرع - على حد سواء - بالعلة، وقال قائلون بأن الحكم يثبت في محله بالعلة والنص جميعًا(1).
والخطب في هذه المسألة - وإن كثر فيها الجدل - سهل يسير، وذلك لأن خلاف الأصوليين فيها إنما يدور على العبارة لا أكثر(2) وبيان ذلك: أن من قال: إن الحكم في محل الأصل يثبت بالنص فمراده أن النص هو الذي كشف عن هذا الحكم وعرف به ولولاه لما أمكن الوقوف عليه.--------------------------------------------
(1) سيأتي تفصيل الأقوال في المسألة وعزوها إلى أصحابها بعد أوراق.
(2) ولطالما كانت الألفاظ مثارًا للخلاف، قال الغزالي رحمه الله: «معظم الأغاليط والاشتباهات ثارت من الشغف بإطلاق ألفاظ دون الوقوف على مداركها ومآخذها» وقال: «إنما منشأ الإشكال التخاوض في الأمور دون التوافق على حدود معلومة لمقاصد العبارات فيطلق المطلق عبارة على معنى يقصده، والخصم يفهم منه معنى آخر يستبد هو بالتعبير عنه فيصير به النزاع ناشبًا قائمًا لا ينفصل أبد الدهر». الغزالي، شفاء الغليل، ص 420، 588.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
ومن قال: إنه ثبت بالعلة فمراده أن العلة هي التي بعثت عليه وأنه شرع من أجلها وبدافع منها.
ومن قال: إن الحكم ثبت بالعلة والنص معًا فقد جمع بين الأمرين، قال الآمدي، رحمه الله: «اعلم أن الخلاف في هذه المسألة آئل إلى اختلاف في اللفظ، وذلك أن قول أصحابنا بأن الحكم ثابت بالعلة، لا يريدون به أن العلة معرّفة له بالنسبة إلينا ضرورة أنها مستنبطة منه وأنها لا تعرف دون معرفته، وإنما يريدون به أنها الباعثة للشارع على إثبات الحكم في الأصل وأنها التي لأجلها أثبت الشارع الحكم، وأصحاب أبي حنيفة غير منكرين لذلك، وحيث قالت الحنفية: إن العلة غير مثبتة للحكم لم يريدوا بذلك أنها ليست باعثة، وإنما أرادوا بذلك أنها غير معرّفة لحكم الأصل بالنسبة إلينا، وأصحابنا غير منكرين لذلك، فلا خلاف في المعنى بل في اللفظ»(1).
ويمكن في هذا الصدد توضيح علاقة كل من العلة والنص بالحكم بمثال محسوس، وهذا المثال هو الشجرة: جذرها المتشعب تحت الأرض هو العلة وثمرتها هي الحكم، وما بين الجذر والثمرة من الساق والغصن هو النص، فإما أن يقال - وهو الظاهر للعيان - بأن الثمرة ثابتة بالساق والغصن لأنهما محل ظهورها وحملها وتعريف الناس بها.
وإما أن يُقال بأنها ثابتة بالجذر، وذلك لأنه وإن خفي فهو على التحقيق معدن تكوينها وإنشائها وسبب حمل الساق والغصن لها.
وعليه، فإضافة الثمرة إلى الغصن هي إضافة حمل وإظهار، وإضافتها إلى الجذر هي إضافة تكوين وإنشاء، ولا تناقض بين الإضافتين.--------------------------------------------
(1) الآمدي، الإحكام، ج 3، ص 358.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)