فكذلك الحال بالنسبة إلى الحكم، يضاف إلى النص لأنه هو الحامل له والكاشف عنه، ويضاف إلى العلة؛ لأنها هي الباعث عليه والداعي له، فإضافته إلى النص تختلف عن إضافته إلى العلّة وليس بين الإضافتين تناقض أو تضاد حتى يثور الخلاف في أيّهما الصواب.
فإذا تقرر ما سبق، واتضحت حقيقة القول في وجه إضافة الحكم إلى العلة أو إلى النص فلا بدّ في هذا المقام من استعراض هذه المسألة في كتب الأصوليين، حتى يمكن من خلال ذلك النظر في كيفية نشوء هذه المسألة عندهم والمراحل التي مرّت بها وما آلت إليه عند المتأخّرين، ويتخلل ذلك كلَّه مناقشةُ ما يحتاج إلى نقاش من أقوال الأصوليين.
كيف نشأت هذه المسألة؟
صرّح الغزالي(1) وغيره(2) بأن الخلاف في هذه المسألة تولّد من الخلاف في صحة العلّة القاصرة(3)
ويؤيد ذلك أن معظم الأصوليين إذ بحثوا هذه المسألة فإنما بحثوها عقب بحث العلة القاصرة مباشرة(4).--------------------------------------------
(1) انظر: الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 346، والغزالي، شفاء الغليل، ص 537.
(2) انظر: الزنجاني، تخريج الفروع على الأصول، ط 5، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1978 م، ص 47 وسيشار له فيما يلي بـ الزنجاني: تخريج الفروع على الأصول.
(3) العلة القاصرة ويقال: الواقفة هي التي لم تتعدّ الأصل إلى فرع، لأنها إذا ثبتت في محل من المحال كانت مقصورة عليه وغير موجودة فيما سواه، وذلك مثل قول الجمهور بأن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة حرام وعلة ذلك أنهما أصول الأثمان وبهما تتقيم الأشياء وهذه علة معدومة فيما سواهما فلا يقاس عليها. انظر: الباجي، الحدود في الأصول، ص 73، 74.
(4) انظر: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ج 3، ص 316 والإسنوي، نهاية السول، ج 3، ص 150، 151، والرازي، المحصول، ج 2، ص 403 - 407.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
أما وجه تولدها من مسألة العلة القاصرة، فذلك أن الحنفية عندما أبطلوا التعليل بالعلة القاصرة عللوا ذلك بأن فائدة العلة إنما هي التوسل بها إلى معرفة الحكم، وهذا غير متحقق في القاصرة؛ لأنها لا تفيد حكمًا في الفرع ولا تفيد حكمًا في الأصل، فقيل لهم: نسلم لكم أنها لا تفيد حكمًا في الفرع فلمَ قلتم: إنها لا تفيد حكمًا في الأصل فقالوا: لأن الحكم في الأصل ثبت بالنص لا بالعلة، فقيل لهم: لا نسلم ذلك بل الحكم ثابت بها لا بالنص(1) ومن ثَم كثر الأخذ والرد.
حقيقة القول في العلة القاصرة:
والخلاف في صحة العلة القاصرة لفظي كما هو في هذه المسألة، ذكر ذلك الغزالي(2) والزنجاني(3) وابن قدامة المقدسي(4) وابن الهمام(5) وأطال النفس في بيان ذلك الأستاذ محمد شلبي في كتابه «تعليل الأحكام» ومما قال في ذلك: «قديمًا تنازع العلماء في جواز التعليل بالعلة القاصرة وطال الأخذ والرد بين الحنفية والشافعية على وجه أخص جيلًا بعد جيل، حتى خُيّل للناظر في كلامهم أنه دفاع عن عقيدة أو تنازع في حقيقة، ويعلم اللَّه أن لا عقيدة ولا حقيقة وإنما هو خلاف في الألفاظ، ومن أنصف منهم وتجرد عن العصبية قال:--------------------------------------------
(1) المراجع السابقة.
(2) الغزالي، شفاء الغليل، ص 537.
(3) الزنجاني، تخريج الفروع على الأصول، ص 47. والزنجاني هو شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني الشافعي نسبة إلى مدينة زنجان على حد أذربيجان من بلاد الجبل، وهو أحد من برعوا في اللغة وعلم الخلاف والأصول والتفسير له تصانيف لم يظهر منها إلا النزر اليسير، توفي في بغداد سنة 656 هـ. انظر: مقدمة د. محمد أديب الصالح لكتاب «تخريج الفروع على الأصول»، ص 11، 12.
(4) ابن قدامة المقدسي، روضة الناظر وجُنة المناظر، مكتبة المعارف، الرياض ج 2، ص 320، وسيشار له فيما يلي بـ ابن قدامة، روضة الناظر.
(5) ابن الهمام، التحرير، ج 4، ص 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
نزاع لفظي حيث اختلف محل النفي والإثبات، وأن كل فريق معترف بما يقول الآخر شاء أم أبى، ومن أخذته الحميّة - حميّة الدفاع عن مشايخه - حاول ردّ النزاع الصوري إلى حقيقي متكلفًا أيّما تكلف كي يوجد لهذا الخلاف ثمرة صالحة لمّا بان له ذبول ثمراته التي رتبها عليه السابقون. وأغلب الظن عندي [والكلام لا يزال لشلبي] أن منشأ هذا الخلاف هو ما روي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه من جعله علة الربا في الذهب والفضة الثمنيّة وهي قاصرة عليهما، والحنفية جعلوا العلة الجنس والوزن وهي موجودة في غيرهما، وسواء أكان هذا التعليل منقولًا عن الإمام وصاحبيه أم من استنباط الأتباع فقد جدّ النزاع بين أتباع المذهبين في هذا الفرع وانجر الكلام منه إلى علة قاصرة ومتعدية وأيهما تُرجح في مقام الترجيح أو في مجالس المناظرات»(1).
وإذن، فثبوت الحكم في المحل هل هو بالعلة أو النص مسألة تفرّعت عن مسألة العلة القاصرة، والخلاف بين الأصوليين في هذين المسألتين كليهما لفظي.
المراحل التي مرت بها هذه المسألة في كتب الأصوليين:
أولًا: في كتب أصوليي الشافعية
وثانيًا: في كتب أصوليي الحنفية
أولًا: كتب أصوليي الشافعية:
ما من شك في أنَّ الإمام الشافعي، رحمه الله أوّلَ من دوَّن الأصول - لم يتعرّض لهذه المسألة ولا لكثير غيرها من المسائل التي كثر خوض الأصوليين فيها فيما بعد، ودليل ذلك أن أتباعه وهم الحريصون على التمسك بأدنى--------------------------------------------
(1) محمد شلبي، تعليل الأحكام، ص 164، وما بعدها، بتصرف، وانظر تمام القول هناك إذا أردت تفصيل القول في المسألة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
شيء من أقواله - لم يوردوا نقلًا واحدًا عنه رضي الله عنه يظهِر من قريب أو بعيد أنه تعرض لثبوت الحكم هل هو بالعلة أو النص.
وأما نسبة بعض الاصوليين(1) القول في هذه المسألة له، رحمه الله، فذلك لأن شأن أتباع المذاهب في وضع أصول مذهبهم هو استخراج هذه الأصول مما نقل عن إمامهم من فروع فقهية، ومن ثَم نسبة هذه الأصول إلى إمام المذهب نفسه، وهذا لا يدل صراحة على أن إمام المذهب قائل بهذه الأصول، ودليل ذلك أن أصوليي المذهب الواحد أنفسهم، كثيرًا ما يختلفون في حكاية المذهب في المسألة الواحدة من مسائل الأصول على قولين أو أكثر، وذلك تبعًا لاختلافهم في تخريج مذهب إمامهم في هذه المسألة بحسب ما روي عنه من فروع فقهية(2).
وعليه، فليس للشافعي نص في هذه المسألة، وهذا يعني بالضرورة أنها نشأت بعده.
وأقدم من وجدته يذكر هذه المسألة من الشافعية أبو بكر الصيرفي(3)، المتوفى سنة 330 هـ، حيث قال: «الحكم في الأصل ثبت بالعلة التي دل عليها النص، وحظ النص فيها التنبيه عليها، وهذا هو الراجح عند أصحابنا»(4).--------------------------------------------
(1) انظر: البزدوي، أصول البزدوي، ومعه كشف الأسرار، مطبعه الشركة الصحافية العثمانية، ج 3، ص 315، 316، وسيشار له فيما يلي بـ البزدوي، أصول البزدوي. وعلاء الدين السمرقندي، ميزان الأصول في نتائج العقول، ط 1، مطابع الدوحة، قطر، 1404 هـ، ص 636 وسيشار له بـ السمرقندي، الميزان. والغزالي، شفاء الغليل، ص 537.
(2) ومن هنا لم يرتض إمام الحرمين - وهو الأصولي البارع - أن تأخذ الأصول من الفروع فقال: «حق الأصولي ألا يلتفت إلى مذاهب أصحاب الفروع ولا يلتزم مذهبًا مخصوصًا في المسائل المظنونة الشرعية»، إمام الحرمين، البرهان، ج 1، ص 534.
(3) هو محمد بن عبد اللَّه الشافعي البغدادي، فقيه أصولي متكلم محدث، تفقه على ابن سريح وسمع الحديث وتوفي بمصر، له شرح رسالة الشافعي وكتاب في الإجماع وآخر في أصول الفقه. انظر: عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، دمشق، ج 10، ص 220.
(4) نقله عنه الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 105.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
ثم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني(1)، المتوفى سنة 418 هـ، إذ حكى أن للشافعية وجهين في ثبوت الحكم في المحل هل هو بالعلة أو النص؟(2).
والذي يظهر أن هذه المسألة ظلت منذ نشوئها كذلك تخضع للأخذ والرد والترجيح، فيما بين الشافعية والحنفية حينًا، وفيما بين الشافعية أنفسهم حينًا آخر، حتى جاء حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله، المتوفى سنة 505 هـ، فكشف عن وجه هذه المسألة قناع الالتباس لتؤول بذلك من الخلاف إلى الوفاق.
فقال، رحمه الله: «الحكم في الأصل هل يضاف إلى العلة أم لا؟ فهم [أي الحنفية] يزعمون أن المضاف إلى العلة حكم الفرع فأما حكم الأصل فمضاف إلى النص لا إلى العلة.
وهذه المسألة عندي لفظية تنبني على بيان حد العلة، وما هو المراد بإطلاقها، وقد بيّنّا أن الفقهاء يطلقون اسم العلة على العلامة الضابطة لمحل الحكم، وقد تُطلق على الباعث الداعي إلى الحكم وهو وجه المصلحة، وقد تُطلق على السبب الموجب للحكم الذي يتنزل في الإيجاب وإضافة الموجب إليه منزلة العلة العقلية بنصْب الشرع، وإذا خُرّجت المسألة على هذه المآخذ ارتفع الخلاف، فإذا أُريد بالعلة السبب الموجب الذي يقتضي إضافةً عقلية، كما في العلل العقلية، فهذا يقتضي أن يقال: إن كانت العلة منصوصًا عليها كالسرقة مثلا جاز إضافة الحكم إليها وإن كانت قاصرة، وإن كانت مستنبطة--------------------------------------------
(1) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، متكلم أشعري وفقيه شافعي، أخذ عن أبي الحسن الباهلي والباقلاني، ودفن في إسفرايين، ولم يصل إلينا شيء من التصانيف الكثيرة التي ألفها في أصول الفقه والفقه. انظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان، دار صادر، بيروت، 1971 م، ج 1، ص 4.
(2) نقله عنه أيضًا الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 104.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
بالظن فلا؛ لأنّ المضاف - وهو الحكم - مقطوع به، فيستحيل أن يكون المضاف إليه مظنونًا والعلة المستنبطة مظنونة.
وإن أُطلق اسم العلة لإرادة الباعث على الحكم والداعي له وهو: وجه المصلحة، فيقول الناظر: الحكم ثابت بالنص ومضاف إليه، والسبب الباعث للشرع على النص: المصلحة الفلانية فهذا لا حجر في إطلاقه … »(1).
ثم جاء بعد الغزالي تلميذه أبو الفتح ابن برهان(2)، المتوفى سنة 518 هـ، فأضاف إلى وجهي القول في المسألة وجهًا ثالثًا وهو: أن الحكم يثبت في محله بالعلة والنص جميعًا فقال: «ثبوته [أي الحكم] بالنصّ لا يمنع من إضافته إلى العلة فنحن نجمع بينهما فنقول: الحكم ثابت بينهما جميعًا، ويجوز إضافة الحكم إلى دليلين بالاتفاق»(3)، وكأنه في هذا القول أعرض أو غفل عما قرره شيخه الغزالي، ومع ذلك فهو لم يأت بشيء، وذلك لأن إضافة الحكم إلى النص تختلف عن إضافته إلى العلة؛ إذ هي في الحالة الأولى: إضافة تعريف ودلالة وفي الحالة الثانية: إضافة بعث وإنشاء كما سبق تقريره، والجمع بين الإضافتين على النحو الذي قاله ابن برهان زيادة خبط في المسألة؛ لأنه جمع بين مختلفين في الذات والحقيقة، وهذا ينافي الدقة ويجلب الغموض ويزيد الإيهام.--------------------------------------------
(1) الغزالي، شفاء الغليل، ص 537 - 539 مع حذف ما لا حاجة إليه.
(2) هو أحمد بن علي بن محمد الوكيل الشافعي البغدادي، درس في النظامية ودرّس فيها وكان يضرب به المثل في حدة الذكاء، له «الوجيز»، و «الأوسط» و «الوصول إلى الأصول» في أصول الفقه. انظر: د. عبد الحميد أبو زنيد، مقدمة الوصول إلى الأصول، ط 1، مكتبة المعارف، الرياض، ص 9 وما بعدها.
(3) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 104، 105.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
وتابع ابنَ برهان على ذلك أبو المظفر بن السمعاني(1)، المتوفى سنة 562 هـ، فقرر - كابن برهان - أن الحكم في محله ثابت بالنص والعلة جميعًا(2).
وبعد ذلك جاء فخر الدين الرازي، المتوفى سنة 606 هـ ليعيد المسألة إلى حقيقتها من جديد، وليقرر ما قرره الغزالي من قبل: أن الخلاف في ثبوت الحكم في محله هل هو بالنص أو العلة: لفظي انبنى على المأخذ في تعريف العلة فقال: «اختلفوا في أن الحكم في مورد النص ثابت بالنص، أو بعلة النص، فقالت الحنفية: لا يمكن ثبوته بالعلة، لأن الحكم معلوم والعلة مظنونة، والمظنون لا يكون طريقًا إلى المعلوم، وأصحابنا جوّزوه، والخلاف لفظي؛ لأنا نعني بالعلة هاهنا أمرًا مناسبًا يغلب على الظن أنّ الشرع أثبت الحكم لأجله، وذلك ممّا لا يمكن إنكاره»(3).
ومن ثم جاء الآمدي، المتوفى سنة 631 هـ، وكذلك ابن الحاجب، المتوفى سنة 646 هـ، ليؤكدا ما قاله الرازي من لفظية الخلاف في المسألة(4).
واستقر حال المسألة على هذا الوضع الذي قرره المحققون - الرازي والآمدي وابن الحاجب - إلى أن جاء ابن السبكي، المتوفى سنة 771 هـ، ليقرر - من جديد - أن الخلاف في ثبوت الحكم في محله هل هو بالعلة أو النص: خلاف معنوي لا لفظي قائلًا: «نحن معاشر الشافعية لا نفسّر العلة بالباعث--------------------------------------------
(1) هو منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي الحنفي ثم الشافعي، مفسر من علماء الحديث من أهل مرو مولدًا ووفاةً كان مفتي خراسان له تفسير السمعاني والانتصار لأهل الحديث والقواطع في أصول الفقه والاصطلام في الرد على الدبوسي وهو جدّ السمعاني صاحب الأنساب.
(2) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 105.
(3) الرازي، المحصول، ج 2، ص 407.
(4) انظر: الآمدي، الإحكام، ج 3، ص 358 وقد سبق نقله آنفًا وابن الحاجب، منتهى الوصول، ص 178.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
أبدًا وإنما نفسّرها بالمعرف، ونشدّد النكير على من يفسّرها بذلك؛ لأن الربّ تعالى لا يبعثه شيء على شيء، ومن عبّر عنها من الفقهاء بالباعث أراد أنها باعثة للمكلّف على الامتثال نبّه عليه أبي، رحمه اللَّه تعالى»(1)، وجعل من ثمرة الخلاف جواز التعليل بالعلة القاصرة وعدمه(2)، فقذف بذلك المسألة إلى ملتطم بحر الخلاف بعد أن استقرت على شاطئ الوفاق.
وهو في تقريره هذا لم يأت بما يستحق إعادة النظر في المسألة؛ إذ إن قوله: «نحن معاشر الشافعية … الخ» مخالفة للصواب وللواقع:
أما مخالفته للصواب؛ فلأن الفرار من تفسير العلة بالباعث إنما هو تأثر بمذهب الأشعري في الكلام حيث نفى تعليل أفعاله سبحانه وتعالى وهو: إما خطأ، وإما أنه قصد به نفي وجوب تشريع الأحكام وفق العلل عليه، سبحانه وتعالى، وقد سبق تقرير القول في هذا الشأن عند الحديث عن تعريف العلة.
وأما مخالفته للواقع؛ فلأن القول بأن الشافعية - هكذا بإطلاق - لا يفسّرون العلة بالباعث عار عن الدقة؛ إذ إن كتبهم تعج بتعريف العلة بالباعث والداعي ونحوها من العبارات(3)، ولذلك قال الأنصاري بعد نقله كلام ابن السبكي آنف الذكر: «ما ذكره مخالف لسائر كتب الشافعية فإنهم متفقون على العلة الباعثة فافهم»(4).--------------------------------------------
(1) انظر: تاج الدين السبكي، جمع الجوامع، دار الكتب العلمية، بيروت ج 2، ص 274، والأنصاري، فواتح الرحموت، ج 2، ص 293.
(2) انظر: تاج الدين السبكي، جمع الجوامع، دار الكتب العلمية، بيروت ج 2، ص 274، والأنصاري، فواتح الرحموت، ج 2، ص 293.
(3) انظر: الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 346، والآمدي، الإحكام، ج 3، ص 289 والزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 113.
(4) الأنصاري، فواتح الرحموت ج 2، ص 293.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
وما اعتذر به السبكي الوالد عمّن عرف العلة بالباعث من الشافعية بأنه قصد بذلك أن العلة باعثة للمكلف على الامتثال، فهو أبعد ما يكون عن الصواب؛ بدليل أن الغزالي، وهو أحد من أطلق لفظ «الباعث» على العلة، صرّح بأنها باعثة للشرع، حيث قال: «إنا لا نعني بالعلة إلا باعث الشرع على الحكم»(1) وهذا صريح في أن فقهاء الشافعية لا يعنون بالبعث بعث المكلف على الامتثال - كما ادعاه السبكي - وإنما بعْث الشارع على الحكم؛ ولذا قال العطار(2) منتقدًا كلام السبكي آنف الذكر: «هذا أمر مخترع لوالد المصنف لا معنى له، لأن البعث للحاكم على شرع الحكم أي إظهار تعلقه بأفعال المكلفين»(3).
وأما الثمرة الخلافية التي رتبها ابن السبكي على هذه المسألة - وهي مسألة جواز التعليل بالعلة القاصرة وعدمه - فمِمّا لا يُفرح به، وذلك لأنه قد سبق بيان أن الخلاف في صحة العلة القاصرة - كهو في هذه المسألة تمامًا - لفظي لا أكثر.
وبعد السبكي جاء الزركشي، المتوفى سنة 794 هـ، ليؤكد مرة أخرى أن الخلاف في هذه المسألة معنوي لا لفظي، ثم لينقل لنا عن الأبياري(4) شارح--------------------------------------------
(1) الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 346.
(2) هو حسن بن محمد بن محمود، من علماء مصر وأصله من المغرب ومولده ووفاته بالقاهرة، تولى مشيخة مصر سنة 1246 هـ، إلى أن توفي سنة 1250 هـ، له حواشٍ في العربية والمنطق والأصول أكثرها مطبوع، انظر: الزركلي، الأعلام، ج 2، ص 220.
(3) العطار، حاشيته على جمع الجوامع، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 2، ص 275.
(4) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل الصنهاجي التلكاني المالكي، عرف بالأبياري، له شرح على البرهان اسمه «التحقيق والبيان في شرح البرهان» لم يطبع توفي سنة 616 هـ، انظر: ابن فرحون، الديباج المذهب في تراجم أعيان المذهب، طبع القاهرة، 1351 هـ، ج 2، ص 121.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
«البرهان» ثمرة جديدة ترتبت على الخلاف في هذه المسألة فقال: «والتحقيق أن الخلاف معنوي وله أصل وفرع: أما أصله فيرجع إلى تفسير العلة … وأما فرعه فالخلاف في جواز التعليل بالقاصرة … وذكر الأبياري في شرح البرهان من فوائد الخلاف: تحريم قليل النبيذ وكثيره كالخمر عندنا وعندهم [يعني الحنفية] لا يحرم إلا القدر المسكر بخلاف الخمر فإن حرمة الخمر ثابتة بالنص، وهو عام يشمل قليله بعلة الإسكار، وحرمة النبيذ والفرع ثابت بعلة الأصل وهي الإسكار فلا بد من وجودها فلا يحرم منه قدر لا يسكر»(1) هذا هو ما في النسخة المطبوعة من البحر المحيط والذي يظهر أن في الكلام سقطًا، لكنه مع ذلك واضح في الدلالة على المقصود، ويمكن توضيحه أكثر بما يلي:
الحنفية يحرمون الخمر - وهو المتخذ من العنب - قليله وكثيره أسكر أو لم يسكر؛ وذلك نظرًا لأن حرمة الخمر ثبتت بالنص، وهو عام يشمل القليل والكثير، أما الأنبذة الأخرى المتخذة من غير العنب فلا يحرمون منها إلا القدر المسكر، بينما يرون القليل الذي لا يسكر مباحًا، وذلك نظرًا لأن حرمة هذه الأنبذة ثبتت عندهم بالقياس على الخمر بعلة الإسكار، وما دامت العلة هي الإسكار فلا يحرم إلا قدْرٌ يُسكِر(2).
وإذن فقد اختلف الحكم عند الحنفية ما بين الأصل، وهو الخمر، وما بين الفرع، وهو النبيذ، وذلك نتيجة لاختلاف وسيلة إثبات الحكم في كل من المحلين: الخمر والنبيذ، حيث إن ثبوته في الخمر كان بوَساطة النصّ بينما كان ثبوته في النبيذ بوَساطة العلة، والنص عام فيقتضي شمول حكم التحريم لقليل--------------------------------------------
(1) الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 105.
(2) انظر: ابن الهمام، شرح فتح القدير، ج 5، ص 305 والجصاص، أحكام القرآن، ج 4، ص 122. وهذا هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وخالفهم محمد فوافق الجمهور.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)
الخمر وكثيره، والعلة لا تقتضي شمول حكم التحريم لقليل النبيذ الذي لا يسكر، وذلك لأنها - وهي الإسكار - لا تتحقق فيه وإنما تقتضي فقط حرمة القدر المسكر نظرًا لتحققها فيه.
وعليه، فلو كان الحنفية يقولون بأن الحكم في الأصل - وهو الخمر - ثبت بالعلة لا بالنص كما هو شأن النبيذ لوجب أن يكون الحكم في الخمر والنبيذ كليهما واحدًا، وهو حرمة القدر المسكر فقط وحِلُّ القدر الذي لا يسكر، لكنهم لما قالوا بأن الحكم في الأصل يثبت بالنص وفي الفرع بالعلة فرقوا بين الأمرين؛ لأن مقتضى النص العموم، أما العلة فمقتضاها التخصيص بالمسكر فقط.
هذا - واللَّه أعلم - ما أراده الأبياري بذكره هذه الفائدة من فوائد الخلاف، وهي فائدة - كغيرها مما سبق ذكره - متوهمة وغير صحيحة، وذلك لوجهين:
الأول: هو أن الجمهور بما أنهم قالوا بأن الحكم يثبت في الأصل بالعلة لا بالنص بخلاف الحنفية فالواجب أن لا يحرم عندهم قليل الخمر الذي لا يسكر، وذلك لأن علة الإسكار - وهي ما ثبت بها حكم تحريم الخمر عندهم - غير متحققة فيه، وهذا ما لا تجدهم يذهبون إليه، فدل ذلك على أن مبنى الخلاف في هذه المسألة ليس هو ما ذُكر من الخلاف في ثبوت الحكم هل هو بالعلة أو النص كما هو مدّعى الأبياري، ويؤكد هذا أن هناك من الشافعية من يوافق الحنفية في أن الحكم يثبت في محله بالنص لا بالعلة(1)، ومع ذلك فهم يحرّمون قليل النبيذ وكثيره بخلاف الحنفية.--------------------------------------------
(1) سبق قبل أوراق ذكر أن للشافعية وجهين في هذه المسألة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
والوجه الثاني: هو أنه من الخطأ استخلاص قاعدة من قواعد الأصول لمذهب من المذاهب من خلال فرع أو أكثر من فروع الفقه، إلا أن تبلغ هذه الفروع من الكثرة والسلامة من النقد، بحيث يغلب على الظن أن المجتهد يسير في هذه الفروع على نمط واحد وقاعدة مطردة، وهذا ما لا يوجد هاهنا، حيث إن هذا الفرع - وهو حكم قليل النبيذ - الذي خُرّج على الخلاف فيما يثبت به حكم الأصل هل هو العلة أم النص؟ فضلًا عن كونه واحدًا، فإنه لا يسلم من النقد بحيث يمكن حمل الخلاف فيه على محمل أو محامل أخر - سواء عند أبي حنيفة، رحمه الله، أو عند الجمهور - غير محمل الخلاف في أنه هل يثبت حكم الأصل بالنص أو العلة.
فأما عند أبي حنيفة فيمكن أن يقال: إن حرمة قليل الخمر وكثيرها ثبتت عنده لعلتين وهما: الإسكار والنجاسة - وأبو حنيفة ممن يقول بنجاسة الخمر(1) - فإن انتفت علة الإسكار في قليل الخمر فقد بقيت علة النجاسة، وهي تستقل بتحريم القليل كالكثير تمامًا، أما حرمة النبيذ فهي ثابتة، بعلة الإسكار فقط فيحرم الكثير دون القليل لخلوّ القليل من العلة المحرِّمة.
ويمكن أن يقال: إن هذا كله لم يكن دائرًا في ذهن أبي حنيفة عندما حكم في النبيذ، بل الذي دفعه إلى مثل هذا الحكم هو تعارض الأخبار والآثار في هذه المسألة، كما يُلحظ ذلك من خلال الاطلاع على ما استدل به الحنفية والجمهور، كلٌّ على صحة مذهبه من أخبار وآثار، فرأى أبو حنيفة أن الجمع بين هذه الآثار وبين آية تحريم--------------------------------------------
(1) انظر: ابن الهمام، شرح فتح القدير، ج 1، ص 196 وعبد اللَّه الموصلي الحنفي، الاختيار لتعليل المختار، دار الأرقم، بيروت، ج 1، ص 45، 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)
الخمر لا يكون إلا على هذا النحو، لا سيما أن بعض الآثار التي يذكرها الحنفية توضح أن بعض الصحابة قد شرب من قليل النبيذ الذي لا يسكر(1).
وأما عند الجمهور فيمكن أن يقال بأن مأخذهم في قولهم بحرمة قليل النبيذ يحتمل محلين:
الأول: - وهو الأغلب على الظن - النصوص مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"(2) وقوله "ما أسكر كثيره فقليله حرام"(3)، وغير ذلك من النصوص.
والثاني: وجود علة محرِّمة في القليل من النبيذ غير الإسكار، وهي أن قليله يدعو إلى كثيره أو لأن القليل الذي لا يسكر لا ينضبط بل يختلف باختلاف الأشخاص فحسم فيه الباب، وهذه العلل تستقل بالتحريم واللَّه أعلم.
فإذا تقرر ما سبق كله، فإنه لا يمكن الادعاء بأن الخلاف في حكم قليل النبيذ هو ثمرة من ثمار الخلاف في مسألة ثبوت الحكم في المحل هل هو بالعلة أو النص، لا سيما مع وجود ما ذُكر من احتمالات في محمل الخلاف في المسألة.
ومن ثَمَّ يعود الخلاف في ثبوت الحكم في المحل هل هو بالعلة أو النص إلى اللفظ فحسب كما قرره المحققون من أصوليي الشافعية كالغزالي والرازي--------------------------------------------
(1) انظر: ابن الهمام، شرح فتح القدير، ج 5، ص 305 وما بعدها والجصاص، أحكام القرآن، ج 4، ص 122 وما بعدها.
(2) مسلم، الصحيح، حديث رقم (2003)
(3) الترمذي، السنن، تحقيق أحمد شاكر، دار الفكر، بيروت 1408 هـ، ج 4، ص 258، وقال حسن غريب. وأبو داود، السنن، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، ج 3، ص 327.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
والآمدي، ولا يُغبِّر على تقريرهم هذا ما أثاره السبكي والزركشي والأبياري من زوبعات مصطنعة سرعان ما انكشفت عن غير طائل.
ثانيًا: استعراض المسألة في كتب أصوليي الحنفية:
أقدم من وجدته يذكر هذه المسألة من الحنفية أبو الحسن الكرخي(1)، المتوفى سنة 340 هـ، وذلك أثناء حديثه عن العلة القاصرة فقال، رحمه الله: «الأصل أن النص يحتاج إلى التعليل بحكم غيره لا بحكم نفسه»(2)، وهذه هي مسألة العلة القاصرة، ثم قال موضحًا ذلك ومعللًا له:
«وذلك أن الحرمة في الأشياء الستة التي في قول النبي صلى الله عليه وسلم: الحنطة بالحنطة .. الخ(3) ثابتة بعين النص لا بالمعنى وفي سائر المكيلات والموزونات بالمعنى وهو القدر مع الجنس»(4)، ثم جاء من بعده تلميذه أبو بكر الجصاص، المتوفى سنة 370 هـ، مؤكدًا ذلك بقوله:
«إن علة تحريم التفاضل في الأرز، أنه مكيل جنس، قياسًا على البر، وليس هذا الحكم موجَبا في البر بهذه العلة؛ لأن البر إنما وجب فيه هذا الحكم بالنص لا بهذا المعنى، إذ كان دخوله تحت النص مغنيًا عن تعليله لإيجاب حكمه،--------------------------------------------
(1) هو أبو الحسن عبيد اللَّه بن الحسين بن دلال الكرخي، انتهت إليه رئاسة الحنفية بعد القاضي أبي حازم وأبي سعيد البردعي، يعد في طبقة عالية من أصحاب أبي حنيفة معدودًا من المجتهدين القادرين على حل المسائل التي لا نص فيها، له رسالة في الأصول وشرح الجامع الكبير والجامع الصغير و غيرها، أه، من مقدمة رسالته في الأصول.
(2) أبو الحسن الكرخي، رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية، دار ابن زيدون، بيروت، ص 171.
(3) وهو حديث ربا الفضل المشهور: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد" أخرجه مسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(4) أبو الحسن الكرخي، رسالة في الأصول التي عليها مدار فروع الحنفية، ص 172.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
وإنما اقتضبنا هذا الاعتلال للفرع الذي ليس بمنصوص عليه ألا ترى أنه لولا الفرع لكان ذكر هذا الاعتلال لغوًا»(1).
والذي يظهر أن قضية ثبوت الحكم في المحل هل هو بالنص أو العلة ظلت - ومنذ نشوئها عند الحنفية - تُبحث كجزء من مسألة العلة القاصرة - كما هو واضح من صنيع الجصاص وشيخه الكرخي - إلى أن جاء أبو زيد الدبوسي، المتوفى سنة 430 هـ، فأفرد المسألة بالذكر واستدل لها وكان مما قال: «الحكم في محل النص يثبت بالنص وفيما عداه من الفروع بالعلة» واحتج لذلك قائلًا «الحكم في محل النص ليس يخلو إما أن يكون ثابتًا بالنص أو بالعلة أو بهما، لا يجوز أن يقال ثبت بالعلة لأن العلة مظنونة فيكون حكمها مظنونًا والنص مقطوع به فكيف نضيف الحكم إلى أمر مظنون ونقطعه عن أمر مقطوع به، ولا يجوز أن يقال: ثبت بهما، فإن كون الحكم ثابتًا بالنص يقتضي أن يكون مقطوعًا به، وكونه ثابتًا بالعلة يقتضي أن يكون مظنونًا مقطوعًا به في حالة واحدة بالإضافة إلى شخص واحد، فدل على أنه يثبت بالنص قطعًا»(2).
ولم يرتض أبو الفتح ابن برهان كلام الدبوسي هذا فقال عقب إيراده: «وطريق الجواب عنه أن نقول: الحكم ثبت بطريق مقطوع به عندنا وهو النص، ولكن العلة هي التي دعت صاحب الشرع إلى الحكم بظنونه، فنحن نقطع على الحكم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ونظن أن العلة هي الداعية لصاحب الشرع إلى الحكم، فالظن يرجع إلى غير ما رجع إليه القطع، بل هما أمران--------------------------------------------
(1) سميح أحمد خالد أسعد، تحقيق الجزء الثاني من الفصول في الأصول من أوله إلى نهاية باب القياس، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، 1403 هـ، ج 3، ص 895.
(2) نقله عنه: ابن برهان، الوصول إلى الأصول، تحقيق د. عبد الحميد أبو زنيد، ط 1، مكتبة المعارف، الرياض، 1404 هـ، ج 2، ص 274 - 275.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
مختلفان، وذلك أننا نظن أنها المثبتة للحكم عند اللَّه تعالى، فلا تناقض بينهما»(1).
وبعد أبي زيد جاء البزدوي، المتوفى سنة 482 هـ، فتابعه على مقالته(2)، وكذلك فعل السرخسي، المتوفى سنة 490 هـ(3).
وبعد هؤلاء برز توجه جديد لبعض الحنفية في هذه المسألة على يد علاء الدين السمرقندي الحنفي(4)، المتوفى سنة 539 هـ، وهو أحد من أخذ عن البزدوي، حيث رجح أن الحكم في محله يثبت بالعلة لا بالنص على النقيض مما قرره من سبق من الحنفية، والمثير في الأمر أن السمرقندي لم يذكر أن ثبوت الحكم في المحل بالعلة مذهبًا له فحسب، بل نسبه إلى مشايخ سمرقند كلهم وعلى رأسهم الإمام أبي منصور الماتُريدي، رحمه الله(5).
فقال، رحمه الله: «من شرائط صحة القياس أن يكون الحكم في المنصوص عليه ثابتًا بالوصف الذي جُعل علة حتى يثبت مثل ذلك الحكم في غير المنصوص عليه لوجود مثل ذلك المعنى، أما متى لم يكن الحكم في الأصل ثابتًا بالعلة فكيف يثبت في الفرع بمثله وهذا على قول مشايخ سمرقند، وهو قول الإمام الأجل أبي منصور الماتريدي، رحمه الله، وهو قول الشافعي، رحمه الله.--------------------------------------------
(1) ابن برهان، الوصول إلى الأصول، ج 2، ص 275.
(2) انظر: البزدوي، أصول البزدوي، ج 3، ص 316.
(3) السرخسي، أصول السرخسي، ج 2، ص 160.
(4) هو محمد بن أحمد السمرقندي أبو منصور، فقيه حنفي من أهل سمرقند من كتبه المشهورة «تحفة الفقهاء» في فروع الحنفية، انظر: الزركلي، الأعلام، ج 5، ص 318.
(5) هو محمد بن محمد بن محمود من أئمة علم الكلام نسبته إلى ما تريد محلة بسمرقند، من كتبه: التوحيد، ومآخذ الشرائع في أصول الفقه توفي سنة 333 هـ، انظر: الزركلي، الأعلام ج 7، ص 19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وقال مشايخ العراق: هذا ليس بشرط، والحكم في النص لا يثبت بالعلة بل بعين النص، ولكن الوصف في الأصل جُعل علمًا على كونه علة للحكم في الفرع»(1)، وأفاض بعد ذلك في الاستدلال لقوله والرد على أقوال المخالفين(2).
وبعد ذلك، وفي القرن الثامن الهجري، ظهر شرح عبد العزيز البخاري، المتوفى سنة 730 هـ، على أصول البزدوي فتعرض للمسألة ونصر قول مشايخ العراق بأن الحكم في المحل يثبت بالنص لا بالعلة(3).
أما صدر الشريعة، المتوفى سنة 747 هـ، فقد ذكر في «متن التنقيح» أن الحكم في الأصل ثابت بالنص لكنه - على خلاف عادته في مثل هذه المواضع - لم يتعرض لتفصيل القول في ذلك في شرحه المسمى بالتوضيح(4).
وفي القرن التاسع الهجري ظهر الإمام المحقق الكمال بن الهمام، المتوفى سنة 861 هـ، ليكون - واللَّه أعلم - أول من تنبه من الحنفية لحقيقة الخلاف في هذه المسألة وذلك أنه عائد إلى اللفظ لا إلى المعنى فقال: «والخلاف في كونه [أي حكم الأصل] ثابتًا بالعلة عند الشافعية وبالنص عند الحنفية لفظي، فمراد الشافعية [بثبوت الحكم بالعلة] أنها الباعثة عليه ومراد الحنفية [بثبوت الحكم بالنص] أنه المعرف [له]»(5).--------------------------------------------
(1) السمرقندي، الميزان، ص 636.
(2) المرجع السابق، ص 636 - 640.
(3) انظر: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ج 3، ص 316.
(4) صدر الشريعة، عبيد اللَّه بن مسعود، شرح التوضيح على التنقيح، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 2، ص 66.
(5) ابن الهمام، التحرير، ج 3، ص 295.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
وبعد ابن الهمام جاء صاحب مسلم الثبوت محب اللَّه بن عبد الشكور، المتوفى سنة 1119 هـ، فسار سير ابن الهمام وقرر كذلك بأن الخلاف في المسألة لفظي لا معنوي(1).
وهكذا انتهت هذه المسألة عند الحنفية إلى الوفاق لا الخلاف، لكن انتهاءها إلى هذا الوضع كان متأخرًا بالقياس إلى الوقت الذي انتهت فيه عند المحققين من الشافعية.--------------------------------------------
(1) محب اللَّه بن عبد الشكور، مسلم الثبوت، ومعه شرحه فواتح الرحموت، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 2، ص 293.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
المبحث الثاني
التعريف بعملية «تأثير تعليل النص على دلالته»
وسيكون ذلك في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الأثر الذي يلقيه تعليل النص على دلالته
المطلب الثاني: سبب وكيفية تأثير تعليل النص على دلالته
المطلب الثالث: مجال تأثير تعليل النص على دلالته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
المطلب الأول
الأثر الذي يلقيه تعليل النص على دلالته
وهذا الأثر يتلخص - ببساطة - في إفضاء التعليل:
إما إلى تأكيد المعنى الظاهر للنص وتقويته.
وإما إلى توهينه وصرف النص من الدلالة عليه إلى الدلالة على المعنى المؤول.
هذا إذا كان للنص معنيان ظاهرٌ ومؤول، أما إذا لم يكن له ذلك بأن كان مجملًا - مشتركًا - فأثر التعليل هاهنا هو في الإفضاء إلى ترجيح أحد معنييه على الآخر.
وعليه فأثر التعليل على النص ثلاثة أنواع:
أحدها: تقوية المعنى الظاهر.
والثاني: تقوية المعنى المؤول.
والثالث: ترجيح أحد معاني المشترك.
وفيما يلي ثلاثة أمثلة لتوضيح هذه الأنواع:
المثال الأول: أثر التعليل في تقوية المعنى الظاهر:
قال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ … } [الأحزاب: 53].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)