Arabic source text

📘 আসারু তালীিলন নাসসি আলা দালালাতিহি (আয়মান সালিহ)

📘 أثر تعليل النص على دلالته (أيمن صالح)

📘 আসারু তালীিলন নাসসি আলা দালালাতিহি (আয়মান সালিহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وهل اجتهاد عمر رضي الله عنه هذا إلاّ من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علّته كما قاله غير واحد من الأصوليين(1)؟
فالجواب: نعم هو من قبيل انتهاء الحكم لانتهاء علّته، وهذا لا ينفي القول بأنه من قبيل صرف النص عن ظاهره بالتعليل أو - بعبارة أدق - من قبيل تخصيص عموم النص بالعلة المستفادة منه، إذ الأمران سِيان وإنما الخلاف في وُجهة التعبير.
وظاهر النص الذي أثّرت عليه العلة هو العموم المعنوي القاضي بأن النصوص الشرعية - ومنها آية مصارف الصدقات - عامة في الأزمان والأحوال والأماكن واجبة التطبيق في كل عصر وحال ومكان إلا ما دلّ الدليل على تخصيصه. قال الزركشي رحمه الله: «مما عُرف بالضرورة من دينه عليه السلام: أن كل حكم تعلّق بأهل زمانه فهو شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة»(2).
فعمر رضي الله عنه بعد وقوفه على علّة النص خصص بها هذا العموم فرأى أن تطبيق الآية خاص بحال ضعف الأمة دون حال قوتها مع أن النص - بظاهره - خالٍ عن مثل هذا القيد، مقتض لتطبيق الحكم في كافة الظروف.
ويمكن، لمزيد من التوضيح، القول بأن اجتهاد عمر رضي الله عنه في هذه الواقعة يتحلَّل إلى خطوتين:
الأولى: استنباط علة حكم إعطاء المؤلفة قلوبهم من الصدقة.
الثانية: المواءمة بين مقتضى هذه العلة وبين مقتضى عموم النص في التطبيق مما أفضى به إلى تخصيصه وتقييده بحال دون أخرى وزمن دون آخر.--------------------------------------------
(1) انظر: عبد العلي الأنصاري، فواتح الرحموت، ج 2، ص 84، وابن الهمام، شرح فتح القدير، ج 2، ص 260.
(2) الزركشي البحر المحيط، ج 3، ص 184، وانظر: صلاح الدين العلائي الكيكلدي، تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، ط 1، تحقيق ونشر د. عبد اللَّه آل الشيخ، 1403 هـ، ص 339.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)

وبناء على ذلك يمكن القول بأن د. البوطي نأى عن الصواب في تكييفه اجتهاد عمر رضي الله عنه في هذه الواقعة بأنه من قبيل: «تحقيق المناط» إذ قال: «ولقد كان اجتهاد عمر في هذا متعلّقًا بتحقيق المناط، فلقد رأى أن الإسلام وصل شأنه إلى القمة في القوة والمنعة، سواء من الناحية المعنوية المتعلقة بسطوع حجته وبرهانه، أو من الناحية المادية المتعلقة بكثرة أهله وانتشاره.
أفلا يزال مناط حق الوافدين جديدًا إلى الإسلام في الزكاة متحققًا بعد؟ وهو كما قلنا حاجة التودد إليهم كي لا يندّوا عن الإسلام بعد أن دخلوا فيه. ومعلوم أن الاجتهاد المتعلق بتحقيق مناط الحكم لا علاقة له بأمر النص وإنما هو استجلاء لحقائق الأشياء وإدراكها على ما هي عليه لتعلق حكم شرعي بها، كاستجلاء حقيقة البلوغ في الصبي وتعيين المثلي لضمان المتلَف ولذلك قال الشاطبي: «إن الاجتهاد في تحقيق المناط لا يفتقر إلى العلم بمقاصد التشريع كما أنه لا يفتقر إلى علم العربية لأن المقصود من هذا الاجتهاد العلم بالموضوع على ما هو عليه»(1)»(2).
والحق أن اجتهاد عمر رضي الله عنه كما سبق بيانه - ليس هو من قبيل «تحقيق المناط» الذي هو عمل تنفيذيٌ آلي محض، فحسب، بل هو من قبيل تخريج المناط باستنباط العلة أولًا.
ومن ثم النظر في تحقيق هذا المناط المستنبط في واقع الحال ثانيًا.
وإلا كيف يمكن السماح لمن ليس عنده علم بمقاصد الشارع ولا باللغة بأن يقدم على مثل اجتهاد عمر هذا؟!.--------------------------------------------
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 4، ص 89 وما بعدها.
(2) البوطي، ضوابط المصلحة، ص 130.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)

‌‌المثال الثاني: جعل الدية على أهل الديوان (1) :
قضى النبي صلى الله عليه وسلم بأن الدية على العاقلة، وهم عشيرة القاتل، وعلى ذلك جرى الأمر في عهد أبي بكر رضي الله عنه، حتى إذا جاء عهد عمر رضي الله عنه، ودون الدواوين، جعل الدية على أهل الديوان، قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله: «أجمع أهل السير والعلم بالخبر أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك حتى جعل عمر الديوان»(2)، وهذا الفعل من عمر رضي الله عنه لم يكن نسخًا للحكم «بل هو تقرير معنى، لأن العقل كان على أهل النصرة، وقد كانت بأنواع: بالقرابة والحلف والولاء والعهد. وفي عهد عمر رضي الله عنه قد صارت بالديوان فجعلها على أهله اتباعًا للمعنى ولهذا قالوا: لوكان اليوم قوم تناصرهم بالحرف فعاقلتهم أهل الحرفة»(3).
إذن فاجتهاد عمر رضي الله عنه في هذه الواقعة، كهو في «المؤلفة قلوبهم»، تعليلٌ للنص القاضي بإيجاب الدية على العاقلة بأن وجوبها عليهم كان لأجل معنى التناصر فيما بينهم.
ومن ثم تخصيص للعموم التطبيقي لهذا النص القاضي باستغراق حكم وجوب الدية على العاقلة كافة الأزمنة والأمكنة والأحوال بذلك التعليل.--------------------------------------------
(1) الديوان: الجريدة: من دوّن الكتب إذا جمعها لأنها قطع من القراطيس مجموعة ويروى أن عمر رضي الله عنه أول من دوّن الدواوين: أي رتب الجرائد للولاة والقضاة، ويقال: فلان من أهل الديوان: أي ممن أُثبت اسمه في الجريدة لاستحقاقه العطاء. انظر: البابرتي: أكمل الدين محمد بن محمود الحنفي، شرح العناية على الهداية، المطبوع بذيل شرح فتح القدير، دار الفكر، بيروت، ج 10، ص 395.
(2) ابن عبد البر النمري، الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار، ط 1، دار الوغى، حلب والقاهرة، 1414 هـ، ج 25، ص 221، وسيشار له: ابن عبد البر: الاستذكار.
(3) المرغيناني: برهان الدين علي بن أبي بكر الحنفي، الهداية شرح البداية، وبذيله شرح فتح القدير، دار الفكر، بيروت، ج 10، ص 395 وسيشار له: المرغيناني، الهداية. أفاده شلبي، تعليل الأحكام، ص 42.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)

‌‌المثال الثالث: سكنى المطلقة ثلاثًا:
عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت: "طلقني زوجي ثلاثًا فلم يجعلْ لي رسول صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة"(1)، وفي رواية: "قلت: يا رسول اللَّه زوجي طلقني ثلاثًا وأخاف أن يقتحم علي فأمرها فتحولت"(2).
الآخذ بظاهر هذا الحديث يحكم - بلا بدّ - بأن المطلقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة بعد الطلاق، وليس بضائر هذا الأخذ أن حديث فاطمة واقعة عين لأنهم أجمعوا على أن قضاء النبي صلى الله عليه وسلم على شخصٍ أو عين يأخذ حكم العموم شرعًا من حيث شموله كافة المكلفين في كافة الأزمان. قال القاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله: «إذا حكم صلى الله عليه وسلم في حادثة بين نفسين كان واجبًا على كل أحد أن يُحكم عليه بمثل تلك الحادثة وهذا لا أعلم فيه خلافًا»(3).
إذن، فالظاهر العموم إلا أن يرد دليل على التخصيص، وهو في هذه الواقعة لم يرد صراحة، إلا أن السيدة عائشة رضي الله عنها خصصت هذا العموم بالتعليل، إذ قد روى البخاري عن عروة بن الزبير أنه قال لعائشة: "ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت. فقالت: بئسما صَنَعتْ. فقال: ألم تسمعي إلى قول فاطمة؟ فقالت: أما إنه لا خير لها في ذلك" وزاد بعضهم: "عابت عائشة ذلك أشدّ العيب، وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش فخِيفَ على ناحيتها فلذلك أرخص لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"(4).--------------------------------------------
(1) مسلم، الصحيح، حديث رقم (3700).
(2) مسلم، الصحيح، حديث رقم (3702).
(3) نقله عنه الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 190.
(4) البخاري، الصحيح، حديث رقم (5326).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)

إذن، فإرخاص النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بالخروج من بيت مطلِّقها كان لعلّة وقفت عليها السيدة عائشة فلم تحكم بعموم قضائه صلى الله عليه وسلم على فاطمة بأن لا سكنى لها ولا نفقة كما هو الظاهر بل رأت أن هذا القضاء خاص بفاطمة أو بمن هي في حالتها وليس هو عامًا في جميع المطلقات ثلاثًا.
وإلى هذا الرأي الذي ذهبت إليه عائشة ذهب الجمهور من الفقهاء(1)، وهو ظاهر صنيع البخاري إذ قال: «باب المطلقة إذا خُشي عليها في مسكن زوجها أن يُقتحم عليها أو تبذوَ على أهلها بفاحشة»(2). أي فلا سكنى لها.

‌‌المثال الرابع: فسخ الحج إلى عمرة:
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال: فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال: اجعلوا حجكم عمرة، قال: فقال الناس: يا رسول اللَّه قد أحرمنا بالحج كيف نجعلها عمرة؟ قال: انظروا ما آمركم به فافعلوا، فردّوا عليه القول، فغضب ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه اللَّه؟ قال: وما لي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا أُتبع"(3).
هذا الحديث هو واحدٌ من أحد عشر حديثًا صحيحًا رويت في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفسخ الحج إلى عمرة(4) وذلك في حجة الوداع.--------------------------------------------
(1) انظر: أبو الوليد بن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الفكر، بيروت، ج 2، ص 71، وسيشار له: ابن رشد، بداية المجتهد.
(2) البخاري، الصحيح، مع شرحه فتح الباري، ج 9، ص 391.
(3) أحمد بن حنبل، المسند، ج 4، ص 286، ابن ماجة القزويني، السنن، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث، ج 2، ص 993.
(4) انظر: ابن الهمام، شرح فتح القدير، ج 2، ص 463.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

والذي يقتضيه ظاهر هذا الأمر هو وجوب فسخ الحج على من أهلّ به مفردًا في كل عصر وأوان، وهذا ما ذهب إليه جمعٌ من أهل العلم(1)، ودافع عنه ابن القيم، رحمه الله، حتى قال: «ونحن نشهد اللَّه علينا أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة تفاديًا من غضب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واتباعًا لأمره»(2).
لكنَّ الجمهور من السلف والخلف على عدم الوجوب بل على عدم جواز الفسخ، وجوابهم عن الأحاديث المروية في الفسخ أنها خاصة بالصحابة رضوان اللَّه عليهم(3).
قال أبو ذر رضي الله عنه فيمن حج ثم فسخها بعمرة: "لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"(4).
وقال عمر رضي الله عنه: "إن اللَّه يحلُّ لرسوله ما شاء فأتمّوا الحج والعمرة كما أمركم اللَّه"(5).
ومن ثم تتابع الخلفاء والصحابة ومن بعدهم على عدم نقض الحج إلى عمرة فعن عروة عن عائشة قالت: " … حج أبو بكر رضي الله عنه فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم عمر رضي الله عنه مثل ذلك، ثم عثمان رضي الله عنه مثل ذلك، ثم معاوية وعبد اللَّه عمر. قال عروة ثم حججت مع أبي الزبير بن--------------------------------------------
(1) المرجع السابق.
(2) ابن القيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، ط 2، مؤسسة الرسالة، بيروت ومكتبة المنار الإسلامية، الكويت، 1401 هـ، ج 2، ص 182.
(3) انظر: الشوكاني، نيل الأوطار، ج 5، ص 54.
(4) أبو داود، السنن، ج 3، ص 161، وهو في صحيح سنن أبي داود للألباني. انظر: صحيح سنن أبي داود، ناصر الدين الألباني، ط 1، المكتب الإسلامي، بيروت، 1409 هـ، ج 1، ص 340.
(5) مسلم، الصحيح، حديث رقم (2939).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)

العوّام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ثم لم تكن عمرة ثم آخر من رأيت يفعل ذلك ابن عمر ثم لم ينقضها عمرة … "(1).
فكيف جاز لهؤلاء كلهم أن يعرضوا عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفسخ؟ وكيف جاز لهم أن يخصوه بالعصر الأول فحسب مع أن عموم النصوص لكل عصر وأوان مما علم من الدين بالضرورة كما قاله الزركشي رحمه الله(2)؟
الذي يظهر أنهم خصصوا هذا العموم بالتعليل، وذلك أنهم ربطوا الأمر بالفسخ بعلة كانت قائمة في العصر الأول ثم انتفت فانتفى معها الحكم، وهي أنهم كانوا في الجاهلية يرونه من أفجر الفجور أن يُعتمر في أشهر الحج فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفسخ إبطالًا لما قام في نفوسهم من هذا الاعتقاد، ثم لمّا زال هذا الاعتقاد من النفوس عاد الحكم إلى أصله وهو وجوب الإتمام وعدم جواز الفسخ عملًا بقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196]؛ لأن الحكم يدور مع علّته وجودًا وعدمًا.
قال ابن الهمام رحمه الله: «سبب الأمر بالفسخ ما كان إلا تقريرًا لشرْع العمرة في أشهر الحج، ما لم يكن مانع سوق الهدي، وذلك أنه كان مستعظمًا عندهم حتى كانوا يعدونها في أشهر الحج من أفجر الفجور فكَسر سَوْرة ما استحكم في نفوسهم من الجاهلية من إنكارها بحملهم على فعله بأنفسهم، يدل على هذا ما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرّم صفرًا،--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1641).
(2) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 184، وقد سبق إيراد قوله أيضًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)

ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر(1) وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول اللَّه. أي الحلّ؟ قال: الحل كلّه"(2)»(3).
فإذا كان ذلك كذلك كانت هذه الواقعة من أكبر المثل على تأثر ظاهر النص بعلته المستفادة منه واللَّه أعلم.

‌‌المثال الخامس: الغسل يوم الجمعة:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم"(4).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل"(5).
وقد أخذ بظاهر هذه الأحاديث جماعة من أهل العلم فأوجبوا الغسل يوم الجمعة(6).
إلا أن ابن عباس رضي الله عنهما بما فقَّهههُ اللَّه في الدين وعلّمه التأويل - له رأي آخر بناه على التعليل، فقد رُوي عنه أنه "سئل عن غسل الجمعة أواجب هو؟--------------------------------------------
(1) إذا برأ الدبر أي إذا شفي ظهر الإبل من الدَّبر وهو ما كان يؤثِّر فيها من الحمل عليها ومشقة السفر، فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحج وعفا الأثر: أي اندرس أثر الإبل وغيرها في سيرها. انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 498.
(2) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1564) ومسلم، الصحيح حديث رقم (2999).
(3) ابن الهمام، شرح فتح القدير، ج 2، ص 464.
(4) البخاري، الصحيح، حديث رقم (879).
(5) البخاري، الصحيح، حديث رقم (877).
(6) انظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج 2، ص 420.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)

فقال: لا ولكنّه أطهر لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس بواجب عليه، وسأخبركم عن بدء الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون، وكان مسجدهم ضيقًا، فلما آذى بعضهم بعضًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا".
قال ابن عباس: "ثم جاء اللَّه بالخير ولبسوا غير الصوف وكُفوا العمل، ووُسّع المسجد"(1).
فالملاحظ في اجتهاد ابن عباس هذا أنه نظر إلى علة الأمر بالغسل، فوجدها ما يترتب على تركه من أذى الناس بعضهم بعضًا، لما كان من ضيق المسجد ولبس الصوف والعمل قبل الصلاة، ومن ثَم انتفت هذه العلة؛ لما جاء اللَّه به من الخير ولم يعد الأذى متحققًا ولو ترك الغسل، لأن الناس لا يلبسون الصوف ولا يعملون قبل الصلاة والمسجد متسع، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم، فأفتى رضي الله عنه بناءً على ذلك بعدم وجوب الغسل.
وإذن فحاصل اجتهاد ابن عباس رضي الله عنهما: أنه تخصيص لعموم الأمر القاضي باستغراق الحكم كافة الأحوال بالتعليل، فمن احتمل أن يؤذي غيره برائحته أو غير ذلك وجب عليه الغسل ومن لا فلا. واللَّه أعلم.

‌‌المثال السادس: سفر المرأة بغير محرم:
روى البيهقي من طريق الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها حدثته "أنها كانت عند عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأُخبرت أن أبا سعيد الخدري يخبر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل للمرأة أن تسافر ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم" فالتفتت عائشة وقالت: ما كلهن لها ذو محرم"(2).--------------------------------------------
(1) أبو داود، السنن، ج 1، ص 97، حديث رقم (353). وقال الحافظ في الفتح [2/ 422]: إسناده حسن.
(2) البيهقي: أحمد بن حسين، معرفة السنن والآثار، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت 1991 م، ج 4، ص 243. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عمرة عن عائشة به وهذا إسناد صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)

والظاهر من أمر عائشة رضي الله عنها أنها اعترضت بقولها "ما كلهن لها ذو محرم" الأخذ بظاهر الحديث.
ولذا فقد روى البخاري عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: "أذن عمر رضي الله عنه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف"(1).
وفي رواية عند غير البخاري "فكان عثمان يسير أمامهن وعبد الرحمن خلفهن"(2)، وفي رواية أخرى "وكان عثمان ينادي: ألا لا يدنو أحد منهن ولا ينظر إليهن، وهن في الهوادج على الإبل، فإذا نزلن أنزلهن بصدر من الشِّعب فلم يصعد إليهن أحد، ونزل عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب"(3).
قال الحافظ بن حجر: «استُدل به على جواز حج المرأة بغير محرم»(4).
والذي فعلته عائشة وغيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل أمرين:
أحدهما: أنهن عصين الأمر النبوي المحرِّم للسفر من غير محرم، وهذا فيه ما فيه حاشاهن من ذلك.
والثاني: أنهن تأولن الحديث كما تأوله غيرهن من العلماء بأن نظروا إلى علّة اصطحاب المحرم فإذا هي حصول الأمن، فرأوه كما يحصل بالمحرم يحصل بغيره، وعليه خصصوا عموم النهي القاضي باستغراق تحريم السفر كافة الأحوال بهذا التعليل فأخرجوا عن العموم حالة الأمن.--------------------------------------------
(1) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج 4، ص 88.
(2) المرجع السابق.
(3) المرجع السابق.
(4) انظر: ابن عبد البر، الاستذكار، ج 13، ص 369.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)

وهذا هو مذهب الإمام مالك والشافعي والأوزاعي وغيرهم من فقهاء الأمصار(1). قال ابن سيرين(2) حين سئل عن سفر المرأة بغير محرم: «رب من ليس بذي محرم خير من محرم»(3).
ونظير ما وقع لعائشة رضي الله عنها وقع لابن عمر رضي الله عنه. إذ إنه وهو أحد رواة الحديث: "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم"(4)، كان يردِفُ مولاة له يُقال لها «صفية» تسافر معه إلى مكة(5).
وقال البيهقي رحمه الله: وروى بكير بن الأشج عن نافع: أنه كان يسافر مع ابن عمر مواليات ليس معهن ذو محرم(6).

‌‌المثال السابع: كراهة القبلة للصائم:
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "إن كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليقبل بعض أزواجه وهو صائم. ثم ضحكت"(7).
دلَّ هذا الحديث بظاهره على إباحة التقبيل للصائم أيًا كان وذلك لأن ما أُبيح له صلى الله عليه وسلم فهو مباح لأمته إلا أن يرد دليل على تخصيصه به صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق.
(2) هو: محمد بن سيرين الأنصاري مولى أنس بن مالك روى عن ثلاثين من الصحابة قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا عاليًا رفيعًا فقيهًا إمامًا كثير العلم وورعًا مات سنة 110 هـ. انظر: المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ط 1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1413 هـ، ج 25، ص 344.
(3) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 13، ص 369.
(4) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1086).
(5) البيهقي، السنن الكبرى، ط 1، دار المعرفة، بيروت، ج 5، ص 226، وقد رواه بإسنادين جيدين.
(6) البيهقي، معرفة السنن والآثار، ج 4، ص 253. وبكير بن الأشج ثقة كما في التقريب ص 128.
(7) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1928).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)

لكن، ومن ثَم قال الأسود بن يزيد: "قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا. قلت: أليس كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يباشر وهو صائم؟ قالت إنه كان أملككم لإربه"(1).
فمن الملاحظ هاهنا أن عائشة رضي الله عنها عارضت عموم ما روت عنه صلى الله عليه وسلم وأفتت بخلافه، وذلك بأن عللت عموم ما روت بعلة تقتضي تخصيص حكم المباشرة بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بمن هو مثله في الثقة بملك نفسه عن الانجرار - بواسطة التقبيل المهيّج للشهوة - إلى الجماع المفسد للصوم.
وهذا المعنى لحظه أيضًا ابن عباس، رضي الله عنهما، فقد سُئل عن القبلة للصائم "فأرخص فيها للشيخ وكرهها للشاب"(2).
لكن الفرق بين اجتهاد ابن عباس وبين اجتهاد عائشة رضي الله عنهما: أن عائشة خصصت عموم إباحة التقبيل بالعلة ذاتها فأباحت التقبيل لكل من وثق بعدم التورط في الجماع وكرهته لمن هو بخلاف ذلك - كما هو مقتضى قولها -.
أما ابن عباس فقد خصص عموم إباحة التقبيل لا بالعلة ذاتها وإنما بمظنتها فأباح القبلة للشيخ لأنه ليس بمظنة للانجراف وراء الشهوة لضعفها لديه وكرهها للشاب لأنه مظنة لذلك.--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1927)، والنسائي، السنن الكبرى، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 2، ص 210، واللفظ للنسائي.
(2) مالك بن أنس، الموطأ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1406 هـ، ج 1، ص 293 وإسناده صحيح.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)

‌‌المثال الثامن: حديث الاحتكار:
عن يحيى بن سعيد قال: كان سعيد بن المسيب يحدِّث أن معمرًا قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من احتكر فهو خاطئ" فقيل لسعيد: فإنك تحتكر؟ قال سعيد: "إنّ معمرًا الذي كان يحدث هذا الحديث كان يحتكر"(1).
في هذا الحديث ذم الاحتكار عمومًا فكيف خالف معمر بن عبد اللَّه وسعيد رضي الله عنهما ما رويا؟
قال النووي رحمه الله: «وأما ما ذكر في الكتاب عن سعيد بن المسيب ومعمر راوي الحديث أنهما كانا يحتكران، فقال ابن عبد البر: إنما كانا يحتكران الزيت وحملا الحديث على احتكار القوت عند الحاجة إليه والغلاء، وكذا حمله الشافعي وأبو حنيفة وآخرون وهو الصحيح»(2).
إذن، فحاصل اجتهاد معمر وسعيد أنه تخصيص لعموم النص بالتعليل وذلك أنهما رأيا أن العلة في النهي عن الاحتكار ليست هي مجرد صورته وإنما ما يترتب عليه من الضرر كغلاء السعر واحتياج الناس، فحيث تحققت العلة ثبت النهي وحيث لم تتحقق انتفى وإن كان في ذلك مخالفة لظاهر النص القاضي باستغراق النهي جميع صور الاحتكار في جميع الأحوال.
ويذكر عن سعيد بن المسيب، رحمه الله، أنه سئل عن وجه احتكاره فقال: «ليس هذا الذي قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، إنما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أن يأتي الرجل السلعة عند غلائها فيغالي بها فأما أن يأتي الشيء وقد اتضع فيشتريه ثم يضعه فإن احتاج إليه الناس أخرجه فذلك خير»(3).--------------------------------------------
(1) مسلم، الصحيح، حديث رقم (4029).
(2) النووي، شرح صحيح مسلم، ج 11، ص 45.
(3) أبو إسحاق الشيرازي، المهذب، ومعه المجموع للنووي، ط 2، مكتبة الإرشاد، جدة، ج 12، ص 122. وقد أسنده البيهقي في سننه الصغير، ج 2، ص 282.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)

قال أستاذنا الدريني معلقًا على كلام ابن المسيب، رحمه الله: «فهذا - كما ترى - ادخار للتوسعة وهو رفق وإحسان لا استغلال فيه ولا إضرار، فلم يتحقق فيه مناط الاحتكار المحرم المنظور إليه من حيث أثره ومآله. وهو وإن اتفق مع الاحتكار صورة لكنه على النقيض منه أثرًا ومآلًا والعبرة بالمآل، لأن التصرفات محكومة شرعًا بنتائجها»(1).

‌‌المثال التاسع: مسافة القصر:
جاء القرآن مرخِّصا بقصر الصلاة وبالفطر في الصيام للمسافر، فقال تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء: 101].
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قصر الصلاة في السفر فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم"(2).
وقال تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185].
ولم يأتِ - كما هو مُلاحظ - عن الشارع الحكيم تحديد للمسافة التي يجوز لقاصدها أن يقصر أو يفطر، وإنما جاءت الأدلة في ذلك مطلقة.
لكنَّ ابن عباس رضي الله عنه وغيره من السلف لم يعملوا بهذا الإطلاق فلم يجيزوا القصر والفطر في مطلق السفر كما هو ظاهر النص، وإنما حددوا ذلك بمسافات معينة.--------------------------------------------
(1) محمد فتحي الدريني، بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1994 م، ج 1، ص 479 بتصرف.
(2) مسلم، الصحيح، حديث رقم (1571).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

قال البخاري رحمه الله: كان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقصران ويفطران في أربعة بُرُد وهي ستة عشر فرسخًا(1).
وعن عطاء قال: سألت ابن عباس رضي الله عنهما: أقصر الصلاة إلى عرفة؟ قال: لا، قلت: إلى منى؟ قال: لا، ولكن إلى جدّة وإلى عسفان وإلى الطائف، فإن قدمت على أهل لك أو ماشية فأتمّ الصلاة(2).
وعلى هذا النهج جرى جمهور الفقهاء من بعد فلم يروا جواز القصر أو الفطر في مطلق السفر وإنما حدّدوا ذلك بمسافات معينة(3).
والباحث عن مستند أصولي لهذا التحديد الوارد عن السلف يجده ظاهرًا في البناء على علة النصوص الواردة بمشروعية القصر والفطر، إذا أن رفع المشقة - وهي علة مشروعية القصر والفطر - لا تتحقق في مطلق السفر، وإنما في أسفار خاصّة يختلف تقديرها بحسب الزمان والمكان، فبتقييد مطلق النص بهذه العلة تم هذا التحديد، والخلاف الوارد عن السلف في هذا التحديد إنما نشأ - في رأيي - عن الاختلاف في «تحقيق مناط» المشقة. إذ قد يرى البعض أن مسافة ما تحتمل المشقة ويرى البعض الآخر بأنها لا تحتمل وهكذا … واللَّه أعلم.

‌‌المثال العاشر: حديث تحريم لحوم الحمر:
عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه قال: "أصابتنا مجاعةٌ يوم خيبر، فإن القدور لتغلي - قال: وبعضها نضجت - فجاء منادي النبي صلى الله عليه وسلم: لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئًا--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، ج 2، ص 659، والفرسخ مسافة تقارب خمسة كيلومترات. انظر: المعجم الوسيط، ج 2، ص 707 وص 930.
(2) عبد الرزاق الصنعاني، المصنف، ط 1، من منشورات المجلس العلمي، ج 2، ص 524، وإسناده صحيح.
(3) انظر: ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1، ص 121.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

وأهريقوها. قال ابن أبي أوفى: فتحدثنا أنه إنما نهى عنها لأنها لم تخمس. وقال بعضهم: نهى عنها البتة لأنها كانت تأكل العذرة"(1).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لا أدري أنهى عنه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرّم في يوم خيبر لحم الحمر الأهلية؟ "(2).
واضحٌ من خلال هذين الأثرين النظرة التعليلية للأحكام التي كان يتمتع بها الصحابة رضوان اللَّه عليهم حتى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وتعليلاتهم هذه للنهي عن لحوم الحمر الأهلية تُعدّ بلا ريب من أسفر الأدلة على تأثر النص بما يستنبط منه من علة إذ إن مقتضى قول من علّل النهي عن الحمر بأنها لم تخمس إباحة لحوم الحمر إذا خُمِّست(3)، وهذا تخصيص لعموم النص بالتعليل، ومقتضى قول من علّل النهي عن الحمر بأنها كانت تأكل العذرة، إباحة لحوم الحمر التي لا تأكل العذرة، وهذا أيضًا تخصيص لعموم النص بالتعليل.
وكذا تعليل ابن عباس، وهو أن النهي عن الحمر كان من أجل أنها كانت حمولة الناس، فهو يقتضي إباحة لحوم الحمر إذا لم يُحتج إليها للحمل. وهذا أيضًا تخصيص لعموم النص بالتعليل.
وبغض النظر عن صحة هذه التعليلات أو ضعفها فإن دلالتها على المنهجية الاجتهادية القائمة على تعليل الأحكام عند الصحابة رضوان اللَّه عليهم تبقى ثابتة وواضحة.--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، حديث رقم (4220).
(2) البخاري، الصحيح، حديث رقم (4227).
(3) أي: أخرج منها الخمس الذي هو حق اللَّه والرسول والفقراء من الغنائم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)

هذا وقد أدرجت هذا المثال في هذا المبحث مع أنه كأمثلة المبحث السابق حدث إبّان العهد النبوي؛ لأنه لم يلق الإقرار من النبي صلى الله عليه وسلم كتلك الأمثلة لأن الظاهر أنه لم يطلع عليه، فكان هذا المثال بذلك أشبه ما لو كان حصل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

‌‌المثال الحادي عشر: النهي عن ادخار الأضاحي:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: "الضحيّة كنا نملح منه فنقدم به إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقال: لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام" قالت عائشة: "وليست بعزيمة، ولكن أراد أن نطعم منه واللَّه أعلم"(1).
واضح من خلال هذا المثال أن عائشة رضي الله عنها صرفت نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث من التحريم إلى الكراهة أو عدم الاستحباب بالتعليل.

‌‌المثال الثاني عشر: الإتمام في السفر:
روى الزهري عن عائشة قالت: "الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فأقرت في السفر، وأُتمت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: تأوّلت ما تأوّل عثمان"(2).
فما هو التأويل الذي تأوّلته عائشة رضي الله عنها بحيث خالفت به فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالقصر في السفر؟--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، حديث رقم (5570).
(2) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1090).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

روى البيهقي عن عروة عن عائشة "أنها كانت تصلي في السفر أربعًا قال عروة: فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشق عليّ"(1).
إذن فقد رأت عائشة رضي الله عنها أن القصر شرع لعلة التيسير والترخيص ورفع المشقة، ومن ثم وبالبناء على هذه العلة رأت أن العزيمة في الإتمام وإن كان في ذلك صرف للفعل النبوي عن ظاهره القاضي بندب الاستنان به صلى الله عليه وسلم إلى غيره(2).

‌‌المثال الثالث عشر: الطواف راكبًا:
عن أبي الطفيل قال: "قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبًا أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة قال: صدقوا وكذبوا. قلت: وما قولك صدقوا وكذبوا. قال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت. قال: وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثروا عليه ركب، والمشي والسعي أفضل"(3).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعيره يستلم الركن كراهية أن يصرف عنه الناس"(4).--------------------------------------------
(1) البيهقي، السنن الكبرى، ح 3، ص 143 وقال الحافظ في الفتح [2/ 665]: إسناده صحيح.
(2) قد سبق القول في المبحث الأول من الفصل الأول فيما تدل عليه الأفعال النبوية من الأحكام والذي اخترته هاهنا هو الندب.
(3) مسلم، الصحيح، حديث رقم (3044).
(4) مسلم، الصحيح حديث رقم (3065).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

وعن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنه قال: "طاف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالبيت وبالصفا والمروة في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه"(1).
وهذه التعليلات الجلية للصحابة رضوان اللَّه عليهم لفعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ طاف راكبًا أدت إلى صرفه عن دلالته الظاهرة والقاضية بندب الاستنان بأفعاله صلى الله عليه وسلم لا سيّما في التعبدات إلى غير ذلك من الإباحة أو خلاف الأولى.

‌‌المثال الرابع عشر: النزول بالمحصَّب (الأبطح)(2):
عن الزهري عن سالم: "أن أبا بكر وعمر كانوا ينزلون بالأبطح"، وقال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة أنها لم تكن تفعل ذلك. وقالت: "إنما نزله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأنه كان منزلًا أسمح لخروجه(3) ")(4).
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: "ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم"(5).
هذا المثال كالذي قبله، والذي فيه أن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما لم يريا فعله صلى الله عليه وسلم إذ نزل بالمحصب حين صدر عن الحج فعلًا تعبديًا أو سنة--------------------------------------------
(1) مسلم، الصحيح، حديث رقم (3063).
(2) الأبطح: أي البطحاء التي بين مكة ومنى وهي ما انبطح من الوادي واتسع وهي التي يقال لها: المحصّب والمعرس. انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 691.
(3) أسمح لخروجه: أي أسهل لتوجهه إلى المدينة ليستوي في ذلك البطيء والمعتدل ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة. انظر: ابن حجر، فتح الباري ج 3، ص 691.
(4) مسلم، الصحيح، حديث رقم (3158).
(5) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1766).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

تقتفى كما هي رؤية غيرهم من الصحابة. والذي أوقفهم على هذا الاجتهاد ملاحظة علة الفعل وأنه كان لغاية خاصة ليست تعبدية.
وعليه فحاصل اجتهادهم في هذه الواقعة صرفٌ للفعل النبوي عن ظاهره من الندب إلى غيره من الإباحة بالتعليل.
ومثل هذا الاجتهاد اجتهاد عطاء بن أبي رباح(1)، رحمه الله، في فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ وصل مكة ليلًا فبات بذات طوى حتى أصبح ثم دخلها نهارًا(2).
فقال عطاء دفعًا لما أفتى به بعضهم من أن دخول مكة نهارًا سنة: "إن شئتم فادخلوا ليلًا، إنكم لستم كرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إنه كان إمامًا فأحب أن يدخلها نهارًا ليراه الناس"(3).--------------------------------------------
(1) هو عطاء بن أسلم القرشي الفهدي، ولد في خلافة عثمان فأدرك مائتين من الصحابة فأخذ العلم عنهم حتى انتهت إليه فتوى أهل مكة قال ابن سعيد: سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أعور أفطس أشل أعرج ثم عمي بعد ذلك، وكان ثقة عالمًا فقيهًا كثير الحديث توفي سنة 114 هـ، انظر: المزي، تهذيب الكمال، ج 2، ص 69.
(2) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1769).
(3) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج 3، ص 510.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)