Arabic source text

📘 আসারু তালীিলন নাসসি আলা দালালাতিহি (আয়মান সালিহ)

📘 أثر تعليل النص على دلالته (أيمن صالح)

📘 আসারু তালীিলন নাসসি আলা দালালাতিহি (আয়মান সালিহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
النهي الوارد في هذه الآية ظاهر في التحريم، لكنه - بمقتضى تردُّد صيغة النهي بين طلب الكف الجازم وغير الجازم - محتمل لأن يراد به الكراهة.
ولكن، لما ثبت تعليل النهي بكون الفعل المنهي عنه كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، تعين المعنى الظاهر من النص، وهو التحريم، وانتفى أو على الأقل ضَعُف جدًا المعنى المؤول من النص، وهو الكراهة، وذلك لأن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم محرم قطعًا قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57]، والفعل إنما نهي عنه لأجل الإيذاء، فيحرم هذا الفعل بناء على ذلك قطعًا، فهذا هو مثال تقوية التعليل لظاهر النص حتى يزداد ظهورًا.

‌‌المثال الثاني: أثر التعليل في تقوية المعنى المؤول:
ذهب الإمام الشافعي، رحمه اللَّه تعالى، إلى كون لمس النساء ناقض للوضوء استنادًا إلى قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا … } [النساء: 43].
والعلة في كون لمسهن ناقض للوضوء - كما رآها الشافعي - هي كون النساء «مظنة للشهوة».
ومقتضى هذه العلة أن لا يجب الوضوء من لمس النساء اللاتي لسن مظنة للشهوة كالمحارم وكالصغار اللاتي لا يشتهين عادة وهذا بالفعل ما ذهب إليه الإمام الشافعي، رحمه الله، في الراجح من قوليه، وهو بهذا يكون قد خصص عموم لفظ «النساء» الوارد في الآية بما استنبطه منها من علة(1).--------------------------------------------
(1) انظر: الشربيني، محمد الخطيب، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الفكر، بيروت، ج 1، ص 34، وسيشار له: الشربيني، مغني المحتاج.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)

وخالف الإمامان مالك وأحمد رحمهما اللَّه الإمامَ الشافعي في هذا الاجتهاد وذلك بأن رأيا - لأدلة وقفا عليها - أن العلة في كون لمس النساء ناقض للوضوء هي «ذات الشهوة» لا «مظنتها»، وبالبناء على هذا التعليل قيّدا مطلق «اللمس» الوارد في الآية بالشهوة فلم يوجبا الوضوء إلا من لمس بشهوة(1).
فالشافعي، رحمه الله، صرف العام عن عمومه بالتعليل فصار خاصًا، ومالك وأحمد رحمهما اللَّه صرفا المطلق عن إطلاقه بالتعليل فصار مقيدًا، والخاص والمقيد معنيان مؤولان لا يصار إليهما إلا بقرينة مقوية وهو ما حدث هاهنا بقرينة التعليل.
فهذا هو مثال تقوية التعليل لمؤول النص حتى يغلب على الظن فهمه منه.

‌‌المثال الثالث: أثر التعليل في ترجيح أحد معاني المشترك:
قال تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228].
واختلف العلماء في المراد بالقرء نظرًا للاشتراك في هذه اللفظة بين الطهر والحيض.
فذهب الشافعية إلى أن المراد بالقرء في هذه الآية هو الطهر ورجّحوا هذا المعنى بقرائن ذكروها(2).
وذهب الحنفية إلى أن المراد به الحيض ورجحوا هذا المعنى بقرائن ذكروها، ومن بين هذه القرائن قرينة التعليل، وذلك لأن العلة الأساس--------------------------------------------
(1) انظر: أحمد الصاوي، بلغة السالك لأقرب المسالك، دار الفكر، بيروت، ج 1، ص 51. وابن قدامة المقدسي، المغني على مختصر الخرقي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1414 هـ، ج 1، ص 153، وسيشار له ابن قدامة، المغني.
(2) انظر: الشربيني، مغني المحتاج، ج 3، ص 385.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)

في تشريع العدة إنما هي معرفة براءة الرحم من الحمل، ومعرفة براءة الرحم إنما تكون بالحيض لا بالطهر، فيكون على ذلك المراد بالقرء هو الحيض لا الطهر(1).
قال ابن رشد وهو بصدد ذكر أدلة الحنفية على ما ذهبوا إليه «وأقوى ما تمسك به الفريق الثاني [يعني الحنفية ومن قال بقولهم] أن العدة إنما شرعت لبراءة الرحم، وبراءتها إنما تكون بالحيض لا بالأطهار، ولذلك كان عدة من ارتفع عنها الحيض بالأيام، فالحيض هو سبب العدة بالأقراء، فوجب أن تكون الأقراء هي الحيض»(2).
فهذا هو مثال ترجيح التعليل لأحد ألفاظ المشترك.

‌‌المطلب الثاني
سبب وكيفية تأثير تعليل النص على دلالته
مما سلف ذكره في المطلب السابق أن للتعليل على النص - القابل للتأويل - أثرين:
1 - إما تقوية ظاهر النص.
2 - وإما توهين هذا الظاهر وبالتالي تقوية المعنى المؤول.
ومما يجدر قوله هاهنا: إن هذين الأثرين إنما ينتجان عن التمازج والتفاعل بين مقتضى العلة بطردها أو عكسها من جهة وبين مقتضى النص بظاهره ومؤوله من جهة أخرى.--------------------------------------------
(1) انظر: ابن الهمام، كمال الدين السيواسي الحنفي، شرح فتح القدير، دار الفكر، بيروت، ج 4، ص 308 وسيشار له: ابن الهمام: شرح فتح القدير.
(2) ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الفكر، بيروت، ج 2، ص 68 وسيشار له: ابن رشد، بداية المجتهد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)

فالأثر الأول - وهو تقوي ظاهر النص - ينتج عن توافق ظاهر النص مع مقتضى العلة سواء بطردها أو عكسها.
أو بعبارة أخرى ينتج عن تعارض مؤول النص مع مقتضى العلة - بطردها أو عكسها - فيزداد بهذا التعارض مؤول النص وهنًا على وهن، ليزداد - في الوقت نفسه - ظاهر النص قوة على قوة.
والأثر الثاني - وهو تقوي مؤول النص - ينتج عن توافق مؤول النص مع مقتضى العلة سواء بطردها أو عكسها.
أو بعبارة أخرى ينتج عن تعارض ظاهر النص مع مقتضى العلة - بطردها أو عكسها - فيَهِنُ بهذا التعارض ظاهر النص، ليتقوى - في الوقت نفسه - مؤول النص.
فالتوافق والتعارض بين مقتضى النص والعلة هما إذن سبب تأثير تعليل النص على دلالته.
وفهم كيفية هذا التأثير تكمن في فهم طبيعة المقتضيات التي تسبب هذا التأثير بتفاعلها مع بعضها البعض، وذلك: أنها ظنون، والظنون من شأنها أن تتوافق أو تتعارض فإذا توافق ظنان تولد من مجموعهما ظنٌ واحد قوي، وإذا تعارضا طغى الأقوى منهما على الأضعف.
فالحال على ذلك إذن: أن ظاهر النص قد يقتضي حكمًا ما في محل ما، والعلة - بطردها - قد تقتضي ذات الحكم في ذات المحل، فيتأكد في ذهن المجتهد قصد الشارع إلى المعنى الظاهر من النص، وقد تقتضي العلة - بعكسها - نفي هذا الحكم عن ذات المحل، ويوافقها على ذلك مقتضى المعنى المؤول للنص، فيترجح في ذهن المجتهد قصد الشارع إلى هذا المعنى من النص دون المعنى الظاهر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)

ويمكن توضيح ذلك بالمثال التالي:
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وَضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده"(1).
هذا الحديث يشتمل على أمر بغسل اليد عند الاستيقاظ من النوم، ويشتمل كذلك على ذكر علة هذا الأمر، قال البيضاوي في قوله صلى الله عليه وسلم "فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده": «فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة، لأن الشارع إذا ذكر حكمًا وعقّبه بعلة دل على أن ثبوت الحكم كان لأجلها»(2).
هذا وللعلماء اجتهادات في نص هذا الحديث الشريف نتجت عن التوافق والتعارض بين مقتضيات كل من النص والعلة.
ويمكن تصنيف هذه الاجتهادات بحسب طبيعة المقتضيات المسببة لها ضمن أربعة أنواع:
النوع الأول: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى اطراد العلة مع مقتضى مؤول النص.
النوع الثاني: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى اطراد العلة مع مقتضى ظاهر النص.
النوع الثالث: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى انعكاس العلة مع مقتضى مؤول النص.
النوع الرابع: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى انعكاس العلة مع مقتضى ظاهر النص.--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، حديث رقم (162).
(2) نقله عنه ابن حجر، فتح الباري، ج 1، ص 318. وليس هو في المنهاج.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)

النوع الأول: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى اطراد العلة مع مقتضى مؤول النص:
ويمكن إجراؤه في موضعين كما يلي:
أولًا: ظاهر الأمر "فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه" يقتضي وجوب الغسل قبل الإدخال.
ومؤول هذا الأمر - بحكم دلالة صيغة الأمر - يقتضي ندب الغسل قبل الإدخال.
أما مقتضى اطراد العلة فهو كذلك يقتضي ندب الغسل لا وجوبه، وذلك لأن علة غسل اليدين قبل الإدخال - كما دلّ عليها النص - هي الشك في نجاستها، والشك - كما دلت عليه الأدلة - لا يرفع اليقين السابق، لذلك لم يقل العلماء بوجوب إزالة الشك إذا ما حصل، وإنما قالوا بندب ذلك احتياطًا(1).
إذن فقد تعاضد مقتضى مؤول النص مع مقتضى اطراد العلة، ولذا ذهب الجمهور من العلماء إلى القول بندب غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم خلافًا لظاهر النص، قال الحافظ، رحمه الله: «القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب عند الجمهور: التعليل بأمر يقتضي الشك، لأن الشك لا يقتضي وجوبًا في هذا الحكم استصحابًا لأصل الطهارة»(2).--------------------------------------------
(1) انظر: جلال الدين السيوطي، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403 هـ، ص 51.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 1، ص 317.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)

ثانيًا: ظاهر الشرط "إذا استيقظ أحدكم من نومه" يقتضي بمفهومه المخالف عدم استحباب غسل اليدين في غير «الاستيقاظ من النوم» من الحالات، ومقتضى اطراد العلة أن يعم حكم الاستحباب كافة المحال أو الحالات التي يتحقق فيها الشك بنجاسة اليد.
وعلى ذلك يدخل في حكم النص: الإفاقة من الإغماء، ومن السكر، ومن الجنون، وكذلك أي حال حصل فيها الشك بنجاسة اليد لأي سبب من الأسباب، قال النووي، رحمه الله: «مذهبنا ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم، بل المعتبر الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كُره له غمسها في الإناء»(1).
النوع الثاني: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى اطراد العلة مع مقتضى ظاهر النص:
وإجراؤه كالتالي:
قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من نومه" يعم بظاهره نوم الليل ونوم النهار، وقد رأى الإمام أحمد، رحمه الله، تخصيص هذا العموم بنوم الليل دون نوم النهار، وحجته على هذا التخصيص قرينة لفظية وردت في الحديث وهي قوله صلى الله عليه وسلم: "أين باتت يده" حيث إن لفظ «بات» لا يستخدم لغة إلا في نوم الليل ولا يستخدم في نوم النهار، فدلّ هذا على أن المقصود في الحديث هو نوم الليل خاصة لا عموم النوم كما هو ظاهر اللفظ(2)، لكن جمهور العلماء--------------------------------------------
(1) النووي: يحيى بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ط 1، دار المعرفة بيروت، 1414 هـ، ج 3، ص 171. وسيشار له: النووي: شرح صحيح مسلم.
(2) انظر: ابن قدامة، المغني، ج 1، ص 92. والشوكاني، نيل الأوطار، ج 1، ص 63.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)

خالفوا أحمد في هذا التخصيص، وإن دعمته القرينة اللفظية، مستندين في مخالفتهم هذه إلى مقتضى العلة، إذ لا فرق في حصول الشك بنجاسة اليد بين نوم الليل ونوم النهار(1)، وبناء على ذلك فقد تقوى عموم النص - وهو الظاهر منه - بمقتضى العلة فامتنع عن التخصيص.
النوع الثالث: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى انعكاس العلة مع مقتضى مؤول النص:
وإجراؤه كالتالي:
قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم من نومه" عام في كل من يقوم من النوم من المكلفين فهذا هو الظاهر من النص، وانعكاس العلة يعارض هذا الظاهر، إذ هو يقتضي عدم وجوب أو استحباب غسل اليدين لمن قام من نومه متأكدًا من طهارة يديه كمن وضعهما في قفازين مثلًا قبل أن ينام(2)، فيُخَصُّ عموم النص بمقتضى انعكاس العلة هذا، ويَخرُج عن حكم النص كل من لم تتحقق فيه علة الشك بنجاسة يده لأي سبب من الأسباب وإن صدق عليه أنه استيقظ من نومه، فهذا هو تخصيص - تأويل - النص بالتعليل.
النوع الرابع: الاجتهاد الذي نتج عن توافق مقتضى انعكاس العلة مع مقتضى ظاهر النص:
وإجراؤه كالتالي:--------------------------------------------
(1) المراجع السابقة.
(2) انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 1، ص 317.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)

ظاهر الحديث يقتضي إخراج النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم النص، وذلك لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا استيقظ أحدكم" صريح في إضافة الحكم إلى المخاطَبين ولا يدخل فيه المخاطِب - وهو هو صلى الله عليه وسلم إلا بدليل.
والعلة بانعكاسها توافق الظاهر إذ هي تقتضي خروج النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم الحديث لأنه صلى الله عليه وسلم ليس هو ممن «لا يدري أين باتت يده» إذا نام؛ لما ورد أنه صلى الله عليه وسلم كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه(1).
جملة القول في هذا المطلب
تعليل النص يعمل عمل «القرينة» المبيِّنة لمراد الشارع من النص، فإذا كان النص عامًا فإما أن تؤكد هذا العموم وإما أن تخصصه، وإذا كان مطلقًا فإما أن تؤكد هذا الإطلاق وإما أن تقيده، وإذا كان حقيقة فإما أن تؤكدها وإما أن تصرف النص عنها إلى المجاز، وإذا كان له مفهوم مخالف فإما أن تؤكد هذا المفهوم وإما أن تبطله.
وهكذا كل ظاهر للنص إما أن يؤكده التعليل وإما أن يصرف النص من الدلالة عليه إلى الدلالة على المعنى المؤول بغض النظر عن نوع التأويل ما دام احتماله قائمًا.
والفلسفة في امتلاك التعليل هذه القوة في التبيين: هي كون التعليل يحدث ظنًا دالًا على مراد الشارع من النص، فإذا اجتمع هذا الظن مع الظن الذي يحدثه ظاهر النص قواه، وإذا عارضه - وكان أقوى منه - صرفه إلى المعنى المؤول.--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، حديث رقم (3569).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)

‌‌المطلب الثالث
مجال تأثير تعليل النص على دلالته
يمكن - بشيء من التجوز - تشبيه النص الشرعي القابل للتأويل برسالة أراد مرسلها منها الدلالة على أمر ما، لكنه - لغرض يريده - كتب ما أراد الدلالة عليه بحبر سرّي أو خفي، ثم كتب فوقه كلاما لا يقصد مدلوله بحبر عادي أو ظاهر.
فمقتضى المكتوب بالحبر الخفي هو مؤول النص، ومقتضى المكتوب بالحبر الظاهر هو ظاهر النص.
وموقع التعليل من هذا التشبيه هو تلك النار الهادئة التي إذا قربت إليها الرسالة برز مراد المرسل منها على التحقيق، وذلك أن التعليل يكشف عن المعنى المؤول للنص بعد أن كان خفيًّا ليبطل العمل بظاهر النص مع أنه كان واضحًا، كل ذلك سعيًا وراء تحقيق مراد الشارع من النص بالتحديد.
وعليه، فعمل التعليل في النص هو عمل توضيحيٌّ كشفيٌّ عن المراد منه، وليس هو تغييرًا أو نسخًا أو إبطالًا للنص، وذلك لأن النص لم يُلغَ بالتعليل بل بقي دالًا على معنى من معانيه يحتمله لغة، وهذا ليس هو شأن التعليل فقط، وإنما هو شأن القرائن كلها، ولم يقل أحد بأن صرف النص عن معناه الظاهر إلى المعنى المؤول لقرينة من القرائن هو تغيير أو إبطال أو نسخ له، وإنما هو تبيين لمراد الشارع منه.
نعم، هو إبطال لظاهر النص، لكن هذا شيء وإبطال النص بالكلية شيء آخر، والفرق بينهما كالفرق بين تقريب الرسالة إلى نار هادئة ليَظهر بذلك أن المراد بها هو ما دل عليه مكتوبُها الخفي دون ما دل عليه مكتوبها الظاهر وبين حرق هذه الرسالة بمكتوبيْها، الخفي والظاهر معًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)

فالحال الأولى هي حال المؤوِّل للنص بالتعليل أو بغيره من القرائن، والحال الثانية هي حال المبطِل للنص والناسخ له حتى لا تبقى له دلالة أصلًا لا ظاهرة ولا مؤولة.
فإذا تقرر هذا، وما سبق، فعلى ضوئه يمكن تحديد مجال تأثير تعليل النص على دلالته بأنه مهما كانت دلالة النص ظنية تقبل مزيدًا من التوضيح أمكن تأثير التعليل عليها وإلا، بأن كانت قطعية، فإنه لا يتطرق إليها تأثير التعليل بحال، وذلك لأن الدلالة القطعية قد بلغت الغاية في الوضوح بحيث لا يمكن بشيء من الأشياء الزيادة من وضوحها في الدلالة على المراد منها، فإذا ما حصل وازدادت وضوحًا بقرينة من القرائن دلّ هذا على أنها لم تكن قطعية في دلالتها، لأن المقطوع لا يزيده الظن شيئًا، وإنما الذي يزداد بالظن المظنون فقط.
فمجال تأثير التعليل على النص - إذن - هو الدلالات الظنية أو المقتضى الظني له فحسب، أما الدلالات القطعية أو المقتضى القطعي لنص من النصوص فهو عن تأثير التعليل بمعزل.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)

‌‌المبحث الثالث
البعد الاجتهادي لمسألة «تأثير تعليل النص على دلالته»
وهو في مطلبين:
المطلب الأول: كيفية نظر المجتهد إلى النص الشرعي بناءً على القول بتأثير تعليل النص على دلالته
المطلب الثاني: الثمرة الأصولية المترتبة على القول بتأثير تعليل النص على دلالته

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)

‌‌المطلب الأول
كيفية نظر المجتهد إلى النص الشرعي بناءً على القول بتأثير تعليل النص على دلالته
عندما ينظر المجتهد في النص الشرعي القابل للتأويل ليستنبط منه حكمًا من الأحكام، فإن نظره يدور بين ثلاثة أقطاب لهذا النص:
القطب الأول: المعنى الظاهر للنص، وهو الراجح الذي تقتضيه ألفاظ النص بوضعها اللغوي، كدلالة العام على العموم أو المطلق على الإطلاق أو الخاص على الحقيقة.
القطب الثاني: علة النص، سواء أكانت منصوصة أو اجتُهد في استنباطها.
القطب الثالث: المعنى المؤول للنص، وهو المرجوح الذي يحتمل أن تقتضيه ألفاظ النص بوضعها اللغوي كدلالة العام على الخاص أو المطلق على المقيد أو الخاص على المجاز.
فإذا نظر المجتهد نظر متفحص في هذه الأقطاب الثلاثة فإنه يتحصل على جملة من الظنون لا يتسنى له استنباط الحكم منها إلا بعد أن يجمع بين هذه الظنون ويوفق بينها بحيث يخرج بعد ذلك بظن غالب على حكم من الأحكام.
وهذه الظنون هي:
الظن الأول: ظن المعنى الظاهر، ومقتضى هذا الظن إجراء الحكم على وفقه، فإن كان عامًا عُمّم الحكم، وإن كان مطلقًا أُطلق وإن كان لفظًا حقيقيًا فهو المراد دون المجاز.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)

وهذا الظن من اسمه ظاهر، أي قوي، لذلك فهو أول ظن يقع اعتبار المجتهد له.
الظن الثاني: ظن العلة، ومقتضى هذا الظن أن يثبت الحكم في جميع المحال التي تتحقق فيها العلة، وأن ينتفي عن جميع المحال التي لا تتحقق فيها.
وهذا الظن في القوة على درجات، وهو ثاني ظن يقع اعتبار المجتهد له، فإن انسجم واتفق هذا الظن مع ظن المعنى الظاهر في الدلالة على حكم ما قضى المجتهد بهذا الحكم واكتفى بذلك وإلا اضطر إلى النظر إلى:
الظن الثالث: وهو ظن المعنى المؤول، ومقتضى هذا الظن إجراء الحكم على وفقه، فإذا كان خاصًا خُصّص الحكم وإن كان ظاهر النص العموم، وإذا كان مقيدًا قُيّد الحكم وإن كان ظاهر النص الإطلاق وإذا كان مجازًا فهو المراد دون المعنى الحقيقي.
وهذا الظن - من حيث الأصل - ضعيف ولذا فهو آخر ما يقع اعتبار المجتهد له.
هذه هي الظنون الثلاث التي تتحصل لدى المجتهد عند نظره في نص شرعي قابل للتأويل.
فأما ظن المعنى الظاهر، وظن المعنى المؤول فهما ظنان متعاكسان متضادان إذا قوي أحدهما ضعف الآخر وإذا ضعف أحدهما قوي الآخر.
وأما ظن العلة فله مع ظنّيِ المعنى الظاهر والمؤول حالات ثلاث:
الأولى: أن لا يؤثر على كل من الظنين، وذلك كإذا لم تعرف علة النص بأن لم يوقف عليها بمسلك صحيح وفي هذه الحالة يحكم المجتهد بما يقتضيه ظاهر النص لأنه هو الظن الأقوى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)

الثانية: أن يزيد في قوة المعنى الظاهر بأن يتفق مقتضى العلة مع مقتضى ظاهر النص، وفي هذه الحالة أيضًا يحكم المجتهد - ولكن بمزيد من الثقة - بما يقتضيه ظاهر النص.
الثالثة: أن يزيد في قوة المعنى المؤول بأن يتفق مقتضى العلة مع مقتضى المعنى المؤول للنص، وهذا بالضرورة يقتضي تعارض مقتضى العلة مع مقتضى ظاهر النص، لأن المعنى المؤول والمعنى الظاهر متضادان فموافقة أحدهما تعني بالضرورة مضادة الآخر.
وهذه الحالة يتفرع عنها بحسب التقسيم المنطقي ثلاث حالات:
الأولى: أن يتقوى كل من ظن العلة وظن المعنى المؤول حتى يصيرا بمجموعهما أقوى من ظن المعنى الظاهر، وفي هذه الحالة يحكم المجتهد بمقتضى المعنى المؤول للنص.
الثانية: أن يتقوى كل من ظن العلة وظن المعنى المؤول ولكن بحيث يظل - في نظر المجتهد - ظن المعنى الظاهر أقوى من مجموعهما وفي هذه الحالة يحكم المجتهد بمقتضى المعنى الظاهر.
الثالثة: أن يتقوى كل من ظن العلة وظن المعنى المؤول بحيث يساويان ظن المعنى الظاهر وفي هذه الحالة: إما أن يُقال بالتوقف وطلب الدليل من خارج، وإما أن يُقال: نحكم بالظاهر لأنه هو المتبادر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)

‌‌المطلب الثاني
الثمرة الأصولية المترتبة على القول بتأثير تعليل النص على دلالته
سبق القول بأن التعليل: إما أن يقوي المعنى الظاهر، وإما أن يقوي المعنى المؤول. فإذا كان النص مشتركًا فهو قد يرجح أحد معانيه على الآخر.
فإذا قوّى التعليل المعنى الظاهر للنص فلذلك فائدتان:
الأولى: عصمة الظاهر من التأويل لاسيما إذا أفضى التعليل إلى جعل الظاهر «نصا» أي قاطعًا في الدلالة على معناه.
الثانية: عند تعارض ظاهرين أحدهما تأيد بالتعليل والآخر لم يتأيد يقدم الذي تأيد بالتعليل على الآخر.
وقريب في الدلالة على هذا قول إمام الحرمين في كتاب الترجيحات من البرهان: «إذا تعارض ظاهران وفي أحدهما ما يقتضي التعليل في صيغة التعميم فهو مرجّح على العام الذي عارضه وليس فيه اقتضاء التعليل والسبب فيه أن التعليل في صيغة العموم من أقوى الدلالات على ظهور قصد التعميم حتى ذهب ذاهبون إلى أنه نص ممتنع تخصيصه، فإن قُدِّر نصًا فلا شك في تقديمه على الظاهر المعرض للتأويل»(1).
وإذا قوى التعليل المعنى المؤول للنصّ أو رجَّح أحد معاني المشترك ففائدة ذلك عظيمة، وهي تكمن في الكشف عن مراد الشارع من النص وبالتالي تحديد الحكم الشرعي الملائم لإرادة الشارع هذه، وفي ذلك أمان من الخطأ في تقرير الأحكام الشرعية وأمان من الخطأ في اتباع ظاهر النص مع أنه ليس بمراد قال ابن برهان، رحمه الله، في شأن «التأويل» «هو أنفع كتب الأصول وأجلها»(2).--------------------------------------------
(1) إمام الحرمين، البرهان، ج 2، ص 777.
(2) نقله عنه الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 436.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)

‌‌الفصل الثاني
«أثر تعليل النص على دلالته» في اجتهادات الصحابة رضوان اللَّه عليهم
وهو في مبحثين:
المبحث الأول: «أثر تعليل النص على دلالته» في اجتهادات الصحابة إبان العهد النبوي
المبحث الثاني: «أثر تعليل النص على دلالته» في اجتهادات الصحابة بعد العهد النبوي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)

‌‌المبحث الأول
«أثر تعليل النص على دلالته» في اجتهادات الصحابة إبّان العهد النبوي
تكتسب اجتهادات الصحابة إبان العهد النبوي مزية كبيرة على غيرها من الاجتهادات، وذلك لأنها فضلًا عن كونها اجتهادات صدرت عن خير القرون علمًا وورعًا وذكاءً فإنها لقيت إجازة الشرع لها متمثلة في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على فعلها من حيث مبدأ الاجتهاد في حضرته صلى الله عليه وسلم أولًا ومن حيث طريقة هذا الاجتهاد ونتيجته ثانيًا.
وبناءً على هذا يمكن القول بأن ما سيرد فيما يلي من الأمثلة على اجتهادات الصحابة المبنية على تأثير تعليل النص على دلالته - يُعدّ بحق أحدَ أعظم الأسس التي يستند إليها القول بتعليل الأحكام بشكل عام، وبتأثير تعليل النص على دلالته بشكل خاص.

‌‌المثال الأول: حديث الصلاة في بني قريظة:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلّي لم يُرد منا ذلك فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدًا منهم"(1).--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، حديث رقم (4116).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قال السهيلي(1) وغيره: في هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه»(2).
وقال ابن القيم رحمه الله: «وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحكام ولم يعنفهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق، وقال لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلًا، نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، وهؤلاء سلف أصحاب المعاني والقياس»(3).
حاصل اجتهاد الصحابة الذي صلوا في الطريق أنه تخصيص لعموم النص بالعلة، وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" نهي يعم جميع المخاطبين به في جميع الأحوال، سواء خِيف فوات وقت الصلاة أم لا، ولكن بعد أن وقف الصحابة على علة هذا النهي خصصوا بها هذا العموم فأخرجوا منه حالة ما إذا خشي فوات الوقت، فكأن النهي بعد فهم العلة صار كالتالي: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة إلا أن يخشى فوات الوقت.--------------------------------------------
(1) السهيلي: عبد الرحمن بن عبد اللَّه الخثعمي الشافعي، عالم باللغة والسير ولد في مالقه وعمي وعمره 17 سنة، ونبغ فاتصل خبره بصاحب مراكش فطلبه وأقام عنده إلى أن توفي سنة 583 هـ، من أشهر مصنفاته «الروض الأنف» شرح سيرة ابن هشام، انظر: الزركلي الأعلام، ج 3، ص 313.
(2) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج 7، ص 473.
(3) ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الجيل، بيروت، ج 1، ص 203، وسيشار إليه فيما يلي بـ ابن القيم: إعلام الموقعين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)

ومن ثم أقر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على هذا الاجتهاد فكان دليلًا على جواز أن يستنبط من النص معنى يخصصه كما قاله السهيلي رحمه الله.
لكن بقي هاهنا إشكال، وهو أن هذا الحديث وإن كان دالًا على مشروعية اتباع العلل والمعاني وإن خالفت ظاهر اللفظ، فإنه دال في الوقت نفسه على مشروعية اتباع الظاهر وإن عارضته العلة وقد سبق بيان أن المجتهد حين نظره إلى النص ينبغي أن لا يُغفل الظن الحاصل من العلة ويقتصر على الظاهر فحسب(1) لاسيما إذا كانت العلة واضحة وجلية كما هو الشأن في هذا الحديث.
فهل في هذا الحديث دليل على جواز اتباع الظاهر بإطلاق كما يفعله الظاهرية؟
والجواب على هذا الإشكال هو أنه قد سبق أيضًا بيان أن ظاهر النص وإن كان لا يتبع بإطلاق إلا إنه يتبع في حالات وهي:
1 - إذا توافق مقتضاه مع مقتضى العلة.
2 - إذا تعارض مقتضاه مع مقتضى العلة وكان مقتضاه أقوى من مقتضى العلة.
3 - إذا تعارض مقتضاه مع مقتضى العلة وكان مقتضاه مساويًا لمقتضى العلة.
4 - إذا خفيت علة النص ولم يمكن الوقوف عليها.
ويترك الظاهر بسبب التعليل في حالة واحدة فقط وهي: إذا تعارض مقتضاه مع مقتضى العلة وكان الظن الحاصل من العلة أقوى من الظن الحاصل من ظاهر اللفظ مع احتمال اللفظ للتأويل(2).--------------------------------------------
(1) انظر: الفصل الأول، المبحث الثالث، المطلب الأول.
(2) انظر: الموضع السابق.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)