الفصل الثالث
«تأثير تعليل النّص على دلالته» عند الأصوليين
ويشتمل على تمهيد وثلاثة مباحث:
التمهيد: في مواضع بحث «تأثير تعليل النّص على دلالته» في كتب الأصول
المبحث الأول: عرض أقوال الأصوليين في «تأثير تعليل النّص على دلالته»
المبحث الثاني: عرض أدلة الأصوليين في «تأثير تعليل النّص على دلالته» ومناقشتها
المبحث الثالث: مسائل فقهية - في كتب الأصول - تضمنت تأثيرًا لتعليل النّص على دلالته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
تمهيد
في مواضع بحث «تأثير تعليل النّص على دلالته» في كتب الأصول
تتعدد مواضع بحث مسألة تأثير تعليل النّص على دلالته عند الأصوليين تبعًا لتعدد تعلّقات هذه المسألة، إذ إنها من جانب تتعلق بالعلّة وشروطها، ومن جانب آخر تتعلق بالنّص وتأويله، ومن جانب ثالث بالقياس وشروطه.
ولهذا نجد أن الزركشي - وهو من أكثر الأصوليين استقصاءً في هذه المسألة - تعرض لهذه المسألة في ثلاثة مواضع من كتابه: البحر المحيط:
أحدها: عند الحديث عن شروط العلّة(1).
والثاني: في ختام بحث الظاهر وتأويله(2).
والثالث: بعد بحث مسألة تخصيص العموم بالقياس(3).
ولا يخرج أصوليو الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة عن هذه المواضع(4)، اللَّهم إلا أن الغزالي، رحمه الله، بحث هذه المسألة - بتوسع - عند حديثه عن مسالك العلّة، وذلك في كتابه شفاء الغليل(5)، أما في كتابيه المنخول(6) والمستصفى(7)، فقد وافق غيره في مواضع بحث هذه المسألة،--------------------------------------------
(1) الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 152.
(2) المرجع السابق، ج 3، ص 447، 448، 449.
(3) المرجع السابق، ج 3، ص 377.
(4) انظر: إمام الحرمين، البرهان، ج 1، ص 359. والآمدي، الإحكام، ج 3، ص 79، ص 354. وابن النجار: أحمد الفتوحي الحنبلي، شرح الكوكب المنير، طبع مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى، 1408 هـ، ج 3، ص 465.
(5) انظر: الغزالي، شفاء الغليل، ص 61 - 91.
(6) انظر: الغزالي، المنخول، ص 192.
(7) انظر: الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 394، ج 2، ص 326.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
وكذلك فإن الشاطبي وابن القيم، رحمهما اللَّه، كونَهما لم يسلكا في ترتيب كتابيهما الموافقات وإعلام الموقعين المنهج التقليدي للتأليف الأصولي - فقد تعرض الشاطبي لـ «تأثير تعليل النّص على دلالته» في فصل الأوامر والنواهي من كتاب الأدلة من الموافقات(1)، أما ابن القيم فقد تعرّض لهذه المسألة في ثنايا إثباته للقياس(2).
وفي الوقت الذي تعددت فيه مواضع بحث هذه المسألة عند أصوليي الجمهور فقد اتفق الحنفية على بحث هذه المسألة في موضع واحد، وذلك عند الحديث عن شروط القياس(3).
إلا أن متأخري الحنفية الذين جمعوا في تأليفهم الأصولي بين طريقتي المتكلمين والحنفية تعددت عندهم مواضع بحث هذه المسألة، فبحثها ابن الهمام في ختام بحث الظاهر وتأويله(4)، وفي بحث شروط القياس(5)، وفي بحث شروط العلّة(6)، وكذلك فعل ابن عبد الشكور في كتابه مسلّم الثبوت(7).
هذا ومما تنبغي الإشارة إليه هاهنا أمران:
أحدهما: أن الأصوليين إذ يبحثون هذه المسألة فإن ألفاظهم تختلف في التعبير عن «الأثر» الذي تلقيه العلّة على النّص، فيقع منهم التعبير عن تأثير العلّة على النّص بأنها عادت عليه، أو على حكمه بالتغيير أو الإبطال، أو أنها عكّرت على النّص بالتخصيص أو التعميم، أو أنها رفعت حكم النّص،--------------------------------------------
(1) انظر: الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 144.
(2) انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 1، ص 217 - 220.
(3) انظر: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ج 3، ص 331 - 344. والسمرقندي، الميزان، ص 642، 643. والسرخسي، أصول السرخسي، ج 2، ص 150، ص 166 - 171. وصدر الشريعة، التوضيح، ج 2، ص 59 - 62.
(4) انظر: ابن الهمام، التحرير، ج 1، ص 146 - 148.
(5) انظر: المرجع السابق، ج 3، ص 297.
(6) انظر: المرجع السابق، ج 4، ص 31.
(7) انظر: ابن عبد الشكور، مسلّم الثبوت، مع شرحه فواتح الرحموت، ج 2، ص 30، ص 257، ص 289.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
أو أزالته، أو أسقطته، أو أنها زادت في حكم النّص، أو نقصت منه، أو أنها خالفت ظاهر النّص، أو عارضته، أو أبطلته(1)، وغير ذلك من التعبيرات التي تتنوع تبعًا لتنوع «الأثر» أو التأويل الذي يعود به التعليل على النّص وتبعًا لتنوع دلالة النّص المتأثرة بهذا التعليل.
ولكن مهما يكن من تعبير فإنّ ذلك كله يندرج تحت مفهوم عام واحد وهو: أن العلّة المأخوذة من نصّ ما عادت على دلالة هذا النّص بالتأثير أو التأويل، بغض النظر عن نوع هذا التأثير أو التأويل، وبغض النظر عن نوع دلالة النّص التي وقع عليها.
والأمر الآخر: هو أن الأصوليين إذ يبحثون في أثر العلّة على النّص فهم إنما يبحثون في الأثر الذي يتعارض مع دلالة النّص، أما الأثر المؤكّد لهذه الدلالة والمقوي لها فإني لم أجد لأحدهم فيه كلامًا، وما ذاك - في نظري - إلا لأن تأكيد العلّة لمقتضى النّص، فضلًا عن ضعف الفائدة الأصولية والفقهية المترتبة عليه، فإنه ليس موضع خلاف وأخذ وردّ بخلاف التأثير المعارض لدلالة النّص واللَّه أعلم.--------------------------------------------
(1) ستمر غالب هذه التعبيرات في المباحث القادمة أثناء عرض أقوال الأصوليين في المسألة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
المبحث الأول
عرض أقوال الأصوليين في «تأثير تعليل النّص على دلالته»
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أقوال أصوليي الشافعية والمالكية والحنابلة
المطلب الثاني: أقوال أصوليي الحنفية
المطلب الثالث: أقوال الأصوليين المحدثين
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
المطلب الأول
أقوال أصوليي الشافعية والمالكية والحنابلة
قول الإمام الشافعي رحمه الله:
بخلاف كثير من مسائل العلّة فإن هذه المسألة، مسألة تأثير تعليل النّص على دلالته، قديمة الوجود، حتى إن الإمام الشافعي رحمه الله، أول الأصوليين، تعرّض لها، حيث منع - في ثنايا ردوده على الحنفية في بعض مسائل الفقه - من أن تؤثر العلّة على ظاهر النّص، قال إمام الحرمين:
«مما غلّظ الشافعي فيه القول على المؤولين كل ما يؤدي التأويل فيه إلى تعطيل اللفظ، وخرّج الشافعي على ذلك مسائل مستفادة، ونحن نرى أن نفردها مسألة مسألة(1)، ونبدأ الآن بالكلام على قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ … } [التوبة: 60]. قال الشافعي: أضاف اللَّه تعالى الصدقات بلام الاستحقاق إلى أصناف موصوفين بأوصافٍ فرأى بعض الناس جواز الاقتصار على بعضهم ذاهبًا إلى أن المرعيَّ الحاجة، وهذا في التحقيق: تأسيس معنى يعطل تقييدات أمر اللَّه تعالى فلو كانت الحاجة هي المرعية لكان ذكرها أكمل وأشمل وأولى من الأقسام التي اقتضاها اللفظ ومقتضاها الضبط»(2).
ومحل الاستشهاد في هذا الكلام هو قول الشافعي رحمه الله: «وهذا في التحقيق تأسيس معنى يعطل تقييدات أمر اللَّه تعالى».--------------------------------------------
(1) سيأتي شرح وتوضيح بعض هذه المسائل في المبحث الثالث من هذا الفصل.
(2) إمام الحرمين، البرهان، ج 2، ص 359، وليس كلام الشافعي هذا في الرسالة ولا في مظانه من كتاب الأم ولعله أشبه بأسلوب إمام الحرمين فيكون من نقله بالمعنى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
أي أنها علة - معنى(1) - أبطلت القيود اللفظية للنص، وهذا يعني أنها عادت عليه بالتأثير وهذا الوجه من التأويل لا يجوز(2).
وقال إلكيا الهرّاسي(3) تأكيدًا لورود القول في هذه المسألة عن الإمام الشافعي رحمه الله: «المنقول عن الشافعي أنه لا يجوز تخصيص العموم بالمعنى»(4).
وهذا الذي ذكره إلكيا ونقله إمام الحرمين هو أحد القولين عن الإمام الشافعي، رحمه الله، في هذه المسألة، وأما القول الآخر فهو يقضي بجواز تأثير العلّة على النّص، قال الزركشي عقب مسألة تخصيص العموم بالقياس: «إن هذه المسألة غير مسألة تخصيص العموم بالمعنى، فإن تلك للشافعي فيها قولان، ولهذا تردّد في نقض الوضوء بالمحارم لأجل عموم {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]، والتخصيص بالمعنى - وهو الشهوة - منتفية فيهم، وكذا في القاتل بحق مع حديث: "القاتل لا يرث"(5) وقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما إهاب--------------------------------------------
(1) قال عبد العزيز البخاري: «كان السلف لا يستعملون لفظ العلّة وإنما يستعملون لفظ: المعنى أخذًا من قوله عليه السلام: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث" أي: علل». عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ج 1، ص 12. أفاده الأستاذ شلبي، تعليل الأحكام، ص 124.
(2) سيأتي في المبحث الثالث من هذا الفصل توضيح وجه عود العلّة على النّص بالتأثير في هذه المسألة.
(3) هو: علي بن محمد بن علي، إمام أصحاب الشافعي في زمانه، والمناظر عنهم، برع في الفقه والأصول والخلاف، وولي تدريس النظامية ببغداد، له: «أحكام القرآن» و «نقض مفردات أحمد»، وكتابان في أصول الفقه، توفي سنة 504 هـ، انظر: ابن بدران الدمشقي، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ط 4، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1411 هـ، ص 457.
(4) الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 378.
(5) الترمذي، السنن، ج 4، ص 425. ابن ماجة، السنن، ج 2، ص 913. والحديث حسن بطرقه. انظر: عبد اللَّه الغماري، الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج، ط 1، عالم الكتب، بيروت، 1405 هـ، ص 100. ووجه اجتهاد الشافعي في هذا الحديث أنه أخرج «القاتل بحق» كالجلاّد أو القاضي أو دافع الصائل عن عموم الحديث «القاتل لا يرث» فحكم بتوريثه نظرًا إلى أن العلّة من حرمان القاتل من الإرث هي العقوبة وهو ليس أهلًا لها، والمخطئ أهلٌ لها بتقصيره، وهذا تعليل عاد على النّص بالتخصيص، وهناك قول آخر للشافعي بعدم توريثه نظرًا إلى الصيغة. انظر: الغزالي، شفاء الغليل، ص 73، والشربيني، مغني المحتاج، ج 4، ص 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
دُبغ فقد طهر"(1) استنبطوا منه ما خصص جلد الكلب والخنزير».
ثم قال: «وقد نقّح إمام الحرمين في «النهاية» الفارق بين المسائل فقال بعد تجويزه التخصيص بالقياس: هذا فيما يتطرق إليه المعنى، وأما ما لا يتطرق إليه معنى مستمر جائز على السير فالأصل فيه التعلّق بالظاهر وتنزيله منزلة النّص، ولكن قد يلوح مع هذا مقصود الشارع بجهة من الجهات فيتعين النظر إليه. وهذا له أمثلة:
منها: أن اللَّه تعالى ذكر الملامسة في قوله: {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43]، فحملها الشافعي على الجس باليد ثم تردد نصُّه في لمس المحارم، من جهة أن التعليل لا جريان له في الأحداث الناقضة وما لا يجري القياس في إثباته فلا يكاد يجري في نفيه، فمال الشافعي في ذلك [أي في قوله الأول] إلى اتباع اسم النساء وأصح قوليه [القول الثاني وهو] أن الطهارة لا تنقض بمسهن لأن ذكر الملامسة المضافة إلى أن يقع شيء من الأحداث يُشعر بلمس اللاتي يُقصدن باللمس»(2).
وقد حكى هذين القولين كليهما ابن السبكي في جمع الجوامع، فقال وهو بصدد تعداد شروط العلّة: «ومنها [أي من شروط العلّة] أن لا تعود على الأصل الذي استنبطت منه بالإبطال، وفي عودها على الأصل بالتخصيص له لا التعميم قولان»(3).--------------------------------------------
(1) مسلم، الصحيح، حديث رقم (366) وسيأتي وجه تأثير تعليل النّص على دلالته في هذا الحديث عند الشافعي بعد قليل في ثنايا كلام الغزالي في المسألة.
(2) الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 377.
(3) السبكي، جمع الجوامع، ج 2، ص 290.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
قال شارحه المحلّي(1): «قيل: يجوز فلا يشترط عدمه وقيل: لا فيشترط، مثاله تعليل الحكم في آية {أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء: 43] بأن اللمس مظنة الاستمتاع، فإنه يخرج من النساء المحارم فلا ينقض لمسهن الوضوء، كما هو أظهر قولي الشافعي. الثاني: ينقض عملًا بالعموم و [مثاله] تعليل الحكم في حديث أبي داود وغيره أنه صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع اللحم بالحيوان"(2) بأنه بيع الربوي بأصله فإنه يقتضي جواز البيع بغير الجنس من مأكول وغيره كما هو أحد قولي الشافعي لكن أظهرهما المنع نظرًا للعموم»(3).
قال المحلي: «ونظرًا لاختلاف الترجيح في الفروع أطلق المصنف [يعني صاحب جمع الجوامع] القولين»(4) أي: ولم يرجح أحدهما على الآخر، قال العطّار: «ولكن رجح الإسنوي الجواز»(5).
قلت: وكذلك فعل الشربيني(6)، حيث قال في مغني المحتاج بعد بيانه لقولي الشافعي في نقض الوضوء بلمس المحارم:--------------------------------------------
(1) هو: محمد بن أحمد بن محمد المحلي الشافعي، أصولي مفسر، مولده ووفاته بالقاهرة، كان مهيبًا، صداعًا بالحق، له: «شرح المنهاج» في فقه الشافعية و «البدر الطالع في حل جمع الجوامع»، و «شرح الورقات» في الأصول، توفي سنة 864 هـ. انظر: الزركلي، الأعلام، ج 5، ص 333.
(2) أبو داود، السنن، ج 3، ص 250. ومالك، الموطأ، ج 2، ص 655. وحسنه الشافعي كما نقله عنه الماوردي، الحاوي الكبير، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1414 هـ، ج 5، ص 157. ووجه اجتهاد الشافعي في هذا الحديث أنه أخرج -في أحد قوليه- بيع الحيوان المأكول بغير المأكول عن عموم الحديث فأجاز هذا البيع نظرًا إلى أن العلّة في النهي عن بيع اللحم بالحيوان أن هذا بيع يتضمن تبادل مال ربوي بأصله وهو لا يجوز لعدم إمكان التماثل وأما بيع المأكول بغير المأكول فلا تتحقق فيه هذه العلّة لأن غير المأكول ليس مالًا ربويًا عند الشافعي لأنه غير مطعوم. وانظر: في قولي الشافعي في المسألة، الماوردي، الحاوي الكبير، ج 5، ص 159.
(3) جلال الدين المحلي، شرح جمع الجوامع، ج 2، ص 290.
(4) المرجع السابق، ج 2، ص 291.
(5) العطّار، حاشية العطار على جمع الجوامع، ج 2، ص 291، ولم أجده في شرح الإسنوي على المنهاج.
(6) هو: محمد بن أحمد الخطيب الشربيني شمس الدين، فقيه شافعي، من أهل القاهرة، له تصانيف منها: «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع»، و «مغني المحتاج» توفي سنة 977 هـ. انظر: الزركلي، ج 6، ص 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
«والقولان مبنيان على أنه هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه؟ أو لا؟ والأصح الجواز»(1).
وقول الشربيني، ومن قبله الإسنوي، بترجيح جواز أن يُستنبط من النص معنى يخصصه أولى من إطلاق ابن السبكي القولين في هذه المسألة من غير ترجيح نظرًا لاختلافه في الفروع.
ووجه الأولوية هو أنّ القول بجواز أن يُستنبط من النّص معنى يخصصه لا يستلزم وجوب اطراد ذلك في جميع الفروع، لأن الجواز شيء، والوجوب شيء آخر.
وإذن، فإن اختلاف الترجيح في الفروع الفقهية لا ينافي القول بالجواز حتى يُعدَّ المنع من تخصيص نص ما بالعلة المأخوذة منه إبطالًا لهذا الجواز، وذلك لأن الجواز تخييرٌ بين التخصيص وعدمه، فجائز أن يُرجح التخصيص بالعلة في فرع من الفروع ثم لا يُرجح في فرعٍ آخر.
هذا ومما ينبغي التنبيه إليه هو أن القولين المحكيين عن الشافعي في جواز وعدم جواز أن تعود العلّة على النص بالتأثير، إنما هما في صورة محدّدة من صور التأثير، وهي صورة عود العلة على النص بالتخصيص(2)، وأما عودها عليه بالتعميم فالقول عنده واحد وهو الجواز لذلك قال ابن السبكي في جمع الجوامع - وكما سبق نقله - «وفي عودها [أي العلة] على الأصل بالتخصيص لا التعميم قولان»(3) فاستثنى التعميم. قال شارحه المحلي: «وقوله: «لا التعميم» أي فإنه يجوز العود به قولًا واحدًا كتعليل الحكم في حديث--------------------------------------------
(1) الشربيني، مغني المحتاج، ج 1، ص 34.
(2) ويقاس عليه كل تأويل.
(3) ابن السبكي، جمع الجوامع، ج 2، ص 291.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
الصحيحين: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان"(1) بتشويش الفكر فإنه يشمل غير الغضب أيضًا»(2).
وكذلك قال الزركشي عقب بيانه لقولي الشافعي في عود العلة على النص بالتخصيص: «واعلم أنه يجوز أن يُستنبط من النص معنى يعمّمه قطعًا، كاستنباط ما يشوش الفكر من قوله صلى الله عليه وسلم "لا يقضي القاضي وهو غضبان" وكاستنباط الاستنجاء بالجامد القالع من الأمر بالأحجار، وهو غالب الأقيسة»(3).
وإجازة الإمام الشافعي، رحمه الله، عود العلة على النص بالتعميم قولًا واحدًا بخلاف عودها عليه بالتخصيص، ما هي - واللَّه أعلم - إلا لأن عود العلة على النص بالتعميم ليس هو شيئًا آخر غير القياس - والقياس حجة عند الشافعي بلا تردد - إذ قال الشاطبي في القياس: «لا معنى له إلا جعل الخاص الصيغة عام الصيغة في المعنى وهو معنى متفق عليه»(4).
وقال في تعميم الأصوليين حكم تحريم القضاء حالة الغضب في كل مشوش: «إلحاق كل مشوش بالغضب من باب القياس، وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بالقياس سائغ»(5).
أقوال الأصوليين ممن هم بعد الشافعي في المسألة:
ذهب أكثر الأصوليين ممن جاءوا بعد الشافعي رحمه الله إلى ما ذهب إليه الشافعي في قوله الأول فمنعوا من أن تعود العلة على النص بالتخصيص أو التأويل، وهذا هو قول القاضي أبي بكر الباقلاني(6)، وأبي إسحاق--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، حديث رقم (7158) ومسلم، الصحيح، حديث رقم (1717).
(2) جلال الدين المحلي، شرح جمع الجوامع، ج 2، ص 291.
(3) الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 377.
(4) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 51.
(5) المرجع السابق، ج 1، ص 90.
(6) انظر، الغزالي، المنخول، ص 192، والباقلاني مالكي المذهب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
الإسفراييني(1) وتلميذه أبي منصور البغدادي(2) وأبي إسحاق الشيرازي(3)، وإمام الحرمين(4). قال الباقلاّني: «كل تأويل تضمن الحطّ عن المنصوص فهو باطل»(5)، وقال في اجتهاد الحنفية بجواز دفع القيم في الزكوات نظرًا لعلة سدّ الحاجة: «هذا دليل مستنبط من النص يكر على ظاهره بالإبطال والرفع، وهذا الفن باطل»(6).
وقال إمام الحرمين: لا تجوز «إزالة الظاهر بمعنى يستنبط منه يتضمن تخصيصه وقصره على بعض المسميات»(7).
وهذا القول هو الذي ظل سائدًا في أوساط الأصوليين حتى جاء الغزالي، رحمه الله، فأعرض عما قرره شيخه إمام الحرمين، وغيره من أصوليي الشافعية، وفصّل القول في المسألة فقال بعد أن قرّر أن الفقهاء مالكًا والشافعي وأبا حنيفة قائلون - من خلال تفريعاتهم الفقهية - بجواز أن تعود العلة على أصلها بالتخصيص: «والذي يظهر لنا في ضبط هذا النوع من التخصيص، وما يجوز منه وما يمتنع - والعلم فيه عند اللَّه تعالى - أن المعاني المفهومة من النصوص تنقسم إلى:
* ما يسبق مع اللفظ إلى الفهم سبقًا لا يتراخى عنه، وقد يكون المعنى أسبق إلى الفهم من اللفظ وقد يكون مساويًا له، وقد يتراخى عنه قدر التأمل القليل من فهم البصير. وإلى:--------------------------------------------
(1) انظر، الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 154.
(2) المرجع السابق. وأبو منصور البغدادي هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد، عالم متقن من أئمة الأصول، ولد ونشأ في بغداد ومات في إسفرايين، من كتبه: «أصول الدين» و «الفرق بين الفرق» في العقائد، و «التحصيل» في أصول الفقه، توفي سنة 429 هـ. انظر: الزركلي، الأعلام، ج 4، ص 48.
(3) انظر، أبو إسحاق الشيرازي، شرح اللمع، ج 2، ص 965. وأبو إسحاق الشيرازي هو إبراهيم بن علي بن يوسف، ولد في فيروزأباد، قرية من قرى بلاد فارس، ولازم شيراز، ثم انتقل إلى البصرة فبغداد، له: «اللمع» وشرحها في الأصول، و «المهذب» في الفقه، توفي سنة 485 هـ. انظر: مقدمة عبد المجيد تركي ل «شرح اللمع»، ج 1، ص 9.
(4) انظر، إمام الحرمين، البرهان، ج 1، ص 359 والزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 374.
(5) نقله عنه الغزالي، المنخول، ص 192.
(6) المرجع السابق، ص 201.
(7) نقله الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 374 عن نهاية المطلب لإمام الحرمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
* ما لا يسبق إلى الفهم، ولكنه يستنبط بالسبر والنظر ويستبان بدقيق الفكر.
وهذا الانقسام في الأصل معلوم، وهو من قبيل الغضب الذي ذكرناه [في نهيه صلى الله عليه وسلم عن قضاء القاضي وهو غضبان] إذ لا يسبق إلى الفهم منه إلا اضطرب العقل إذا ذكر مقرونًا بتحريم القضاء.
فما يجري هذا المجرى، فتحكيمه في النقصان والزيادة، وتغيير الحكم إلى الخصوص من العموم وإلى العموم من الخصوص - جائز على نسق واحد، من حيث إن من منع العلة التي تعكر على الأصل بالتخصيص، منع من حيث إن القياس ليس تفسيرًا للألفاظ، فيجب معرفة الحكم أولًا، ثم طلب علته.
وهذا فيما يتقدم الحكم في الفهم على العلة والمعنى، ولا يكون المعنى قرينة، فالمعنى في هذه الأمثلة ونظائرها سابق إلى الفهم، وهو قائم مقام القرينة المفسِّرة للفظ، المقررة لمعناه في الفهم، فلم يكن من ذلك القبيل.
فأما ما لا يسبق إلى الفهم، ويُستنبط بالتأمل والنظر فلا يُتجاسر به على كل تخصيص، ولا يحسم أيضًا باب التخصيص به، بل يجوز أن يُعتمد عليه ويُخرج به عن اللفظ ما يقع موقع النادر البعيد عن الفكر، بالإضافة إلى المراد وهو الذي لا يخطر بالبال إلا بالإخطار، ويقع نادرًا في قبيل ذلك الحكم، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: "أيما إهاب دبغ فقد طهر"(1)، فقد ذكر للطهارة سببًا وهو الدباغ واقتضى عمومه طهارة جلد الكلب بالدباغ.
وقد استنبط الشافعي رضي الله عنه من الدباغ معنى، بالنظر الصحيح والفكر المستقيم، وهو أن الدباغ يبعد الجلد عن العفونات ويعصمه عن الفساد، ويؤثر فيه مثل تأثير الحياة، ويقوم مقامها في التأثير واقتضاء الطهارة.--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه في هذا المطلب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
واقتضى مساق هذا الكلام إخراج جلد الكلب منه، بعد تناوله، بدليل أن الكلب نجس في حال الحياة.
فهذا نوع تخصيص بعلة مستنبطة من المخصوص، وليس أمثاله ممنوعًا؛ إذ العام يطلق ويُراد به الخاص وهو غالب في عادة العرب واتباع المعنى أولى من الجمود على الصيغة»(1).
وهذا الذي فصّله الغزالي ووضحه هو الغاية في هذه المسألة، وهو يرمي - باختصار - إلى جواز عود العلة على أصلها بالتخصيص، لكن لا بإطلاق، وإنما حيث قَوِي ظن العلة أو ضَعُف ظن ظاهر اللفظ كما سبق بسط القول في ذلك في الفصل الأول من هذه الرسالة.
ومن ثَمّ، وبعد أن مضى الغزالي، رحمه الله، انحسر البحث في هذه المسألة في كتب الأصول، لا سيما تلك التي اشتهرت بعده كالمحصول للرازي، والإحكام للآمدي، ففي حين لم يتعرض الرازي للمسألة من قريب ولا بعيد، مرّ بها الآمدي مرورًا سريعًا فلم يذكر قولي الشافعي أو تفصيل الغزالي فيها، وإنما قال في شروط العلة: «يجب أن لا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها مما ترجع على الحكم الذي استنبطت منه بالإبطال، وذلك كتعليل وجوب الشاة في مال الزكاة بدفع حاجة الفقراء، لما فيه من رفع وجوب الشاة»(2).
وقال في باب الظاهر وتأويله، بعد أن أبطل تأويل الحنفية لوجوب الشاة في باب الزكاة بنحو ما سبق عنه من قول: «ومما يلتحق من التأويلات بهذا التأويل ما يقوله بعض الناس في قوله تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ … } [التوبة: 60]. من جواز الاقتصار على البعض نظرًا إلى أن المقصود من الآية إنما هو دفع الحاجة … »(3)--------------------------------------------
(1) الغزالي، شفاء الغليل، ص 83 - 87 مع حذف ما لا حاجة إليه.
(2) الآمدي، الإحكام، ج 3، ص 79.
(3) الآمدي، الإحكام، ج 3، ص 79.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
أما ابن الحاجب فقد سلك مسلك الآمدي تمامًا إلا أنه عارضه - بحكم مالكيته - في رده تأويل الحنفية والمالكية لقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ … } [التوبة: 60].
وكما صنع الرازي، صنع صاحب المنهاج - البيضاوي - فلم يتعرض للمسألة من قريب ولا بعيد.
وهكذا ظل البحث في هذه المسألة مقتضبًا وغامضًا، إلى أن جاء ابن السبكي، ومن بعده الزركشي، فكشفا عن قولي الشافعي في المسألة وفرّقا بين عود العلة على النص بالتخصيص، وبين عودها عليه بالتعميم، فالحالة الأولى فيها قولان، والحالة الثانية تجوز قولًا واحدًا(1).
ومن حَسَنِ ما نبّه إليه الزركشي في هذه المسألة قوله: «فرعٌ ولّدتُه: هل يجوز أن يستنبط من المقيد معنى يعود عليه بالإطلاق؟ فيه نظر، وقد جوَّز جمهور أصحابنا الاستنجاء بحجر واحد له ثلاثة أحرف نظرًا للمعنى وهو الإزالة بطاهر، وفيه رفع قيد العدد في قوله صلى الله عليه وسلم: "فليستنج بثلاثة أحجار"(2)»(3)، فأشار بهذا الكلام إلى أن ما يُقال بشأن عود العلة على النص بالتخصيص أو عودها عليه بالتعميم لا يقتصر على هذه الصورة من صور تأثير تعليل النص على دلالته فحسب بل يطّرد في غيرها من صور التأثير كعودها على المطلق بالتقييد أو عودها على المقيد بالإطلاق.--------------------------------------------
(1) انظر: ابن السبكي، جمع الجوامع، ج 2، ص 290، 291، وقد سبق إيراد قوله بتمامه، والزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 152، وقد سبق نقل شيء من أقواله.
(2) الدارقطني، السنن ج 1، ص 54، وقال عقب إحدى رواياته: إسناد صحيح.
(3) الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 378.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
هذه هي أقوال أصوليي الشافعية والمالكية في المسألة، أما الحنابلة فقد ذكر ابن النجار في كتاب الترجيحات من شرح الكوكب المنير أن العلة التي لا تعود على أصلها بالتخصيص، تُرجح في مقام التعارض على العلة التي تعود عليه بذلك عازيًا هذا القول إلى أبي الخطاب وابن عقيل الحنبليين(1)، وهذا يقتضي جواز عود العلة على أصلها بالتخصيص عندهم لأن الترجيح فرع عن صحة دليلي التعارض.
وقبل الانتقال إلى أقوال أصوليي الحنفية في المسألة، أود التعرض لبيان أقوال أربعة من محققي الأصوليين أحسنوا القول في هذه المسألة: أحدهم ابن دقيق العيد(2)، وهو شافعي المذهب، والثاني أبو إسحاق الشاطبي، وهو مالكي المذهب والثالث والرابع تقي الدين ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وهما - في الجملة - حنبليّان.
أقوالٌ أخرى:
أولًا: ابن دقيق العيد:
قال، رحمه الله، في كتابه إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام عند تعرضه لشرح قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا يبيع حاضر لباد"(3).--------------------------------------------
(1) انظر: ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 4، ص 735. وابن النجار هو: محمد بن شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز الفتوحي الحنبلي، فقيه أصولي صاحب «المنتهى» ذكر أنه اختصر فيه كتاب «تحرير المنقول من علم الأصول» للمرداوي، وشرحه في كتاب «الكوكب المنير». وأبو الخطاب هو: محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذاني البغدادي، أحد المجتهدين في مذهب أحمد له في الفقه «الهداية» و «الانتصار»، وله كتاب «التمهيد في أصول الفقه»، توفي سنة 695 هـ.
(2) هو: محمد بن علي بن وهب أبو الفتح القشيري، من أكابر العلماء في الأصول، حتى قيل مجتهد، ولد في ينبع في مصر، وتوفي في القاهرة، له: «إحكام الأحكام» و «شرح مقدمة المطرزي» في أصول الفقه، وغيرها، توفي سنة 702 هـ. انظر: الزركلي، الأعلام، ج 6، ص 283.
(3) البخاري الصحيح، حديث رقم (2158).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
«وأما بيع الحاضر للبادي فمن البيوع المنهي عنها لأجل الضرر، وصورته أن يحمل البدوي، أو القروي متاعه إلى البلد ليبيعه بسعر يومه، ويرجع، فيأتيه البلدي فيقول: ضعه عندي ليبيعه على التدريج بزيادة سعر، وذلك إضرار بأهل البلد وحرام إن علم بالنهي، وتصرف بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي في ذلك فقالوا: شرطه أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعر في البلد، فإن لم يظهر، إما لكثرته في البلد، أو لقلة الطعام المحمول، ففي التحريم وجهان: يُنظر في أحدهما إلى ظاهر اللفظ، وفي الآخر إلى المعنى، وهو عدم الإضرار وتفويت الربح أو الرزق على الناس، وهذا المعنى منتف، وقالوا: يُشترط أن يكون المتاع أيضًا مما تعم الحاجة إليه دون ما لا يُحتاج إليه إلا نادرًا، وأن يدعوَ البلديُّ البدويَّ إلى ذلك فإن التمسه البدويُّ منه فلا بأس»، ثم قال: «واعلم أن أكثر هذه الأحكام قد تدور بين اعتبار المعنى واتباع اللفظ ولكن ينبغي أن يُنظر في المعنى إلى الظهور والخفاء فحيث يظهر ظهورا كثيرًا فلا بأس باتباعه، وتخصيص النص به، أو تعميمه على قواعد القياسيين، وحيث يخفى أو لا يظهر ظهورًا قويًا فاتباع اللفظ أولى».
قال: «وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعي عليه كشرطنا العلم بالنهي ولا إشكال فيه، ومنها ما يؤخذ باستنباط المعنى فيخرَّج على قاعدة أصولية وهي: أن النص إذا اسُتنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص هل يصح أو لا؟»(1).--------------------------------------------
(1) ابن دقيق العيد، إحكام الأحكام، ج 3، ص 112 - 114 مع حذف ما لا حاجة إليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
ثانيًا: أبو إسحاق الشاطبي:
تعرض الشاطبي، رحمه الله، في كتاب الأدلة من الموافقات لبيان تأثير علة النص - أمرًا كان أو نهيًا - على مفهومه، فقرر أن النص يُمكن النظر إليه بطريقين:
«أحدهما: من حيث مجرّده، لا يُعتبر فيه علة مصلحية، وهذا نظر من يجري مع الصيغة مجرى التعبد المحض من غير تعليل [وهم الظاهرية] فلا فرق عند صاحب هذا النظر بين أمر وأمر، ولا بين نهي ونهي»(1).
وقال، وهو بصدد توجيه هذا النظر، والدفاع عنه: «قد مرّ في كتاب المقاصد أن كل أمر ونهي لا بد فيه من معنى تعبدي وإذا ثبت هذا لم يكن لإهماله سبيل، فكل معنى يؤدي إلى عدم اعتبار مجرّد الأمر والنهي لا سبيل إلى الرجوع إليه، فإذن المعنى المفهوم للأمر والنهي إن كرّ عليه بالإهمال فلا سبيل إليه.
ولا يقال: إن عدم الالتفات إلى المعاني إعراض عن مقاصد الشارع المعلومة، كما في قول القائل: لا يجوز الوضوء بالماء الذي بال فيه الإنسان، فإن كان قد بال في إناء ثم صبّه في الماء جاز الوضوء به.
لأنا نقول: هذا أيضًا معارَض بما يضاده في الطرف الآخر في تتبع المعاني مع إلغاء الصيغ، كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم "في أربعين شاة شاة"(2): إن المعنى قيمة شاة؛ لأن المقصود سد الخلة، وذلك حاصل بقيمة الشاة، فجعل الموجود معدومًا والمعدوم موجودًا، وأدى ذلك إلى أن لا تكون الشاة واجبة وهو عين المخالفة، وأشباه ذلك من أوجه المخالفة الناشئة عن تتبع المعاني، وإذا كانت المعاني غير معتبرة بإطلاق، وإنما تعتبر من حيث هي مقصود الصيغ فاتباع--------------------------------------------
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 144.
(2) أبو داود، السنن، ج 2، ص 226. والترمذي، السنن، ج 3، ص 17، وقال: حديث حسن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
أنفس الصيغ التي هي الأصل واجب، لأنها مع المعاني كالأصل مع الفرع ولا يصح اتباع الفرع مع إلغاء الأصل»(1).
وبعد ذلك ذكر الشاطبي الطريق الثاني للنظر في النصوص فقال:
«والثاني من النظرين: هو من حيث يُفهم من الأوامر والنواهي قصد شرعي بحسب الاستقراء وما يقترن بها من القرائن الحالية أو المقالية الدالة على أعيان المصالح في المأمورات، والمفاسد في المنهيات»(2).
وقال وهو بصدد توجيه هذا النظر وترجيحه:
«إن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن أشياء وأمر بأشياء وأطلق القول فيها إطلاقًا، ليحملها المكلف في نفسه وفي غيره على التوسط لا على مقتضى الإطلاق الذي يقتضيه لفظ الأمر والنهي، ومثل ذلك لا يتأتى مع الحمل على الظاهر مجرّدًا من الالتفات إلى المعاني، وقد نهى عليه الصلاة والسلام عن بيع الغرر(3)، وإذا أخذنا بمقتضى مجرد الصيغة امتنع علينا بيع كثير مما هو جائز بيعه وشراؤه؛ كبيع الجوز واللوز والقسطل في قشرها، وبيع الخشبة والمغيبات في الأرض والمقاثي كلها، بل كان يمتنع كل ما فيه وجه مغيَّب، كالديار والحوانيت المغيبة الأسس، وما أشبه ذلك مما لا يحصى، ولم يأت فيه نص بالجواز، ومثل هذا لا يصح فيه القول بالمنع أصلًا، لأن الغرر المنهي عنه محمول على ما هو معدود عند العقلاء غررًا مترددًا بين السلامة والعطب، فهو مما خُصَّ بالمعنى المصلحي، ولا يُتّبع فيه اللفظ بمجرّده».--------------------------------------------
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 147، 148 مع حذف ما لا حاجة إليه.
(2) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 148.
(3) مسلم، الصحيح، حديث رقم (3787).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
قال: «وقد حكى إمام الحرمين عن ابن سريج أنه ناظر أبا بكر بن داود الأصبهاني في القول بالظاهر، فقال له ابن سريج: أنت تلتزم الظواهر وقد قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]، فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين، فقال مجيبًا: الذرتان: ذرة وذرة فقال ابن سريج: فلو عمل مثقال ذرة ونصف؟ فتبلّد وانقطع، وقد نقل القاضي عياض عن بعض العلماء أن مذهب داود بدعة ظهرت بعد المائتين، وهذا، وإن كان تغاليًا في ردّ العمل بالظاهر، فالعمل بالظواهر أيضًا على تتبع وتغال بعيدٌ عن مقصود الشارع، كما أن إهمالها إسراف أيضًا. فإذا ثبت هذا، وعمل العامل على مقتضى المفهوم من علة الأمر والنهي، فهو جار على السَّنن، القويم، موافق لقصد الشارع في ورده وصدره»(1).
ثالثًا: تقي الدين أحمد بن تيمية:
تعرض ابن تيمية رحمه الله في مسائل النسخ من «المسودة» إلى مسألة تأثير تعليل النص على دلالته فجاء فيها بتفصيل جديد قال: «الحكم العام أو المطلق، هل يجوز تعليله بما يوجب تخصيصه أو تقييده، سواء كان ثابتًا بخطاب أو بفعل؟ هذا فيه أقسام:
القسم الأول: ما كان عامًا للمكلفين فيدّعى تخصيصه بنفي التعليل، فمنه ما علم قطعًا بالاضطرار عمومه، فمُخصِّصه كافر كمدعي تخصيص تحريم الخمر بمن قد سبقه، أو بغير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وسقوط الصلاة عمن دام حضور قلبه، إلى غير ذلك من دعوى اختصاص بعض المنتسبين إلى العلم أو إلى العبادة بسقوط واجب أو حل محرم، كما قد وقع لطوائف من المتكلمين والمتعبدين وهذا كفر، ومنه ما ليس كذلك لكن هو مثله.--------------------------------------------
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 151 - 154 مع حذف ما لا حاجة إليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)