Arabic source text

📘 আসারু তালীিলন নাসসি আলা দালালাতিহি (আয়মান সালিহ)

📘 أثر تعليل النص على دلالته (أيمن صالح)

📘 আসারু তালীিলন নাসসি আলা দালালাতিহি (আয়মান সালিহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
القسم الثاني: ما كان عامًا في الأزمنة لفظًا أو حكمًا فيُدّعى اختصاصه بزمانه فقط، وقد كتبته في غير هذا الموضع(1).
القسم الثالث: أن يدعى اختصاصه بحال من الأحوال الموجودة في زمان الشرع مما قد يجوز عودها.
القسم الرابع: أن يدّعى اختصاصه بمكان، كدعوى اختصاص فرضه للأصناف الخمسة(2) في صدقة الفطر بالمدينة لكونها قوتَهم الغالب، وهذا من جنس الذي قبله، فإنه لا يوجب انقطاع الحكم بل اختصاصه بحال دون حال.
القسم الخامس: الأفعال التي فعلها في العبادات والعادات إذا ادُّعي اختصاصها بزمان أو مكان أوحال.
فهذه أصول عظيمة مبناها على أصلين:
أحدهما: صحة ذلك التعليل وأن الشارع إنما شرع لأجله فقط، الأصل الثاني: ثبوت الحكم مع عدم تلك العلة لعلة أخرى، إذ أكثر ما في هذا، دعوى ارتفاع الحكم بما يُعتقد أن لا علة غيره»(3).
والناظر في تفصيل ابن تيمية القول في هذه المسألة يجد أنه ركّز نظره على النص الشرعي، فوجده إما خطابًا وإما فعلًا، ثم نظر إلى نوع العموم المتأثر بالتعليل في النص الشرعي - خطابًا كان أو فعلًا - فخلص إلى أربعة أنواع من العموم:--------------------------------------------
(1) سيأتي تفصيل قوله في هذا القسم بعد قليل.
(2) وهي البر، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقِط (اللبن المجمد) انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 463.
(3) آل تيمية، المسودة، ص 199 مع حذف يسير.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)

أولًا: عموم النص الشرعي في المكلفين، وهذا لا يجوز تخصيصه بالتعليل بل يكاد يكون ذلك كفرًا.
ثانيًا: عمومه في الأزمنة.
ثالثًا: عمومه في الأمكنة.
رابعًا: عمومه في الأحوال.
وهذه العمومات الثلاث يجوز تخصيصها بالتعليل بشرطين:
الأول: أن يكون التعليل في ذاته صحيحًا.
والثاني: أن يكون النص معلّلًا بعلة واحدة فقط، حتى يلزم من ارتفاعها ارتفاع الحكم، وإلا فلو وُجدت علة أخرى لثبت الحكم بها.
وكلام ابن تيمية هذا لا غبار عليه.
ثم إنه رحمه الله تعرض في موضع آخر من كتاب النسخ لمسألة نسخ النص الشرعي بالعلة المستفادة منه، وفرق بينها، وبين تخصيص العموم الزماني للنص بالعلة، فمنع من النسخ بالعلة وفصّل في التخصيص بها بالنظر إلى نوع الخطاب.
قال رحمه الله: «ما حَكَمَ به الشارع مطلقًا أو في أعيان معينة فهل يجوز تعليله بعلة مختصة بذلك الوقت بحيث يزول ذلك الحكم زولًا مطلقًا؟ قد ذهب الحنفية والمالكية [في بعض الفروع الفقهية] إلى جواز ذلك». قال: «وهذا عندي اصطلام للدين، ونسخ للشريعة بالرأي، ومآله إلى انحلال من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم عن شرعه بالرأي، فإنه لا معنى للنسخ إلا اختصاص كل زمان بشريعة، فإذا جُوِّز هذا بالرأي، نسخ بالرأي، وأما أصحابنا وأصحاب الشافعي فيمنعون ذلك ولا يرفعون الحكم المشروع بخطاب إلا بخطاب».

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)

قال: «وينبغي أن يُذكر هذا في مسألة النسخ بالقياس ويُسمى النسخ بالتعليل، فإنه تعليل للحكم بعلة توجب رفعه وتُسقط حكم الخطاب». ثم قال: «فإن كان الحكم مطلقًا فهل يجوز تعليله بعلة قد زالت لكن إذا عادت يعود؟ [وهذه هي مسألة تخصيص العموم الزماني للخطاب بالعلة] فهذا أحق من الأول [يعني النسخ بالتعليل] وفيه نظر … وهو خطاب مطلق أو معين أو فعل أو إقرار، فأما الفعل والإقرار فيقع هذا فيه كثيرًا إذ لا عموم له، وكذلك يقع في القضية التي في عين كثيرًا، لكنّ وقوعه في الخطاب العام فيه نظر»(1).
وحاصل هذا القول: أن ابن تيمية، رحمه الله، يفرق بين النسخ بالتعليل، وبين تخصيص العموم الزماني به، بأن النسخ بالتعليل هو رفع الحكم مطلقًا لارتفاع العلة، وحتى لو عادت لا يعود، وأما التخصيص بها فهو وإن استلزم رفع الحكم بارتفاع العلة في زمن من الأزمان، إلا أنه يستلزم عوده إذا عادت هذه العلة.
وتخصيص العموم الزمني للنص بالعلة يجوز - في نظر ابن تيمية - في مواضع:
أولًا: إذا كان الخطاب فعلًا. ومثاله ما سبق بيانه من اجتهادات الصحابة في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج كطوافه راكبًا ونزوله بالمحصب وغير ذلك.
ثانيًا: إذا كان الخطاب إقرارًا. وصورة ذلك أن يقر النبي صلى الله عليه وسلم فعلًا ما ثم يستنبط المجتهد علة لهذا الإقرار تقتضي تقييد جواز الفعل المقر بحال دون أخرى أو زمن دون آخر.--------------------------------------------
(1) آل تيمية، المسودة، ص 227، 228 مع حذف ما لا حاجة إليه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)

ثالثًا: إذا كان الخطاب واقعة عين. ويمكن التمثيل له بما سبق إيراده في اجتهادات الصحابة من اجتهاد عائشة في واقعة فاطمة بنت قيس رضي الله عنهما.
أما إذا كان الخطاب عامًا - ليس فعلًا ولا إقرارًا ولا واقعة عين - فيرى ابن تيمية أن تخصيص عمومه الزمني بالعلة فيه مجال للنظر.
وكلامه هذا حق؛ إذ لا يُقال بجواز ذلك بإطلاق، ولا بعدم جوازه بإطلاق، وإنما ينظر إلى كل مسألة على حدة، فإن رجح ظن العلة على الظن المستفاد من ظاهر اللفظ قيل بالتخصيص، وإلا فلا ومثال هذا اجتهاد الصحابة في حكم المؤلفة قلوبهم، واللَّه أعلم.
‌‌رابعًا: ابن قيم الجوزية:
تعرّض ابن القيم، رحمه الله، في كتابه «إعلام الموقعين» لمسألة تعارض المعنى - العلة - مع ظاهر اللفظ وأورد في ذلك كلامًا حسنًا فقال: «والتعويل في الحكم على قصد المتكلم، والألفاظ لم تُقصد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني، وللتوصل بها إلى معرفة مراد المتكلم، ومراده يظهر من عموم لفظه تارة، ومن عموم المعنى الذي قصده تارة، وقد يكون فهمه من المعنى أقوى وقد يكون من اللفظ أقوى، وقد يتقاربان»(1).
وقال: «الألفاظ لم تُقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يُستدل بها على مراد المتكلم فإذا ظهر مراده، ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أو كتابة، أو بإيمائه، أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مطّردة لا يخل بها، أومن مقتضى كماله وكمال أسمائه وصفاته وأنه يمتنع منه--------------------------------------------
(1) ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 1، ص 217.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)

إرادةُ ما هو معلوم الفساد، وترك إرادة ما هو متيقَّنٌ مصلحته، وأنه يُستدل على إرادته للنظير بإرادة نظيره ومثله وشبهه، وعلى كراهة الشيء بكراهة مثله ونظيره ومشبهه، فيقطع العارف به وبحكمته وأوصافه على أنه يريد هذا، ويكره هذا، ويحب هذا، ويبغض هذا، وأنت تجد من له اعتناء شديد بمذهب رجل وأقواله، كيف يفهم مراده من تصرفه ومذاهبه، ويخبر عنه بأنه يفتي بكذا ويقوله، وأنه لا يقول بكذا ولا يذهب إليه، لما لا يوجد في كلامه صريحًا، وجميع أتباع الأئمة مع أئمتهم بهذه المثابة، وهذا أمر يعم أهل الحق وأهل الباطل، لا يمكن دفعه، فاللفظ الخاص قد ينتقل إلى معنى العموم بالإرادة، والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة، فإذا دُعي إلى غداء فقال: واللَّه لا أتغدى، أو قيل له: نم، فقال: واللَّه لا أنام، أو: اشرب هذا الماء، فقال: واللَّه لا أشرب فهذه كلها ألفاظ عامة نُقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي إلى آخر العمر.
والألفاظ ليست تعبدية، والعارف يقول: ماذا أراد، واللفظي يقول: ماذا قال كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: {مَاذَا قَالَ آنِفًا} [محمد: 16]، وقد أنكر اللَّه سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء: 78]، فذم من لم يفقه كلامه، والفقه أخص من الفهم وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، والعلم بمراد المتكلم يُعرف تارة من عموم لفظه وتارة من عموم علته، والحَوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبر»(1).--------------------------------------------
(1) ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 1، ص 218 - 220 مع حذف ما لا حاجة إليه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)

‌‌المطلب الثاني
أقوال أصوليي الحنفيّة
ذهب جمهور الحنفية - على خلاف ما هو منشود منهم - إلى القول بعدم جواز أن تؤثر علة النص على دلالته، وذلك على الرغم من وجود وفرة من الفروع الفقهية في مذهبهم تتضمن تأثيرًا لتعليل النص على دلالته؛ ولهذا السبب - وهو كثرة الفروع المتضمنة لتأثير تعليل النص على دلالته في مذهبهم - فإن الناظر في كتبهم يجد أنهم، بعد تقريرهم ما ذهبوا إليه، قد أوردوا كثيرًا من الفروع الفقهية التي انتُقدت عليهم لأنها تضمنت عود العلة على النص بالتأثير، وأخذوا في الإجابة عنها وتخريجها مخارجَ أخر في غالبها تكلّف، كما سيرد بيان شيء من ذلك في المبحث الثالث من هذا الفصل.
هذا، وقد سبق القول، أن الحنفية إذ يبحثون هذه المسألة فإنما يبحثونها عند الخوض في شروط القياس، وأقدم من وجدته يذكرها منهم: القاضي أبو زيد الدبوسي المتوفى سنة 430 هـ.
قال السمرقندي: «ذكر القاضي الإمام أبو زيد رحمه الله شروطًا أربعة لصحة القياس: …
الثالث: أن يبقى حكم النص بعد التعليل كما كان قبله من غير تغيير لأنه يصير التعليل مُبطلًا لحكم النص، مثاله ما قاله الشافعي رحمه الله [منتقدًا إياه على الحنفية]: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في خمس من الإبل شاة"(1) حكم النص وجوب دفع الشاة، ومتى جوّزنا التعليل لا يبقى حكم النص وهو وجوب--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1454).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)

الشاة، بل هو مخير عندكم بين أن يؤدي عين الشاة وبين أن يؤدي قيمتها، وهذا مناقضة حكم الوجوب»(1).
وقد تتابع الحنفية بعد أبي زيد على ذكر هذا الشرط، فقال البزدوي: «وأما الشرط الرابع، وهو أن يبقى حكم النص على ما كان قبل التعليل؛ فلأن تغيير حكم النص في نفسه بالرأي باطل كما أبطلناه في الفروع، وذلك مثل قول الشافعي في طعام الكفارة بشرط التمليك فإنه تغيير لحكم النص بعينه، لأن الإطعام اسم لفعل يُسمى لازمه طعمًا، وهو الأكل على ما قلنا(2)، ومثل قوله في حد القذف إنه لا يبطل الشهادة وهذا تغيير لأن النص يوجب أن يكون حكم القذف إبطال الشهادة حدًّا وقد أبطله، فجعل بعض الحدّ حدًّا لأن الوقت من الأبد بعضه، وأثبت الردّ بنفس القذف دون مدة العجز وهو تغيير، وزاد النفي على الجلد وهو تغيير وجعل الفسق مبطلًا للشهادة والولاية، وهو تغيير؛ لأن حكم الفسق بالنص التثبت والتوقف، دون الإبطال، ومثلُه كثير»(3).
أما السرخسي فقد ادعى الإجماع على عدم جواز أن يعود التعليل على النص بالتغيير أو الإبطال(4)، وأضاف إلى شروط القياس الأربعة التي ذكرها من قبله شرطًا جديدًا يزيد من التأكيد على أنه لا يجوز للتعليل أن يؤثر على النص بحال فقال في شروط القياس: «وهذه الشروط خمسة … الرابع: أن يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما كان قبله.--------------------------------------------
(1) علاء الدين السمرقندي، الميزان، ص 642.
(2) انظر في توضيح هذا المثال وما يليه من أمثلة مع بيان وجه تأثير تعليل النص على دلالته فيها: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ج 3، ص 331، 332.
(3) البزدوي، أصول البزدوي، ج 3، ص 331.
(4) انظر: السرخسي، أصول السرخسي، ج 2، ص 193.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)

والخامس: أن لا يكون التعليل متضمّنا إبطال شيء من ألفاظ المنصوص»(1) ومثَّل للشرط الرابع بنحو ما مثّل به البزدوي من اجتهادات الشافعية، وأما الشرط الخامس، فمثاله - قال السرخسي -: «ما قاله علماؤنا: إنه لا يجوز قياس السباع سوى الخمس المؤذيات على الخمس بطريق التعليل في إباحة قتلها للمُحرم، وفي الحرم، لأن في النص قال عليه الصلاة والسلام: "خمس يُقتلن في الحلّ والحرم"(2) وإذا تَعدى الحكم إلى محل آخر، يكون أكثر من خمس، فكان في هذا التعليل إبطالُ لفظٍ من ألفاظ النص، بخلاف حكم الربا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: الربا في ستة أشياء ولكن ذكر حكم الربا في أشياء، فلا يكون في تعليل ذلك النص إبطال شيء من ألفاظ النص»(3).
ولم يأتِ من هم بعد السرخسي والبزدوي، كصدر الشريعة(4)، وعبد العزيز البخاري(5)، وحتى ابن الهمام(6)، وابن عبد الشكور(7)، بشيء جديد في هذه المسألة، وإنما تابعوا فيها من قبلهم إلا أنهم انتقدوا التمثيل ببعض الفروع الفقهية ممن تقدمهم، وأحدثوا جوابات جديدة عما انتُقِد على مذهبهم من فروع تضمَّنت تأثيرًا لتعليل النص على دلالته.
غير أن علاء الدين السمرقندي - وهو أحد من أخذ عن البزدوي - جاء بجديد حيث كشف عن أنَّ هذه الشروط التي يشترطها أصوليو العراق من--------------------------------------------
(1) المرجع السابق، ج 2، ص 150.
(2) سيأتي تخريجه في المبحث التالي في المطلب الأول.
(3) السرخسي، أصول السرخسي، ج 2، ص 170.
(4) انظر: صدر الشريعة، التوضيح، ج 2، ص 59 - 62.
(5) انظر: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ج 3، ص 331 - 344.
(6) انظر: ابن الهمام، التحرير، ج 3، ص 269 - 299.
(7) انظر: ابن عبد الشكور، مسلّم الثبوت، ج 2، ص 257 - 259.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)

الحنفية، لا اعتبار لها عند مشايخ سمرقند، فقال بعد نقله هذه الشروط عن الدبوسي: «ولكنّ أهل التحقيق من مشايخنا قالوا: إن ما ذكر لا يصلح أن يكون شرط صحة القياس، لأنه يمنع ثبوت حكم القياس فيمنع وجود القياس، ولا يُتصور وجود القياس مع هذه الشرائط»(1).
فبان من هذا الكلام أن الحنفية منقسمون في اعتبار هذه الشروط - ومنها شرط أن لا يُؤثّر تعليل النص على دلالته - إلى قسمين: فأهل العراق يعتبرونها، وأهل سمرقند لا يعتبرونها.
والذي أراه أن قول أهل سمرقند أقرب إلى التحقيق، وأصدق في تمثيل المذهب الحنفي من قول أهل العراق، وذلك لوفرة الفروع المنقولة عن أبي حنيفة وصاحبيه والتي تتضمن تأثيرًا لتعليل النص على دلالته، كما سيأتي بحث بعضها في المبحث الثالث من هذا الفصل. واللَّه أعلم.

‌‌المطلب الثالث
أقوال الأصوليين المحدثين
لم أجد للمحدثين من الأصوليين بحثًا خاصًا في تأثير تعليل النص على دلالته، وإنما تعرض لها بعضهم في ثنايا البحث في العرف أو المصلحة أو في شروط العلة أو في مسألة التعليل بشكل عام.
وفيما يلي استعراض لبعض أقوالهم على حسب ترتيب كتبهم في الظهور.
وأبدأ بالأستاذ محمد شلبي صاحب كتاب «تعليل الأحكام» إذ إنه قد أورد - كدليل على مشروعية تعليل الأحكام بشكل عام - مجموعة من اجتهادات--------------------------------------------
(1) علاء الدين السمرقندي، الميزان، ص 643.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)

الصحابة المبنية على التعليل، وقسّمها إلى أنواع تضمن بعضها تأثيرًا لتعليل النص على دلالته.
فقال في «النوع الثاني: أحكام وردت مطلقة أو معلّلة بعلة، فلما بحثوها وجدوا تلك العلل قد زالت أو ما شُرع له الحكم قد تغيّر فغيروا الأحكام تبعًا لذلك»(1).
وقال في «النوع الرابع: أحكام زاجرة اقتضتها الحالة لم تكن في زمن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قضوا بها دفعًا لمفسدة متحققة أو مظنونة، وإن أدّى إلى تخصيص النص أو ترك لظاهره»(2).
وشلبي، إذ يقول بتخصيص النص بعلته المستنبطة منه، ويثبته للصحابة رضوان اللَّه عليهم، يذهب في القول إلى أبعد من ذلك، حيث يقول بأن المصلحة - وهي ما يترتب على العلّة - تُخصص النص إذا تعارضت معه، قال في ختام بحث المصلحة:
«عُلم مما سبق موقف المصلحة من النصّ، وأنها إذا تعارضت معه في أبواب المعاملات والعادات التي تتغير مصالحها أُخذ بها، وليس هذا إهدارًا للنص بمجرد الرأي، بل هو عمل بالنصوص الكثيرة الدالة على اعتبارها، وأما إذا كانت المصلحة المستفادة من النص لا تتغير فلا يترك النص أصلًا وإنه لا يتصور تعارض بينهما فضلًا عن أن يترك النص بها.
وأما غير المعاملات كالعبادات والمقدرات فلا سبيل إلى عمل المصلحة فيها، والأحكام هنا لا تتغير إلا إذا ألجأتنا الضرورة إلى شيء أُخذ به مقدّرًا بقدْرها …--------------------------------------------
(1) محمد شلبي، تعليل الأحكام، ص 37، وقد سبق إيراد شيء من هذه الاجتهادات في الفصل الثاني.
(2) محمد شلبي، تعليل الأحكام، ص 56 وقد سبق إيراد شيء من هذه الاجتهادات في الفصل الثاني من هذه الرسالة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)

ويُستفاد من هذا أنها تخصص النصوص في النوع الأول، وهو في الحقيقة، جمع بين الدليلين المتعارضين بحمل هذا على حالة، وذاك على حالة أُخرى أو حمل هذا على بعض الأفراد وذاك على البعض الآخر.
ومن أمعن النظر في هذا التعارض وجده صوريًا فقط لأن النص ورد لمصلحة خاصّة فلما انتهت انتهى عمله، أو جاء معلّلًا بعلة خاصة فلما زالت هذه العلة انتهى العمل به. هكذا فهم الصحابة ومن بعدهم»(1).
وتخصيص النص بالمصلحة موضوع ذو شجون، وأَخذ ورد، وليس هذا موضع بسطه.
أما الأستاذ مصطفى الزرقاء - متّع اللَّه بعلمه - فقد تعرض لهذه المسألة - على خلاف المتوقع - عند بحثه نظرية العرف حيث قال: «إذا كان النص التشريعي معلَّلًا بعلة ينفيها العرف الحادث، سواء أكانت علة النص مصرّحًا بها فيه، أو مستنبطة استنباطًا بطريق الاجتهاد، ففي مثل هذه الحالة يُعتبر العرف الحادث، ويُحترم وإن خالف النص، لأن هذه المخالفة تصبح ظاهرية غير حقيقية ما دامت علة النص تنتفي بوجود العرف، إذ من المقرر في قواعد الأصول أن الحكم الشرعي يدور مع علته، فيثبت عند ثبوتها، وينتفي بانتفائها، وهناك شواهد فقهية عديدة على هذا المبدأ في اعتبار العرف الحادث نورد بعضها فيما يلي»(2).
وأورد اجتهاد الحنفية في الحديث "نهى عن بيع وشرط"(3) حيث استثنوا من عموم هذا النهي الشرط الذي يتعارفه الناس ومستندهم في ذلك: «هو--------------------------------------------
(1) محمد شلبي، تعليل الأحكام، ص 321.
(2) مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ط 9، دار الفكر، بيروت، ج 2، ص 905، وسيشار له بـ مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام.
(3) هذا الحديث لا أصل له، روي في حكاية عن أبي حنيفة ثم تداوله الفقهاء، ويغني عنه ما رواه مسلم في صحيحه، حديث رقم (3758): "ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل". وانظر: الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ط 3، المكتب الإسلامي، ج 1، ص 491.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)

النظر في علة الحديث النبوي الذي نص على منع الشرط في البيع، فقد اعتبروا أن الغرض التشريعي منه، هو منع سبب المنازعة، لأن هذه الشروط الزائدة على أصل عقد البيع يفضي تنفيذها وكيفيته إلى النزاع غالبًا، فرأوا أن العرف إذا جرى على بعضها ينفي النزاع، إذ يجعل الأمر معلومًا مألوفًا فلا يكون العرف قاضيًا على النص بل موافقًا لغرضه وروحه ولو كان عرفًا حادثًا»(1).
ولما كان التخصيص في المثال المذكور ناشئًا عن العلة لا عن العرف الحادث، تنبَّه الأستاذ الزرقا لهذا الأمر واستدرك في حاشية الطبعات الجديدة من كتابه قائلًا: «يتضح من ذلك أن اعتبار العرف الحادث المخالف في الظاهر لعموم النص التشريعي ليس من قبيل تخصيص النص العام بعرف حادث؛ لأن من شرائط تخصيص النص التشريعي العام أن يكون دليل تخصيصه مقارنًا له في الوجود … ولكن اعتبار العرف الحادث الذي يزيل علة النص هو نتيجة لاعتبار النص مخصَّصًا بمقتضى علته، فهو تخصيص بالعلة لا بالعرف الحادث، وما اعتبار العرف الحادث إذا كان نافيًا لتلك العلة إلا تطبيق لذلك التخصيص سابق الاعتبار»(2).
وقال بعد بيان اختباط بعض الكاتبين في تخريج هذه المسألة:
«وهذه القضية [أي تخصيص النص بعلته] في الواقع تعتبر من أدق المواطن الفقهية الأصولية وأكثرها اشتباهًا على المحققين»(3).
وأما الدكتور البوطي فقد أضاف - كما هو شأنه في كتابه الضوابط - قيدًا جديدًا في مسألة تخصيص النص بالعلة، وهو أن تكون هذه العلة المخصِّصة--------------------------------------------
(1) مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج 2، ص 907.
(2) المرجع السابق، ج 2، ص 907 بتصرف.
(3) المرجع السابق، ج 2، ص 319.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)

لأصلها منصوصة أو مجمعًا عليها، فقال بأنه لا عبرة بالعرف الحادث إذا وقع في معارضة النص «وليس من خلاف بين المسلمين في هذا إلا إذا كان النص معلَّلًا وكان العرف الحادث مزيلًا لتلك العلة، ففي هذه الصورة مجال للبحث والنقاش ويرجِح فضيلة الأستاذ الزرقا [والكلام لا يزال للبوطي] في كتابه المدخل الفقهي القول بحجية العرف في مثل هذه الحال» ثم أورد طرفًا مما سبق نقله من كلام الزرقا وقال: «وهذا الذي يراه الأستاذ الزرقا دقيقٌ ووجيه ولا أظن إلا أنه الحق الذي ينبغي أن يقول به عامة الأصوليين … إلا أنه ينبغي اشتراط كون علة مثل هذا النص ثابتة بالإجماع أو بدلالة النص فحينئذ يمكن أن نطمئن إلى أن اختلاف العرف أو طروءه المؤثر في العلة الثابتة مؤثر في الحكم المرتبط به أيضًا»(1).
وهذا القيد الذي قرره البوطي غير وجيه فيما أرى، لأن العلل المنصوصة والمجمع عليها من الندرة بمكان فيترتب على هذا القيد تعطيل الاجتهاد بالتعليل - والتعليل أصل في كل حكم - إلا في حدود ضيقة جدًا، هذا فضلًا عن كون هذا القيد مما لا دليل عليه بل إنه مخالف لما درج عليه الأولون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة الفقهاء.
وأما الدكتور السعدي الهيتي فلم يعط هذه المسألة حقها من البحث في كتابه مباحث العلة عند الأصوليين، وإنما تعرض لما شرطه الأصوليون لصحة العلة أن لا تعود على أصلها بالإبطال ولم يزد عما قرره الزركشي - في كتابه البحر المحيط - من القول في المسألة(2).--------------------------------------------
(1) د. محمد سعيد البوطي، ضوابط المصلحة، ص 251 - 253.
(2) انظر: د. عبد الحكيم السعدي الهيتي، مباحث العلة في القياس عند الأصوليين، ط 1، دار البشائر الإسلامية، بيروت، 1406 هـ، ص 264 - 267.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)

وأما الأستاذ أحمد الريسوني فقد نادى - وهو بصدد بحث مجالات العقل في تقدير المصالح - بما سماه «التفسير المصلحي للنصوص» قال: «وأعني بذلك أن تفسير الفقهاء للنصوص واستنباطهم منها، تُستحضر فيه وتستصحب المعاني والحكم والمصالح التي يعمل الشرع على تحقيقها ورعايتها، وهو ما يكون له أثره في فهم النص وتوجيهه والاستنباط منه، فقد يُصرف النص عن ظاهره وقد يُقيّد أو يُخصص، وقد يُعمم وظاهره الخصوصية، ودور العقل هنا يتمثل في تقدير المصلحة التي يستهدف النص تحقيقها، إذا لم يكن مصرحًا بها طبعًا، ثم تفسير النص بما يحققها مع عدم الغفلة عن مختلف المصالح والمفاسد التي لها صلة بموضوع ذلك النص ومعلوم أن أحد مسالك التعليل هو مسلك المناسبة وهو مسلك عقلي إلى حد كبير ولعلّ أكثر التعليلات الدائرة في الفقه تقوم على هذا المسلك بحيث تنبني عليه اجتهادات وقياسات واستنباطات لا تُحصى وكلها عبارة عن تفسير مصلحي للنصوص، وفي هذا يقول الدكتور حسين حامد حسان وهو يشير إلى آفاق (نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي): "وقد ينص الشارع على حكم واقعة، دون أن يدل النص على المصلحة التي قُصد بالنص تحقيقها ويجد الفقيه أن فهم النص وتحديد مضمونه ونطاق تطبيقه يتوقف على معرفة هذه المصلحة فعند ذلك يجتهد الفقيه في التعرف على هذه المصلحة أو الحكمة أو العلة أو الوصف المناسب، مسترشدًا بروح الشريعة وعللها المنصوصة، وقواعدها أو مصالحها المستنبطة، فإذا ما توصل إلى هذه الحكمة وتعرف على تلك المصلحة فسَّر النص في ضوئها وحدد نطاق تطبيقه على أساسها"(1)»(2).--------------------------------------------
(1) د. حسين حامد حسان، نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي، ط 1، دار الكتاب العربي، مصر، 1981، ص م.
(2) أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، ط 1، نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي والمؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1412 هـ، ص 230.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)

‌‌المبحث الثاني
عرض أدلة الأصوليين في «تأثير تعليل النص على دلالته» ومناقشتها
ويشتمل هذا المبحث على مطلبين:
المطلب الأول: أدلة المجيزين لتأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
المطلب الثاني: أدلة المانعين من تأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)

‌‌المطلب الأول
أدلة المجيزين لتأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
سبق نقل جواز تأثير تعليل النص على دلالته عن الغزالي وعزاه إلى الأئمة مالك وأبي حنيفة والشافعي وعن ابن السبكي والإسنوي وابن دقيق العيد وابن القيم وابن تيمية والشاطبي ومشايخ سمرقند من الحنفية وأبي الخطاب وابن عقيل الحنبليين.
وهؤلاء المجيزون لا يذكرون - في جملتهم - أدلة خاصة على ما ذهبوا إليه إلا أن بعضهم استدل بما يلي:
الدليل الأول: ما روي من اجتهاد الصحابة بالوصال في الصوم مع علمهم بالنهي «تحقُّقًا بأن مغزى النهي الرفق والرحمة لا أنّ مقصود النهي عدم إيقاع الصوم ولا تقليله»(1) وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم إياهم على هذا الاجتهاد.
وقد سبق توضيح هذا الاجتهاد ومناقشته أثناء الحديث عن اجتهادات الصحابة في الفصل الثاني فلا حاجة لتكرار القول هاهنا.
الدليل الثاني: القياس على جواز تخصيص العام بالقياس.
العام هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بوضع واحد(2) والقياس هو إلحاق فرع بأصل في الحكم لاشتراكهما في العلة المقتضية للحكم(3).--------------------------------------------
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 150.
(2) الرازي، المحصول، ج 1، ص 353.
(3) انظر: محمد بن أحمد التلمساني، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، دار الكتب العلمية، بيروت 1403 هـ، ص 129، وسيشار له بـ التلمساني، مفتاح الوصول. ومحمد الخضري بك، أصول الفقه، ط 7، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1412 هـ، ص 288، وسيشار له بـ الخضري، أصول الفقه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)

وإذن، فتخصيص العام بالقياس يعني: قصر العام على بعض ما يصلح له بدليل القياس، أو هو إخراج بعض أفراد العام عن حكمه لاندراج هذا البعض تحت حكمٍ آخر يقتضيه القياس.
ومثال ذلك إباحة بعض الشافعية(1) قطع «الشوك الذي يعترض طريق الحجيج في البلد الحرام» بدليل القياس على إباحة قتل الفواسق الخمس الثابتة بالحديث «خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم .... »(2) وذلك لاشتراك «الشوك الذي يعترض طريق الحجيج» و «الفواسق الخمس» بعلة الإيذاء.
مع أن هذا القياس معارض بعموم قوله صلى الله عليه وسلم في البلد الحرام: "هو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده .... "(3).
وجه ابتناء القول بتأثير تعليل النص على دلالته على القول بجواز تخصيص العام بالقياس:
تخصيص العام بالقياس إنما هو صرف للنص عن معناه الظاهر إلى معناه المؤول بمقتضى العلة.
وبيان ذلك - من خلال المثال المتقدم - أنه قد وقع تعارض في «الشوك الذي يعترض طريق الحجيج» في أرض الحرم بين مقتضى ظاهر النص وبين مقتضى العلة.--------------------------------------------
(1) انظر: النووي، منهاج الطالبين، مع شرحه مغني المحتاج، ج 1، ص 528 والبوطي، ضوابط المصلحة، ص 175.
(2) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1829).
(3) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1834).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)

فمقتضى ظاهر النص "لا يعضد شوكه" يتناوله بحكمة وهو عدم جواز التخلص منه بقطع أو غيره ومقتضى العلة المستنبطة من الحديث خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحرم … وهي الإيذاء يتناوله بحكمه وهو جواز التخلص منه بقطع أو غيره.
ولدفع هذا التعارض وجمعًا بين دليلي العموم والعلة قيل بتخصيص عموم النص بالعلة، وتخصيص العموم صرفٌ للنص عن معناه الظاهر إلى المعنى المؤول، وعليه، فالقول بتخصيص العام بالقياس ما هو إلا قول بتقديم مقتضى العلة على مقتضى ظاهر النص عند التعارض، فإذا كان كذلك فأيُّ فرق بين أن يُقدم مقتضى العلة المستنبطة من نص ما على مقتضى ظاهر نص آخر - كما هو الحال في تخصيص العام بالقياس - وبين أن يُقدم مقتضى العلة المستنبطة من نص ما على مقتضى ظاهر النص نفسه الذي استُنبطت منه العلة - كما هو الحال في تأثير تعليل النص على دلالته -؟.
أليس ذاك نصًا بطل ظاهره بالعلة وهذا كذلك؟
وأليس القول بتقديم مقتضى العلة على مقتضى النص عند التعارض حاصل في الحالين؟
وإذن، فمن قال بجواز تخصيص العام بالقياس - وهم الجمهور من الأصوليين(1) - يلزمه بلا بد القول بتأثير تعليل النص على دلالته، لاسيما وقد أشار إلى ابتناء القول بتأثير تعليل النص على دلالته على القول بتخصيص العام--------------------------------------------
(1) انظر: أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 275. والرازي، المحصول، ج 1، ص 436، والزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 369 - 374 وابن الهمام، التحرير، ج 1، ص 321.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)

بالقياس الإسنوي، رحمه الله، حيث رجح جواز أن تعود العلة على أصلها بالتخصيص قياسًا على جواز تخصيص اللفظ العام بها(1).
وأشار إلى ذلك أيضًا الصفي الهندي رحمه الله، وذلك حينما انتقد اشتراط الأصوليين لصحة العلة المستنبطة من أصل ما أن لا تعود على أصلها الذي استنبطت منه بالإبطال فقال: «هذا الشرط صحيح إن عني بذلك إبطاله [أي الأصل] بالكلية، فأما إذا لزم فيه تخصيص الحكم ببعض الأفراد دون البعض فينبغي أن يجوز لأنه كتخصيص العلة لحكم نص آخر [وهذا هو التخصيص بالقياس] وهو جائز فكذا هذا»(2).
إلا أن بعض الأصوليين قد اعترض على التسوية بين تخصيص النص بما يستنبط منه من علة وبين تخصيص النص بعلة مستنبطة من نص آخر، بأن الحالة الأولى تتضمن عود الفرع على أصله بالإبطال - وهذا لا يصح - بخلاف الحالة الثانية لأن العلة لا تخصص أصلها وإنما تخصص نصًا آخر. قال أبو إسحاق الشيرازي: «القياس الجلي يجوز التخصيص به قطعًا، وأما الخفي فإن كان مستنبطًا من الأصل لم يجز تخصيصه به قطعًا لأنه يعترض الفرع على أصله وهو لا يصح، وإن كان غير مستنبط من الأصل جاز»(3).
وهذا الاعتراض صحيح إذا سُلّم بأن عود العلة على أصلها بالتخصيص إنما هو إبطال له، ولكنَّ هذا ليس بمسلم كما سيأتي بيانه في المطلب التالي.
الدليل الثالث: وهو دليل لغوي وذلك «أنّ [والكلام للشاطبي] كلام العرب على الإطلاق لابد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ وإلا--------------------------------------------
(1) انظر: العطار، حاشية العطار على جمع الجوامع، ج 2، ص 291 وليس هو في شرح الإسنوي على المنهاج.
(2) نقله عنه الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 153.
(3) نقله عنه الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 347، مع حذف ما لا حاجة إليه ولم أجده بنصه في شرح اللمع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)

صار ضحكة وهزءة، ألا ترى إلى قولهم: فلان أسد أو حمار أو عظيم الرماد أو جبان الكلب، وفلانة بعيدة مهوى القرط(1) وما لا ينحصر من الأمثلة ولو اعتبر اللفظ بمجرده لم يكن له معنى معقول فما ظنك بكلام اللَّه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم»(2).
وقال الغزالي بعد تجويزه لتخصيص النص بما يستنبط منه من عله «فهذا نوع تخصيص بعلة مستنبطة من المخصوص وليس أمثاله ممنوعًا إذ العام يطلق ويراد به الخاص وهو غالب في عادة العرب واتباع المعنى أولى من الجمود على الصيغة»(3).
وقال ابن القيم: «اللفظ الخاص قد ينتقل إلى معنى العموم بالإرادة والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة، فإذا دعي إلى غداء فقال: واللَّه لا أتغدى، أو قيل له: نم فقال: واللَّه لا أنام أو: اشرب هذا الماء فقال: واللَّه لا أشرب، فهذه كلها ألفاظ عامّة نُقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي إلى آخر العمر»(4).
ويمكن الاعتراض على هذا الاستدلال بأن نقل الخاص إلى العام والعام إلى الخاص بالعلة، وإن أمكن أن يكون تصرفا لغويًا، إلا أنه ليس على إطلاقه كذلك، بل لا يكون هذا التصرف لغويًا إلا حيث كانت العلة قاطعة أو ظاهرة ظهورًا قويًا كما في قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء: 23] إذ لا يقتصرُ النهي على التأفف وإنما يعم كل ما يؤدي إلى--------------------------------------------
(1) القرط: ما يعلق بالأذن (الحلق) وبعيدة مهوى القرط كناية عن طول العنق. انظر: المعجم الوسيط، ج 2، ص 755.
(2) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 147.
(3) الغزالي، شفاء الغليل، ص 87.
(4) ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 1، ص 219.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)