Arabic source text

📘 আসারু তালীিলন নাসসি আলা দালালাতিহি (আয়মান সালিহ)

📘 أثر تعليل النص على دلالته (أيمن صالح)

📘 আসারু তালীিলন নাসসি আলা দালালাতিহি (আয়মান সালিহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الإيذاء، وهذا ما يسميه الأصوليون بمفهوم الموافقة(1) أو دلالة النص(2)، ولا خلاف في التخصيص والتعميم بمثل هذه العلل إلا عند من شذ من الظاهرية(3).
وأما العلل التي تحتاج إلى تأمل وتفكير واستنباط - وهي التي وقع النزاع بتأثيرها على النص - فلا يمكن الادعاء بأن تعميم النص وتخصيصه بها هو من قبيل الدلالة اللغوية لنفس النص الذي استنبطت منه والدليل على ذلك أن غير المجتهد - حتى لو كان لغويا - لا يقوى على فهم هذا التعميم أو التخصيص بمجرد سماع النص بخلاف الحال في مفهوم الموافقة حيث يدرك ذلك كل عالم باللغة.
وادعاء ابن رشد(4) - وهو ما قد يُفهم من كلام ابن القيم(5) - بأن القياس، أو بعبارة أخرى تعميم الحكم بالعلة إنما هو من قبيل الدلالة اللغوية للنص الشرعي - على الرغم من أن له وجهًا إلا أنه يبقى محلًا للنظر.
الدليل الرابع: وهو أوجه نظرية ثلاثة ذكرها الشاطبي:
أحدها: أنه «قد قام الدليل على اعتبار المصالح شرعًا، وأن الأوامر والنواهي مشتملة عليها، فلو تركنا اعتبارها على الإطلاق لكنا قد خالفنا الشارع من حيث قصدنا موافقته، فإن الفرض أن هذا الأمر وقع لهذه المصلحة، فإذا ألغينا النظر فيها في التكليف بمقتضى الأمر كنا قد أهملنا في--------------------------------------------
(1) وهو إطلاق الجمهور انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 7 - 11 ومحمد الخضري أصول الفقه، ص 122.
(2) وهو إطلاق الحنفية انظر: ابن الهمام، التحرير، ج 1، ص 90، ومحمد الخضري، أصول الفقه ص 122.
(3) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 4، ص 10.
(4) انظر: ابن رشد، الضروري في أصول الفقه، ص 130 - 131.
(5) انظر: ابن القيم، إعلام الموقعين، ص 218 وما بعدها، ص 337 وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)

الدخول تحت حكم الأمر ما اعتبره الشارع فيه فيوشك أن نخالفه في بعض موارد ذلك الأمر»(1).
والوجه الثاني: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أشياء وأمر بأشياء وأطلق القول فيها ليحملها المكلف في نفسه وفي غيره على التوسط لا على مقتضى الإطلاق الذي يقتضيه لفظ الأمر والنهي فجاء الأمر بمكارم الأخلاق وسائر الأمور المطلقة، والنهي عن مساوئ الأخلاق وسائر المناهي المطلقة وقد تقدم أن المكلف جُعل له النظر فيها بحسب ما يقتضيه حاله ومُنّته(2)، ومثل ذلك لا يتأتى مع الحمل على الظاهر مجردًا من الالتفات إلى المعاني»(3).
والوجه الثالث: أن «الأوامر والنواهي من جهة اللفظ على تساوٍ في دلالة الاقتضاء، والتفرقة بين ما هو منها أمر وجوب أو ندب وما هو نهي تحريم أو كراهة لا تُعلم من النصوص وإن عُلم بعض فالأكثر منها غير معلوم وما حصل لنا الفرق بينها إلا باتباع المعاني والنظر إلى المصالح وفي أي مرتبة تقع وبالاستقراء المعنوي ولم نستند فيه إلى مجرد الصيغة»(4).
وهذه الأوجه التي يذكرها الشاطبي في تدعيم القول بلزوم النظر إلى علة النص وإن أدى ذلك إلى التأثير على ظاهره أوجه قوية، إلا أنه يمكن الاعتراض على الوجه الأخير منها بأن ما ذكر من أن دلالة الأوامر على الوجوب أو الندب والنواهي على التحريم أو الكراهة لا تُعلم بالتحديد إلا من خلال--------------------------------------------
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 150.
(2) المُنَّة بضم الميم وتشديد النون: القوة والطاقة. انظر: المعجم الوسيط، ج 2، ص 924.
(3) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 151.
(4) المرجع السابق، ج 3، ص 153.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)

اتّباع المعاني فهذا صحيح عند من يقولون(1) - ومنهم الشاطبي(2) - بالوقف(3) أو الاشتراك(4) في دلالة الأمر بين الوجوب والندب وفي دلالة النهي بين التحريم والكراهة.
أمّا جمهور الأصوليين(5) القائل بأن الأصل في الأمر الوجوب وفي النهي التحريم فلا يرد عليه أن التفرقة بين الأوامر ما كان منها أمر وجوب أو ندب، وبين النواهي ما كان منها نهي تحريم أو كراهة لا تكون إلا باتباع المعاني، لأنه حيث لا قرينة صارفة للأمر أو النهي تبقى دلالتهما على أصلها من الوجوب أو التحريم ولا لزوم لاتباع المعنى أو العلة كما ادعاه الشاطبي.--------------------------------------------
(1) كالأشعري والباقلاني والغزالي وأبي منصور الماتريدي، وعُزي إلى الشافعي انظر: الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 169.
(2) انظر: الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 210.
(3) وصفة الوقف أنهم يقولون: الأمر إما حقيقة في الوجوب وإما حقيقة في الندب وإما مشترك بينها لكنا ما ندري ما هو الواقع من هذه الأقسام الثلاثة، لذلك لا يتعين معنى الأمر عندهم إلا بالقرينة انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 368.
(4) إما الاشتراك اللفظي كالقرء للحيض وللطهر وإما الاشتراك المعنوي بأن يدل الأمر على مطلق الطلب ويحصل التفريق بين أمر الوجوب وغيره بالقرائن انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 368.
(5) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 365 والشوكاني، إرشاد الفحول، ص 169.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)

‌‌المطلب الثاني
أدلة المانعين من تأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
سبق نقل المنع من تأثير تعليل النص على دلالته عن القاضي الباقلاني وإمام الحرمين، وأبي إسحاق الإسفراييني وأبي منصور البغدادي وأبي إسحاق الشيرازي ومشايخ العراق من الحنفية كالدبوسي والبزدوي والسرخسي وغيرهم.
ويمكن تقسيم أدلتهم على ما ذهبوا إليه إلى قسمين:
الأول: الأدلة النقلية.
الثاني: الأدلة النظرية.
ولذا كان هذا المطلب في مقصدين:
المقصد الأول: الأدلة النقلية للمانعين من «تأثير تعليل النص على دلالته» ومناقشتها.
المقصد الثاني: الأدلة النظرية للمانعين من «تأثير تعليل النص على دلالته» ومناقشتها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)

‌‌المقصد الأول
الأدلة النقلية للمانعين من تأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
وهذه الأدلة عبارة عن وقائع اجتهادية صدرت عن الصحابة رضوان اللَّه عليهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ويمكن تصنيف هذه الوقائع ضمن نوعين:
النوع الأول: وقائع تضمنت اجتهادات للصحابة رضوان اللَّه عليهم انبنت على اتباع الظاهر دون الالتفات إلى العلة فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليها.
النوع الثاني: وقائع تضمنت اجتهادات للصحابة رضوان اللَّه عليهم انبنت على التعليل فلم يقرهم النبي صلى الله عليه وسلم عليها
أما أمثلة النوع الأول فقد ذكر منها الشاطبي ما يلي:
1 - حديث الصلاة في بني قريظة(1) حيث إن الصحابة الذين أخروا صلاة العصر إلى ما بعد المغرب إنّما ساروا وراء الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم وتركوا الالتفات إلى علة هذا القول مع وضوحها.
وقد سبق في الفصل الثاني من هذه الرسالة مناقشة هذا الدليل وتوجيهه فلا حاجة لتكرار القول هاهنا.
2 - ما رواه أبو داود من أنّ ابن مسعود رضي الله عنه جاء يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فسمعه يقول: "اجلسوا" فجلس بباب المسجد فرآه النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له: تعال يا عبد اللَّه(2).--------------------------------------------
(1) انظر: الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 145.
(2) أبو داود، السنن، ج 1، ص 286، وانظر: الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 145.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)

ووجه دلالة هذا الحديث على جواز اتباع الظاهر واضح، إذ إن ابن مسعود جرى مع ظاهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالجلوس فجلس بباب المسجد مع أنّ الغالب على الظن أنه ليس مقصودًا في الخطاب وإنما المقصود من حضر من الصحابة في المسجد، فكأن ابن مسعود في هذا الاجتهاد كان جاريًا مع الصيغة دون الالتفات إلى القصد، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
ويرد على هذا الدليل أن حديث ابن مسعود هذا لا يصح موصولًا وإنما هو مرسل من رواية عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: قد رواه أبو داود من طريق مخلد بن يزيد ثنا ابن جريح عن عطاء عن جابر به(1) وهذا موصول من حديث جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنه.
فالجواب عليه هو أنّه لم يصلْ هذا الحديث سوى مخلد بن يزيد وهو ليس ممن يُحتمل تفرده(2) لذلك قال أبو داود عقب رواية الحديث: «هذا يعرف مرسل إنّما رواه الناس عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومخلد هو شيخ(3)»(4).
وعلى فرض صحة هذا الحديث أو قبوله - لأن المرسل حجة عند جمع من العلماء(5) - فإن دلالته على اتباع ظاهر اللفظ دون الالتفات إلى العلة تظل محل نظر وذلك لأن علة أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالجلوس ليست واضحة في--------------------------------------------
(1) أبو داود، السنن، ج 1، ص 286.
(2) قال فيه الإمام أحمد: «لا بأس به وكان يهم» وقال ابن حجر: «صدوق له أوهام» انظر: الحافظ المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال ط 1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1413 هـ، ج 27، ص 345، وابن حجر العسقلاني، تقريب التهذيب، ط 3، دار الرشيد، حلب، 1411 هـ، ص 524.
(3) قال الذهبي في ترجمة العباس بن الفضل: قال أبو حاتم: شيخ، فقوله هو شيخ ليس هي عبارة جرح ولكنها أيضًا ما هي بعبارة توثيق وبالاستقراء يلوح لك أنه ليس بحجة» الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، مطبعة السعادة، القاهرة، 1325 هـ ج 2، ص 19 بحذف يسير. أفاده العلامة أبو غدة في تعليقاته على الرفع والتكميل، لمحمد اللكنوي، ط 3، مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، 1407 هـ، ص 150.
(4) أبو داود، السنن، ج 1، ص 286.
(5) كأبي حنيفة ومالك وأحمد، انظر: ابن الصلاح، مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، دار الفكر، بيروت، 1408 هـ، ص 26.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)

الحديث حتى يقال بأنَّ ابن مسعود ترك الالتفات إليها هذا فضلًا عن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقرَّ ابن مسعود على اجتهاده هذا تمامًا إذ قال له: "تعال".
3 - ما رُوي أن عبد اللَّه بن رواحة سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اجلسوا" فجلس بالطريق فمرّ به صلى الله عليه وسلم فقال: "ما شأنك" فقال: سمعتك تقول: "اجلسوا" فقال له: "زادك اللَّه طاعة"(1).
ووجه دلالة هذا الحديث على اتباع الظاهر دون الالتفات إلى العلة كهي في الحديث السابق مع مزيد وضوح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أثنى على اجتهاد عبد اللَّه بن رواحة هذا بخلاف ما سبق من اجتهاد ابن مسعود.
ويرد على هذا الحديث أنه ليس في كتب السنة المشهورة وإنما عزاه صاحب كنز العمال إلى ابن عساكر والديلمي والعزو إلى هذين المصدرين وحدهما مشعر بضعف الحديث لاسيما وقد ذكر المتقي الهندي صاحب الكنز في مقدمة كتابه أن ما عزاه إلى هذين المصدرين دون غيرهما من كتب السنة المشهورة فهو ضعيف(2).
وأما أمثلة النوع الثاني - وهي الاجتهادات المبنية على التعليل ولم يقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليها - فقد ذكر الشاطبي منها مثالًا واحدًا وهو:
1 - ما روي عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه أنه قال: "كنت أصلي فمر بي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيته فقال: ما منعك أن تأتي؟ ألم يقل اللَّه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] "(3).--------------------------------------------
(1) رواه ابن عساكر والديلمي، انظر: المتقي الهندي، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1409 هـ، ج 13، ص 450. وانظر: الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 145.
(2) انظر: المتقي الهندي، كنز العمال، ج 1، ص 10.
(3) البخاري، الصحيح، حديث رقم (4647).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)

قال الشاطبي: «فهذا منه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى النظر لمجرّد الأمر وإن كان ثَمَّ معارض»(1).
ويرد على هذا الدليل أن اجتهاد أبي سعيد في هذه الواقعة ليس هو من قبيل تأثر النص بما يستنبط منه من علة، وذلك لأن علة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجابته غير معروفة حتى يقال بأن أبا سعيد فهم من علة الأمر عدم لزوم الإجابة على الفور.
وإنما الذي صنع أبو سعيد هو الموازنة بين حكمين شرعيين: -
الأول: يقضي بإتمام الصلاة وهو مأخوذ من الآية: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وغيرها من الدلائل.
والآخر: يقضي بقطع الصلاة وهو مأخوذ من أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بالإجابة.
فجمع أبو سعيد بين النصين بأن أتم الصلاة ثم أجاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. وقد أخطأ في هذا الاجتهاد؛ لأن إتمام النافلة نافلة وإجابة النبي صلى الله عليه وسلم فرض ولا تقدم النافلة على الفرض، فلامه صلى الله عليه وسلم على ذلك بيانًا لخطأ هذا الاجتهاد، وعليه، فلا دلالة في الحديث على عدم جواز تأثير تعليل النص على دلالته واللَّه أعلم.
وبالإمكان إضافة مثال آخر على هذا النوع أكثر وضوحًا وهو:
2 - ما روته عائشة رضي الله عنها قالت: "لددْنا(2) رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في مرضه، وجعل يشير إلينا: لا تلدُّوني، قالت: فقلنا: كراهيةَ المريض للدواء، فلما أفاق قال: ألم أنهكن أن تلدوني؟ قالت: قلنا: كراهية للدواء، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: لا يبقى أحدٌ منكم إلا لُدَّ وأنا أنظر"(3).--------------------------------------------
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 145.
(2) أي وضعنا الدواء في جانب فمه دون اختياره ورضاه. انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 7، ص 754 والمعجم الوسيط، ج 2، ص 854.
(3) البخاري، الصحيح، حديث رقم (6886).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)

في هذا الحديث عَمِدت نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلى مخالفة ظاهر نهي النبي صلى الله عليه وسلم لهنّ عن صب الدواء في فمه دون اختياره وذلك بناء على حملهن هذا النهي على أنه إنما كان لعلة كراهية المريض للدواء إذا لم يوافقه، وفي هذه الحالة لا يؤخذ بأمر المريض ونهيه.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أفاق من إغمائته لم يقبل باجتهادهن هذا في مورد نهيه صلى الله عليه وسلم ولذلك عاقبهن بأن يُلددْن جميعًا حتى من كانت منهن صائمة كما جاء ذلك في بعض الروايات(1).
وهذا الدليل من القوة بمكان إلا أنه يمكن الجواب عليه بما يلي:
أولًا: أن هذا الحديث لا يتضمن نصًا شرعيًا ورد لتقرير حكم شرعي معين، وإنما كان نهي النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته عن لدّه أمرًا جبليًا يتعلق بشخص النبي صلى الله عليه وسلم من حيث إرادته أو عدم إرادته التداوي بدواء معين أو غيره، وهذا خارج عن أمر التشريع، وما كان كذلك فلا ينبغي التجاسر عليه وعلى ظاهره بالتعليل بخلاف نصوص الشريعة التي جاءت لتقرير أحكام مصلحية ظاهرة.
ثانيًا: أن تأويل أزواجه صلى الله عليه وسلم لنهيه أنه كان من أجل كراهية الدواء كان تأويلًا بعيدًا وذلك لما عُلم من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتداوى ويأمر بالتداوي، والتأويل البعيد - حتى لو كان بالتعليل - فهو مردود، قال ابن حجر رحمه الله:
«ويستفاد منه [أي الحديث السابق] أن التأويل البعيد لا يعذر به صاحبه»(2).--------------------------------------------
(1) انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 7، ص 755.
(2) المرجع السابق، ج 7، ص 754.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)

ومما يستدل به أيضًا على منع تأثير تعليل النص على دلالته من اجتهادات الصحابة رضوان اللَّه عليهم اجتهادهم - وهو لا يندرج تحت أي من النوعين آنفي الذكر - في مسألة الرمل في الطواف.
وذلك أن الرمل في الطواف - وهو شدة السعي في الأشواط الثلاثة الأولى - شُرع لعلة إظهار القوة للمشركين وقد زالت هذه العلة بعد فتح مكة وتطهيرها منهم إلا أن حكم الرمل لم يَزُلْ بل بقي الصحابة ومن بعدهم يرملون في هذه الأشواط.
قال ابن عباس، رضي الله عنهما: "قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم"(1).
وفي هذا دليل على عدم جواز تخصيص العموم الزمني للنص الشرعي بما يُستفاد منه من علة أو بعبارة أخرى دليل على عدم جواز تأثير تعليل النص على دلالته.
ويرد على هذا الدليل أنه يمكن القول بأن العلة لابتداء حكم الرمل وإن زالت إلا أن استمرار حكم الرمل ثبت لعلة أخرى، وهي التذكير بما كان عليه حال المسلمين من الخوف والمعاناة وكيف آل الأمر إلى انتشار الإسلام وعموم الأمن وخروج المشركين من جزيرة العرب، وهذا بدوره يذكر بفضل اللَّه ونعمته مما يدفع إلى حمده وشكره، وهذه معاني عبادية لا يهيجها شيء مثل الاتباع ولو في الصورة، وقد ألمح إلى شيء من ذلك عمر رضي الله عنه حين قال:--------------------------------------------
(1) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1602).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)

"ما لنا وللرمل إنما كنا راءينا به المشركين وقد أهلكهم اللَّه" ثم قال: "شيء صنعه النبي(1) صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه"(2).
قال ابن حجر رحمه الله: «إن عمر كان هم بترك الرمل في الطواف لأنه عرف سببه وقد انقضى فهم أن يتركه لفقد سببه، ثم رجع عن ذلك لاحتمال أن تكون له حكمة ما اطلع عليها فرأى أن الاتباع أولى من طريق المعنى، وأيضًا إن فاعل ذلك إذا فعله تذكر السبب الباعث على ذلك فيتذكر نعمة اللَّه على إعزاز الإسلام وأهله»(3).
وقال العز بن عبد السلام رحمه الله: «الأصل أن تزول الأحكام بزوال عللها» وذكر أمثلة لذلك ثم قال: «وقد شُرع الرمل في الطواف لإيهام المشركين قوة المؤمنين وقد زال ذلك والرمل مشرع إلى يوم الدين، ومثل هذا لا يُقاس عليه، لأن القياس فرع لفهم المعنى، ويجوز أن يقال: إنه صلى الله عليه وسلم رمل في حجة الوداع مع زوال السبب تذكيرًا لنعمة الأمن بعد الخوف لنشكر عليها فقد أمرنا اللَّه بذكر نِعَمَهُ في غير موضع من كتابه وما أمرنا بذكرها إلا لنشكرها»(4).
وهذا الجواب الذي أفاده العز وابن حجر رحمهما اللَّه أولى مما أجاب به الأستاذ شلبي بقوله - بعد إيراد قول عمر رضي الله عنه في الرمل: - «ولعلك تلمس من أثر عمر هذا شيئًا يميز لك بين نوعين من الأحكام فكثيرًا ما نراه، رضي الله عنه، يعلل تبعًا--------------------------------------------
(1) يعني - واللَّه أعلم - أنه صنعه في حجة الوداع وليس يومئذ في مكة مشرك كما ثبت ذلك في الصحيح، انظر: البخاري، الصحيح، حديث رقم (1604).
(2) البخاري، الصحيح، حديث رقم (1605).
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 3، ص 551.
(4) عز الدين بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، مؤسسة الريان، بيروت، 1410 هـ، ج 2، ص 191.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)

للمصلحة وإن أدى ذلك إلى ترك ظواهر النصوص أو تخصيصها، ولكنه رأى في هذا الفعل - الرَّمل - أنه وإن كانت العلة قد زالت فلم يجد مصلحة في تركه ولا يترتب على فعله مفسدة، ومثل هذا لا يُترك»(1).
ووجه الأولوية هو أن الفعل لا لمصلحة وإن لم يترتب عليه مفسدة أقرب إلى العبث منه إلى التشريع، ومثل هذا الفعل ينبغي أن يترك بخلاف ما قاله شلبي، وعلى أي تقدير فإن دلالة استمرار حكم الرمل على وجوب اتباع الظاهر من غير نظر إلى العلة - بعدما سبق من جواب - تصبح في محل نظر.--------------------------------------------
(1) محمد شلبي، تعليل الأحكام، ص 70.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)

‌‌المقصد الثاني
الأدلة النظرية للمانعين من تأثير تعليل النص على دلالته ومناقشتها
ويمكن في هذا الصدد ذكر أدلة أربعة:
الدليل الأول: - وهو الذي يذكره أكثر الأصوليين(1) - أن الاجتهاد المبنيَّ على تأثير تعليل النص على دلالته هو اجتهاد تضمّن إبطال الفرع لأصله وهو باطل؛ لأن الفرع إذ أبطل أصله أبطل نفسه.
ووجه ذلك أنّ النص أصل والعلة فرع تولّد عن هذا الأصل، فإذا عادت العلة على النص بإبطال كله أو بعضه كأن تخصص من عمومه، أو تقيّد من إطلاقه، أو تصرفه من الحقيقة إلى المجاز أو تبطل مفهومه المخالف، لزم من ذلك أن تبطُل هذه العلة أيضًا، لأن الفْرضَ أن الفرع إنما ثبت بالأصل فإذا بطل الأصل بطل الفرع، وإذن فاعتبار الفرع على هذا الوجه مؤدٍّ إلى عدم اعتباره، وتصحيحه مؤدٍّ إلى إبطاله وهذا تناقض لا يُتصوّر فهو باطل وكذا ما أدى إليه، فوجب أن يُشترط في التعليل حتى يصحّ أن لا يعود على أصله وهو النص بالإبطال، وهذا بالفعل ما أجمع عليه الأصوليون، قال ابن حجر رحمه الله: «اتفقوا على أنه لا يجوز أن يُستنبط من النص معنى يعود عليه بالإبطال»(2).--------------------------------------------
(1) انظر: الغزالي، المنخول، ص 201، والآمدي، الإحكام، ج 3، ص 354 والزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 152، وعضد الدين الأيجي، شرح مختصر ابن الحاجب، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403، هـ، ج 2، ص 228 وابن الهمام، التحرير، ج 4، ص 31.
(2) ابن حجر، فتح الباري، ج 12، ص 75.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)

ويمكن الاعتراض على هذا الدليل بالقول:
إنه من المسلم به أن معرفة العلة فرع عن دلالة النص، ومن المسلم به أيضًا أنه لا يصح للفرع أن يعود على أصله بالإبطال، إلا أن المنازعة قائمة في إسقاط هذه القاعدة على محل النزاع، وذلك لأن تأويل النص بصرفه من العموم إلى الخصوص أو من الخصوص إلى العموم أو بصرفه من الحقيقة إلى المجاز وغير ذلك من أوجه التأويل ليس هو «إبطالًا» للنص، وإنما هو إعمال له في أحد معنييه بكامل دلالته، وإعمال النص - ولو في أحد معنييه - مناف لإبطاله، فليس التأويل إبطالًا وإنما هو ترجيح لأحد معنيي أو محملي النص على الآخر، وشأن التعليل في ترجيح أحد هذين المحملين هو شأن أي قرينة تصرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى المعنى المؤول فلا يُقال بأن هذه القرينة بتأثيرها على النص بالتأويل تكون قد أبطلته.
نعم، يمكن القول بأنها أبطلت ظاهره، ولكنَّ هذا شيء وإبطاله كليا شيء آخر. ومن هنا قال الصفي الهندي، رحمه الله، عندما علّق على اشتراط الأصوليين لصحة العلة أن لا تعود على أصلها بالإبطال: «هذا الشرط صحيح إن عني بذلك إبطاله بالكلية فأما إذا لزم فيه تخصيص الحكم ببعض الأفراد دون البعض فينبغي أن يجوز»(1).
فإن قيل: فما الدليل على أن عَوْد العلّة على ظاهر النص بالإبطال يفترق عن عودها عليه كليًا بذلك، وأن عودها على الظاهر بالإبطال لا يُعدّ من قبيل عود الفرع على أصله بالإبطال لا سيما أن العلة منبثقة عن النص كلّه بكلتا دلالتيه الظاهرة - أو الظنية - والقاطعة؟--------------------------------------------
(1) الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 153.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)

فالجواب هو أنّ القول بانبثاق العلة عن كلا دلالتي النص الظنية والقطعية - وقد سبق شرح هذين الدلالتين في مقتضى النص في الفصل الأول - فيه نظر.
ووجه ذلك أن الدلالة القطعية للنص - وهي ما دلّ عليه النص قطعًا - تكفي بمجردها للتعريف بعلة النص، لذلك فإنها - وحدها دون الدلالة الظنية - هي أصل العلة والعلة فرعها، ومن هنا سبق القول بأنه لا يجوز للعلة أن تعود عليها بالتأثير، وبأن مجال تأثير التعليل على النص يتحدد بما دون المقتضى القطعي للنص، فإذا كان ذلك خرج عود العلة على المقتضى الظني للنص بالإبطال عن كونه عودًا للفرع على أصله بذلك لأنه - وكما سبق القول - ليست العلة فرعًا لمقتضى النص الظني وإنما لمقتضى النص القطعي فقط.
ويمكن توضيح هذا القول بمثال، وهو اجتهاد المالكية في الحديث «القاتل لا يرث»(1)، إذ يرى الإمام مالك، رحمه الله، أن القتل المانع من الإرث هو فقط القتل العمد العدوان؛ وذلك لأن العلة في الحرمان من الإرث - كما رآها هو - هي معاملة القاتل المستعجل للإرث بنقيض مقصوده عقوبة له، ومقتضى هذه العلة هو أن لا يحرم القاتل خطأ من الإرث وذلك لعدم توفر قصد الإجرام لديه، وأن لا يحرم كذلك القاتل بحق كمستوفي القصاص وذلك لأنه لا يستحق العقوبة لقيامه بواجبه.
وعليه يكون الإمام مالك قد خصّ بمقتضى العلة هذا عموم الحديث الناصّ على حرمان القاتل - بإطلاق - من الإرث(2).--------------------------------------------
(1) سبق تخريجه في المبحث السابق، المطلب الأول.
(2) انظر: الغزالي، شفاء الغليل، ص 72، والحطاب، مواهب الجليل، ج 6، ص 422.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)

وللحديث دلالتان:
إحداهما: قطعية وهي تفيد بأن نوعًا على الأقل مما يُسمَّى قتلًا يمنع من الإرث، وهذه الدلالة لا يجوز التأثير عليها بحال؛ لأن ذلك يعني نسخَ حكم منع القتل لاستحقاق الإرث وتعطيلَه، وهذا لا يكون إلا بخطاب من الشارع الحكيم وهو ما لم يرد، ومن هنا أجمع الفقهاء الآخذون بهذا الحديث على أن نوعًا على الأقل من القتل يمنع من الإرث، وهو القتل العمد العدوان، واختلفوا فيما سوى هذا النوع من القتل(1).
والدلالة الثانية: ظنية وهي تفيد بأن جميع أنواع القتل تمنع من الإرث، وهذه الدلالة مأخوذة من عموم لفظ «القاتل»، وإنّما قيل بأنها ظنية لأن اللفظ العام يقبل - من حيث الاستعمال اللغوي - أن يُراد به الخاص وإن كان الأصل فيه العموم والاستغراق.
فإذا تقرر ما سبق، فإنه من غير المستهجن القول بأن دلالة النص القطعية والتي قضت بأن هناك نوعًا على الأقل من القتل يمنع من الإرث تكفي في إفادة علة الحكم، وذلك لأن العلة إذا استُنبطت بمسلك المناسبة فهي إنما تتولّد من نظر العقل في وجه المصلحة التي من أجلها ربط الشارع «الحكم» بـ «المحكوم فيه»، وما دامت دلالة النص القطعية كافية في الدلالة على هذا الربط - إذ إنها ربطت بين القتل، وهو الفعل المحكوم فيه، وبين المنع من الإرث، وهو الحكم - فإنه يمكن، بالنظر إليها بمجردها، استنباطُ علة الحكم.--------------------------------------------
(1) انظر: سعدي أبو جيب، موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي، ط 2، دار الفكر دمشق، 1404 هـ، ج 2، ص 986.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)

وبناء على ذلك فليس للدلالة الظنية للنص دخْل في إفادة العلة حتى يُقال بأن اجتهاد الإمام مالك في هذا الحديث تضمّن استنباط علة عادت على أصلها بالإبطال.
وإذن فهكذا يمكن القول في كل مثال عادت فيه العلة المستنبطة من نصّ ما على ظاهر هذا النص بالإبطال.
فإن قيل: فما هو مثال عود العلة على أصلها وهي الدلالة القاطعة للنص بالإبطال؟
فالجواب إنه يمكن التمثيل لذلك بمثالين:
المثال الأول: قوله تعالى في القاذفين: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ 4 إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4، 5]، على فرض عدم تعلّق الاستثناء {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} بعدم قبول الشهادة وإنما بالحكم بالفسق كما هو رأي الحنفية(1).
فلو علّل أحدهم عدم قبول شهادة القاذف بأنه خرج عن حدّ العدالة بالقذف، وهذا يقتضي أنه إذا تاب قُبلت شهادته لأن العدالة تعود بالتوبة، فهذا تعليل عاد على أصله بالإبطال وذلك لأن لفظ التأبيد «أبدًا» أفاد القطع بدوام الحكم في كل الأحوال، والتعليل وهو مظنون أفاد حكما غير ذلك، فإذا تعارض ظني مع قطعي لم يكن شكٌ في بطلان ما هو ظني.
المثال الثاني: تعليل قوله صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه إذ أراد أن يضحّي بجذعة(2) "اذبحها ولا تصلح لغيرك" وفي رواية "ولن تجزي عن أحد بعدك"(3) - بأن--------------------------------------------
(1) انظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج 5، ص 119.
(2) والجذعة من المعز: ما دخل السنة الثانية انظر: ابن حجر، فتح الباري ج 10، ص 7.
(3) البخاري، الصحيح، الأحاديث رقم (5556)، (5557).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)

ذلك كان لأنه لا يجد مُسنَّة(1) يضحي بها، فيُقاس عليه من هو مثله في عدم وجدانه ذلك فيجوز له أن يضحي بما وجد عنده حتى لو لم تستوف أُضحيتُه السنّ المقررة لها شرعًا.
فهذا تعليل عاد على أصله بالإبطال وذلك لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "ولن تجزي عن أحدٍ بعدك" قاطع في الدلالة على تحصيص الحكم بذلك الصحابي فلا يجوز إلحاق غيره به بالتعليل لمنافاة التعليل حينئذ لدلالة النص القاطعة.
الدليل الثاني: هو أن القول بتأثير تعليل النص على دلالته «يُفضي إلى ترك الراجح إلى المرجوح إذ الظن المستفاد من اللفظ أقوى من المستفاد من الاستنباط»(2). ومثل هذا لا يجوز.
ويرد على هذا الدليل أمران:
أحدهما: أن الظن المستفاد من ظاهر النص ليس دائما أقوى وأرجح من الظن المستفاد من العلة، كما هو الحال في كثير من الأمثلة مما مرّ سابقًا وسيرد لاحقًا.
والآخر: أنه حيثما كان الظن المستفاد من ظاهر اللفظ أقوى من الظن المستفاد من العلة لم يجز القول بتأثير العلة على هذا الظاهر كما سبق توضيح ذلك في الفصل الأول. وعلى هذا خرج هذا الدليل عن محلّ النزاع.
الدليل الثالث: وهو ما قاله إلكيا الهراسي من أنه لا يجوز للعلة المستنبطة أن تخصّص عموم النص الذي أُخذت منه «لأنّ العموم ينبغي أن يُفهم ثم يُبحث عن دليله، فإن فهم معنى اللفظ سابق على فهم معناه المستنبط، وإذا فُهم عمومه فكيف يتّجه بناء علة على خلاف ما فُهم منه»(3).--------------------------------------------
(1) المسنة من المعز: ما دخل السنة الثالثة انظر: ابن حجر، فتح الباري، ج 10، ص 16.
(2) الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 152.
(3) المرجع السابق، ج 3، ص 378.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)

وقريب من هذا قول الغزالي: «إنّ من منع العلة التي تعكِّر على الأصل بالتخصيص، منع من حيث إن القياس [التعليل] ليس تفسيرًا للألفاظ، فيجب معرفة الحكم أولا، ثم طلب علته»(1).
وقد كفى إلكيا الهراسي المجيزين لتأثير تعليل النص على دلالته مؤونة الاعتراض على هذا الدليل فأجاب عنه بقوله:
«ويتّجه للمخالف أن يقول: المعنى الذي يُفهم من العموم في النظر الثاني ربما نراه أوفق لموضوع اللفظ ومنهاج الشرع، وذلك تنبيهٌ إمّا بفحوى الخطاب ومخرج الكلام، وإمّا بأمارة أخرى تُفصِّل الكلام، وذلك راجحٌ على ما ظهر من اللفظ، وهذا المعنى لا يُقدَّر مخالفًا للفظ ولكن يُقدّر بيانًا له، فالذي فهمناه أولًا العموم، ثم النظر الثاني يبين أن المراد به الخصوص فغلب معهود الشرع على معنى ظاهر اللفظ»(2).
الدليل الرابع: وهو ما استشكله الشاطبي على المقدمة العاشرة من الموافقات والتي تنصّ على أنه: «إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا ويتأخّر العقل فيكون تابعًا فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدْر ما يُسرّحه النقل»(3) - من أن بعض الأصوليين قرّر «أنّ المعنى المناسب إذا كان جليًا سابقًا إلى الفهم عند ذكر النص، صحّ تحكيم ذلك المعنى في النص بالتخصيص له والزيادة عليه، ومثلوا ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»(4) فمنعوا - لأجل معنى التشويش - القضاء مع جميع المشوّشات، وأجازوا مع ما لا يشوش من الغضب--------------------------------------------
(1) الغزالي، شفاء الغليل، ص 84.
(2) الزركشي، البحر المحيط، ج 3، ص 378.
(3) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 87.
(4) البخاري، الصحيح، حديث رقم (7158) بلفظ قريب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)

فأنت تراهم تصرفوا بمقتضى العقل في النقل من غير توقُّف»(1). وهذا منافٍ للمقدمة آنفة الذكر.
وقد أجاب الشاطبي عن هذا الإشكال بقوله: «إنّ إلحاق كل مشوّش بالغضب من باب القياس، وإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بالقياس سائغ، وإذا نظرنا إلى التخصيص بالغضب اليسير فليس من تحكيم العقل، بل من فهم معنى التشويش ومعلوم أن الغضب اليسير غير مشوّش؛ فجاز القضاء مع وجوده؛ بناء على أنه غير مقصود في الخطاب. هكذا يقول الأصوليون في تقرير هذا المعنى وأنّ مطلق الغضب يتناوله اللفظ لكن خصَّصَه المعنى، والأمر أسهل من غير احتياج إلى تخصيص فإنّ لفظ عضبان وزنه فعلان، وفعلان في أسماء الفاعلين يقتضي الامتلاء ممّا اشتُق منه، فغضبان إنّما يستعمل في الممتلئ غضبًا كريان في الممتلئ ريًا، وعطشان في الممتلئ عطشًا، وأشباه ذلك، لا أنه يُستعمل في مطلق ما اشتُقّ منه، فكأن الشارع إنما نهى عن قضاء الممتلئ غضبًا، حتى كأنه قال: لا يقضي القاضي وهو شديد الغضب أو ممتلئ الغضب، وهذا هو المشوّش، فخرج المعنى عن كونه مخصِّصا، وصار خروج يسير الغضب عن النهي بمقتضى اللفظ لا بحكم المعنى؛ وقِيس على مشوّش الغضب كلُّ مشوش، فلا تجاوز للعقل إذن»(2).
ولا يخفى ضعف هذا الجواب على ذي نظر، وذلك لأنه - على فرض التسليم به من الناحية اللغوية - إنّما يستقيم في مثال النهي عن القضاء حالة الغضب فحسب، وأمّا في غيره من الأمثلة - وهي بالعشرات - فلا يمكن الإجابة عنها بمثل هذا الجواب فيبقى إشكال تقديم العقل على النقل قائمًا فيها.--------------------------------------------
(1) الشاطبي، البحر المحيط، ج 1، ص 89.
(2) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 90.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)