وقد بيّنت سابقا أن المشترك اللفظي في القرآن الكريم، وضعت له مسمّيات أخرى، مثل الأشباه والنظائر، أو الوجوه والنظائر أو التصاريف، لأنه كما قدمت- لا نطلق على كلمات القرآن ألفاظا، لأن الألفاظ يرمى بها اللّسان، ويقذفها متى أراد، والقرآن الكريم لجلاله، وهيبته لا يرمى ولا يقذف، ولكن يقرأ ويتلى.
2 - منهج المبرّد في كتابه:
1 - المبرد لم يلتزم بعنوان كتابه، لأنه بدأ كتابه بظاهرة الترادف الذي عبّر عنه بقوله: «اختلاف اللفظين والمعنى واحد وهذه ظاهرة أخرى تختلف عن ظاهرة المشترك اللفظيّ الذي سمّى كتابه به.
والدليل على ذلك قوله: «فأما اختلاف اللفظين، والمعنى واحد فقولك: «ظننت، وحسبت» و «قعدت، وجلست» و «ذراع وساعد» و «أنف ومرسن».
وتناول مع هذا أيضا ظاهرة اختلاف اللّفظين، واختلاف المعنيين حيث قال: «فأما اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين فنحو قولك:
«ذهبت وجاء» و «قام وقعد» و «يد ورجل» و «رجل وفرس» ولم يكتف بهذا بل ضمّ ظاهرة أخرى متحدّثا عنها بالإضافة إلى ما سبق، وهي ظاهرة الأضداد، فحينما تناول كلمة «جلل» بين أنها تكون للصّغير إذ يقول: «وقولهم: أمر جلل كقوله:
* كلّ شىء ما خلا الله جلل* (1) أي صغير.--------------------------------------------
(1) في الأضداد للأصمعي: 9 أنشد لبيد:
كل شىء ما خلا الموت جلل* والفتى يسعى ويلهيه الأمل ولم أجده في الديوان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
وقال لبيد:
وأرى أربد قد فارقني* ومن الرّزء كثير وجلل (1) ثم بين أن معنى جلل قد يكون للتعظيم فيقول: «ويكون للتعظيم كقول جميل:
رسم دار وقفت في طلله* كدت أقضي الحياة من جلله (2) أي من عظمه في عيني» ويضيف إلى هذا قوله: «ومن ذلك الجون: الأسود، وهو الأكثر ويستدل على ذلك بينت لعمرو بن شأس، والجون: الأبيض، ويستدل ببيت من الرجز. (3)
ويتناول ظاهرة المشترك اللفظي الذي يحمل كتابه معناه بقوله: «وأمّا اتفاق اللفظين واختلاف المعنيين فنحو: وجدت شيئا: إذا أردت وجدان الضالّة، ووجدت على الرجل من الموجدة ووجدت زيدا كريما علمت» (4)
2 - ومن منهجه أنه في تناوله للظواهر اللغوية التي يأتي بها يستدلّ بالشعر ليوضّح التّفسير اللغوي الذي يراه للكلمة التي
تعرّض لشرحها فالرجاء قد يخرج عن معناه اللّغوي الذي وضع له إلى معنى آخر وهو الخوف.
يقول المبرّد: ومن ذلك الرجاء يكون في معنى الخوف، ويستدل على ذلك بقول أبي ذؤيب:--------------------------------------------
(1) شرح ديوان لبيد: 197 بروايته:* ومن الأرزاء رزء ذو جلل*
(2) ديوان جميل: 187، وانظر الأضاد لابن السّكيت: 168. من «ثلاثة كتب في الأضداد وانظر الخصائص: 1/ 85، 3/ 150.
(3) انظر: 47، 48.
(4) انظر 47 - 48.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها* وخالفها في بيت نوب غوافل (1)
3 - والمبرّد في كتابه يطالب بالدليل من يرى للكلمة معنى آخر غير المعنى الأصلي لها، فيقول:
«وكل من أثر أن يقول ما يحتمل معنيين فواجب عليه أن يضع على ما يقصد له دليلا، لأن الكلام وضع للفائدة والبيان» (2)
4 - ومن منهجه اللجوء إلى النحو والإعراب في تناوله الكثير من الظواهر اللغوية.
بيان ذلك أنه عند ما تناول كلمة: الظن «بأنها قد تأتي بمعناها اللغوي وهو الشّك، وقد تخرج عنه إلى معنى آخر، وهو اليقين نراه يرجع إلى التّخريج النّحوي، والتأويلات الإعرابية، والدليل على ذلك قوله:
وقوله تعالى: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا (3) فهو الشك.
وللنحويين فيه قولان: أحدهما: أن تكون «إلّا» في غير موضعها فيكون التّقدير: إن نحن إلّا نظن ظنّا، لأن المصدر إذا وقع بعد فعله مستثنى لم تكن فيه فائدة إلّا أن يكون موصوفا أو زائدا على ما للفعل ولو قال قائل: ما ضربت إلّا ضربا لم يفد بقوله: «ضربا معنى لم يكن في «ضربت» فمن قال: «إلّا» في غير مرضعها فهو مثل: «ليس الطّيب إلّا المسك» مرفوعا، ولا وجه لهذا إلا على تقديم إلّا ليكون المعنى: ليس إلّا الطيب المسك، ليتحقق أنّ أصحّ الأشياء أن الطّيب المسك» واستدل المبّرد على ذلك بقول: الأعشى:
أحلّ الشّيب أثقاله* وما اغتره الشّيب إلّا اغترارا (4)--------------------------------------------
(1) انظر الأضداد للإصمعي: 24.
(2) انظر: 52.
(3) الجاثية: 32.
(4) في الديوان: 82.* وما اعتره الشيب إلا اعترارا* بالعين، ومعنى اعتره: عرض له من شواهد ابن يعيش: 7/ 107.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
والقول الآخر سطره المبّرد بقوله:
«وقوم يقولون: إن نظنّ إلا إنكم أيّها الداعون لنا تظنون أنّ الذي تدعونه إليه ظنّ منكم، وما نحن بمستيقنين أنكم على يقين» وعقب المبرّد على القولين بقوله: «وكلا القولين حسن، وأكثر التفسير على الأول، وقالوا في قوله:
* وما اغترّه الشيب إلا اغترارا* أي إلّا لاغتراره، ونصبه للمصدر الذي هو مضاف إليه والفعل للشيب كما أن «نظن» ناصبة للمصدر المضاف إلى ما يخاطبونه» (1)
5 - ومن منهج المبرّد أنه يعتمد الحديث الشريف في ما يريد الاستدلال عليه، ففي قوله تعالى: عند ذكر السّحاب والغيث:
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ (2)، وقال: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً (3) وقال عند ذكر العذاب: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (4) وبعد سرد عدّة آيات ذكرت فيها الرّيح في مقام العذاب عقب المبرّد على ذلك بقوله:
«هذا الذي ذكرنا مما هو للغيث أو العذاب ولأهل العناية فيه قولان:
قال بعضهم: لا تلقح السّحاب بريح واحدة، ولكن تبدأ ريح، وتقابلها أخرى، وكذا إن جرت ثلاث من الرّياح.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبت الرّيح يقول:--------------------------------------------
(1) انظر: 54 - 56.
(2) الحجر: 22.
(3) الروم: 48.
(4) الحاقة: 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
«اللهم اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا». (1)
6 - والمبرّد خرج عن منهجه في كتابه الموقوف على ما اتفق لفظه واختلف معناه حيث يتناول ظاهرة لغوية أخرى ليس لها علاقة بموضوع كتابه، كما أنها ليس لها علاقة بظاهرة التّرادف أو التضادّ هذه الظاهرة هي ظاهرة المجاز مع العلم بأن كتابه صغير الحجم لا يتّسع لمثل هذه الظواهر المتعدّدة فمن قوله في «المجاز» ما نصه:
«قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ (2) الآية، وقال: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ (3) وقال: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا (4) وقال: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (5) فليس لقائل أن يقول من أهل القبلة: إن الشياطين دخلوا في هذا الإرسال، ولا أن قوله: أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ كقوله: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً، ولكن مجاز قوله: إنا أرسلنا الشّياطين على الكافرين أي خلينا بينهم وبينهم. كقول القائل: أرسلت حمارك على زرعي أي لم تحبسه، فسمّى التّخلية بالإرسال كقوله:
فأرسلها العراك ولم يذدها* ولم يشفق على نغص الدّخال (6) هذا لم يرسل الحمير لتعترك، ولكنه لم يحبسها.
وكذلك قولهم: أرسلت الأمر من يديك: إنما هو لم تلزمه» (7)--------------------------------------------
(1) انظر: 64 - 65.
(2) مريم: 83.
(3) نوح: 1.
(4) المؤمنون: 44.
(5) الصافات: 181.
(6) اللبيد، انظر ديوانه: 86، وهو من شواهد الخزانة: 1/ 524 وابن يعيش: 2/ 62، وهمع الهوامع رقم: 931.
(7) انظر: 70.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
6 - وإلى جانب المجاز تحدّث عن ظواهر بلاغية من علم المعاني حيث وضع لها أبوابا، ومن هذه الأبواب:
قوله: «ومما جاء في القرآن على هيئتين في الاستفهام» (1) وباب: «المختصر في القرآن حيث يقول: «وفي القرآن مختصرات» (2) ويعني بهذه المختصرات إيجاز الحذف، وهو فن بلاغيّ وباب من أبواب علم المعاني.
على أية حال كانت نستطيع أن نقول: إن كتاب المبرّد كتاب لغوي نحويّ، بلاغي لم يتعرّض لظاهرة ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد إلا مختلطة مع الظواهر التي أشرت إليها سابقا، ولذلك فإنّ كتابه لا يعتبر كتابا مستقلا في هذا الموضوع، ونكتفي بهذا القدر من الحديث عنه، وتكفينا من نماذجه النماذج التي سقتها من خلال منهجه.--------------------------------------------
(1) انظر: 73.
(2) انظر: 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
5 - تحصيل نظائر القرآن الكريم للحكيم الترمذي
أولا: المؤلف:
1 - مؤلف تحصيل النظائر هو: محمد بن علي بن الحسن بن بشير التّرمذي المؤذن المعروف بالحكيم أبو عبد الله» (1)
2 - مكانته:
قال عنه ابن النّجار في «ذيل تاريخ بغداد» كان إماما من أئمة المسلمين» (2) 3 - شيوخه:
من شيوخه: والده، وقتيبة، وعلي بن حجر، وأبو عبيد، وابن أبي السفر، وعليّ بن خشرم، وصالح بن محمد الترمذي، ومحمد ابن علي الشفيقي، وسفيان بن وكيع، ويعقوب بن شيبة. (3)
ومن تلاميذه الذين رووا عنه وأخذوا منه:
أبو الحسن عي بن كردين بن سال العكبري، وأبو الحسين محمد ابن محمد بن يعقوب الحجاجي الحافظ النيسابوريّ، وأحمد بن عيسى الجوزجاني وآخرون.
4 - مكانته بين العلماء:
من المؤرخين الذين ذكروه في مؤلفاتهم السّمعاني في كتابه «الأنساب» فحينما سرد علماء «ترمذ» ومشايخها ذكر من مشايخها محمد بن علي الحكيم، ولم يزد على ذلك شيئا ولم يقدّم له ترجمة كما--------------------------------------------
(1) انظر لسان الميزان: 5/ 308.
(2) السابق.
(3) السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
فعل مع علماء ترمذ. (1)
ويبدو أن الترمذي لم يكن ذا باع طويل في العلم، لأن السمعانيّ صنفه من مشايخ «ترمذ»، ولم ينظمه في سلك علمائها، فبعد أن ذكر علماء «ترمذ» قال: ومن مشايخها محمد بن علي الترمذي ولم يزد على ذلك شيئا.
ومن العجب أن ياقوت في كتابه: معجم البلدان لم يشر إليه فلم يذكر اسمه من بين علماء «ترمذ» حيثما تحدّث عن هذه المدينة (2) ويظهر على ما يبدو أن الحكيم الترمذيّ لم يكن من العلماء الموثّقين الذين يهتّم بهم المؤرخون، ولا أدلّ على ذلك من أن ابن حجر ذكر في كتابه أنه لم يقف على ترجمة شافية له» (3) على أن ابن حجر نقل نصا في كتابه «لسان الميزان» يذكر فيه أن القاضي كمال الدين بن العديم صاحب تاريخ حلب في جزء له سمّاه: «الملحة في الرّد على أبي طلحة «نقد فيه الحكيم الترمذي نقدا جريحا لاذعا، فمن نقده للحكيم الترمذي قوله:
«وهذا الحكيم الترمذيّ لم يكن من أهل الحديث، ولا راوية له ولا أعلم له نظر فيه وصناعة، وإنما كان فيه الكلام على إشارات الصوفيّة، والطرائق، ودعوى الكشف عن الأمور الغامضة والحقائق حتى خرج في ذلك عن قاعدة الفقهاء، واستحق الطعن عليه بذلك والإزراء، وطعن عليه أئمة الفقهاء والصّوفية، وأخرجوه بذلك عن السّيرة المرضيّة.
وقالوا: إنه أدخل في علم الشريعة ما فارق به الجماعة، وملأ كتبه الفظيعة، بالأحاديث الموضوعة، وحشاها بالأخبار التي ليست--------------------------------------------
(1) انظر الأنساب للسمعاني: 3/ 43.
(2) معجم البلدان لياقوت: 2/ 13.
(3) لسان الميزان: 5/ 309.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 136)
بمرويّة ولا مسموعة … الخ.
وعلق ابن حجر على ذلك بقوله: قلت: ولعمري، لقد بالغ ابن العديم في ذلك، ولولا أنّ كلامه يتضمّن النّقل عن الأئمة أنهم طعنوا فيه لما ذكرته» (1) ومع هذا النّقد المرّ، فقد ذكره أبو نعيم في «الحلية» بخلاف ما ذكره كمال الدين بن العديم، فقد قال عنه:
«صنف التصانيف الكثيرة في الحديث، وهو مستقيم الطريق، تابع للأثر، يردّ على المرجئة وغيرهم من المخالفين» (2)
5 - أخلاقه:
يبدو أن اتجاهه الصوفيّ له تأثير كبير في مصنفاته، فهو إذا صنّف لا ينتظر الإشادة بتصانيفه، ولا يحسّ بالفخر بما كتب أو ألف فقد رووا عنه أنه قال: «ما وضعت حرفا على حرف لينقل عني ولا لينسب إلىّ شىء منه، ولكن كنت إذا اشتدّ علىّ وقتي أتسلّى بمصنفاتي» (3)
6 - مؤلفاته:
أ- نوادر الأصول، وهو كتاب مشهور (4) ويذكر المحقق في مقدمته لكتاب «تحصيل النظائر» أنه طبع في أستانبول سنة 1293 م.
ب- ختم الولاية، قال ابن حجر:
إنه هجر بترمذ في آخر عمره بسبب تصنيفه كتاب:--------------------------------------------
(1) لسان الميزان: 3/ 309.
(2) السابق.
(3) السابق: 308.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
«ختم الولاية، وعلل الشريعة» فحمل إلى «بلخ» فأكرموه لموافقته لهم في المذهب يعني الرأي. (1)
ويذكر المحقق في مقدمته أنه طبع ببيروت 1965 م ج- الحج وأسراره طبع في القاهرة 1969 م.
د- بيان الفرق بين الصدر والقلب، والفؤاد واللّب، طبع في القاهرة سنة 1958 بتحقيق نقولا هير.
هـ- حقيقه الآدميّة: طبع بالأسكندرية 1946 م.
والرّياضة وأدب النفس طبع في القاهرة 1947 م.
ز- تحصيل النظائر. وهو موضوع الدراسة، وقد قام بتحقيقه الأستاذ حسني نصر زيدان- كلية أصول الدين جامعة الأزهر. (2)
وفاته:
ذكر ابن حجر أنه عاش إلى حدود العشرين وثلاثمائة وعاش نحوا من تسعين سنة، والله أعلم. (3)--------------------------------------------
(1) السابق.
(2) انظر مقدمة التحقيق.
(3) لسان الميزان: 5/ 310.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 138)
ثانيا: تحصيل نظائر القرآن الكريم
يبدو أن الحكيم الترمذي اطلّع على المؤلفات التي سبقته في هذا الحقل مثل: الأشباه والنظائر «لمقاتل» والوجوه والنظائر لهارون، «والتصاريف» ل «يحيى بن سلام» وهذه المؤلفات سارت على نمط واحد، والتزمت منهجا معيّنا لم تحد عنه في معالجتها لظاهرة الكلمات المشتركة في القرآن الكريم، حيث إن بعض الكلمات القرآنية ذات دلالات مختلفة مع اتفاقها في الكلمة الواحدة.
وهذه المنهج فرض نفسه على كل المؤلفين في الوجوه والنظائر سواء سبقوا الحكيم الترمذي أم جاءوا من بعده.
ويبدو مرّة أخرى أن منهج الحكيم الترمذيّ منهج متميّز، لم يسبق إليه، ولم يحاول أن يقلد من سبقه في تناول الوجوه والنظائر في القرآن الكريم.
ومنهجه يدور حول محور واحد، وهو أنه لا اشتراك في الكلمة القرآنية، فالكلمة القرآنية لها معنى واحد في الوضع اللغوي، فمهما ابتعدت عنه، واتجهت إلى معاني أخرى متنوعة، ولها دلالات متباينة، فإنها دائما مشدودة إلى المعنى اللغوي الذي وضع لها، لأنها لا تستطيع الفكاك عنه، والتهرّب منه، فهي منبثقة منه، منجذبة إليه، يطل بوجهه في كل معنى يبدو من أول وهلة أن الصلة بينه وبين المعنى اللغوي الوضعي مفقودة، ولكنه عند التحليل والتعمق، نجد أن هذا المعنى موتبط ارتباطا وثيقا بوضعه اللغوي الثابت الذي تمثله الكلمة القرآنية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
ومن أجل هذا نستطيع أن نقول: إن الحكيم التّرمذي يذهب مذهب من يمنع المشترك اللفظي في القرآن الكريم.
وعند النّظرة الفاحصة إلى مذهب الحكيم الترمذي في منع المشترك اللفظي نجد أنّ الترمذي يذهب مذهب معاصره ابن درستويه المتوفي 347 هـ على حين توفي الحكيم الترمذي على القول الراجح 318 هـ.
فالرّجلان متعاصران، ولا ندري منّ الذي أثر في الآخر، كل الذي نعلمه أن ابن درستويه- كما سبق بيانه- كان يمنع وقوع المشترك اللفظي في اللغة لعدة أسباب منها:
1 - أنه ليس من الحكمة والصواب أن يقع المشترك اللفظي في كلام العرب لأنه يلبس.
2 - لو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على المعنيين المختلفين كان ذلك تعمية وتغطية للغة التي يفترض فيها الإبانة والوضوح.
3 - ويقدّم ابن درستويه مثالا لذلك مجىء: فعل وأفعل لمعنيين مختلفين، فمن لا يعرف العلل، ويتعمق في اللغة يحكم بأنهما مشتركان في اللفظ مختلفان في المعنى، مع أنهما في الحقيقة لمعنى واحد» (1) ومن الأدلة التي تشير في وضوح إلى إنكار الحكيم التّرمذي وقوع المشترك اللفظيّ في القرآن الكريم تناوله بعض الكلمات القرآنية التي تبدو في ظاهرها مشتركة، وعند التحليل والتدقيق يتبين أن بينها وبين الاشتراك بونا بعيدا.
وقد نصّ على ذلك صراحة، إذ ذكر في مقدمة كتابه ما نصّه:--------------------------------------------
(1) انظر ما سبق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
«وقد نظرنا في هذا الكتاب المؤلف في نظائر القرآن الكريم، (1) فوجدنا الكلمة الواحدة مفسّرة على وجوه، فتدبّرنا ذلك، فإذا التفسير الذي فسّره، إنما اختلفت الألفاظ في تفسيره، ومرجع ذلك إلى كلمة واحدة، وإنما انشعبت حتى اختلفت ألفاظها الظاهرة الأحوال، التي إنما نطق الكتاب بتلك الألفاظ من أجل الحادث في ذلك الوقت» (2) ويقدم الحكيم الترمذي أمثلة لذلك، من هذه الأمثلة:
1 - كلمة الهدى:
فقد جاءت على ثمانية عشر وجها، فالحاصل من هذه الكلمة:
كلمة واحدة فقط، وذلك أن الهدى: هو الميل، ويقال في اللغة: رأيت فلانا يتهادى في مشيته، أي يتمايل، ومنه قوله تعالى: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ (3) أي ملنا إليك، ومنه سميت الهديّة: هدية، لأنها تميل بالقلب إلى مهديها، وأن القلب أمير على الجوارح، فإذا هداه الله لنوره: أي أماله إليه لنوره: اهتدى أي: استمال، وقد قال في تنزيله يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (4) فهذا أصل الكلمة، ثم وجدنا تفسير الهدى:
1 - البيان: فإنما صار الهدى بيانا في ذلك المكان، لآن البيان إذا وضح على القلب بنور العلم: مدّ ذلك النّور القلب إلى ذلك الشىء وأماله إليه.
2 - الإسلام: وإنما صار الهدى في المكان الآخر «الإسلام»، لأنه إذا مال القلب بذلك النور إلى ذلك الشىء الذي تبين له: انقاد العبد وأسلم، ومدّ عنقا إلى قبوله.--------------------------------------------
(1) لعله يقصد بعض الكتب التي وضعها المؤلفون قبله أو في عصره.
(2) انظر: تحصيل النّظائر: 19.
(3) الأعراف: 156.
(4) النور: 35.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
3 - التوحيد: وإنما صار الهدى التوحيد في المكان الآخر، لأنه إذا مال القلب إلى ذلك النور: سكن عن التردد، واطمأن إلى ربّه فوحّد. (1)
وأخذ الحكيم الترمذي يسرد أقوال أصحاب الوجوه والنظائر في هذه الوجوه التي بلغت ثمانية عشر وجها، مبيّنا أن هذه الوجوه جميعا لا تحمل معاني مستقلة عن معناها اللغويّ الوضعي، لأنها كلها تنبع من منبع واحد وهو الميل كالجداول التي تنبع من النهر ومصدرها جميعا النهر، لأنها بدونه لا تكون جداول.
2 - الإسلام:
قال الحكيم الترمذي ما نصّه:
وأما قوله «الإسلام»، على كذا وجه: فالإسلام مشتقّ من التّسليم، فالعبد إذا جاءه نور الهداية: عرف ربّه، واطمأن إليه، وسكنت نفسه واستقر قلبه بالمعرفة الواردة على قلبه، فانقاد له بأن يأتمر بكلّ ما يأمره به، فذاك من العبد تسليم النفس إلى ربه عبودة.
1 - الإيمان: وإنما سمى «مؤمنا» لاستسلام قلبه، وطمأنينة نفسه فالإيمان والإسلام من العبد في عقد واحد، لما عرفه استقر قلبه، واطمأنت نفسه، فلزمه اسم الإيمان لطمأنينته، وسلم نفسه لله عبودة بكل ما يأمر فلزمه اسم الإسلام، فهذان اسمان لزماه بهذا العقد الواحد الذي اعتقده بقلبه، ثم اقتضى الوفاء بهذا الإيمان والإسلام إلى يوم يموت فإن وفىّ: دخل الجنة بغير حساب، وإن وفيّ ببعض وضيّع بعضا: بقي في الموقف للحساب، فإنما وقع الحساب على الموحدين لهذا،--------------------------------------------
(1) تحصيل نظائر القرآن الكريم: 31 - 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
والعبد من ربه بين أمرين:
أ- بين أمر حكم الله عليه به مثل: العز والذل، والغنى والفقر، والحب والكره، فاقتضى له الوفاء بأن يطمئن إلى حكمه كما اطمأن إليه فيرضى بما حكم، فإن جزع: حوسب، وإن رضى: أكرم وأثيب على وفائه.
ب- وبين أمر أمره أن يفعله مثل الفرائض، واجتناب المحارم، فإذا وفى بهذا فهو مسلم، لأنه قد سلم نفسه إليه عند كل أمر ونهى، وما ضيع منه فالحساب لازم، وهو موقوف بين عفو أو عقوبة. (1)
وهذه الوجوه التي ذكرها أصحاب الوجوه والنظائر بالنسبة لمعاني الإسلام أرجعها الحكيم الترمذي إلى وجه واحد، وهو التسليم أي تسليم المؤمن نفسه إلى ربه عبودة.
والواقع أن الحكيم الترمذيّ في مذهبه الذي ذهب إليه ضيّق واسعا وحاول أن يحبس البحر المتلاطم من المعاني القرآنية في قمقم سليمان فالألفاظ محدودة، والمعاني غير متناهية، لأنها تتطّور باستمرار وتتلون بلون البيئة التي تعيش فيها.
وقد بينت فيما سبق أن هناك كلمات قرآنية خرجت عن وضعها اللغوي الذي وضع لها في العصر الجاهليّ، وحوّلها القرآن الكريم إلى معاني مستقلة عن معناها اللغوي الذي وضع لها.
وكما خالفه أصحاب الوجوه والنظائر قديما خالفه أصحاب اللغة المحدثون.
فمن البدهي أن اللفظ في أول وضعه كان يدل على معنى واحد ثم--------------------------------------------
(1) تحصيل النظائر: 122، 123.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
تولّد من هذا المعنى الواحد عدّة معان، وهذا التوالد هو ما نسميه تطوّر المعنى:
«وهذا التطوّر يسير ببطء وتدرج، فتغير مدلول الكلمة مثلا لا يتمّ بشكل فجائي سريع، بل يستغرق وقتا طويلا، ويحدث عادة في صورة تدريجية، فينتقل إلى معنى آخر قريب منه، وهذا إلى ثالث متصل به وهكذا دواليك حتى تصل الكلمة أحيانا إلى معنى بعيد كل البعد عن معناها الأول» (1) هذه ناحية.
وناحية أخرى تتضّح في مذهب الحكيم الترمذي وهي ظاهرة التكلف في كل الكلمات التي تناولها، فنحن لا نستطيع أن نعرف المعنى الأول الذي وضع للكلمة معرفة دقيقة، فقد يكون المعنى الأول هو المعنى المتطور عن المعنى الثاني، وهكذا، ثم إن الألفاظ يختلف بعضها من قبيلة إلى قبيلة ومن عصر إلى عصر.
وناحية ثالثة: لو سرنا على مذهبه لتوقفت اللغة من قديم، وتحجّرت وأصبحت أثرا بعد عين، وتتحول إلى كائن ميت، وليس بكائن حي وهذا يخالف الواقع، فاللّغة ظاهرة اجتماعية عاشت في كل عصورها مرفوعة الرأس مهيبة الجانب، لأنها حيّة في تطوّر ألفاظها ونموّ معانيها، وإشعاع دلالتها مما جعلها لغة الخلود.
على أية حال كانت، فنحن وإن كنا على خلاف مع الحكيم الترمذي في مذهبه أو رأيه إلّا أننا نرى أنها لفتة علميّة انفرد بها في ميدان الوجوه والنظائر، ولم يسبقه أحد إليها من قبل، ولم يحاول أن يقلده فيها أحد من بعد.--------------------------------------------
(1) انظر: علم اللغة للدكتور علي عبد الواحد وافي: 314.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
على أن الذي يدعو إلى العجب أيضا أن الحكيم الترمذي كما جار على المعاني المختلفة للفظة الواحدة فيما يسمّى المشترك اللفظيّ جار على الألفاظ المتعدّدة للمعنى الواحد فيما يسمّى الترادف، فقد بين محقق تحصيل النظائر أن له كتابا عنوانه «الفروق ومنع الترادف (1) حيث يرى أن اللفظ له وضع ثابت مهما تغيرت الأحوال، واختلفت المقامات وكتاب الفروق يذكر المحقق أنه تحت الطبع في القاهرة ويبدو أن أبا هلال العسكري الذي جاء بعده (2) كان متأثرا به، وفكرة عدم الفروق بين الألفاظ لعله متأثر في مجالها بالحكيم الترمذي.
بقي بعد هذا أن نشير في إيجاز إلى منهج الحكيم الترمذي في كتابه
منهجه:
1 - تفسير الكلمة القرآنية على أساس وضعها أولا، ثم يتناول معانيها الأخرى، ليربطها بالمعنى اللغوي الوضعيّ لها:
فكلمة «أحس» (3) يفسّر معناها اللغوي، فيقول:
«وأما قوله:» أحس «على كذا وجه: فالإحساس هو علم النفس وهو وجود النفس خبر الأشياء، وإنما سميت الحواس الخمس حواسا لأنهن يجلبن الخبر إلى النفس».
ثم ينتقل بعد ذلك إلى معنى آخر ل «أحس» محاولا ربطه بمعناه اللغوي، فمن معاني أحسّ: عرف.
يقول: «وإنما صار أحسّ في هذا المكان يعني: عرف، لأن النفس عرفت ما عاينت» (4)--------------------------------------------
(1) انظر: مقدمة تحصيل النظائر: 15.
(2) قال السيوطي في البغية: 1/ 507:
«وقال ياقوت لم يبلغني شىء في وفاته إلا أنه فرغ من إملاء: الأوائل» يوم الأربعاء لعشر خلت من شعبان 375 هـ.
(3) من قوله تعالى: أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ آل عمران: 52 وغيرها.
(4) تحصيل النظائر: 131.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
2 - الاستشهاد بالقرآن الكريم، ليقوّي ما يرى، ويدعم ما يقول:
فالظن تفسيره اللغوي هو: «الشىء الذي يتراءى للقلب، فيحسب أنه هكذا والتهمة مقرونة به لا يقين هناك، فإذا غلب على القلب حسن الظنّ صار علما، وإذا لم يغلب فهي محسّة مع التهمة» ثم يستدل بالقرآن بأن الظن قد يكون علما فيقول:
«وإنما صار ها هنا الظن «علما» في هذا المكان حيث يقول:
* وظن داود أنما فتنّاه* (1) أي علم، لأن الملائكة دخلت عليه المحراب بتلك الخصومة، فضربت له المثل حيث قال الله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ (2) فمن ذلك المثل المضروب تراءى له سوء فعله، فصار، ما تراءى له ظنا.
ثم يقول: «وإنما صار الظنّ ظنا في مكان آخر، لأنه لم يكن مع يقين، ولا انكشف له علم ذلك عن الغطاء فلذلك قال الله تعالى:
وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (3) 3 - وإلى جانب الاستشهاد بالقرآن الكريم نجد أنه، يستشهد بالحديث الشريف وذلك عند تعرضه لكلمة «الذكر»، فمن الذكر التكبير وهو وصف الله تعالى بالكبرياء لقوله تعالى: وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (4) ومن أجل إثبات هذا المعنى، وتقريره في النفسّ يقول:
وروى عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يقول الله العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما ألقيته في النار» (5)--------------------------------------------
(1) ص: 24.
(2) ص: 23.
(3) الجاثية: 32. وانظر تحصيل النظائر: 106، 107.
(4) الجاثية: 37.
(5) تحصيل النظائر: 67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
4 - ومن منهجه أنه تغلب عليه الصّوفية والوعظ، ولعلّ السبب في ذلك أنه اشتغل بالتّصوّف والفلسفة وله فيه مؤلفات أشرنا إليها من قبل، وهي:
1 - حقيقة الآدمية، 2 - الرياضة وأدب النفس.
3 - بيان الفرق بين الصدر، والقلب، والفؤاد واللب.
4 - ختم الأولياء.
ولهذا السبب نراه لا يسير على نمط واحد في كتابه، فبعض الكلمات مثل الأسباب (1) و «السّوي» (2) لا تتجاوز نصوصها أربعة أسطر على حين نجد كلمة «الذكر» استوعبت من كتابه سبع عشرة صفحة. (3)
وبعد، فإن هذا الكتاب يعتبر تأليفا فريدا في الوجوه والنظائر اعتمد فيه الرجل على مذهب من لا يرى الاشتراك اللفظي في اللغة إلى جانب أن الصّوفية التي تدعو إلى تهذيب النفس، وتطهير القلب، وتصفية الروح حيث أطال فيها القول ويخاصة عند تعرّضه لكلمة:
«الذكر» كانت مسيطرة عليه.--------------------------------------------
(1) تحصيل النظائر: 153.
(2) السابق: 147.
(3) من ص 51 إلى 67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
نماذج من: تحصيل النظائر
أولا: في مجال الأسماء
1 - قانتون
وأما قوله: «قانتون» (1) على كذا وجه، فالقنوت: المقابلة، وهو أن تقابل بوجهك وبدنك عظمته، فتقف بقلبك بين يدي عظمته، وتقابل ببدنك الوجهة التي وجّهت لها، وهي معلّمة، وهي: الكعبة، فذاك منه إعطام له، ولذلك قيل: القنوت «الطاعة» لأن الطاعة من الإعطاء.
ويقال: أطاع وأعطى، فأطاع بقلبه وبدنه، فما كان بقلبه وبدنه يقال: أطاع، وما كان من ماله يقال: أعطى، ألا ترى أنه قال: أعطى من نفسه ما أردنا، وأعطى من قلبه ما أردنا، فتلك الطاعة، وأما المعصية التي هي ضد الطاعة، فامتناع النفس عندما دعيت ومدك الحق إليه.
فإذا اشتد وامتنع: قيل عصى واعتصى، وتعيّص، أي: اشتد ولم ينقد ولم يلن، وإذا دعوته فأجاب، ومدّ الحق العنق إلى الدعوة فانقاد، قيل أطاع أي أعطى من نفسه ما أريد منه (2).--------------------------------------------
(1) تحصيل النظائر: 50.
(2) الروم: 26.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)