Arabic source text

📘 আল-মানার ফী উলূমিল কুরআন মাআ মাদখালুন ফী উসূলিত তাফসীর ওয়া মাসাদিরিহি (মুহাম্মদ আলী আল-হাসান)

📘 المنار في علوم القرآن مع مدخل في أصول التفسير ومصادره (محمد علي الحسن)

📘 আল-মানার ফী উলূমিল কুরআন মাআ মাদখালুন ফী উসূলিত তাফসীর ওয়া মাসাদিরিহি (মুহাম্মদ আলী আল-হাসান)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
لم يجاوزها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة.
وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلّ في أعيننا.
وأقام ابن عمر على حفظ البقرة عدة سنين، قيل: ثمان سنين. ذكره مالك، وذلك أن الله تعالى قال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ .. [ص: 29]، وقال:
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ .. [النساء: 82] (1). وقال: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ .. [المؤمنين: 68].
وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن.
وكذلك قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: 2].
وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام المقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.
وأيضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فنّ من العلم، كالطب والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى، الذي هو عصمتهم وبه ونجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم وديناهم. انتهى كلام ابن تيمية (2).

‌‌مناقشة الأدلة التي استشهد بها القائلون بشمول البيان النبوي:
1 - لقد استدلوا بقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44].
فقالوا: إن هذه الآية تفيد بأن على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبين جميع ألفاظ القرآن ومعانيه، فكلمة «ما» في قوله تعالى: ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ من صيغة العموم، فتشمل جميع ما يندرج تحتها من ألفاظ القرآن ومعانيه، ما لم تقم قرينة على التخصيص ببعض ذلك، ولا قرينة هنا فيجب الحمل على العموم الشامل لجميع الألفاظ والمعاني.--------------------------------------------
(1) وسورة محمد: 24.
(2) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية. تحقيق د. عدنان زرزور ص 35 - 37، وانظر مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية 2/ 31: وتفسير القرطبي 1/ 70، وتعليق الشيخ أحمد الشاكر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)

نقول لهم: إن القرينة المخصصة للعموم موجودة، فبعد عشرين آية من هذه الآية وفي السورة نفسها ورد قوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ .. [النحل: 64].
فلا يتم التفسير الصحيح ولا الفهم السديد إلّا بجمع الآيتين، لأن خير من يفسر القرآن هو القرآن ذاته.
فالبيان المطلوب من النبي صلى الله عليه وسلم هو توضيح ما خفي على الصحابة، وما استشكلوه واختلفوا فيه، وليس بمطلوب منه صلى الله عليه وسلم بيان ما لم يخف، فإن واقع أمر القرآن، وأمر ما نزل بلسانهم، أن فيه كثيرا من البيان، بل بديهة البيان بنفسها بالنسبة لكل ذي حظ من معرفة هذا اللسان، فضلا عن أهله الخلّص، فلا يسيغ
بالمنطق مع هذا أن يقوم النبيّ صلى الله عليه وسلم ببيان هذه الجليات.
أما استدلالهم بأن الصحابة كانوا لا يجاوزون ما تعلموه من القرآن حتى يتعلموا ما فيها من العلم، فليس في هذا الأثر وجه لاستدلالهم على أن النبي صلى الله عليه وسلم فسّر لهم جلّ القرآن كلمة كلمة وآية آية، لأن الأثر يحكي ما كان حال العلم وطلبه والاهتمام به والعمل بمقتضاه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون بالرجوع إليه صلى الله عليه وسلم، وقد يكون بالرجوع إلى اللغة .. قال القرطبي عن هذا الحديث: إنه حكاية ما كان عليه العلم وطلبه (1).
وقال المرحوم أحمد شاكر: فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير، فليس في الأثر ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر لهم جميع القرآن.
أما الدليل الثالث: فهو أن العادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله، فإن هذا الدليل العقلي لا يتعارض مع كون النبيّ صلى الله عليه وسلم بيّن كلّ شيء تحتاجه الأمة، ولم يبين ما هو معروف بالضرورة وباللغة. ولا يمكن أن يشرح ما لا يشكل فهمه ولا يشتبه أمره، فإن طلب شرح مثله ضرب من العبث واستنفاد الوقت والجهد من غير طائل، فيجب أن يتنزه عن ذلك من له أدنى حظ من سلامة العقل وسداد منطقه، فضلا عن الصحابة، عليهم رضوان الله، في سداد رأيهم ووفرة علمهم.--------------------------------------------
(1) القرطبي، 1/ 39.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)

وبعد فلقد آن الأوان لمعرفة مقدار ما فسّره النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن، بعد أن تبين لنا فساد القول بأنه صلى الله عليه وسلم قد فسّر جميع القرآن، بل فساد فهم نسبة هذا القول لابن تيمية، رحمه الله تعالى، وأن الإمام السيوطي وأستاذنا الذهبي لم يحالفهما التوفيق في هذا الفهم السقيم، لذا رأينا السيوطي يتدارك ذلك فيما بعد.
كما أن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لأكثر القرآن هو قول بعيد عن الواقع، لأن المدون من تفسيره ليس كثيرا بل هو قليل.
نعم لو توسع متوسع في معنى البيان، حتى يجعله شاملا للأحكام التي زادتها السنة على ما في القرآن، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وتحريم الحمر الأهلية وكلّ ذي ناب من السباع، والقضاء بشاهد ويمين، وغير ذلك، بل يجعله شاملا للسنة بأسرها كما قال الشافعي: كل ما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما فهمه من القرآن.
أقول: لو توسعنا في معنى البيان- بمثل هذا- لكان مقدار التفسير كثيرا بل يزيد على حجم القرآن.
ولكن إن أردنا التفسير بالمعنى المراد عند علماء الحديث، حين دونوا الحديث، وجعلوا فيه بابا للتفسير، فإن التفسير قليل لا يتجاوز المذكور في كتبهم «وهو قليل جدا، بل أصل المرفوع منه في غاية القلة» كما يقول السيوطي (1)، الذي وعد عد بسردها في آخر كتاب الإتقان، وقد وفّى هذا الحافظ- رحمه الله وأوردها بما لا مزيد عليه، حيث أورد جميع تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم الثابت في كتب الصحاح والسنن، وكان نزرا يسيرا وبه لا يصح دعوى أستاذنا الذهبي أن التفسير كان كثيرا.
هذا ما انتهى إليه بحثنا في المقدار الذي فسره النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن، وهو قليل، ولكنه ليس قليلا بالغا من القلة آيات تعد على أصابع اليد الواحدة ثلاث أو أربع آيات، استنادا إلى الحديث المروي عن عائشة «لم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم يفسر شيئا من القرآن إلا آيات تعدّ، علمهن إياه جبريل». فإن هذا الحديث منكر، كما قاله غير واحد من الحفاظ وأعلام الجرح والتعديل، لأن من رواته جعفر بن محمد الزبيري--------------------------------------------
(1) الإتقان 2/ 179.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)

قال البخاري: لا يتابع في حديثه. ولقد أورد الطبري هذا الحديث ثم تولى بنفسه بيان فساده حيث قال: إنه ممن لا يعرف في أهل الآثار. من أجل ذلك ضربنا صفحا عن ذكر أدلة القائلين بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفسر من القرآن إلا آيات تعد. بل على حد زعمهم آيات تعد على أصابع اليد الواحدة.
بذلك يبقى القول أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر من القرآن الشيء القليل، إلى الحد الذي اعترف به شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه بذلك، ونقله عن أحد أفذاذ أئمة السنة ومبرزي أعلامها رواية ودراية، أعني إمام السنة أحمد بن حنبل، إذ يقول شيخ الإسلام في مقدمته في أصول التفسير: (ومعلوم أن المنقول في التفسير أكثره كالمنقول في المغازي والملاحم، ولهذا قال الإمام أحمد: «ثلاثة أمور ليس لها إسناد: التفسير والملاحم والمغازي» ويروي «ليس لها أصل» أي: إسناد؛ لأن الغالب عليها المراسيل» اهـ. (1)
قال شمس الدين الخويني رحمه الله: (وأما القرآن فتفسيره على وجه القطع لا يعلم إلا بأن يسمع من الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك متعذر إلا في آيات قلائل .. ) إلخ.
ومما يؤيد هذا الرأي: أن المطلع على كتب التفسير بالمأثور، يستطيع أن يرى بيسر وسهولة أن آراء المتحدثين في التفسير من الصحابة تتعدد، وقد تختلف إلى حد التنافر، وعدم إمكان الجمع بينها أصلا، وقل مثل هذا إن لم يكن أكثر منه بالنسبة لآراء التابعين في التفسير، ولا يصح في عقل عاقل أن يقع مثل هذا الاختلاف من الصحابة، ثم من التابعين لو جاء البيان من قبله صلى الله عليه وسلم لجميع التنزيل جملة وتفصيلا.
ثمّ إنه لو كان بيان من قبله صلى الله عليه وسلم لجميع القرآن أو أكثره؛ لكان حفظة العلم وحملة الشريعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أحرص الناس على نقله لمن بعدهم من التابعين، ولكان لهؤلاء التابعين أيضا مثل هذا الحرص على نقله إلى من بعدهم من أتباع التابعين، وهلم جرا حتى ينقله إلينا ثقاة الحفاظ الجامعين لعلم السنة
رواية ودراية، فإن هذا--------------------------------------------
(1) مناهج المفسرين ص 227، 231، ومقدمة في أصول التفسير لابن تيمية.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)

لمن المهمات التي تتوافر الدواعي على نقلها، والعلم بها للقاصي والداني، كيف لا وهو بيان أول مصادر الشريعة، وأعظم أصول الدين، ولو كان هذا ما رأينا مثل هذا الحشد الضخم من التفسير بالرأي الذي نهض به أكابر علماء الأمة وأعلامها، وحفلت به كتبهم، مع إجماع أهل الحل والعقد منها في كل زمان إلى يومنا هذا، على صحة كثير من تفسيرهم ذلك، وعدم النكير على صنيع أصحابه، فلو عرف هؤلاء الأعلام مثل هذا البيان، فما كانت حاجتهم بعده إذا إلى إضاعة الكثير من وقتهم وجهدهم في تصنيف هذه التفاسير، اللهم إلا أن يرضى عاقل لنفسه اتهام أعلام الأمة ونقلة دينها بركوب العبث، ومخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخيرا فإن هذا هو رأي أئمة التفسير كالبيضاوي والشوكاني وغيرهم.

‌‌المصدر الثالث أقوال الصحابة
بعد أن بسطنا القول في تفسير القرآن بالقرآن، وفي تفسيره بالسنة جاء أوان القول إذا لم نجد التفسير في القرآن أو في السنة فإن المصدر الثالث في الأهمية هو أقوال الصحابة رضوان الله عليهم.
والذي يجب الانتباه إليه التفريق بين أقوال الصحابة، فإن أقوال الصحابة في الأمور التي لا مجال للرأي فيها تعطى حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كحديث الصحابة عن سبب النزول، هذا هو الشرط الأول في اعتبار قول الصحابي له حكم المرفوع، أما الشرط الثاني فقد نبه إليه علماء الحديث وهو: أن لا يكون من صدر عنه مثل ذلك القول من الصحابة قد عرف بالأخذ عن بني إسرائيل في بعض الأحيان طبعا، وإلّا لم يعط حكم المرفوع؛ لاحتمال أن يكون من منقولاته عنهم (1)، وبعبارة أوضح، أن لا يحتمل أن يكون لقوله صلة بما عند بني إسرائيل، تلقى في النفس احتمال أن يكونوا هم الأصل في العلم به.--------------------------------------------
(1) انظر نزهة النظم في شرح نخبة الفكر ص 41.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)

أما إذا قال الصحابي برأيه في القرآن، فينبغي التحاكم إليهم فيما هو بلسانهم، لأن أكثرهم عرب خلّص، ولهم من الفهم السليم والرأي السديد ما ليس لسواهم، فهم لذلك أحقّ من غيرهم في الأخذ بقولهم وفهمهم. وما يجدر ذكره أن أغلب ما ثبت من اختلاف الصحابة، بل السلف في التفسير، هو ما يتبين فيه وجه الصواب، بل مما يمكن فيه الجمع بين الأقوال المختلفة، والأخذ بها جميعا، وكذلك فإن غالب ما ثبت عنهم في ذلك إنما يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد، على ما بين ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير. فلقد عقد في ذلك فصلا في اختلاف السلف في التفسير وأنه اختلاف تنوع.
ولا يفوتنا أن ننبه إلى خطأ من فهم من كلام ابن تيمية، وهو أن كل خلاف الصحابة هو اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد، ثم أخذ يدلل على هذا الكلام.
والحقيقة أن كلام ابن تيمية لا يفيد هذا المعنى، وكأن الذي ورطه في هذا الفهم السقيم، هو العنوان الذي وضعه ابن تيمية حيث قال: (فصل في اختلاف السلف وأنه اختلاف تنوع)، ولكنه لو أتم قراءة ما تحت هذا العنوان لوجد الرأي الصحيح والفهم السديد لكلام ابن تيمية، حيث قال بعد سطرين:
(وغالب ما يصح عنهم في الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد).
لاحظ كلمة غالب، وليس كل، فالاختلاف في غالبه لا جميعه هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، كيف لا وقد وجد اختلاف تضاد بين الصحابة رضوان الله عليهم، بل وقع اختلاف التضاد بين أكبر علمين من الصحابة في التفسير، وهما عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود، فقد روي عن عبد الله بن عباس في تفسير قوله تعالى:
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: 13]. قال ابن جرير: عن عكرمة عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربّه بقلبه (1) كما روى عن ابن عباس أيضا أنه قال: «أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم (2).--------------------------------------------
(1) الطبري في تفسير سورة النجم.
(2) الطبري في تفسير سورة النجم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)

وقد قال أبو ذر بقول ابن عباس، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربّك؟ قال: «نور أنّى أراه» (1) وذهب جميع الصحابة، ابن مسعود وأبو هريرة وعائشة رضي الله عنهم وغيرهم في تفسير الآية وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى جبريل روى ذلك الإمام البخاري عن ابن مسعود من وجهين:
الأول موقوف عليه، والثاني روي عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم (2).
وقد أورد كثير من المفسرين (3) آراء الصحابة في هذه المسألة، ورجحوا قول عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه فيها من أن محمدا رأى جبريل عليه السلام، ودلل ابن
القيم على ما قاله ابن مسعود وقد أسهب فيه إسهابا مفيدا يحسن الرجوع إليه.

‌‌موقفنا من اختلاف الصحابة في التفسير:
إذا تقرر لدينا أن الصحابة- رضوان الله عليهم- قد اختلفوا في تفسير بعض الآيات فإنه ينبغي النظر في هذا الخلاف:
- فإذا كان الاختلاف في القول مرويا عن صحابي واحد، فالقول فيه ما قاله صاحب البرهان رحمه الله: «فأما إذا لم يكن الجمع بأي من قوليه، فالمتأخر من--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم ح (178) (291).
(2) صحيح البخاري، ح (4856) و (4857).
(3) اطلعت على ما يقارب ثلاثين كتابا من كتب التفسير فوجدتهم قد أجمعوا على أن المراد من الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى جبريل، ومن هذه الكتب التي أوردت هذا الرأي:
1 - كتاب زاد السير لابن الجوزي.
2 - كتاب مفاتيح الغيب للفخر الرازي 28/ 290.
3 - الكشاف للزمخشري 4/ 420.
4 - البحر المحيط ج 8/ 156.
5 - الجلالين وغيرهم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)

القولين عن الشخص الواحد مقدم عنه إن استويا في الصحة، وإلّا فالصحيح هو المقدم» (1).
مثاله ما روي عن ابن عباس في جواز نكاح المتعة ثم رجوعه عنه.
- وأما إن كان ذلك مرويا عن أكثر من واحد، قدم منه ما كان عن رءوس القوم وأكابرهم من أمثال ابن عباس رضي الله عنهما في التفسير، وزيد بن ثابت في الفرائض، وأبيّ بن كعب في القراءات، وهلم جرا، ذلك أن منطق العقل أن الخطأ من هؤلاء أقل بكثير من خطأ من دونهم.
- وأما إذا لم يكن الخلاف مطلقا، بل كان الإجماع فلا شك أنه يحرم الخروج عن إجماعهم، لأن إجماعهم على أمر له قوة الدليل من القرآن والسنة.

‌‌المصدر الرابع الرأي أو الاجتهاد
أخّرت ذكر هذا المصدر للخلاف في اعتباره مصدرا من مصادر التفسير، ولأنه المصدر الأخير الذي يرجع إليه حين لا نجد للآية تفسيرا في المصادر السابقة.
وأطلقت على هذا المصدر الرأي أو الاجتهاد، لأن المقصود من الرأي ليس مجرد الرأي، وإنما المقصود هو الاجتهاد، إذ التفسير بالرأي لون من ألوان الاجتهاد.
إن الخلاف في التفسير بالرأي قد وقع بين الأقدمين والمحدثين، وقد حاول المحدثون أن يجعلوا الخلاف شكليا، كما قال أستاذنا الذهبي: «إن الخلاف لفظي لا حقيقي» ووافقه الأستاذ فائد، ومن قبلهما قال الشيخ الزرقاني رحمه الله مثل قولهما- ويمكن أن يجعل الخلاف لفظيا (2).--------------------------------------------
(1) ج 2/ 183.
(2) المناهل ج 1 ص 526.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)

ويبدو أن أصحاب هذا الرأي لم يحالفهم الصواب في الجمع بين القولين، فجعلوا الخلاف لفظيا لا حقيقيا، مع أن الخلاف على ما سيظهر لك جوهري، وهاك أقوال المجيزين والمانعين للتفسير بالرأي.

‌‌أدلة المجيزين للتفسير بالرأي:
1 - من القرآن: قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد: 24].
قالوا: إن تدبر القرآن يكون بفهمه ومعرفة تفسيره، وذلك عن طريق العقل والاجتهاد بالرأي، وقوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83]. يدل على أن أهل الاستنباط والاجتهاد هم الذين يعملون معاني القرآن، بما وهبهم الله من قوة الاستنباط.
2 - أن القول بمنع التفسير بالرأي مساو للقول بمنع الاجتهاد وهذا القول مردود بداهة.
3 - اختلاف الصحابة في الأقوال- طبعا في بعض الأحيان- يدل دلالة واضحة على جواز التفسير بالرأي، إذ لولا ذلك لاتفقت تفاسيرهم.
4 - دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل، فلو كان التأويل كل التأويل من التنزيل والسماع والنقل، لما كان لدعائه صلى الله عليه وسلم فائدة في تخصيصه بالدعاء.

‌‌أما أدلة المانعين فقد استدلوا:
أولا: من القرآن الكريم قوله تعالى: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: 44].
قالوا: إن هذه الآية حصرت البيان والتفسير بالنبي صلى الله عليه وسلم فليس لأحد غيره أن يفسّر القرآن برأيه.
ثانيا: من السنة: ما رواه الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار» (1) وما رواه الترمذي أيضا وأبو داود--------------------------------------------
(1) باب التفسير في سنن الترمذي 2/ 157، ح (2951).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)

عن جندب بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» (1).
ثالثا: الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين منها: قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «أيّ سماء تظلني، وأيّ أرض تقلني، إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد الله تعالى؟».
ومن التابعين قول الشعبي: «ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح، والرأي». وكان سعيد بن المسيب كبير التابعين إذ سئل عن الحرام والحلال تكلم، وإذا سئل عن تفسير آية من آيات القرآن سكت كأن لم يسمع شيئا.
وجملة القول عند المانعين، أن التفسير بالرأي قول على الله بغير علم، وهو إثم وحرام لا يجوز ارتكابه.
وقد ردّ المجيزون على كل دليل استدلوا به، وهذا مجمل الرّد بإيجاز:
أما الدليل الأول وهو استدلالهم بالقرآن، فهو مردود، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن بيّن القرآن إلا أنه لم يبيّن جميع القرآن، بل بيّن ما هو بحاجة إلى بيان كما بيناه لك سابقا.
أما الحديثان، فالأول منهما: محمول على القول بالرأي فيما لا يعلم إلا عن طريق السمع، أو فيمن يفسر القرآن حسب هواه، ولأنه تفسير بغير ما أراد الله، كما ثبت في الأثر، أما الحديث الثاني المروي عن جندب: فإن من رواته سهيل بن أبي الحزم، وقد طعن فيه أئمة الحديث البخاري والنسائي وأبو حاتم الذي قال فيه: ليس بالقوي، وقد ضعفه ابن معين والإمام أحمد وقال: روى أحاديث منكرة (2).
أما الدليل الثالث: فإن ما روي عن هؤلاء من إحجام عن التفسير بالرأي، مبناه الحذر والحيطة لا الحظر والحرمة.
وبعد: فإن المتأمل في أدلة الفريقين يرى بوضوح أن الخلاف بينهما ليس لفظيا بل هو كما قال الأقدمون: إن المذهبين فيهما غلو وتقصير، وهما على طرفي نقيض--------------------------------------------
(1) المرجع السابق ح (2952).
(2) انظر تهذيب التهذيب 4/ 261، وميزان الاعتدال 1/ 432.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)

كما قال الإمام المحقق الألوسي: «وأما التفسير بالرأي فالشائع المنع عنه». ثم بعد أن ساق أقوال المانعين قال: ولا دليل في ذلك. نعم إن عبارة المانعين للتفسير بالرأي صريحة في منع كل تفسير بالرأي، وهي ناصعة في جلاء لا يعتوره أدنى شائبة من غموض أو التواء، على أنه حتى لو بلغ صاحب الرأي ما بلغ من علم واجتهاد وسعة أدب، فليس له أن يفسر القرآن برأيه، وإنما عليه أن يقتصر على المأثور فحسب، فهل بعد هذا نقول: إن الخلاف بينهم لفظي؟ وإن مراد المجيزين للتفسير بالرأي إنما يريدون الرأي المحمود، وإن مراد المانعين للتفسير بالرأي إنما هو الرأي المذموم؟
كلا إن المانعين للتفسير بالرأي يمنعونه ولو صدر عن العلماء؛ وكل فريق يعزز رأيه ويرد على الآخر: فكيف يقال: إن المنع للرأي المذموم، والجواز للرأي المحمود؟
إن المانعين للرأي لا يقصدون الرأي المذموم فحسب، إذ إن هذا بدهي من البدهيات التي يسلم لهم بها المجيزون، وإنما يقصدون المنع من التفسير بالرأي على عمومه وشموله، محموده ومذمومه، صحيحه وسقيمه، فالقائل بالقرآن برأيه وإن أصاب فقد أخطأ، فالمصيب مخطئ، فما بالك بالمخطئ.
هل بعد هذه الصراحة صراحة في قصدهم الواضح، من تحريم التفسير بالرأي، بجميع أشكاله وألوانه.
لهذا كله، فإن الحق الذي نقول به: إن الخلاف حقيقي لا أثر فيه للفظية، لذا كان لزاما علينا أن نسلك طريق الترجيح الذي لا محيص عنه فنقول: إن أدلة المجيزين للتفسير بالرأي أقوى حجة، والواقع العملي الثابت عن سيرة الصحابة والتابعين يدل عليه، فإن الذين رويت عنهم الأخبار بالامتناع عن التفسير بالرأي، قد ثبت عنهم التفسير بالاجتهاد والتفسير بالرأي، وما اختلاف التفاسير وتنوعها، واختلاف التفاسير عن الصحابة والتابعين إلا دليل ناصع على أن مصدر هذا الخلاف إنما هو تباين الآراء النابع عن اجتهادهم.
وتبقى أدلة المنع محصورة فيما لا يجوز أن يفسر به القرآن بالرأي، في المجال الذي ليس له أن يقول فيه قولا إلّا نقلا أو سماعا، هذا ما نميل إليه، أما أن نجمع بين

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)

الرأيين بتحريم الرأي المذموم، وجواز الرأي المحمود، فما نظن أن الخلاف واقع في شيء من ذلك؛ لأن التفسير بالرأي المذموم ليس مورد خلاف بين العقلاء والعلماء، لأن كلمة المجيزين والمانعين سواء في رفضه، لذا لم يبق الخلاف إلّا في جواز التفسير بالرأي أو منعه عموما.

‌‌المصادر المعتلة في التفسير الإسرائيليات
هذا العنوان لا نريد به ما روي عن أبناء إسرائيل (يعقوب) عليه السلام بخاصة، بل هو من باب التغليب على ما يشمل طائفتي اليهود والنصارى من بني إسرائيل، ويطلق على جميع الثقافة الدينية للطائفتين اليهودية والنصرانية، وهو ليس من باب تغليب الثقافة اليهودية على النصرانية، كما قال أستاذنا الذهبي مسندا قوله إلى أن ظاهر لفظ الإسرائيليات يدلّ على اللون اليهودي خاصّة، وأن الجانب اليهودي هو الذي اشتهر أمره، فكثر النقل عنه، وذلك لكثرة أهله وظهور أمره، وشدة اختلاطهم بالمسلمين من مبدأ ظهور الإسلام إلى أن بسط رواقه على كثير من بلاد العالم (1).
هذا كلام أستاذنا الذهبي وهو غير مسلّم به، لأن جميع الثقافة الدينية اليهودية باستثناء الكفر بعيسى، هي بالضرورة ثقافة نصرانية، كذلك يدين بها النصارى تماما، كما تدين اليهود، حتى إنهم ليسمون ما عند اليهود (العهد القديم)، ويسمون ما لديهم من الأناجيل الأربعة والرسائل (العهد الجديد) ويطلقون على جميع العهدين (الكتاب المقدس).
وإنما قلنا عنوان بني إسرائيل ما يشمل اليهود والنصارى، ولم نخص به اليهود لأن عيسى عليه السلام مرسل إلى بني إسرائيل، كما أرسل موسى بنص القرآن، قال تعالى في وصفه عليه السلام: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران: 49] (2).--------------------------------------------
(1) التفسير والمفسرون 1/ 165.
(2) انظر مناهج المفسرين ص 320.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)

‌‌كيف تسربت الإسرائيليات إلى التفسير:
تناول القرآن الكريم بعض الموضوعات، كقصص الأنبياء والأمم بصورة مجملة، مقتصرا على مواضع العظة والاعتبار، دون تفصيل للجزئيات، فلا يعنى في قصة أهل الكف مثلا بأسمائهم، ولا باسم كلبهم وأنه قطمير، ولا باسم الملك الظالم في زمنهم، ولا بمكان وجودهم، ولا بهيئاتهم حين أفاقوا من سباتهم ونومهم، بعد ما يزيد على ثلاثة قرون، كل هذه الأمور وأمثالها قد نجد لها تفصيلا في التوراة والإنجيل، وهي من الأمور التي يجوز روايتها إذا كانت لا تخالف شريعتنا، فلا عجب إذا رأينا بعض الصحابة يسأل من أسلم من أهل الكتاب، من أمثال كعب الأحبار وعبد الله بن سلام وتميم الداري، وهكذا بدأ تسرّب الإسرائيليات في وقت مبكر في عهد الصحابة، ثم نشط هذا التسرب في عهد التابعين، فكانوا يسألون المتقدمين، ويسألون المسلمين من أهل الكتاب في زمنهم، من أمثال وهب بن منبه، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ولعل تفسير مقاتل بن سليمان هو من أصدق الظواهر في الاعتماد على الإسرائيليات في عهد التابعين، فمن قرأه يجد فيه العجب العجاب مما يصح روايته ومما لا يصح.
ثم ولع المتأخرون- بعد عهد التابعين- فحشوا تفاسيرهم بالإسرائيليات، بل الخرافات وأخص القصص القرآني، وما أورده من الخيالات التي لا يقرها شرع ولا عقل.
ويبدو أن هذه الظاهرة قد بدأت تخبو وتختفي من كتب التفسير المعاصرة فقد بدّد العلم كثيرا من الخيالات والأوهام، وأصبحت التفاسير نقية من شوائب الإسرائيليات، إلا في تفسير من في قلوبهم مرض وضغينة للإسلام.

‌‌حكم التفسير بالإسرائيليات
تنقسم الإسرائيليات باعتبار حكم الإسلام فيها إلى ثلاثة أقسام:
1 - ما وافق الشرع.
2 - ما خالف الشرع.
3 - ما سكت عنه الشرع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)

وقد ذهب إلى هذا التقسيم الحافظ ابن كثير، وبيّن الحكم الشرعي في كل نوع فقال: إن الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد وهي على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه فذاك المرفوض.
والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل. فهذا لا نؤمن به ولا نكذبه ويجوز حكايته، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني.
ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب أهل الكهف، ولون كلبهم وعددهم.
وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلّم الله عنها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ودنياهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز (1). بهذا التقسيم الدقيق والتحقيق البالغ من ابن كثير، نستطيع أن نفهم الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بشأن الإسرائيليات، فقد روى البخاري عن ابن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (2). فهذا الحديث يتعلق بما وافق شرعنا.
أما ما روي عن عمر أنه كان يقرأ في التوراة فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فهذا محمول على ما خالف شرعنا.
أما ما سكت شرعنا عنه، فلا هو من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا» (3).--------------------------------------------
(1) تفسير ابن كثير. ج 1 ص 4.
(2) انظر صحيح البخاري في كتاب الأنبياء ح (3461)، وقد أخرجه أحمد (2/ 159، 202 والترمذي ح (2669).
(3) الحديث لا تصدقوا أهل الكتاب. أخرجه البخاري في كتاب التفسير ح (4485).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)

قال العلامة العيني في شرح الحديث: يعني إذا كان ما يخبرونكم به محتملا، لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه فتقعوا في الحرج.
وقد أحسن الخطابي في شرحه لهذا الحديث وللأحاديث السابقة إذ يقول:
«لم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه، ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه، وهذا الحديث، أي: لا تصدقوا ولا تكذبوا … أصل في وجوب التوقف عما يشكّك في الأمور، فلا يقضي عليه بصحة أو بطلان، ولا بتحليل ولا تحريم، وقد أمرنا أن نؤمن بالكتب المنزلة على الأنبياء- عليهم السلام إلّا أنه لا سبيل لنا إلى أن نعلم صحيح ما يحكونه عن تلك الكتب من سقيمه، فنتوقف فلا نصدقهم، لئلا نكون شركاء معهم فيما حرفوه منه، ولا نكذبهم فلعله يكون صحيحا، فنكون منكرين لما أمرنا أن نؤمن به». وهذا النوع هو أكثر الأنواع التي رويت في التفسير كما قال ابن كثير، وقد ازداد شيئا فشيئا، بدأ من عهد الصحابة والتابعين وكان كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام من أكثر أهل زمانهم رواية لها؛ لعلمهم بالكتاب، ثم تضخمت بعدهم القصص والأخبار حتى أصبحت مصدرا من مصادر التفسير.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)

‌‌المبحث الرابع شروط المفسر
لا ريب أن من أراد أن يتصدى لتفسير القرآن فعليه استجماع الشروط المعتبرة، حتى يكون أهلا لبيان مراد الله، ومن أولى بدهيات الشروط: صحة اعتقاد المفسر، حتى يمكن الركون إلى تفسيره، فلا يطمأن إلى كلام الملاحدة والمبتدعة، مهما سمت علومهم، لأنهم يبغون الفتنة، كدأب الباطنية وغلاة الرافضة وأهل البدع- قديما وحديثا-؛ لأن مقصودهم هو ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله بما يوافق ضلالهم.
وهناك من العلوم التي يجب توافرها في المفسر، حتى يتسنى له تفسير كتاب الله عز وجل، وقد بلغ بها السيوطي خمسة عشر علما، نستطيع أن نضعها في بضعة علوم أساسية.

‌‌أولا: علوم اللغة العربية:
هذا من أولى الضرورات التي يجب أن يتحلى بها كلّ قاصد لتفسير كتاب الله، الذي من أهم صفاته أنه بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: 195] قُرْآناً عَرَبِيًّا [يوسف: 2].
لذا قال الإمام مجاهد- شيخ المفسرين التابعين: «لا يحلّ لأحد يؤمن بالله وباليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالما بلغات العرب».
وقال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه: (لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلّا جعلته نكالا) (1).

‌‌ومن أهم علوم اللغة العربية:
‌‌أ- علوم النحو:
يتغير معنى الكلام حسب موقعه الإعرابي، فينتقل المعنى من الكفر إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الكفر بتغير حركة الإعراب فيه، وهذا معنى ما أخرجه أبو عبيد عن--------------------------------------------
(1) رواه البيهقي في الشعب عن مالك.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)

الحسن: أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن النطق ويقيم بها قراءته، قال: (حسن فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية فيعيى بوجهها فيهلك فيها) (1).
والقرآن الكريم قد نزل بأفصح لغات العرب، وكلام الله تعالى، حاكم ومهيمن، على القواعد العربية، فعلامات الإعراب وقواعده مستنبطة من لسان العرب، وقد وضعت في عصر متأخر بعد نزول القرآن، لذا فلا يلتفت إلى كلام بعض علماء اللغة والمفسرين الذين يستبعدون بعض القراءات القرآنية، لاعتقادهم أنها مخالفة للقواعد العربية. مثل ما قاله الزمخشري وغيره في قراءة متواترة من سورة النساء: .. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ .. [النساء: 1]. وبالكسر والأرحام، فقد لغا في ذلك قلة من المفسرين في توجيه هذه القراءة وغيرها، وقد انبرى لهم الإمام أبو حيان في الرد عليهم في تفسيره البحر المحيط، ولسنا هنا بصدد الحديث عنها.

‌‌ب- علم الصرف:
علم الصرف به تعرف الأبنية والصيغ، وقد نص عليه ابن فارس قائلا: (من فاته علمه فاته المعظم، لأنا نقول «وجد» كلمة مبهمة، فإذا صرفناها اتضحت، فقلنا في المال: «وجدا» (2) وفي الضالة «وجدانا» وفي الغضب «موجدة» وفي الحزن «وجدا») (3).
وانظر إلى اختلاف المعنى من العدل إلى عكسه الجور لاختلاف التصريف في الآيتين التاليتين:
في سورة الحجرات: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات: 9]. بمعنى اعدلوا.
وفي سورة الجن: وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [الجن: 15]. فالقاسطون بمعنى الجائرون الظالمون.
ومن جهل هذا العلم فإنه يقع في البدع والخطأ، ومن ذلك ما قاله الزمخشري في الزمخشري في الكشاف: ومن بدع التفاسير أن الإمام في قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء: 71]--------------------------------------------
(1) انظر السيوطي في الإتقان.
(2) مثلثة الواو.
(3) انظر المجمل لابن فارس (وجد).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)

جمع أمّ، وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، لئلا يفتضح أولاد الزنا، قال: وليت شعري أيهما أبدع، أصحة لفظه أم بهاء حكمته؟! يعني أن الأم لا تجمع على إمام، وهذا كلام من لا يعرف الصناعة ولا لغة العرب، ثم قال: وهذا خطأ أوجبه جهله بالتصريف، فإن الأم لا تجمع على إمام بل أمهات (1).

‌‌ج- الاشتقاق:
لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف باختلافهما، كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح؟ (2).
فإذا كان من السياحة، فتكون تسمية عيسى بالمسيح لكثرة سياحته، وإذا كان من المسح تكون تسميته؛ لأنه كان لا يمسح على ذي عاهة إلّا برأ بإذن الله.

‌‌د- علوم البلاغة:
بأقسامها الثلاثة: المعاني- البيان- البديع، لأنه يعرف بعلم المعاني خواص تراكيب الكلام، من حيث إفادتها المعنى، ويعرف بعلم البيان خواص تلك التراكيب من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، ويعرف بالبديع وجوه تحسين الكلام (3).
وهذه العلوم يستعان بها في إدراك الإعجاز القرآني، بصورتها العجيبة التي أعجزت الخلق من الإنس والجن عن الإتيان بمثله. وأكثر كتب التفسير اهتماما بذلك كتاب الكشاف للزمخشري الذي يقول: (من حق مفسر كتاب الله الباهر، وكلامه المعجز أن يتعاهد في مذاهبه بقاء النظم على حسنه، والبلاغة على كمالها، وما وقع--------------------------------------------
(1) انظر تفسير الزمخشري في هذه الآية 71 من سورة الإسراء، وقد نقل العبارة صاحب البرهان، 2/ 297.
(2) الإتقان، 2/ 181.
(3) المرجع السابق، 2/ 181.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)

به التحدي سليما من القادح). وقد اعتنى في كتابه بالنواحي البلاغية. كيف لا وهو واضع كتاب أساس البلاغة؟!

‌‌ثانيا: علم أصول الفقه:
إذ به يعرف وجه الاستدلال في استنباط الأحكام، وقد بين لنا ابن قيم الجوزية بعض القواعد الأصولية، التي تتعلق بتفسير القرآن وذلك في كتابه بدائع الفوائد (1).
ولقد وجدنا كثيرا من المفسرين المشهورين قد برعوا في علم أصول الفقه، كما برعوا في التفسير على حد سواء، منهم:
1 - أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص المتوفى سنة 370 هـ، وتفسير (أحكام القرآن)، وكتابه في الأصول مشهور باسمه (أصول الجصاص).
2 - فخر الدين الرازي والمتوفى سنة 606 هـ، وتفسيره (مفاتيح الغيب)، أما كتابه بالأصول فهو من أشهر الكتب الأصولية (المحصول في علم الأصول).
3 - ابن تيمية المتوفى سنة 728 هـ، له تفسير وكتابه في الأصول (المسوّدة في أصول الفقه)، لآل تيمية أي هو وأبوه وجدّه.
4 - القاضي ناصر الدين البيضاوي الشيرازي المتوفى سنة 791 هـ، له تفسير معروف (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) وكتابه في الأصول (مناهج الوصول إلى علم الأصول).
5 - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة 911 هـ، وكتابه في التفسير (الدر المنثور)، وقد ساهم في التفسير الشهير بتفسير الجلالين. وكتابه في الأصول معروف باسم (الأشباه والنظائر).
6 - محمد بن علي بن محمد الشوكاني المتوفى سنة 1250 هـ، وتفسيره (فتح القدير) وكتابه في الأصول (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول).--------------------------------------------
(1) من كتابه بدائع الفوائد وهو مطبوع.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)

مما تقدم يتضح لنا أهمية هذا العلم لكل من يتصدى لتفسير كتاب الله، بل لكل مجتهد يريد استنباط الأحكام من آيات القرآن، وخير الكتب في هذا العلم، (الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، والموافقات للإمام الشاطبي، وما ذكرناه لك إرشاد الفحول للشوكاني).

‌‌ثالثا: علم أصول الدين ويطلق عليه علم الكلام:
وهو علم لا بد من توافره لكل مفسر، حتى لا يقع في الخطأ والزلل، فلا بد من إدراك العقيدة الصحيحة، والنظر إلى آيات القرآن من وجهة نظر صحيحة عن الكون والإنسان والحياة، فإن ذلك يساعده في فهم الآيات فهما صحيحا، ولا بد من معرفة الأصول الاعتقادية- ما يجب في حق الله وما يستحيل عليه، وما يجب في حق الرسل- عليهم السلام وما يستحيل عليهم.
يقول أبو حيان: (وقد صنف علماء الإسلام- من سائر الطوائف- في هذا كتبا كثيرة، وهو علم صعب، إذ المزلة فيه، والعياذ بالله، مفض إلى الخسران في الدنيا والآخرة) (1).

‌‌رابعا: علوم القرآن:
هناك مباحث في علوم القرآن لا بد من معرفتها، حتى يتسنى للمفسر أن يدرك القرآن إدراكا صحيحا، ودونها يتعثر فهمه، بل يقع في الضلال والإشكال، ومن هذه العلوم القرآنية:

‌‌أ- علم القراءات:
لأن به يعرف كيفية النطق، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض، فلا شك أن المعاني والتفاسير تختلف باختلاف الألفاظ زيادة أو نقصا، وتختلف باختلاف تغير حركة الألفاظ، أو إتيان بلفظ بدل لفظ، وذلك بتواتر أو آحاد، ويؤخذ هذا من علم القراءات.--------------------------------------------
(1) البحر المحيط، لأبي حيان في 1/ 7.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)