وقد صنف العلماء في هذا العلم الجليل كتبا لا تعد ولا تحصى، ويرى أبو حيان أن من أحسنها كتاب الإقناع في القراءات السبع، لأبي جعفر بن الباذش، وفي القراءات العشر كتاب المصابيح لأبي الكرم الشهرزوري (1).
ويعتبر كتاب ابن الجزري (النشر في القراءات العشر) من خير الكتب المصنفة والمطبوعة في هذا العلم.
وقد رأينا أن كثيرا من المفسرين يتعرضون للقراءات القرآنية الواردة في الآيات القرآنية، وعلى سبيل المثال الإمام الطبري، وابن كثير، والزمخشري وصاحب البحر المحيط، بل رأينا كثيرا منهم قد ألف كتبا في علم القراءات، مثل ابن جرير الطبري، ومثل الكواشي (2) المفسر الذي ألف كتاب المواقف في القراءة ويجدر بالذكر أن هذا الموضوع لا يأخذ إلّا شفاها عن أهل هذا العلم؛ ليعرف كيفية النطق الصحيح بالقرآن.
ب- أسباب النزول:
ارجع إلى ما كتبناه في أسباب النزول (3).
ج- الناسخ والمنسوخ:
يروى أن علي بن أبي طالب مرّ بقاصّ في مسجد، وهو يحدث الناس، فسأله أتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت. ولعلك أدركت أهمية الموضوع في ما سبق وذكرناه لك (4).
د- علم القصص:
ذلك أن القرآن يذكر القصة الواحدة في مواضع عديدة من السور القرآنية، فما يجمله في مواضع، قد يفصله في سور أخرى، يعين على فهم مجملها.--------------------------------------------
(1) المرجع السابق.
(2) الإمام الكواشي وصاحب تفسير. تبصرة المتذكر وتذكرة المتبصر، وقد توفى سنة 680 هـ.
(3) ص 134.
(4) سبق ذكره في بحث النسخ ص 185.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
خامسا: العلم بالأحاديث النبوية المفسرة للآيات القرآنية.
سادسا: العلم بتفسير الصحابي:
سلف تفصيله في مصادر التفسير (1).
هذه أهم العلوم فيمن فسر دون معرفتها فقد ضل، وهناك علوم أخرى كعلم الموهبة. والامتلاء من العلوم العديدة والمفيدة، للاقتدار على تحصيل التفسير، فإنه كما قال ابن أبي الدنيا عن تفسير القرآن (ما يستنبطونه بحر لا ساحل له) ولكن ما ذكرناه كالآلة للمفسر لا يكون مفسرا إلّا بتحصيلها، ويحسن بنا أن نذكر لك ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا في تخصيص بعض العلوم التي يحتاج إليها المفسر، فإن فيها إيضاحا وإضافة مفيدة لما ذكرناه لك.
قال رحمه الله: (للتفسير مراتب أدناه أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله وتنزيهه، ويصرف النفس عن الشر، ويجذبها إلى الخير، وهذه هي التي قلنا إنها
متيسرة لكل أحد: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 17].
وأما المرتبة العليا فهي لا تتم إلّا بأمور:
أحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة، التي أودعها القرآن بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة، غير مكتف بقول فلان وفهم فلان، فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد، ومن ذلك لفظ التأويل اشتهر بمعنى التفسير مطلقا، أو على وجه الخصوص، ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى كقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ [الأعراف: 53].
فما هذا التأويل؟ يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة ليفرق بينهما وبين ما ورد في الكتاب، فكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى.--------------------------------------------
(1) ص 239.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه، بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه، فربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ الهداية وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه، وقد قالوا: إن القرآن يفسر بعضه بعضا، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته.
ثانيها: الأساليب، فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته، مع التفطن لنكته ومحاسنه، والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه. نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله كله على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة، ويحتاج في هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب (المعاني والبيان) ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب.
ترون في كتب العربية أن العرب كانوا مسددين في النطق، يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع، أتحسبون أن ذلك كان طبيعيا لهم؟ كلّا وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة، ولذلك صار أبناء العرب أشدّ عجمة من العجم عند ما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعيا ذاتيا لما فقدوه في مدة خمسين سنة بعد الهجرة.
ثالثها: علم أحوال البشر، فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب، وبين فيه ما لم يبين في غيره، بيّن فيه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعهم، والسنن الإلهية في البشر، وقص علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسننه فيها، فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوة وضعف، وعزّ وذلّ، وعلم وجهل، وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير، علويه وسفليه، ويحتاج هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه.
قال الأستاذ الإمام: أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسر قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ .. [البقرة: 213].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
وهو لا يعرف أحوال البشر، وكيف اتحدوا، وكيف تفرقوا، وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها، وهل كانت نافعة أو ضارة، وماذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم.
أجمل القرآن الكلام عن الأمم وعن السنن الإلهية، وعن آياته في السموات والأرض وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمالي صادر عمن أحاط بكل شيء علما، وأمرنا بالنظر والتفكر، والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا، ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره، لكنا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده، لا بما حواه من علم وحكمة.
رابعها: العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن، فيجب على المفسر القائم بهذا الفرض الكفائي، أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم، لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث به لهدايتهم وإسعادهم، وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها، إذا لم يكن عارفا بأحوالهم وما كانوا عليه؟
هل يكتفى من علماء القرآن- دعاة الدين والمناضلين ضد التقليد- بأن يقولوا تقليدا لغيرهم: إن الناس كانوا على باطل، وإن القرآن دحض أباطيلهم في الجملة؟
كلا.
وأقول الآن: يروى عن عمر أنه قال: (إن جهل الناس بأحوال الجاهلية هو الذي يخشى أن ينقض عرى الإسلام عروة عروة) اهـ.
والمراد: أن من نشأ في الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله، يجهل تأثير هدايته وعناية الله بجعله مغيرا لأحوال البشر، ومخرجا لهم من الظلمات إلى النور، ومن جهل هذا يظن أن الإسلام أمر عادي، كما ترى بعض الذي يتربون في النظافة والنعيم يعدون التشديد في الأمر بالنظافة والسواك من قبيل اللغو؛ لأنه من ضروريات الحياة عندهم، ولو اختبروا غيرهم من طبقات الناس لعرفوا الحكمة في تلك الأوامر، وتأثير تلك الآداب ومن أين جاءت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
خامسها: العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وما كانوا عليه من علم وعمل، وتصرف في الشئون دنيويها وأخرويها. اهـ (1).
هذه عبارة الأستاذ الشيخ رشيد رضا بنصها، وفيها تركيز وإدماج لبعض ما قلناه من قبل، وفيها شرح وإيضاح لبعض آخر منه، وهي تلقي ضوءا على ما تقدم.
وتوضح بعض ما فيه من إيجاز.--------------------------------------------
(1) تفسير المنار، 1/ 21 - 24.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
المبحث الخامس أنواع التفسير
يقسم العلماء التفسير إلى نوعين رئيسين وهما: التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي أو الدراية، ومنهم من يضيف إليه التفسير الإشاري، كنوع ثالث وهو خارج عن اعتباره تفسيرا لأمور كثيرة سنراها فيما بعد.
أولا: التفسير بالمأثور
هو كل تفسير يعتمد على المصادر التفسيرية: القرآن والسنّة وأقوال الصحابة- رضوان الله عليهم- ومنهم من يضيف أقوال التابعين، وخير ما يمثل هذا اللون من التفسير هو الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي، وهناك من يعتبر تفسير ابن جرير الطبري وابن كثير من التفسير بالمأثور وفي هذا نظر: لما يحويه ابن جرير وابن كثير من اجتهادات وتوجيهات وترجيحات تعتمد على الدراية والرأي والاجتهاد، فالكتابان مصدران عظيمان للتفسير بالمأثور ولكنها لا يخلوان من التفسير بالرأي.
ويجدر التنبيه إلى أن اعتبار تفسير القرآن بالقرآن من التفسير بالمأثور فيه نظر، لإطلاق الأثر على التفسير القرآني، والأثر كما هو معروف يطلق على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، ولكن لا بد من استدراك أن اعتبار تفسير القرآن للقرآن من التفسير بالمأثور هو من باب الاصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح.
أشهر المفسرين في التفسير بالمأثور:
1 - الطبري (224 - 310 هـ).
هو أبو جعفر، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري، الإمام الجليل والمجتهد المطلق، صاحب التصانيف المشهورة، رحل من بلده طبرستان في طلب العلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فسمع بمصر والشام والعراق، ثم استقر ببغداد إلى أن مات فيها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
مكانته العلمية:
كان ابن جرير أحد الأئمة الأعلام، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه أحد من أهل عصره، فهو حافظ لكتاب الله، عارف بمعانيه، فقيه في أحكامه، عالم بالسنن وطرقها، مميز بين الناسخ والمنسوخ منها، عارف بأقوال الصحابة والتابعين، عالم بمواضع اختلاف الأئمة من قبله، عارف بأيام الناس وأخبارهم، ومن العلوم التي قد برع فيها: علم القراءات وعلم التفسير وعلم الحديث وعلم الفقه وعلم التاريخ، فقد ألف في القراءات كتابه القراءات، وفي التفسير كتاب جامع البيان عن تأويل آي القرآن، وفي التاريخ كتاب تاريخ الأمم والملوك وكتاب تاريخ الرجال من الصحابة والتابعين، وفي الفقه كتاب اختلاف العلماء، وكتاب أحكام شرائع الإسلام وهذا الأخير كتاب ألف على ما أداه إليه اجتهاده. ومعظم هذه الكتب قد اختفى منذ زمن، ولم يحظ بالشهرة منها سوى كتابيه في التفسير والتاريخ.
ويعتبر ابن جرير أبا للتفسير، ويعتبر أيضا من الأئمة المجتهدين. يقول ابن خلكان: إنه كان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحدا. وقد قالوا: إن له مذهبا معروفا، وإن أصحابه ينتحلون مذهبه، ويقال لهم: الجريرية. لكن هذا المذهب لم يبق إلى زماننا هذا، فقد اندثر منذ زمن. وقد كان شافعيا قبل أن ينفرد بمذهب خاصّ به، فقد قال السيوطي في طبقات المفسرين: وكان أولا شافعيا، ثم انفرد بمذهب مستقل، وأقاويل واختيارات، وله أتباع ومقلدون، وله في الأصول والفروع كتب كثيرة (1). اهـ.
طريقته في التفسير:
يعتبر تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، قال عنه السيوطي: «وكتابه- يعني تفسير ابن جرير- أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب والاستنباط، فهو يفوق بذلك تفاسير الأقدمين» (2)،--------------------------------------------
(1) ص 3.
(2) الإتقان 2/ 190.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
وقال النووي: «أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري» (1) وتفسيره الذي بين أيدينا ما هو إلا مختصر تفسيره الأصلي على ما يبدو. قال ابن السبكي في طبقاته الكبرى: «إن أبا جعفر قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا كم يكون قدره؟
فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟
قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا الله ماتت الهمم فاختصره في نحو ما اختصر التفسير» (2) اهـ.
وكتاب ابن جرير في التفسير من أقدم التفاسير التي وصلت إلينا. وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهبت بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شيء منها سوى ما وصل إلينا منها في ثنايا كتب التفاسير الأخرى ومنها تفسير ابن جرير.
وتظهر طريقة ابن جرير في تفسيره في عدة نقاط وهي:
1 - إنكاره التفسير بمجرد الرأي.
2 - اعتناؤه بالأسانيد.
3 - تقديره للإجماع.
4 - ذكره القراءات.
5 - نقله من الإسرائيليات.
6 - انصرافه عما لا فائدة فيه.
7 - احتكامه إلى المعروف من كلام العرب.
8 - رجوعه إلى الشعر القديم.
9 - اهتمامه بالمذاهب النحوية.
10 - معالجته للأحكام الفقهية.
11 - خوضه في مسائل الكلام.
وسنذكر الأمثلة على طريقته في التفسير:--------------------------------------------
(1) الإتقان 2/ 190.
(2) ج 2 ص 137.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
فمثال إنكاره التفسير بالرأي قوله عند تفسير قوله تعالى: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف: 49]. بعد ذكر أقوال السلف فيها، مع توجيهه للأقوال، وتعرضه للقراءات، فيقول ما نصه: « … وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل، ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب، يوجه معنى قوله: «وفيه يعصرون» إلى: وفيه ينجون من الجدب والقحط بالغيث، ويزعم أنه من العصر، والعصرة التي بمعنى المنجاة، من قول أبي زبيد الطائي:
صاديا يستغيث غير مغاث … ولقد كان عصرة المنجود
أي: المقهور، ومن قول لبيد:
فبات وأسرى القوم آخر ليلهم … وما كان وقّافا بغير معصّر
وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين» (1).
أما اعتناؤه بالأسانيد فيظهر ذلك واضحا في تفسيره، لأنه يذكر الروايات بأسانيدها، إلا أنه في الأعم الأغلب لا يتعقب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف، ومع ذلك فابن جرير يقف من السند أحيانا موقف الناقد البصير، فيوثق الرواة ويجرحهم، ويرد الروايات التي لا يثق بصحتها، ومثال ذلك تفسيره لقوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [الكهف: 94] فيقول ما نصه: «روي عن عكرمة في ذلك- يعني في ضم سين (سدّا) وفتحها- ما حدثنا به أحمد بن يوسف، قال: حدثنا القاسم، قال حدثنا: حجاج، عن هارون، عن أيوب، عن عكرمة، قال: ما كان من صنعة بني آدم فهو السّد يعني بفتح السين، وما كان من صنع الله فهو السّد، ثم يعقب على هذا السند فيقول: «وأما ما ذكر عن عكرمة في ذلك فإن الذي نقل ذلك عن أيوب هارون وفي نقله نظر، ولا نعرف ذلك عن أيوب من رواية ثقات أصحابه» (2) اهـ.
ومثال تقديره للإجماع تفسيره لقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [البقرة: 230] فيقول ما نصه: «فإن قال قائل: فأي النكاحين عنى الله بقوله:--------------------------------------------
(1) جامع البيان ج 12 ص 138.
(2) جامع البيان ج 16 ص 13.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ؟ النكاح الذي هو جماع؟ أم النكاح الذي هو عقد تزويج؟
قيل: كلاهما، وذلك أن المرأة إذا نكحت رجلا نكاح تزويج، ثم لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها، ولم يجامعها حتى يطلقها، لم تحل للأول، لإجماع الأمة جميعا … » (1).
أما ذكر القراءات في تفسيره، فإنه يذكر القراءات وينزلها على المعاني المختلفة، وكثيرا ما يردّ القراءات التي لا تعتمد على الأئمة الذين يعتبرون عنده وعند علماء القراءات حجة، والتي تقوم على أصول مضطربة، فمثلا عند قوله تعالى:
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً [الأنبياء: 81] يذكر أن عامّة قراء الأمصار قرءوا (الريح) بالنصب على أنها مفعول لسخرنا المحذوف، وأن عبد الرحمن الأعرج قرأ (الريح) بالرفع على أنها مبتدأ ثم يقول: والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها في ذلك ما عليه قراء الأمصار لإجماع الحجة من القراء عليه.
وجدير بالذكر أن ابن جرير كان من علماء القراءات المشهورين، وله كتاب في ذلك في ثمانية عشر مجلدا ولكنه ضاع مع الزمن، ولم يصل إلينا ككثير من مؤلفاته.
وابن جرير يأتي في تفسيره بأخبار مأخوذة من القصص الإسرائيلي، يرويها بإسناده إلى كعب الأحبار، وهب بن منبه وابن جريج والسدي ويتعقبها بالنقد، لكن تفسيره ما زال بحاجة إلى النقد الفاحص الشامل احتياج كثير من كتب التفسير الأخرى إلى ذلك النقد. ويحتكم ابن جرير في مواضع كثيرة من تفسيره إلى كلام العرب وشعرهم، كتفسيره لقوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 22] فيقول: «قال أبو جعفر: والأنداد جمع ند، والند: العدل والمثل، كما قال حسان بن ثابت:
أتهجوه ولست له بندّ … فشرّكما لخيركما الفداء
يعني بقوله: لست له بند: لست له بمثل ولا عدل، وكل شيء كان نظيرا لشيء وشبيها فهو له ند» (2).
أما اهتمام ابن جرير بالمذاهب النحوية فيظهر ذلك واضحا في تفسيره، ويذكر أقوال الكوفيين والبصريين ويوجه الأقوال ويستشهد بالنحو على ما يقول.--------------------------------------------
(1) جامع البيان ج 2 ص 290 - 291.
(2) جامع البيان ج 1 ص 125.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
ويعالج ابن جرير الكثير من الأحكام الفقهية كثيرا في تفسيره، ويذكر أقوال العلماء ومذاهبهم، ويخلص من ذلك برأي يختاره لنفسه. ويرجحه بالأدلة، وهذا ليس بغريب، لأن ابن جرير- كما ذكرنا- مجتهد له مذهب خاص به، عالم في مذاهب العلماء وأقوالهم.
وترى ابن جرير يخوض في تفسيره في مسائل الكلام كثيرا، مما يدل على أنه كان عالما في مسائل العقيدة، فتراه يستشهد بالآية على مسألة في العقيدة، وتراه يناقش مسألة أخرى ويرد على المعتزلة كثيرا في تفسيره وعلى القدرية، ويصفهم بالغباء فيما يذهبون إليه من الأقوال الغريبة، وذلك واضح في تفسيره خصوصا عند تفسيره لآيات الصفات.
2 - ابن عطية الأندلسي (1):
هو القاضي عبد الحق بن عطية الأندلسي الغرناطي المالكي. ولد بغرناطة سنة 480 هـ ونشأ فيها، وتربى في كنف أبيه القاضي الحافظ الذي أحاطه بأسباب العناية والرعاية، مما كان سببا في تكون شخصيته العلمية.
كان منذ صغره طموحا متطلعا، وقد لازمه هذا الطموح حتى برزت مواهبه، وعم إنتاجه وغدا شخصية علمية يشار إليها بالبنان. ويحدثنا الفتح بن خاقان عن صفات ابن عطية التي أورثته علوا في الرتبة وعظمة في المكانة، قال: «سابق الأمجاد في السؤدد جاهدا، حتى تناول الكواكب قاعدا» (2).
مكانته العلمية:
قال لسان الدين ابن الخطيب: «كان ابن عطية فقيها عالما بالتفسير، والأحكام والحديث والفقه والنحو والأدب واللغة، له نظم ونثر، ولي القضاء (بالمرية) من حواضر الأندلس وكان غاية في الدهاء والذكاء» (3).--------------------------------------------
(1) ترجمته: ابن بشكوال، الصلة: 2/ 386، والضبي، بغية الملتمس ص 389. النباهي: تاريخ قضاة الأندلس ص 109، وابن الخطيب، الإحاطة 3/ 531. الداودي: طبقات المفسرين 1/ 260.
(2) ابن خاقان، قلائد العقيان 2/ 217.
(3) ابن الخطيب 3/ 539.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
قال السيوطي: «عبد الحق بن عطية هو الإمام الكبير قدوة المفسرين وعدّة من أساطين النحاة وشيوخهم» (1).
وعده ابن فرحون من أعيان مذهب الإمام مالك فترجم له وذكر مناقبه (2).
منهجه في التفسير:
كان ابن عطية بذكر الآية الكريمة ثم يفسرها بعبارة سهلة، بعيدة عن الغموض والاحتمال، ويورد التفسير بالمأثور في غير إكثار.
ويعرض الأقوال ويناقشها مع الرد أحيانا، وكان كثير الاستشهاد بالشعر للدلالة على المعاني، محتكما إلى اللغة العربية عند إرادة بعض المقاصد، كثير الاهتمام بالمسائل النحوية، وكان يتعرض للقراءات، مستعملها وشاذها ويوجهها، كما كان يتحرى الصحة في الأحاديث بعيدا عن الإسرائيليات، كل ذلك في غاية الإيجاز، وحذف فضول القول (3).
ولقد أقام ابن عطية منهجه في التفسير على أهم الأصول التالية:
1 - جمعه بين التفسير بالمأثور والرأي.
2 - اللغة العربية والنحو.
3 - القراءات.
4 - عرض الأحكام الفقهية.
5 - ردّه للإسرائيليات.
التفسير بالمأثور والرأي- عند ابن عطية:
لقد عنى ابن عطية بالتفسير بالمأثور، سواء ما تعلق منه بتفسير القرآن بالقرآن، أو تفسير القرآن بالحديث، أو بأقوال الصحابة والتابعين .. لكنه درج في تفسيره هذا--------------------------------------------
(1) السيوطي، طبقات المفسرين ص 60، وبغية الوعاة ص 295.
(2) ابن فرحون، الديباج المذهب 2/ 57.
(3) يمكن الوقوف على هذا في مقدمة تفسيره: المحرر الوجيز المقدمة ص 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
بعدم التقيد بالأسانيد كابن جرير الطبري التزاما مع منهجه الذي رسمه لنفسه في مقدمة تفسيره وهو (الإيجاز).
أما التفسير بالرأي فشرطه ألا يتهجم الإنسان على كتاب الله تعالى فيفسره برأيه وهواه، دون حصوله على علوم التفسير: من لغة ونحو وأصول، ويتأول ابن عطية الأحاديث الواردة في النهي عن التفسير بالرأي، ويقول: بأن ذلك محمول على مغيبات القرآن وتفسير مجمله وذلك لا سبيل له إلّا بتوفيق من الله عز وجل (1).
وأجاب أيضا عن تحرج السلف الصالح- الصحابة والتابعين- من التفسير بالرأي فقال: «إن ذلك الإحجام كان تورعا واحتياطا لأنفسهم مع إدراكهم وتقدمهم، أو أن توقفهم كان في مشكل القرآن خوفا من أن يكون تفسيرهم في تلك الحالة قد لا يوافق مراد الله تعالى» (2).
ومن أمثلة التفسير بالمأثور عنده:
تفسير القرآن بالقرآن:
تفسير معنى الهداية الواردة في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: 6]. بما ورد معناها في آيات أخرى.
قال ابن عطية: «والهداية في اللغة: الإرشاد، لكنها تتصرف على وجوه، فالهدى يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: 5].
وقال: وقد جاء الهدى بمعنى الدعاء من ذلك قوله تعالى: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: 7]. أي: داع.
وقد جاء الهدى بمعنى الإلهام من ذلك قوله: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: 50].--------------------------------------------
(1) ابن عطية، المحرر الوجيز 1/ 120 - 121.
(2) مقدمة التفسير لابن عطية ص 30.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
ومثال تفسير القرآن بالحديث:
عند تفسير قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ [آل عمران: 96].
« … قال القاضي أبو محمد ويؤيد هذا التأويل ما قال: أبو ذر- رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أول؟ قال: «المسجد الحرام» قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى» قلت: كم بينهما قال: «أربعون سنة» (1).
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه باب أي مسجد وضع في الأرض (2).
وأما أمثلة التفسير بأقوال الصحابة فيمكن الوقوف عليها في تفسيره (3).
وأما التفسير بالرأي فمثاله عند تفسير قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ [آل عمران: 64].
فبعد أن استعرض معاني كلمة سواء، وأقوال العلماء في تفسيرها، قال: (والذي أقوله في لفظة «سواء»: إنها ينبغي أن تفسر بتفسير خاص بها في هذا الموضوع، وهو أنه دعاهم إلى معان، جميع الناس فيها مستوون، صغيرهم وكبيرهم، وقد كانت سيرة المدعوّين أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا، فلم يكونوا على استواء حال، فدعاهم بهذه الآية إلى ما تألفه النفوس من حق لا يتفاضل الناس فيه .. ) (4).
لقد أولى ابن عطية عناية فائقة باللغة والنحو، فعرض لأصل الألفاظ واشتقاقها وبيان معانيها وأوجه الإعراب فيها، وكثيرا ما كان ينقل آراء النحويين من البصريين والكوفيين، وقد يتعرض لها بالترجيح والتصحيح أو بالرد والتضعيف، وأكثر من الشواهد الشعرية في أغراض مختلفة ومقاصد متعددة.--------------------------------------------
(1) ابن عطية، المحرر الوجيز 3/ 163.
(2) صحيح البخاري (3366).
(3) المحرر الوجيز 2/ 160، 3/ 118.
(4) ابن عطية 3/ 114.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
اهتمامه بالقراءات:
وخلاصته استعرض القراءات المتواترة في اللفظ القرآني، وتوجيهها على المعاني مع بيان الشاذ منها والتنبيه عليه، ومثاله عند تفسير قوله تعالى: الم 1 اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران: 1 - 2].
قال ابن عطية: «وقرأ الجمهور- الم الله- بفتح الميم والألف ساقطة، وروي عن عاصم أنه سكّن الميم ثم قطع الألف، وروى الأولى حفص، وروى الثانية أبو بكر، وذكرها الفراء عن عاصم، وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة «الم» بكسر الميم للالتقاء، وذلك لأن الياء تمنع من ذلك، والصواب الفتح وهي قراءة جمهور الناس.
عرضه للأحكام الشرعية:
ومسلكه في ذلك أنه كان يذكر آراء المالكية في المسألة الفقهية، وينوه كثيرا برأي مالك، وفي بعض الأحيان يعرض لآراء المذاهب الأخرى الحنفية والشافعية والحنابلة ولكن في إيجاز.
ومما هو جدير بالملاحظة أن ابن عطية كان يتحرى الدقة العلمية في النقل فيقول: «وهذا قول مالك وجميع أصحابه فيما علمت».
وكان يعرض لأدلة الأحكام، ومن ثم يرجح آراء الفقهاء، أو يرد ما يحتاج إلى رد (1).
وخلاصة القول: أن ابن عطية وقف من مسألة الأحكام الفقهية في تفسيره موقف العالم البصير بمسائل الأحكام، الواقف على دقائقه وأصوله، دونما تعصب أو ميل، وفي غير إسراف أو استفاضة.
ردّه للإسرائيليات:
يؤكد ابن عطية في غير موضع من تفسيره، أن الإسرائيليات لا تنهض في نفسها لتكون أساسا في تفسير الآيات، لأنها قائمة على الأباطيل والخيالات، ضعيفة--------------------------------------------
(1) انظر 3/ 167، 4/ 132.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
الإسناد تفتقر إلى النقل الصحيح، فضلا عن أن هذه المرويات الإسرائيلية تؤدي إلى زعزعة الثقة في المقصود من النصوص القرآنية، وفساد الاعتقاد بمراميها وأهدافها، وبذا فإنه يرى ضرورة الإضراب عن هذا القصص الإسرائيلي إلّا ما اقتضت الضرورة للاستعانة به على بيان المقصود من الآيات، وقد أكد هذا الموقف في مقدمة تفسيره فقال: «وقصدت فيه أن يكون جامعا وجيزا محررا، لا أذكر من القصص إلّا ما لا تنفك الآية إلّا به» (1).
ومن أمثلة ما ردّه ابن عطية عن الإسرائيليات:
1 - عند تفسير قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ [البقرة: 259].
قال ابن عطية: وروى في قصص هذه الآية أن بني إسرائيل لما أحدثوا الأحداث بعث الله عليهم بخت نصر البابلي، فقتلهم وجلاهم من بيت المقدس، فخربه، فلما ذهب عنه جاء «أرمياء» فوقف على المدينة معتبرا فقال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله تعالى وكان معه حمار- وقد ربطه بحبل جديد، وكان معه سلة فيها تين وهو طعامه- وقيل: تين وعنب، وكان معه ركوة من خمر، وقيل: من عصير، وقيل: قلة ماء هي شرابه- وبقي ميتا مائة عام- فروي أنه بلي وتفرقت عظامه هو وحماره، وروي أنه بلي دون الحمار- وأن الحمار بقي حيا مربوطا وتفرقت أوصاله دون «عزير»، وروى أن الله بعث إلى تلك القرية من عمّرها، وردّ إليها جماعة من إسرائيل … وهكذا كله ضعيف ترد عليه ألفاظ الآية (2).
قيمة تفسير ابن عطية:
قال لسان الدين ابن الخطيب: «عبد الحق بن عطية .. ألف تفسيره- فأحسن فيه وأبدع، وطار بحسن نيته كل «مطار» (3).--------------------------------------------
(1) ابن عطية، المحرر الوجيز 1/ 31.
(2) ابن عطية؟؟؟ / 292.
(3) ابن الخطيب، الإحاطة 3/ 539.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
أما ابن تيمية فقد وصفه أنه بعيد عن البدع، وأتبع للسنة والجماعة، فقال:
«تفسير ابن عطية خير من تفسير الزمخشري وأصح نقلا وبحثا، وأبعد عن البدع، وإن اشتمل بعضها، بل هو خير منه بكثير، بل لعلّه أرجح هذه التفاسير لكن تفسير ابن جرير أصح من هذه كلها» (1).
وشهد له الإمام السيوطي فقال: «لقد أحسن ابن عطية في تفسيره وأبدع حتى طار صيته، وصار كتابه أصدق شاهد بأمانته في العربية وغيرها» (2).
وكانت وفاته رحمه الله عام (546 هـ).
3 - السمرقندي: ( … - 373 هـ):
هو أبو الليث، نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي، الفقيه الحنفي، المعروف بإمام الهدى، المتفقة على أبي جعفر الهندواني المشتهر بكثرة الأقوال المفيدة، والتصانيف المشهورة. ومن أهم تصانيفه تفسير القرآن المسمى ببحر العلوم، وكتاب النوازل في الفقه، وخزانة الفقه، وتنبيه الغافلين، والبستان، المتوفى سنة 373 هـ وقيل: 375 هـ (3).
طريقته في التفسير:
قال في كشف الظنون: «تفسير أبي الليث، نصر بن محمد الفقيه السمرقندي الحنفي، وهو كتاب لطيف مشهور مفيد، خرج أحاديثه الشيخ زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي المتوفى سنة 854 هـ» (4).--------------------------------------------
(1) ابن تيمية، مقدمته في أصول التفسير ص 57.
(2) السيوطي: بغية الوعاة ص 295. وانظر أيضا مقالات أخرى لابن عطية، ابن خلدون، المقدمة ص 439، محمد الفاضل بن عاشور، التفسير ورجاله ص 376 وما بعدها.
(3) طبقات المفسرين للداودي ص 327.
(4) كشف الظنون 1/ 234.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
وتفسيره (بحر العلوم) مخطوط في ثلاث مجلدات كبار، وموجود بدار الكتب المصرية، وتوجد منه نسختان مخطوطتان بمكتبة الأزهر واحدة في مجلدين والأخرى في ثلاثة مجلدات.
وقد قدم السمرقندي تفسيره بباب في الحث على طلب التفسير. وبيان فضله، واستشهد على ذلك بروايات عن السلف، رواها بإسناده إليهم، ثم بيّن أنه لا يجوز لأحد أن يفسر القرآن برأيه من ذات نفسه ما لم يتعلم أو يعرف وجوه اللغة وأحوال التنزيل، واستدل على حرمة التفسير بمجرد الرأي بأقوال رواها عن السلف بإسناده إليهم أيضا، ثم بين أن الرجل إذا لم يعلم وجوه اللغة وأحوال التنزيل فليتعلم التفسير ويتكلف بحفظه، ولا بأس بذلك على سبيل الحكاية … وبعد أن فرغ من المقدمة بدأ بالتفسير. والسمرقندي يفسر القرآن بالمأثور عن السلف، فيسوق الروايات عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم في التفسير، ولكنه لا يذكر إسناده إلى من يروي عنهم إلا نادرا، ثم إنه لا يتعقب الروايات المختلفة ولا يرجح بينها- كما يفعل ابن جرير- إلا نادرا، وهو يعرض للقراءات لكن بقدر (1). كما أنه يحتكم إلى اللغة أحيانا، ويشرح القرآن بالقرآن إن وجدت آية شارحة لأخرى، ويروي القصص القرآني ولكن بقلة ودون تعقيب، ومن الجدير بالذكر أنه يذكر بعض الإشكالات على ظاهر النص ثم يجيب عنها، ثم يعرض ما يوهم الاختلاف والتناقض في القرآن ويزيل هذا الإيهام. أي أن الكتاب مفيد في ذاته، وجامع للتفسير بالرواية والتفسير بالدراية لكن الرواية تغلب الدراية فيه ولهذا يعد من كتب التفسير بالمأثور.
4 - الثعلبي: ( … - 427 هـ).
هو أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري المقرئ المفسر، كان حافظا واعظا، رأسا في التفسير والعربية، متين الديانة، قال ابن خلكان: «كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير» (2) وقال--------------------------------------------
(1) انظر تفسير الآية 124 من سورة البقرة.
(2) وفيات الأعيان 1/ 37 - 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
ياقوت في معجم الأدباء: «أبو إسحاق الثعلبي المقرئ، المفسر، الواعظ، الأديب، الثقة، الحافظ، صاحب التصانيف الجليلة: من التفسير الحاوي أنواع الفرائد من المعاني والإشارات، وكلمات أرباب الحقائق، ووجوه الإعراب والقراءات .. » (1)
وله من المؤلفات كتاب العرائس في قصص الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ونقل السمعاني عن بعض العلماء أنه يقال له: الثعلبي والثعالبي، وهو لقب له وليس بنسب، وذكره عبد الغفار الفارسي في كتاب سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه وقال:
هو صحيح النقل موثوق به. حدث عن أبي طاهر بن خزيمة، والإمام أبي بكر بن مهران المقرئ، وعنه أخذ الواحدي التفسير وأثنى عليه، وكان كثير الحديث كثير الشيوخ، ولكن من العلماء من يرى أنه لا يوثق به، ولا يصح نقله، وسيأتي ذلك عند الحديث عن تفسيره. وتوفي رحمه الله سنة 427 هـ.
التعريف بتفسيره «الكشف والبيان عن تفسير القرآن» وطريقته في التفسير:
بدأ الثعلبي تفسيره بمقدمة أوضح فيها منهجه وطريقته التي سلكها في التفسير، فذكر اختلافه منذ الصغر إلى العلماء، واجتهاده في الاقتباس من علم التفسير الذي هو أساس الدين ورأس العلوم الشرعية، وقد صنف مفسري القرآن على فرق على طرق مختلفة:
1 - فرقة أهل البدع والأهواء، وعد منهم الجبائي والرماني.
2 - وفرقة من ألفوا فأحسنوا، إلا أنهم خلطوا أباطيل المبتدعين بأقاويل السلف الصالحين، وعد منهم أبا بكر القفال.
3 - وفرقة اقتصر أصحابها على الرواية والنقل دون الدراية والنقد، وعد منهم أبا يعقوب الحنظلي.
4 - وفرقة حذفت الإسناد الذي هو الركن والعماد، ونقلت من الصحف والدفاتر، وحررت على هوى الخواطر، وذكرت الغث والسمين، والواهي والمتين. قال:
وليسوا في عداد العلماء، فصنت الكتاب عن ذكرهم.--------------------------------------------
(1) معجم الأدباء 5/ 37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
5 - وفرقة حازوا قصب السبق، في جودة التصنيف والحذق، غير أنهم طوّلوا في كتبهم بالمعادات، وكثرة الطرق والروايات وعد منهم ابن جرير الطبري.
6 - وفرقة جردت التفسير دون الأحكام، وبيان الحلال والحرام، والحل عن الغوامض والمشكلات، والرد على أهل الزيغ والشبهات، كمشايخ السلف الماضين، كمجاهد والسدي والكلبي ..
ثم بين أنه لم يعثر في كتب من تقدمه على كتاب جامع مهذب يعتمد عليه، ثم ذكر ما كان من رغبة الناس إليه في إخراج كتاب في تفسير القرآن وإجابته لمطلوبهم، رعاية منه لحقوقهم، وتقربا به إلى الله … ووصف كتابه بأنه شامل، مهذب، ملخص، مفهوم، منظوم، مستخرج من زهاء مائة كتاب مجموعات مسموعات، سوى ما التقطه من الأجزاء والتعليقات وما تلقفه من المشايخ الأثبات .. ثم قال: وخرجت فيه الكلام على أربعة عشر نحوا: البسائط والمقدمات، والعدد والتنزلات، والعربية واللغات، والإعراب والموازنات، والتفسير والتأويلات، والمعاني والجهات، والغوامض والمشكلات، والأحكام والفقهيات، والحكم والإشارات، والفضائل والكرامات، والأخبار والمتعلقات، أدرجتها في أثناء الكتاب بحذف الأبواب وسميته: كتاب الكشف والبيان عن تفسير القرآن … ثم ذكر في أول الكتاب أسانيده إلى من يروي عنهم التفسير من علماء السلف واكتفى بذلك ولم يذكرها خلال الكتاب، كما ذكر أسانيده إلى مصنفات أهل عصره، وكتب الغريب والمشكل والقراءات، ثم ذكر بابا في فضائل القرآن وأهله، وبابا في معنى التفسير والتأويل ثم شرع في التفسير.
وتفسيره (الكشف والبيان) مخطوط بمكتبة الأزهر لكنه غير كامل موجود في أربعة مجلدات ضخام ينتهي آخرها بأواخر سورة الفرقان والباقي مفقود.
وقد قام المؤلف بالتفسير بما جاء عن السلف مع اختصاره للأسانيد، اكتفاء بذكرها في مقدمة الكتاب، وإنه يخوض في المسائل النحوية بتوسع ظاهر كتوسعه على «نعم وبئس» في القرآن الكريم، ويقوم بشرح الكلمات اللغوية وأصولها وتصاريفها، ويستشهد بالشعر على ما يقول كتحليله لكلمة (ينعق) في قوله تعالى:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)