المبحث الأول الجمع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
لقد جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حفظا وكتابة، أما حفظه في الصدور فقد تجلى في حفظ النبي صلى الله عليه وسلم لهذا القرآن، فقد كان يتشوق
ويتلهف لنزول الوحي، فما إن ينزل بالآيات إلّا ويعجل النبيّ صلى الله عليه وسلم بحفظها، لذا طمأنه الله سبحانه وأرشده إلى عدم الإسراع والتعجل بالقرآن قال تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ 16 إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ 17 فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ 18 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ [القيامة: 16 - 19].
وقال تعالى: .. وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ .. [طه: 114].
ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم جامع القرآن في قلبه الشريف، وسيد الحفاظ في عصره المنيف، ومرجع المسلمين في كل ما يعنيهم من أمر القرآن وعلوم القرآن، وكان صلى الله عليه وسلم يقرؤه على الناس على مكث، كما أمره مولاه، وكان جبريل يعارضه إياه في كلّ عام مرة، وعارضه إياه في العام الأخير مرتين.
قالت عائشة وفاطمة رضي الله عنهما: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة، وأنه عارضنا العام مرتين، ولا أراه إلّا حضر أجلي» (1).
أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد أخذ القرآن قلوبهم، فأخذوا يتسابقون في حفظه- أحيوا ليلهم وسمع لبيوتهم في غسق الدجى كدوي النحل بالقرآن. بل عرفت منازلهم من سماع تلاوتهم للقرآن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل،--------------------------------------------
(1) مناهل العرفان، 1/ 234. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه ح (3624) ومسلم (2450) (99).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار» (1)، هذا ليلهم، أما نهار الصحابة في المسجد، فكان يسمع لهم ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا، ومن هنا كان عدد الحفاظ من الصحابة رضوان الله عليهم كثيرا، أشهرهم الخلفاء الأربعة والعبادلة وعمرو بن العاص وابن الزبير ومعاوية وأمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة، وغيرهم من المهاجرين، ويكفي أن نعلم من كثرتهم أنه قتل منهم في يوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة مثلهم أي أربعون ومائة (2).
أما الحفظة من الأنصار فهم كثيرون، أشهرهم: أبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو زيد (وهو قيس بن السكن).
يتضح لنا أن الحفاظ كثيرون، وقد زادوا على حد التواتر، ومع ذلك فقد أثار أعداء الإسلام- قديما وحديثا- شبهة مفادها أن الحفظة من الصحابة لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. وتمسكوا بأثر رواه البخاري وغيره، وظنوا أن هذا مستمسك لهم، وما هو بذلك؛ وقد رد علماؤنا كيدهم إلى نحورهم.
أما الأثر فما ورد في صحيح البخاري عن أنس بن مالك- رضي الله عنه أنه قال: (مات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد) (3). فقد زعموا أن هؤلاء الأربعة هم الحفظة ولا أحد غيرهم ظنا منهم أن الحصر في هذا الأثر حصر حقيقي.
والواقع أن هذا الحصر نسبي لا حقيقي، ويدلنا على ذلك ما رواه أنس بن مالك نفسه، وقد سأله قتادة عن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد) (4).--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، (4232)، ومسلم (2499) (166).
(2) هذه الأسماء قد وردت في أحاديث صحيحة. وانظر: المرشد الوجيز، لأبي شامة، ص 40 - 42.
(3) صحح البخاري. كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ح (5004).
(4) صحيح البخاري ح (5003).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
فقد ذكر في هذه الرواية أربعة، غير أنه ذكر أبيّ بن كعب بدلا من أبي الدرداء في الرواية الأولى. وهو صادق في كلتا الروايتين، لأنه لا يعقل أن يكذب نفسه، فتعيّن أنه يريد من الحصر الذي أورده الحصر الإضافي، فمرة ذكر أبا الدرداء، ومرة ذكر أبيّ بن كعب، وهذا التوجيه وإن كان بعيدا، إلّا أنه يتعين المصير إليه جمعا بين هاتين الروايتين، وبينهما وبين روايات ذكرت غير هؤلاء. ومن هنا قال المازري: لا يلزم من قول أنس- رضي الله عنه: (لم يجمعه غيرهم). أن الواقع كذلك في الأمر نفسه، لأنه لا يمكن الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في الأمصار، ولم يتمّ له ذلك إلّا إذا كان قد لقي كل واحد منهم، وأخبر عن نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا في غاية البعد في العادة (1)، وكيف يكون الواقع ما ذكر، وقد جاء في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا القرآن عن أربعة: عن عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب» (2). والأربعة المذكورون منهم اثنان من المهاجرين وهما الأولان، واثنان من الأنصار وهما الأخيران. اهـ.
ولعل مراد المازري بهذا نفي الحصر الحقيقي وتوجيه الحصر الإضافي، ويؤكد ذلك حديث آخر رواه ابن أبي داود عن محمد بن كعب القرظي قال: (جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة من الأنصار: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبيّ بن كعب، وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري).
وهناك أجوبة كثيرة عن هذه الشبهة، وقد أجاب الإمام أبو بكر الباقلاني بأجوبة ثمانية، ولكن ابن حجر ضعفها، وغيره فندها.
ونكتفي في النهاية بكلمة للمازري حيث يقول: (وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه، فإنا لا نسلّم حمله على ظاهره، سلمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه، لكن لا يلزم من كون كل واحد من الجم الغفير لم يحفظه كله، أن لا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير.--------------------------------------------
(1) فتح الباري 9/ 66 شرح الحديث (5004).
(2) صحيح البخاري ح (3808).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه، بل إذا حفظ الكلّ الكلّ ولو على التوزيع كفى) (1).
قال القرطبي: قد قتل يوم اليمامة سبعون وقتل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في بئر معونة مثل هذا العدد، قال: وإنما خص أنس الأربعة بالذكر لشدة تعلقه بهم (2).
هذا عن جمع القرآن حفظا وتلاوة، أما الجمع بمعنى كتابة القرآن وتدوينه، فلم تكن عناية النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بحفظ القرآن واستظهاره لتمنعهم من توثيق القرآن بكتابته وتدوينه، فقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحابه كتبة للوحي، منهم زيد بن ثابت وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وثابت بن قيس وخالد بن الوليد، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر من حضر منهم بالكتابة لما ينزل عليه من القرآن، فيكتب الكاتب: إما على العسب أو اللخاف أو الرقاع أو قطع الأديم أو عظام الأكتاف والأضلاع (3). ثم يوضع المكتوب في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مجموعا في صحف قال تعالى: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً [البينة: 2].
أي يقرأ قراطيس مطهرة من الباطل، فيها مكتوبات مستقيمة قاطعة بالحق والعدل.
وقال أيضا: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ 11 فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ 12 فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ 13 مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ 14 بِأَيْدِي سَفَرَةٍ 15 كِرامٍ بَرَرَةٍ [عبس: 11 - 16].
أي أن هذه تذكرة مثبتة في صحف مكرمة عند الله، مرفوعة المقدار منزهة عن أيدي الشياطين، قد كتبت بأيدي كتبة أتقياء، وما كتب بالصحف كان مؤلفا.--------------------------------------------
(1) فتح الباري 9/ 66 شرح الحديث (5004).
(2) الجامع لأحكام القرآن 1/ 57.
(3) العسب: بضم العين والسين- جمع عسيب- وهو جريد النخل كانوا يكشفون الخوص ويكتبون في الطرف العريض. اللخاف: بكسر اللام جمع لخفة بفتح اللام وسكون الخاء: وهي الحجارة الرقيقة، قال الخطابي: صفائح الحجارة، والرقاع، جمع رقعة: وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد. والأديم: الجلد. والأكتاف: جمع كتف، وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم. (انظر القرطبي، 1/ 50).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
روي عن ابن عباس عن عثمان رضي الله عنهم أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزلت عليه سورة دعا بعض من يكتب، فقال: «ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا» (1).
وعن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع (2).
خلاصة ما تقدم أن القرآن الكريم قد حفظ في صدور الكثير من الصحابة. وقد كتب القرآن كله، فتحقق جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حفظا وكتابة في الصدور وفي السطور، سئل محمد بن الحنفية ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما ترك إلّا ما بين الدفتين، أي: القرآن).
يتضح مما تقدّم أن تواتر القرآن، وقطعيته في الحفظ والرواية دون الكتابة التي لم تتواتر كما هو معروف من أمر كتبة الوحي، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بعض من يكتب عنده، وربما كتب الواحد والاثنان أو دون العدد الذي يتحقق به التواتر.--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد 1/ 57، 69، وأبو داود (786)، والترمذي (3086)، والنسائي في «فضائل القرآن» (32)، وقال الحاكم في المستدرك 2/ 230: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(2) أخرجه أحمد 5/ 184 و 185، والترمذي (3954)، والحاكم في «المستدرك» 2/ 229 وقال:
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
المبحث الثاني جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
لم يشعر الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في حاجة إلى جمع القرآن في كتاب واحد، حتى كثر القتل في الحفّاظ في حروب الردة، فقد استشهد فيها خلق كثير من القرّاء والحفظة، قيل: إنه قتل سبعون وقيل: خمسمائة، وأيا كان فإن عدد القتلى قد هال المسلمين، فخشي عمر بن الخطاب من ذلك على ضياع بعض الصحف ففكر في عرض الأمر على أبي بكر ليقوم بجمع القرآن.
روى البخاري أن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: (أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وفإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال:
إن القتل قد استحرّ «اشتد» يوم اليمامة بقرّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقرّاء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شابّ عاقل لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبّع القرآن فاجمعه، فو الله لو كلفوني نقل جبل (1) من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني، حتى شرح الله--------------------------------------------
(1) وقد عينت بعض الروايات الجبل بأنه جبل أحد، فكان رضي الله عنه يرى نقل جبل أحد من مكان إلى مكان أهون عليه من نقل الكتابة من العسب واللخاف والأكتاف والأضلاع والرقاع المختلفة الأجناس والأشكال والألوان إلى كتابتها على شيء متجانس متماثل يسهل جمعه وربطه وحفظه في مكان مناسب، وقد تطلب هذا منه جهدا عظيما في مقارنة المحفوظ بالصدور مع المكتوب في السطور مع طلب الشهادة على كل رقعة أنها كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يحافظ على الرسم القرآني كما هو، جزى الله زيدا أحسن الجزاء وأجزل له الثواب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ 128 فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: 128 - 129].
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر (1).
كيفية جمع زيد للقرآن (في عهد أبي بكر):
يقول زيد نفسه فيما رواه البخاري: (فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال) وهذا يفيد أن طريقة الجمع تعتمد على أمرين:
1 - ما كان محفوظا في صدور الصحابة رضوان الله عليهم.
2 - ما كان مكتوبا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقبل المكتوب إلّا بشهادة عدلين.
روى ابن أبي داود- في كتاب المصاحف- من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: (قام عمر، فقال من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من القرآن فليأت به) (2)، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق (3)، فكان أبو بكر رضي الله عنه أول من جمع القرآن في المصحف).
وكان زيد- رضي الله عنه لا يقبل شيئا مكتوبا حتى يشهد عدلان على أن المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر ذلك صاحب الفتح حيث قال: (وعند ابن أبي داود من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد، فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه).--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري. كتاب فضائل القرآن. باب جمع القرآن ح (4986).
(2) رجاله ثقات مع انقطاعه والحديثان في فتح الباري 9/ 11.
(3) في المصباح يعني بالورق في الأزمان المتقدمة الجلود الرقاق التي يكتب عليها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
ونقل السيوطي عن السخاوي (1) أنه قال: (المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب من الوجوه التي نزل بها القرآن، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو شامة: (إنما كان قصدهم أن ينقلوا من عين المكتوب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم (2).
يتضح للمتأمل أن الجدير بالقبول هو أن المراد بالشهادة فيهما، الشهادة على الكتابة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم لا الشهادة على القرآنية، لأن القرآنية لم تكن موضع شك حتى تحتاج إلى شهادة، لكثرة الحفاظ في ذلك الوقت، بخلاف الكتابة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فإن كثيرا من الصحابة كانوا يكتبون القرآن لأنفسهم على حسب ما يتيسر لهم، ولو في غير مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، ويلاحظ أن ما قاله ابن حجر من أنه يجوز أن يكون قد أريد بالشاهدين الحفظ والكتابة، لا عدلان من الناس يشهدان، هو احتمال في غاية البعد، لأن اللفظ متبادر جدا في هذا المعنى دون ما قصه ابن حجر، والله أعلم.
وبعد فلا يفوتنا أن ندفع الشبهة التي تعلق بها المغرضون في الرواية التي أثبت بها زيد كتابة آية لم يثبتها إلّا شاهدان اثنان، وهذا كاف لإثبات عدم التواتر لهذه الآية المفقودة.
نقول: إن بعض هذه الروايات منقطع كما يقول علماء الحديث، ولو سلمنا أن هذه الروايات صحيحة، لما ثبتت الدعوى، بل على فرض أن زيدا قد أثبتها منفردا، لم يكن ذلك قادحا في تواتر القرآن، لأن التعويل في توثيق القرآن إنما هو على الرواية، والتلقي طبقة عن طبقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع تحقيق للتواتر في الرواية دون الكتابة، بل لو لم يكتب أصلا ما قدح في تواتره، حيث نقل سماعا ومشافهة على سبيل التواتر في كل طبقة من طبقات رواته (3).--------------------------------------------
(1) الإتقان 1/ 238، والبيان ص 179.
(2) المرشد الوجيز لأبي شامة، ص 57.
(3) البيان ص 182.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
وبعد: هذا معنى جمع القرآن في عهد أبي بكر الذي كان أول من جمع القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال عليّ رضي الله عنه: أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله، ذكر ذلك ابن كثير وقال: إن أبا بكر وضع الصحف التي جمع فيها القرآن بين لوحين (1)، ومن الواضح البين أنه لا يمكن أن يجمع القرآن كله مع ترتيب آياته وسوره إذا كانت الأشياء التي كتب عليها مختلفة حجما ونوعا، طولا وعرضا، كما أن عددها لا يحصى، لأن الآيات قد نزلت في مدى ثلاثة وعشرين عاما وفي كل مرة ينزل فيها الوحي يكتب النازل من القرآن على شيء من الأشياء المذكورة سابقا.
لذا فقد تمت الكتابة على شيء واحد صالح للبقاء، متماثل في طوله وعرضه، حتى يتأتى جمعه بين اللوحين وربطه بخيط كما في بعض الروايات، هذا الدور الذي قام به زيد بن ثابت، فكان له سبق التنفيذ، ولعمر بن الخطاب سبق الاقتراح، ولأبي بكر الصديق الأمر بذلك، رضي الله عنهم أجمعين.--------------------------------------------
(1) فضائل القرآن ص 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
المبحث الثالث الجمع في عهد عثمان رضي الله عنه
لئن كان جمع أبي بكر للقرآن خوفا من ضياع المكتوب بموت حفظة القرآن، فإن جمع عثمان بن عفان كان خوفا من اختلاف الأمصار في وجوه القراءات، حين قرأه كل مصر بقراءة تختلف عن قراءة مصر آخر، وأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا، وفي قصة حذيفة بن اليمان خير بيان لأسباب الجمع أو النسخ بتعبير أصح.
روى الإمام البخاري بسنده عن ابن شهاب، أن أنس بن مالك حدثه، أن حذيفة ابن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق (1).
1 - يتضح مما تقدم أن سبب الجمع والداعي إلى نسخ المصحف، هو منع التماري والاختلاف في القراءات، بسبب تفرق الصحابة في الأمصار، فقد كان كل فريق--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في باب نزل القرآن بلغة قريش ح (3506) وباب جمع القرآن ح (4987)، والترمذي (3104). وأذربيجان التي فتحت قبل أربعة عشر قرنا كانت سببا في جمع القرآن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
يقرأ بما روي له عن الصحابة في بلده، فيختلف الشامي مع العراقي، والمكي مع المدني، وأظهر بعضهم تكفير بعض، والبراءة منه، وتلاعنوا، فأشفق حذيفة مما رأى منهم، فلما قدم المدينة- فيما ذكر البخاري والترمذي- دخل حذيفة على عثمان قبل أن يدخل إلى بيته، فقال: «أدرك هذه الأمة قبل أن تهلك» (1) وفي هذا خير بيان للباعث على الجمع أو النسخ بتعبير أدق.
ما يستفاد من هذه الرواية:
2 - أن عثمان بن عفان قد جعل على رأس القائمين على الجمع زيد بن ثابت، وهو من كتبة الوحي للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قام بالجمع في عهد أبي بكر، وبخبرته وعدالته وعقله كما وصفه أبو بكر (إنك شابّ عاقل لا نتهمك) بكل هذا أصبح موضعا للثقة، فولاه عثمان الأمر، ولكنه أمر الكتبة إذا اختلفوا في كتابة كلمة أن يكتبوها بلغة قريش كما في كلمة (التابوت والتابوه) (2).
3 - أن هذه الرواية مطلقة لم تحدد عدد المصاحف، وهناك رواية حددتها بسبعة، وقيل: أربعة، قال القرطبي: وهو الأكثر (3)، ولكن هذا القول يعوزه الدليل وإن ذهب إليه الأكثر، والحديث الذي سقناه سابقا هو أصح ما في هذا الباب، وقد جاء فيه النص هكذا: (فأرسل إلى كل أفق بمصحف) ولا شك أنه أرسل هذه المصاحف لرفع الخلاف في كل أفق. والآفاق المعروفة آنذاك: المدينة التي استبقى فيها نسخة، ومكة والكوفة والبصرة والشام واليمن والبحرين، فهذه آفاق لا شك أنه نال كل أفق منها نسخة، لذا نميل إلى هذا الرأي الصحيح في سنده، والذي يتفق مع المنطق السليم، لأن القضاء على الاختلاف لا يتم إلا بإرسال مصحف إلى كل مصر من الأمصار.
ولا شك أن المصاحف التي أرسلها نسخة عن الأصل، فهي نقل لعين ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو.--------------------------------------------
(1) تفسير القرطبي 1/ 51.
(2) المرجع السابق 1/ 54.
(3) المرجع السابق 1/ 54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
4 - في هذه الرواية أخبار عن حرق عثمان للمصاحف، سواء أكانت صحفا أم مصاحف، وفي عمله جمع للمسلمين على المصحف الموحد الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك ما سواه، لما حوته من قراءات شاذة أو تفسيرات زائدة.
ولقد غالى بعض الشيعة في قضية حرق المصاحف، وزعمت ما زعمت، وكان الأحرى بهم أن يقفوا عن هذه المغالاة، وأن يستمعوا إلى قول الإمام علي كرم الله وجهه: فيما ذكره أبو بكر الأنباري عن سويد بن غفلة قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: (يا معشر الناس، اتقوا الله، وإيّاكم والغلو في عثمان، وقولكم: حرّاق المصاحف، فو الله ما حرقها إلّا على ملأ منا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن عمير بن سعيد قال: قال علي بن أبي طالب: (لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان) (1).
هذا كلام علي- رضي الله عنه الذي يتشيعون له ويفضلونه على جميع الصحابة، قد ارتضى فعل عثمان وحسنه، وحث الناس على الثناء عليه من أجله، فطعنهم فيه بأمر ارتضاه عليّ يعتبر طعنا منهم في عليّ نفسه.
لم يكتف بعض الشيعة بالطعن في عثمان، بل زعموا أن عثمان رضي الله عنه قد أسقط شيئا من القرآن، وحرّف بعض آياته، والمنصف منهم يرفض هذا الزعم كما ورد في كتاب أبي جعفر «الأم»: (إن اعتقادنا في جملة القرآن الذي أوحى به الله تعالى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم هو كل ما تحتويه دفتا المصحف المتداول بين الناس، وعدد السور المتعارف عليه هو (114) سورة، أما عندنا فسورتا الضحى والشرح تكونان سورة واحدة، وكذلك سورتا الفيل وقريش، وأيضا سورتا الأنفال والتوبة. أما ما ينسب إلينا الاعتقاد في أن القرآن أكثر من هذا فهو كذب).
ولقد شهد المستشرقون على قطعية القرآن وثبوته دون تغيير ولا تبديل.
يقول جوير: (إن المصحف الذي جمعه- نسخه- عثمان قد تواتر إلينا دون تحريف. ولقد حفظ بعناية شديدة، بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في--------------------------------------------
(1) القرطبي 1/ 54.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
النسخ التي لا حصر لها، والمتداولة في البلاد الإسلامية، فلم يوجد إلّا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يعد أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا).
ويقول لوبلوا: (إن القرآن هو اليوم الكتاب الرباني الوحيد الذي ليس فيه أي تغيير يذكر) (1).
أقول: والفضل ما شهدت به الأعداء.--------------------------------------------
(1) مدخل إلى القرآن الكريم، للدكتور دراز ص 29، القرآن ونصوصه ص 87 - 88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
المبحث الرابع ترتيب الآيات والسور القرآنية
أولا: ترتيب الآيات:
معنى الآية لغة:
1 - العلامة: ومنه قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: 248].
2 - العبرة ومنه قوله تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا .. [آل عمران: 13].
3 - المعجزة: ومنه قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [البقرة: 211].
4 - الدليل والبرهان: ومنه قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ [الروم: 22].
والمناسبة بين كلّ هذه المعاني اللغوية للآية وبين الآية القرآنية واضحة، فهي من القرآن المعجز، وهي علامة على صدق من جاء بها، وفيها عبرة لمن أراد أن يعتبر بها، وهي من الأمور العجيبة لسمو أسلوبها ومعناها، وفيها معنى الدليل لأنها برهان على ما تضمنته من هداية وعلم (1).
أما تعريف الآية القرآنية اصطلاحا: (فهي طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها).
هذا التعريف كما أورده السيوطي ينطبق على الآية كما ينطبق على تعريف السورة، لذا لا بد من إضافة قيد لينحصر التعريف بالآية، فيقال: (هي طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها معروفة بالسماع، مندرجة في السورة).--------------------------------------------
(1) البيان ص 219.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)
وليس معنى انقطاع الآية عما قبلها وما بعدها، ألا يكون لها تعلق في المعنى بسابقتها أو لاحقتها، إنما المراد أن ما يعدّ آية هو الذي لا يكون جزءا من آية قبله أو آية بعده.
حكم ترتيب الآيات:
الإجماع معقود على أنه ترتيب الآيات توقيفي نقله السيوطي وقال: ولا شبهة في ذلك، وقال الزركشي: «من غير خلاف بين المسلمين».
قال كاتب الوحي زيد بن ثابت: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن في الرقاع (1) ..
قال البيهقي: والمراد تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال عثمان بن عفان- رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من يكتب، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) (2).
ويكفي ثبوت الترتيب قراءته صلى الله عليه وسلم لسور كثيرة بمشهد من الصحابة رضوان الله عليهم ثم نقله للتابعين على مثل ذلك، حتى وصل إلى جيلنا كذلك من غير خلاف على مر العصور.
وربما يتوهم متوهم أن الخلاف في عدد الآيات، يعني الخلاف في ترتيبها، فقد روي أن عدد الآيات ستة آلاف آية فقط ومنهم من زادها مائتي آية وأربع آيات، وقيل: وأربع عشرة، وقيل: وتسع عشرة، فهذا الخلاف في العدد لا يعني أبدا الخلاف في الترتيب، ذلك أن سبب اختلاف السلف في عدد الآي ناجم عن وقوف النبي صلى الله عليه وسلم على رءوس الآي، فإذا علم محلها وصل للتمام فيحسب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة (3).--------------------------------------------
(1) سلف تخريجه في المبحث الأول من هذا الفصل ص 156.
(2) سنن الترمذي 5/ 272، ح 3086 مختصرا، وقد سلف تخريجه في المبحث الأول من هذا الفصل ص 156.
(3) الإتقان 1/ 67.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 166)
كما أن بعض السلف يعدّ البسملة آية من كل سورة، وبعضهم لا يعدها، فيكون الفارق في عدد الآيات بمقدار عدد السور إلا واحدة وهي سورة براءة.
ثانيا- السور القرآنية:
معناها: لفظ السورة مفرد يجمع على سور، كغرفة وغرف، وتطلق لغة على المنزلة من البناء، أي: الصف من صفوفه التي يوضع بعضها فوق بعض، كما تطلق ويراد بها المنزلة الرفيعة، وسمّيت السورة من القرآن بهذا الاسم تشبيها لها بسورة البناء، فإنها قطعة من كتاب الله محكمة مترابطة، يكمل بعضها بعضا في الغرض الذي أنزل من أجله، كما أن المنزلة من البناء قطعة متماسكة يكمل بعضها بعضا، ويتحقق باجتماعها الغرض الذي من أجله أقيم البناء، أو سمّيت بذلك لارتفاعها، لكونها من كلام الله، وعلى كلا التقديرين فالمناسبة حاصلة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي.
أما معناها الاصطلاحي فما سبق ذكره (بأنها طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها معروفة بالسماع).
وسور القرآن تختلف طولا وقصرا، فسورة الكوثر هي أقصر سور القرآن إذ يبلغ عدد آياتها ثلاث آيات، وسورة البقرة أطول سور القرآن، وقد تجاوزت الجزءين، وقد قسم القرآن حسب طول السور وقصرها إلى أربعة أقسام:
1 - السور الطوال: وهي سبع: سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، أما السورة السابعة فقيل: إنها سورة الأنفال والتوبة معا، إذ لم يكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم وقيل: سورة يونس.
2 - المئون: وهي كل سورة تزيد آياتها على مائة.
3 - المثاني: وهي التي تلي المئين أي ما كان عدد آياتها أقل من مائة وسميت بالمثاني لأنها تثنى (أي: تكرر) أكثر مما تثنى الطوال والمئون.
4 المفصل: وهي أواخر القرآن ابتداء من سورة (ق) أو الحجرات وانتهاء بسورة الناس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 167)
حكم ترتيب السور القرآنية
في ترتيب السور ثلاثة آراء:
1 - ترتيب جميع السور توقيفي،
ويستدل أصحاب هذا الرأي بقصة معارضة جبريل القرآن على النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني أن جبريل كان يقرأ القرآن مرتبا بسوره وآياته.
وأقوى أدلة هذا الفريق هو إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على المصحف العثماني وحرقهم لجميع المصاحف المختلفة الترتيب في السور.
2 - ترتيب جميع السور اجتهادي.
ويستدلون على ذلك باختلاف مصاحف الصحابة في ترتيب السور، ولو كان الترتيب توقيفيا لما اختلفوا. وكذلك ما روي عن عثمان- رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض ولم يبين للصحابة أمر سورتي الأنفال وبراءة، وكانت الأنفال من أول ما نزل من القرآن وكانت براءة من آخر ما نزل، ولما ترك النبي صلى الله عليه وسلم البيان قال عثمان: كانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتها في السبع الطوال، فهذه القصة تدل على أن ترتيب السور كان أمرا اجتهاديا.
3 - ترتيب بعض السور توقيفي وبعضها الآخر اجتهادي.
وقد وصف الزرقاني هذا القول بأنه أمثل الآراء وإليه ذهب فطاحل العلماء (1).
وأصحاب هذا الرأي وإن اتفقوا على هذا التقسيم إلّا أنهم اختلفوا في مقدار التوقيفي والاجتهادي.
وعلى أية حال فإن الذي لا مجال للشك فيه أن كتابة القرآن بترتيبه المعروف في السور والآيات قد أجمعت عليه الأمة، منذ الجمع الأول والثاني وحتى عصرنا الحاضر.
لذا نميل إلى الرأي الأول، لأن إجماع الصحابة وإقرارهم كاف للدلالة على توقيف ترتيب السور، ولا نعلم عنهم خلافا، فكفى بذلك دليلا وبرهانا، والله أعلم.--------------------------------------------
(1) مناهل العرفان 1/ 349.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 168)
المبحث الخامس رسم المصحف
نقصد برسم المصحف، أو كما يسميه بعض العلماء الرسم العثماني وهما واحد، لأن عثمان- رضي الله عنه قد كتب المصاحف كما كتبت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقرّ كتّاب الوحي على كتابتها بصورتها المعروفة. وقد اختلف العلماء في الرسم فذهب فريق منهم أن الرسم توقيفي. قال ابن المبارك في كتابه الإبريز:
قال الدباغ: (ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن العزيز ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الأحرف ونقصانها لأسرار لا تهتدي إليها العقول، وما كانت العرب في جاهليتها، ولا أهل الإيمان من سائر الأمم في أديانهم يعرفون ذلك، ولا يهتدون بعقولهم إلى شيء منه، وهو سر من أسراره، خصّ الله كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية، فلا يوجد شبه ذلك الرسم لا في التوراة ولا في الإنجيل، ولا في غيرهما من الكتب السماوية.
وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضا معجز، وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في مائة دون فئة، وإلى سر زيادة الياء في بأييد من قوله تعالى: والسّماء بنيناها بأييد .. [الذاريات: 47].
أم كيف يتوصل إلى سرّ زيادة الألف في «سعوا» في قوله تعالى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [الحج: 51].
وعدم زيادتها في سعو من قوله تعالى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [سبأ: 5].
وإلى سر زيادتها في قوله تعالى: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ..
[الأعراف: 77].
وحذفها من قوله تعالى: وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [الفرقان: 21].
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 169)
وإلى سر زيادتها في قوله تعالى: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [البقرة: 237].
وإسقاطها من قوله تعالى: فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ [النساء: 99].
أم كيف تبلغ العقول إلى وجه حذف الألف في بعض الكلمات المتشابهة دون بعض، كحذفه من قرءنا في يوسف والزخرف، وإثباته في سائر المواضع قُرْآناً، وكذا إثبات الألف بعد الواو في سَماواتٍ في سورة فصّلت، وحذفها في غيرها سموت، وكذا في إطلاق بعض التاءات وربطها نحو «رحمة» و «نعمة» و «قرة» و «شجرة» فإنها في بعض المواضع كتبت بالتاء المفتوحة وفي مواضع أخرى كتبت بالهاء … وكل ذلك لأسرار إلهية وأغراض نبوية) (1).
وذهب الفريق الثاني: منهم ابن خلدون والباقلاني إلى أن الرسم اصطلاحي واجتهادي لا توقيفي.
قال الباقلاني: (وأما الكتابة فلم يفرض النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة فيها شيئا، إذ لم يأخذ على كتاب القرآن وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلّا بالسمع والتوقيف، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه، أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلّا على وجه مخصوص، وحدّ محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدلّ عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية، بل السنة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر برسمه ولم يبين لهم وجها معينا، ولا نهى أحدا عن كتابته.
ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال، ولأجل هذا بعينه جاز أن يكتب بالحروف الكوفية والخط الأول، وأن يجعل اللام على صورة الكاف، وأن تعوج الألفات، وأن يكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يكتب بالخطوط والهجاء المحدثة، وجاز أن يكتب بين ذلك، وإذا كانت خطوط المصحف وكثير من حروفها--------------------------------------------
(1) الإبريز ص 57.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
مختلفة ومتغايرة الصورة، وكان الناس قد أجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل وأشهر وأولى، من غير تأثيم ولا تناكر، علم أنه لم يؤخذ في ذلك على الناس حد محدود مخصوص، كما أخذ عليهم في القراءة، والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز. فكل رسم دال على الكلمة مقيد بوجه قراءته، تجب صحته وتصويب الكاتب به على أية صورة كانت. وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه وأنّى له ذلك) (1).
هذه أقوال الفريقين ويظهر أن القول بتوقيف الرسم هو الأولى بالقبول.
قال البيهقي: من يكتب مصحفا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه، ولا يغيّر مما كتبوه شيئا، فإنهم كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا، وأعظم أمانة منّا، فلا ينبغي أن نظنّ بأنفسنا استدراكا عليهم (2).
نص الإمام مالك على أنه لا توضع المصاحف إلّا على وضع كتابة الإمام يعنى عثمان بن عفان.
وقال الإمام أحمد: (تحرم مخالفة خط مصحف عثمان واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك) (3).
بقي القول في حكم كتابة بعض آيات القرآن استشهادا أو كتابتها على اللوح للتعليم أو غير ذلك مما يكتب في غير المصاحف.
أقول: هذا جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر كتّابه أن يكتبوا للملوك والرؤساء كانت كتابتهم على رسم الكتابة الاعتيادية، وعلى غير الرسم الذي كانوا يكتبون به المصاحف التي يكتبون فيها القرآن حين نزوله، مع أن المملي واحد والكتّاب هم هم، فالرسم القرآني يجب التزامه في كتابة المصحف وحده دون غيره، ولا يقاس عليه لأنه أمر توقيفي لغير علة فلا يدخله القياس.--------------------------------------------
(1) الإبريز ص 59.
(2) الإتقان 2/ 167.
(3) المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)